موسيفيني يصدر توجيهًا لجهاز المخابرات بشأن السيارات السودانية    بالصورة.. لأول مرة منذ 23 عام.. الأمل يودع الدوري السوداني الممتاز والحزن يخيم على عشاق كرة القدم بعطبرة    الهلال السوداني يخوض مواجهة مصيرية في أبطال إفريقيا    أئمة يدعون إلى النار    في مباراة مثيرة شهدت ضربتي جزاء وحالة طرد الأهلي يخسر أمام مويس بثنائية نظيفة في دوري شندي    إتحاد جبل أولياء يكون اللجان العدلية    شاهد بالفيديو.. السياسي الراحل غازي سليمان: (لم أعد افرح لأن شعب السودان لم يفرح بعد وعلي الطلاق إبنتي "أم النصر" أرجل من 100 راجل)    النفط يستقر وسط خسائر أسبوعية والذهب والفضة ينتعشان    "ميتا "تسجّل براءة اختراع لمحاكاة المستخدمين بعد وفاتهم    شاهد بالصورة.. ظهرت بشعار أتلتيكو مدريد وهي تلوح بالرقم 4!! هل قصدت المذيعة السودانية سهام عمر السخرية من برشلونة بعد الهزيمة المذلة؟    الأمل عطبرة يودع الممتاز رسميا رغم التعادل أمام المريخ    شاهد.. حسناء الفن السوداني "مونيكا" تشعل مواقع التواصل بجلسة تصوير جديدة    شاهد.. الفنان مأمون سوار الدهب بعد زواجه: (زارتني الملائكة)    تطوير بطارية تُشحن خلال ثوانٍ وتصمد 12 ألف دورة    اكتشاف مركبات "زائفة" تشعل نوبات الربو    دراسة: القراءة والكتابة تخفِّضان خطر الزهايمر 40%    شاهد بالفيديو.. فنان سوداني يصل الخرطوم ويوثق لجمال وروعة صالة الوصول بالمطار ويدعو أبناء الوطن للعودة (البلد بتعمر بأهلها)    طلاب شرق دارفور يسيرون قافلة وطنية إلى جنوب كردفان برعاية والي شرق دارفور    ترتيبات لإعادة تشغيل مصنع ألبان بركات وإنشاء مزرعة لتربية الماشية    من أرشيف كتابات الصحفية سهير عبدالرحيم : (هذا الصحفي كان يصلي خلف البشير من غير وضوء)    صحة الخرطوم وأطباء بلا حدود تناقشان رؤية التشغيل الكلي للقطاع الصحي بالولاية    تشغيل مصنع الاوكسجين بمستشفى الدبة المركزي    الشرطة المجتمعية بولاية سنار تدشّن قافلة دعم تكايا رمضان بولاية الخرطوم    النتيجة تؤهل النيل لدوري النخبة مينارتى يواصل إنتصاراته.. يفوز على الوحدة بثلاثية ويعزز صدارته للمجموعة الأولى    سهير عبد الرحيم تكتب: مشاهداتي في جلسة مجلس السلم والأمن الأفريقي    إبراهيم شقلاوي يكتب: مسرح ما بعد الحرب لدى يوسف عيدابي    وزارة المالية توقع إتفاق مع بنك التضامن الإسلامي لتقديم خدمة إيصالي    شاهد بالفيديو.. على أنغام أغاني "الزنق".. لاعبو حي الوادي يحتفلون مع راعي الفريق ونائب رئيس إتحاد الكرة أسامة عطا المنان بمناسبة زواجه    شاهد بالفيديو.. فتاة سودانية تبهر راغب علامة وأنغام بعد ترديدها أغنية هدى عربي في برنامج مسابقات والسلطانة تدعمها وتحتفي بها    ارتفاع في اسعار محصول الذرة واستقرار سعر السمسم بالقضارف أمس    إلغاء رحلة قطار إلى الخرطوم..إليكم تفاصيل    انطلاق دورة متخصصة لتطوير الأداء الرقمي برعاية وزير الشباب والرياضة    الإدارة العامة لشرطة تأمين التعدين تنفذ حملة منعية وكشفية لمكافحة التعدين العشوائي بولاية البحرالاحمر    الإدارة العامة لشرطة تأمين التعدين تنفذ حملة منعية وكشفية لمكافحة التعدين العشوائي بولاية البحرالاحمر    هيئة مياه الخرطوم: تحصيل فاتورة المياه لا يشمل القطاع السكني حتى الآن    ارتفاع طفيف لأرباح زين السعودية إلى 604 ملايين في 2025    مسلسلات رمضان.. هل تقع أيتن عامر فى حب ياسر جلال فى مسلسل كلهم بيحبوا مودى    الدولار يواصل التراجع أمام الجنيه فى منتصف تعاملات اليوم    مسؤول سوداني يغادر إلى تركيا    السودان.. وزير الشباب والرياضة يصدر قرارًا    أفراد من الشرطة يلقون القبض على السائق الخاص بالقائد الميداني لمليشيا الدعم السريع "جلحة" داخل "ركشة" بحي بري    هلال كوستي يدشن برامجه الثقافية بليلة ثقافية كبرى وتكريم رموز النادي والمجتمع    شاهد بالفيديو.. سرقة محل مجوهرات بشارع الوادي بأم درمان وقيمة المسروقات تقدر ب(ترليون) جنيه    محاولة أوكرانية جديدة لإفشال مفاوضات السلام بعيداً عن ارض المعركة    رفض الزوج شراء سجائر لها فقتلته.. جريمة زوجة مصرية تثير الجدل    حريق كبير في سوق شرق تشاد    رسالة أخيرة في بريد الرئيس البرهان قبل تمرد الحركات المسلحة الدارفورية    ترامب يحذر إيران: الوقت ينفد والهجوم القادم سيكون أشد    مباحث الخرطوم تعلن توجيه ضربة موجعة لمافيا السيارات..إليكم التفاصيل    تلفزيون السودان يستأنف البث المباشر من مقرّه الرئيسي    وزير الصحة: التبغ عدو الحاضر والمستقبل و فاتورته الصحية تفوق عائداته الضريبية    هل قتل السحر الأسود الإسرائيلي عبد الناصر؟.. كتاب جديد يكشف خفايا خطيرة في مصر    سباق اختراق الضاحية باكورة بطولات الاتحاد العربي لألعاب القوى    شركة اتصالات في السودان تعلن عن توقف خدمات    "مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ"!    أحمد الشاكر: انا أعجز عن شكر جميع الإخوة الأشقاء في المملكة العربية السعودية    السودان..حصيلة صادمة بمرض شهير في ولايتين    إسحق أحمد فضل الله يكتب: (حديث نفس...)    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



ما أشبه الليلة بالبارحة ..من دروس المسرح وعظات وعبر التاريخ


بقلم : بدرالدين حسن علي
قبل يومين أعدت قراءة مسرحية كنت قد قرأتها قبل نحوأربعين عاما ، وهي مسرحية " الذباب " للمفكر والكاتب المسرحي جان بول سارتر " 1905-1980 " وهي مسرحيته الأولى التي كتبها عام 1943 وكان في الثلاثين من عمره ، إلى جانب مسرحيات أخرى مثل " كين " و " الأيدي القذرة " و " أسرى التونا " و " في مكان مغلق " وغيرها ، وقد حظيت بقراءتهم جميعا بفضل توفر الترجمة العربية للأعمال المسرحية الأجنبية خاصة سلسلة روائع المسرح العالمي التي بدأ صدورها في مصر في الستينات من القرن الماضي على ما أظن .
وقد يسأل سائل : لماذا أعدت قراءة هذه المسرحية تحديدا ؟ وأقول لأنني رغبت في يوم ما إخراجها للمسرح القومي بأم درمان ، وتشاورت مع بعض أصدقائي في أواخر الستينات ووجدت منهم ترحيبا كبيرا ، والأمر الثاني لأن ابن خالي كان قد شاهد عرضا مسرحيا لها في مسرح " لاسيتي " في فرنسا عام 1943 من إخراج الفنان المسرحي الفرنسي شارل دولان وحازت على إعجابه فحكى لي عنها ، أما الأمر الثالث فلأنني مغرم بمسرح المقاومة ، أو بمعنى آخر الفن الملتزم جانب الإنسانية بشكل عام ، ومسالة مسؤولية الكاتب المبدع في الأحداث الكبرى ، وهو ما دفعني في السبعينات نحو الإتجاه لمسرح المنظر والمفكر والكاتب المسرحي برتولد بريخت أو بريشت كما يفضل البعض ، لدرجة أن بعض اصدقئي المسرحيين ينادونني " بدر بريشت " والذي أخرجت له في إمتحان التخرج فصل من مسرحيته الشهيرة " السيد بونتيلا وتابعه ماتي " بعد قراءتي لكتابه المهم المسرح الصغير أو " البرلين إنسامبل " وكانت من بطولة الفنان المسرحي الطيب المهدي ونعمات عبد الرحيم صبحي وقدمت على مسرح الفنون الشعبية بام درمان ، ويومها إكتظت صالة المسرح بالجمهور وحصلت بسببها على المرتبة الأولى في الإخراج ، أما الأمر الأخير فلأن مسرحية " الذباب " تتطابق تماما مع ظرفنا الراهن سودانيا وعربيا وعالميا على الرغم من أن أحداثها تدور في اليونان القديمة المعروفة بأساطيرها وقصصها الخيالية التي ألهمت كتابا وشعراء كبار أمثال إسخيلوس وسوفوكليس ويوربيدس ، وقد كنت أيضا معجبا بمسرحيات الشاعر والكاتب المسرحي الإغريقي سوفوكليس وما زلت حتى اليوم أحفظ عن ظهر قلب مسرحيته " أوديب ملكا " .
قال لي ابن خالي أن مسرحية " الذباب " لسارتر كان يعني بها الإحتلال والقمع الألماني الذي إشتد في تلك السنوات في فرنسا ، وتصاعد المقاومة الفرنسية للوجود الألماني ، وقال لي على ما أذكر أن ذلك الوجود لم يكن عسكريا أو سياسيا فقط ، بل طال حتى الحياة الفكرية والفنية ، بل قال لي أيضا أن الجمهور المسرحي كان يخرج عقب إنتهاء العرض المسرحي في مظاهرة حاشدة ضد الإحتلال الألماني لبلدهم تماما مثلما كان يحدث من طلاب جامعة الخرطوم عقب مشاهدتهم لمسرحية " نبته حبيبتي " لهاشم صديق ، مما دعاني كي أسأل ابن خالي كيف غضت الرقابة الألمانية الطرف عن تلك المسرحية وكيف سمحت بعرضها أصلا ؟ وكان تساؤلي مبنيا أساسا على تلك السنوات الأولى من العروض المسرحية التي إنتظمت بالمسرح القومي بأم درمان على يد الفنان الراحل المقيم الفكي عبد الرحمن بدءا من عام 1967 ، وأذكر جيدا أن الإنقلاب العسكري الذي قاده جعفر نميري وأتى بحكومة مايو 1969 إستهدف ضمن ما إستهدف فن المسرح ، فمنعت وأوقفت مسرحيات مثل " المشي على الرموش " لأبراهيم شداد ، وحصار الخرطوم لفضيلي جماع ، و" حكاية تحت الشمس السخنة " لصلاح حسن احمد وناس بلد فاطمة وفويسك وأحلام جبرة وغيرها ، وعندما تم تعييني سكرتيرا للجنة النصوص بالمسرح القومي قمت بإجازة النصوص المسرحية التي كانت مرفوضة بقرار من جهاز أمن جعفر نميري وساعدني في ذلك أساتذة أمثال د. علي عبدالله عباس و د. خالد المبارك وغيرهم ، وهذا النشاط تحديدا كان السبب الرئيسي لفصلي من الخدمة في مايو 1975 بخطاب مطول ممهور بتوقيع وزير الدولة بالإعلام آنذاك بونا ملوال ، وهو ما دفعني للهجرة ، وعندما عدت للوطن عام 1980 رفض د. خالد المبارك إعادتي للعمل مدرسا بمعهد الموسيقى والمسرح وكان وقتها عميدا للمعهد على الرغم من أن الفكي عبد الرحمن طلب مني أن يقوم هو بالمهمة إنابة عني لما له من فضل على د. خالد المبارك وفي مقدمة ذلك تعيينه لخالد بالمسرح القومي مباشرة بعد تخرجه في جامعة الخرطوم .
تعود أحداث مسرحية " الذباب " إلى مدينة آرغوس بعدما إستتبت السلطة في المدينة لإيغست بعد أن قتل أجاممنون والد اوريست وإلكترا وتزوج من كليمنسترا زوجة الملك المغدور ، وفي بحثه عن مسرح سارتر يقول الناقد المسرحي إبراهيم العريس أن إيغست أقام منذ مقتل الملك السابق نظاما يقوم على العنف والقمع ، وها هو اليوم أوريست يعود الى المدينة بعد كل تلك السنين... متطلعاً الى الانتقام. لكنه لا يعود وحده، بل ها نحن نكتشف ان جوبيتر، وقد تنكر بزي رجل عجوز ذي لحية، يتبع خطواته خطوة خطوة. وحين يصل أوريست الى المدينة متبوعاً بجوبيتر الذي يعتقده مسافراً في ركب الطريق... لا يجد في انتظاره في المدينة غير رفوف من الذباب الذي يطن في الجو وينقض على أي شخص يمر. واذ يبدي اوريست انزعاجه من هذا الذباب، يقول له جوبيتر انه ذباب ذو قيمة رمزية: انه انما يمثل الندم الذي يتآكل أهل آرغوس على مقتل ملكهم آجاممنون الذي لم ينسوه أبداً... وها هم لا يزالون بعد كل تلك السنين يذكرونه .
بعد فترة من وصول أوريست الى المدينة تلتقيه أخته الكترا، ولكن من دون أن تتعرف عليه ، ومع هذا تشعر ان في امكانها مفاتحته بمكنونات قلبها ولا تتردد في التعبير أمامه عن كراهيتها لإيغست وعن يقينها بأنه هو قاتل أبيها. وهو أمر لا يبدو أنه غائب عن بال أوريست. وهو يقول هذا لإلكترا من دون مواربة... لكن هي لا تكتفي بهذا، بل تقف في الساحة العامة، خلال احتفالات صاخبة تسمى «احتفالات التكفير» وغايتها احياء ذكرى اجا ممنون، تقف خطيبة في الجموع التي يفرض عليها الاحتفال ابداء فعل الندامة الجماعية، وتدعو الشعب الى الثورة، ليس فقط من أجل اجاممنون واحتجاجاً على اغتياله بل أيضاً تطلعاً الى الحرية التي غابت منذ استتب النظام والأمر للطغيان. وهذا الاحتفال الذي يشهد كل ذلك الصخب، هو بالطبع العمود الفقري في بناء المسرحية، خصوصاً ان التقاليد تقول ان الموتى يبعثون خلال الاحتفال، وخصوصاً أيضاً أن الذباب يواصل طنينه في الجو، فيما الجموع تشهق باكية نادمة تبحث عن سبيل للخلاص.
لقد كرست إلكترا حياتها من أجل التخلص من ايغست وعلى اوريست مساعدتها. هذا السبيل، هو ما تتحدث عنه الكترا في خطبتها التي تعتبر في الأصل من أعنف الخطب السياسية في المسرح اليوناني القديم، لكن جان بول سارتر حولها الى خطاب شديد المعاصرة الآن، خطاب يحمل دلالات سياسية راهنة تصب مباشرة في صلب المقاومة المطلوبة ضد الاحتلال الألماني لفرنسا في تلك الفترة ، وضد سلطة الماريشال بيتان الذي صار رمزاً لذلك الاحتلال ورمزاً للخيانة. غير ان أحداث المسرحية لا تقف عند هذا الحد... اذ ما ان تنهي الكترا خطابها حتى يتدخل جوبيتر في الأمر بدوره مؤلباً الجماهير، ما يدفع ايغست هنا الى الاحساس بالخطر فيطرد الكترا التي تلجأ الى معبد كان اوريست مختبئاً فيه. وهنا، هذه المرة، يكشف أوريست أمام أخته حقيقة شخصيته... واذ يتعانقان، يفاتحها اوريست بأنه راغب ازاء كل ما يحدث في أن يأخذها بعيداً من آرغوس لكنها ترفض ، وتفلح الكترا في تحويل موقف شقيقهامن التردد الى القرار. ويعلن انه لا بد من قتل ايغست ، وعلى الأقل حتى يتوقف الذباب عن الطنين. ولكن الذي يحدث هو ان الكترا، ما إن يتولى أخوها قتل ايغست وزوجته كليمنسترا (أمه) حتى تحسّ بالرعب ازاء هذا القدر من الاجرام... وتلجأ الى جوبيتر كي ينقذها من فظاعة ما يحدث... فيكون جوبيتر خير مخلّص لها، فيما تلاحق جماعة الآرينيين (وهم آلهة أشرار يتولون عادة قمع المجرمين) أوريست بغية معاقبته على ما اقترف.

في اليوم التالي أعدت أيضا قراءة مسرحية البير كامو المعنونة"كاليجولا " وهي من المسرحيات الرائعة في تاريخ المسرح العالمي ، وكنت قد قمت بإخراجها وتمثيل الدور الرئيسي "كاليجولا " فيها خلال إحدى العطلات الصيفية لمعهد الموسيقى والمسرح ، وأذكر جيدا عندما صرخت قائلا " أريد أن احصل على القمر !!!! .
يعد "البير كامو" من أشهر المفكرين الفرنسيين الذين ظهروا على مسرح الفلسفة والأدب. ولد " كامو " في السابع من شهر نوفمبر عام 1913 في الجزائر ، وتوفى في الرابع من شهر يناير عام 1960 في فرنسا. كان البير كامو كاتباً وفيلسوفاً فرنسياً من الطراز الرفيع. ينتمي لأسرة عمالية ، درس الفلسفة في جامعة الجزائر، وكانت نشاطاته متعددة المجالات، منها المسرح وفن الكتابة الروائية والعمل في الصحافة اليسارية بالإضافة إلى ممارسته لنشاطات اجتماعية وسياسية مختلفة. وتقول سيمون دي بوفوار حول نصوص "كامو" المسرحية "إن نصوص كامو المسرحية، تبرز فيها شخصية كامو الحقيقية وقيمته الأخلاقية وأفكاره". أما "كروشاك"، فيقول عنه: إن إحدى المشكلات التي واجهته باعتباره كاتباً مسرحياً، هي تصوير شخصيات متفردة ومقنعة في الوقت الذي تعالج فيه مشكلات فلسفية. إنها أسئلة الوجود والعدم، وقيم الحرية والإرادةالتي كانت تتردد على الدوام في مسرحيات عدد كبير من الكتاب الذين سبقوا كامو وعاصروه مثل آنوي وسارتر وسيمون دي بوفوار، لكن نصوصه أبرزت محاولات لإعادة العمل على هذه الأسئلة وفق المفهوم الإغريقي للمسرح. فالمواقف المحرجة التي تجابه الشخصيات والقدر الذي يقتحم حياتهم بشكل مفاجئ، هي من سمات التراجيديا الإغريقية التي حاول محاكاتها. توصلنا جميع مؤلفات "البير كامو" إلى حكايات ذات مغزى وإلى أساطير تراجيدية للأخلاق، سادت في الكون عندما كان الإنسان فيها شديد النرجسية ويعتبر نفسه ممثلاً للحقيقة، شاقاً طريقه على هذا الأساس .
كتب كامو مسرحية "كاليجولا" عام 1938 وهو في سن الخامسة والعشرين، وإلى يومنا هذا يعدها النقاد أفضل مسرحياته. بالإضافة إلى كونها أكثر إثارة للجدل والشهرة، نجد فيها عصياناً شيطانياً ضد القدر، قدمه لنا مؤلفها وهو في الطريق للبحث عن معالجة لمشكلة الحرية. لذا أقدم كامو على اختيار حاكم مطلق كبطل لمسرحيته هذه-هو الذي يشرع القوانين، وهو الذي يخرقها ويبدل فيها كما تهوى نفسه، وغالباً ما يزدريها، متباهياً بأنه لم يتوقف قط عن تعليم قومه دروساً في الحرية.
حسنا ما هي مناسبة الحديث عن هاتين المسرحيتين ؟
كما قلت سابقا أنني مغرم بفن المسرح الملتزم والذي يعكس الأحداث الكبرى ، مغرم بالمسرح الذي لا يشيخ والذي تجد فيه دائما صورة عن الواقع الراهن ، والمسرحيتان تصلحان لوصف الراهن ، ولذا من المهم ربطهما بشخصين مهمين في التاريخ وهما الطاغية نيرون والجنرال فرانكو .
لتقريب الصورة أكثر كنت قد قرأت مقالا للكاتب عباس الشريف في صحيفة سودانيات الإلكترونية ، يقارن فيه بين نيرون وعمر البشير ، يقول الشريف عن نيرون :
" الإمبراطور نيرون واحد من الحكام الطغاة المجانين، الذين صاروا مضرب الأمثال فى الإشارة للطغاة والمستبدين من حكام العالم، والذين أذاقوا شعوبهم ألوانا من الاضطهاد والتنكيل والإذلال، بل الإبادة الجماعية ن وتعاملوا مع شعوبهم باعتبارهم أعداءً لإمبراطورياتهم أو عبئا فائضا على ملكهم. ونيرون إمبراطور رومانى فطر على الوحشية والجنون، هو مولود فى 37م وورث الوحشية عن أمه وتوفى والده وكان لايزال طفلاً صغيراً، وتزوجت أمه من الإمبراطور كلوديوس الذى تبنى نيرون ومنحه اسمه وزوّجه ابنته أوكتافيا. وقد تبوأ نيرون عرش روما ، بعدما دست أمه السم لزوجها الجديد كلوديوس لكى يعتلى ابنها العرش، وشهدت سنوات حكمه الأولى استقرارا، بفضل توجيهات معلمه «سينيكا» الذى ظل يرشده للصواب، لكن ما لبث نيرون أن قام باتباع أساليب العنف والظلم التى أذاقها لأبناء شعبه، فقتل وعذب وقهر، بل امتد بطشه لأقرب الناس إليه، فقتل أمه وأخاه ومعلمه «سينيكا»، بسبب مجموعة المنافقين والمنتفعين المحيطين به، والذين أوغروا صدره على معلمه العظيم، فعقد نيرون العزم على قتله، وعلم «سينيكا» بهذا وقتل نفسه، كما قتل زوجته أوكتافيا لسبب يدل على تطيره وجنونه، حيث كان يؤدى دوراً فى مسرحية، وكان يمسك بيده صولجاناً فسقط من يده، وقامت زوجته بمدح أدائه فى المسرحية، لكنها اعترضت على سقوط الصولجان من يده ودفعت حياتها ثمنا لهذه الملاحظة (النقدية)، ثم تعاظم ظلم واستبداد نيرون، وأذاق شعبه صنوف العذاب والاضطهاد، فضلا عن القتل غير المبرر بالجملة، ثم توج جنونه بإضرام النار فى روما وقد دمر الحريق نحو ثلثى مدينة روما وانتشر فيها سريعا، واستمرت النيران مندلعة لمدة خمسة أيام ونصف، ولم يكن قد بقى المزيد من الوحشية التى تثير شعبه عليه، فقد بلغت كراهية شعبه وكراهية ملوك أوروبا له مداها، عندما بدأ يحرض الشعب على الشعب ملصقا تهمة حرق روما للمسيحيين، واجتمع الناس ورجال المملكة على عزله، فتم عزله وحُكم عليه بالقتل ضرباً بالعصى، وأبى أن يُقتل بيد شعبه فقتل نفسه فى 68م.
أما الجنرال فرانكو وأسمه الكامل فرانسيسكو فرانكو‏ (4 ديسمبر 1892 - 20 نوفمبر 1975)، قائد عسكري تولى رئاسة إسبانيا من أكتوبر 1936 وحتى وفاته في سنة 1975، وصل إلى السلطة بعد الحرب الأهلية الإسبانية (1936 - 1939).
ففي صيف سنة 1936 وتحديداً في 18 يوليو 1936 قام فرانكو بانقلاب عسكري ضد حكم الجبهة الشعبية الذي كانت إسبانيا تحت حكمه ، وكانت تتكون من حكم الديمقراطيين والاشتراكيين وقد قاومت الجمهورية الإسبانية الثانية هذا الانقلاب ومن هنا بدأت الحرب الأهلية الإسبانية، واستمرت الحرب لمدة ثلاث سنوات منذ سنة 1936 إلى سنة 1939 وبلغ عدد ضحاياها مليون من البشر. وانتهت هذه الحرب بانتصار الجنرال فرانسيسكو فرانكو بمساعدة أساسية من هتلر وموسوليني. وقد إعتمد فرانكو في جيشه على قوه من الجنود المغاربه الريفيين (سكان الريف) يبلغ تعدادها خمسين ألف جندي بقياده ضابط اسمه المارشال محمد أمزيان، وقد ظل صديقا له ومقرباً إليه وحارساً له حتى النهايه وانتصاره النهائي في هذه الحرب في سنه 1939، وقد اتاح له هذا الانتصار أن يحكم إسبانيا حكما ديكتاتورياً لمدة ستة وثلاثين عاماً متواصلة حتى وفاته سنة 1975 وقد كان عمره آنذاك 83 عامًا، ويقال أنه في آخر أيامه كان مريضا مرضا شديدا وعلى وشك الموت وهذا ما كانت تذيعه وكالات الأنباء ثم يعود إلى وعيه ، ومرة ثانية يذاع عن إحتضاره إلا أنه يعود إلى وعيه فيرى طبيبه إلى جانبه ويسمع هتافا خارج القصر ، فيسأل طبيبه عن مصدر الهتاف فيقول له الطبيب إنه الشعب الإسباني يودعك يا سيدي ، فيقول فرانكو : ليه هو الشعب الإسباني مسافر وين ؟
حكم فرانسيسكو فرانكو إسبانيا عن طريق حزب الفلانخي أو حزب الكتائب (وهو نفسه الحزب الذي أراد الزعيم اللبناني بيار الجميّل تقليده فأنشا في لبنان حزبا باسم حزب الكتائب) وقد قلد فرانكو هتلر وموسوليني في إنه جعل نفسه زعيما وأبا لإسبانيا واسمى نفسه الكاوديو أي زعيم الأمة (كما اسمى هتلر نفسه الفوهرر وموسوليني لقب نفسه باسم الدوتشي وهي كلمة إيطالية لا تختلف في معناها عن كلمة الفوهرر أو الكوديللو.
أخلص من كل ذلك إلى تقرير نشرته صحيفة الواشنطن بوست مؤخرا عن أسوأ عشرين ديكتاتورا على قيد الحياة او تم قتلهم .
ذكر التقرير أن هناك أكثر من سبعين دولة في العالم تحكم من قبل طغاة يتبنون نظم حكم سلطوية استبدادية ضد مواطنيهم، ولا يمكن التخلص منهم عن طريق الوسائل الشرعية أو الديمقراطية. ومن صفات هؤلاء طبقا لواشنطن بوست قمعهم لحرية التعبير والدين وحق المواطنين في تلقي محاكمات عادلة. بعض هؤلاء الطغاة يسمحون بممارسة التعذيب وتصفية معارضيهم وتجويع شعوبهم.
أعتمد تقرير واشنطن بوست السنوي في إعداد القائمة على مصادر مثل تقارير منظمة العفو الدولية، وهيومان رايتس واتش، ومراسلون بلا حدود، ووزارة الخارجية الأمريكية .
وخلت قائمة هذا العام من اثنين من مستبدي قائمة العام المنصرم واحد بسبب الوفاة، وهو صابر مراد نيازوف رئيس تركمانستان السابق، والثاني هو الرئيس الكوبي المريض فيدل كاسترو، والذي سلم السلطة إلى أخيه في 31 يوليو 2006. وقد احتفظ الرئيس السوداني عمر البشير بموقعه في قائمة تقرير واشنطن بوست كأسوأ ديكتاتور في العالم تماما مثل تقرير عام 2006.
وذكر التقرير أن البشير الذي يبلغ من العمر 63 عاما، ويحكم السودان منذ عام 1989 حل في المركز الأول بسبب انتهاكه المتواصل لحقوق الإنسان، خاصة في إقليم دارفور. وأضاف التقرير أنه خلال السنوات الأربع الماضية قامت القوات والمليشيات المتحالفة مع نظام البشير بقتل 200 ألف شخص في إقليم دارفور ، كما تم تشريد وتهجير ما يزيد على 5 ملايين سوداني من ديارهم، وفرار أكثر من 700 ألف خارج السودان ، وقد شاهدت بام عيني شريط فيديو للرئيس عمر البشير وهو يرقص باستمتاع شديد مع وداد بابكر زوجة المرحوم ابراهيم شمس الدين ، وهنا تذكرت جعفر نميري الذي لم ينجب وقارنته بعمر البشير الذي لم ينجب أيضا ، وقلت في نفسي ما هذا الحظ العاثر الذي يجعل رئيس السودان بلا أطفال !!!
بعد عمر البشير وكيم جونج رئيس كوريا الشمالية، وعلى خامئيني مرشد الجمهورية الإيرانية، وهو جيناتو الرئيس الصيني، حل العاهل السعودي الملك عبد الله خامسا في قائمة أسوأ مستبدي أو طغاة العالم.
وذكر التقرير السنوي لواشنطن بوست أن الملك عبد الله البالغ من العمر83 عاما، والذي يحكم المملكة فعليا منذ عام 1995 كان رقم 7 في تقرير العام الماضي.
وجاء ضمن قائمة المستبدين العشرة الرئيس الليبي معمر القذافي البالغ من العمر 64 عاما وحكم ليبيا منذ عام 1969 أي لأكثر من أربعين عاما ، وهي أطول مدة حكم لزعيم في العالم بعد فيدل كاسترو وعلي عبدالله صالح وحسني مبارك ،. وقال التقرير إن القذافي الذي وصل إلى الحكم وهو في السابعة والعشرين، قضى ما يقرب من عقد من الزمن في عداء مستحكم مع الولايات المتحدة. ولفترة طويلة كانت ليبيا ضمن القائمة الأمريكية للدول الراعية للإرهاب ، وهو أيضا حال السودان الموضوع على لائحة الإرهاب .
بشار الأسد البالغ من العمر 41 عاما ووصل إلى السلطة خلفا لوالده عام 2000، أحتل المركز العاشر في تقرير هذا العام ، متقدما ستة مراكز عن ترتيبه في تقرير العام السابق. الانتقادات الرئيسية للأسد هي تدخله في الشأن اللبناني، بالإضافة إلى إحكام سيطرته على الجيش والأجهزة الأمنية والاستخباراتية في بلاده، حيث ذكر التقرير إن نظام الأسد متهم بالوقوف وراء سلسلة الاغتيالات السياسة التي شهدها لبنان مؤخرا. واشار التقرير إلى طبيب العيون الذي كان يقوم بالدراسة في لندن عندما استدعاه والده الديكتاتور الراحل حافظ الأسد في عام 1994 لبدء تدريب الابن على حكم البلاد على حد تعبير التقرير.
وعلى الرغم من كل ذلك فهؤلاء الطغاة هم الأخيار في نظر البعض والذين أرسلتهم العناية الإلهية لإنقاذ البشرية ، ذلكم هو المسرح المقاوم الملتزم ، وتلك هي عظات وعبر التاريخ ، وما أشبه الليلة بالبارحة .


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.