شاهد بالفيديو.. في مشهد مؤثر.. كابتن طائرة "سودانير" المتجهة إلى العاصمة الخرطوم ينهار بالبكاء أثناء مخاطبته الركاب    الصحفية سهيرة عبد الرحيم: (شعرت للحظة أن وزير الخارجية المصري سيهتف داخل القاعة "جيش واحد، شعب واحد" من فرطٍ حماسه في الجلسة)    شاهد بالفيديو.. والدة الفنان الراحل محمود عبد العزيز: (اتخذلت في هذا المطرب!! وكل من كانوا حول الحوت منافقون عدا واحد)    وزارة المالية توقع إتفاق مع بنك التضامن الإسلامي لتقديم خدمة إيصالي    شاهد بالفيديو.. على أنغام أغاني "الزنق".. لاعبو حي الوادي يحتفلون مع راعي الفريق ونائب رئيس إتحاد الكرة أسامة عطا المنان بمناسبة زواجه    منع مشاركة أي وزير في أعمال أي لجان أو مجالس أو كيانات خارج نطاق الحكومة إلا بإذن من رئيس الوزراء    شاهد بالصورة.. اللاعب هاني مختار يتوشح بعلم السودان في جلسة التصوير الخاصة بناديه الأمريكي    شاهد بالفيديو.. بتواضع كبير "البرهان" يقف بسيارته في الشارع العام ليشرب عصير من الفواكه قدمه له أحد المواطنين بدنقلا    البرهان يقدم واجب العزاء في الشهيد اللواء معاوية حمد قائد الفرقة 22 مشاة بابنوسة    وزير الخارجية والتعاون الدولي يلتقي رئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي    شاهد بالفيديو.. فتاة سودانية تبهر راغب علامة وأنغام بعد ترديدها أغنية هدى عربي في برنامج مسابقات والسلطانة تدعمها وتحتفي بها    وزارة الشباب والرياضة تواصل انفتاحها على الولايات    ارتفاع في اسعار محصول الذرة واستقرار سعر السمسم بالقضارف أمس    عثمان ميرغني يكتب: إثيوبيا والسودان: تشابكات الحرب والأمن الإقليمي    وفاة ثالث رضيع تناول حليبًا ملوّثًا بفرنسا    مشروبات طبيعية تدعم مناعتك.. روشتة حمايتك من العدوى    دراسة تربط طنين الأذن بالإنتاجية في العمل    إلغاء رحلة قطار إلى الخرطوم..إليكم تفاصيل    جوجل تسهّل إزالة المعلومات الشخصية والتزييف العميق من نتائج البحث    "ميتا" تبني مركز بيانات بقيمة 10 مليارات دولار    إضافة علامة تبويب الإعدادات بواجهة "واتساب"    المريخ يواصل تدريباته بقوة بكيجالي والدامر    انطلاق دورة متخصصة لتطوير الأداء الرقمي برعاية وزير الشباب والرياضة    وزارة الشباب والرياضة تواصل انفتاحها على الولايات ووكيل الوزارة يشهد ختام دورة شهداء السريحة بولاية الجزيرة    رشيد الغفلاوي يلتقي قيادات الاتحاد السوداني لكرة القدم    تطور حاسم بقضية "الاعتداء الجنسي" في منزل لامين يامال    كباشي يحيي صمود مواطني شرق النيل ويوجه بزيادة محولات الكهرباء ومكاتب السجل المدني بالمنطقة    الإدارة العامة لشرطة تأمين التعدين تنفذ حملة منعية وكشفية لمكافحة التعدين العشوائي بولاية البحرالاحمر    الإدارة العامة لشرطة تأمين التعدين تنفذ حملة منعية وكشفية لمكافحة التعدين العشوائي بولاية البحرالاحمر    هيئة مياه الخرطوم: تحصيل فاتورة المياه لا يشمل القطاع السكني حتى الآن    ارتفاع طفيف لأرباح زين السعودية إلى 604 ملايين في 2025    هدى الإتربي تكشف كواليس مسلسل "مناعة": تجربة مختلفة بتفاصيل إنسانية    مسلسلات رمضان.. هل تقع أيتن عامر فى حب ياسر جلال فى مسلسل كلهم بيحبوا مودى    ضياء الدين بلال يكتب: قوش وآخرون... جرد حساب!    الدولار يواصل التراجع أمام الجنيه فى منتصف تعاملات اليوم    مسؤول سوداني يغادر إلى تركيا    السودان.. وزير الشباب والرياضة يصدر قرارًا    دوري أبطال أفريقيا يشتعل.. 3 أندية تتأهل رسميًا وصراع مفتوح على 5 بطاقات    مجموعة الهلال السوداني.. صنداونز يقتنص التعادل ويبقي آمال التأهل في دوري الأبطال    أفراد من الشرطة يلقون القبض على السائق الخاص بالقائد الميداني لمليشيا الدعم السريع "جلحة" داخل "ركشة" بحي بري    هلال كوستي يدشن برامجه الثقافية بليلة ثقافية كبرى وتكريم رموز النادي والمجتمع    شاهد بالفيديو.. سرقة محل مجوهرات بشارع الوادي بأم درمان وقيمة المسروقات تقدر ب(ترليون) جنيه    محاولة أوكرانية جديدة لإفشال مفاوضات السلام بعيداً عن ارض المعركة    رفض الزوج شراء سجائر لها فقتلته.. جريمة زوجة مصرية تثير الجدل    حريق كبير في سوق شرق تشاد    رسالة أخيرة في بريد الرئيس البرهان قبل تمرد الحركات المسلحة الدارفورية    ترامب يحذر إيران: الوقت ينفد والهجوم القادم سيكون أشد    مباحث الخرطوم تعلن توجيه ضربة موجعة لمافيا السيارات..إليكم التفاصيل    تلفزيون السودان يستأنف البث المباشر من مقرّه الرئيسي    وزير الصحة: التبغ عدو الحاضر والمستقبل و فاتورته الصحية تفوق عائداته الضريبية    هل قتل السحر الأسود الإسرائيلي عبد الناصر؟.. كتاب جديد يكشف خفايا خطيرة في مصر    سباق اختراق الضاحية باكورة بطولات الاتحاد العربي لألعاب القوى    شركة اتصالات في السودان تعلن عن توقف خدمات    "مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ"!    أحمد الشاكر: انا أعجز عن شكر جميع الإخوة الأشقاء في المملكة العربية السعودية    السودان..حصيلة صادمة بمرض شهير في ولايتين    إسحق أحمد فضل الله يكتب: (حديث نفس...)    "كرتي والكلاب".. ومأساة شعب!    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



دعوة الرئيس لإنشاء فرع لمنظمة الشفافية


(أوكامبو عضو بالمكتب الأستشاري للمنظمة)
مقال منشور قبل سبع سنوات
بشير معاذ الفكي
[email protected]
في 31 اكتوبر 2003 أجازت الجمعية العامة للأمم المتحدة إتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد United Nations Convention Against Corruption ("الإتفاقية") بموجب القرار رقم (58/4) ، وفي خطابه أمام الجمعية العامة في تلك المناسبة قال الأمين العام السيد كوفي عنان:-
"Corruption hurts the poor disproportionately by diverting funds intended for development, undermining a government's ability to provide basic services, feeding inequality and injustice, and discouraging foreign investment and aid"
بهذه العبارة السلسلة المعبرة أستهل السيد الأمين العام خطابه أمام الجمعية العامة مبينا بأن الفساد يمثل الخطر الأكبر الذي يضرب فقراء العالم في المواجع، حين يجهز على الأموال المخصصة للتنمية، ويكبل مقدرة الحكومات في بسط الخدمات الأساسية لمواطنيها، ويذكي النعرات العنصرية، و يرسّخ الشعور بالتفرقة وعدم المساواة والظلم بين مواطني الدولة الواحدة، ويقف عائقا دون وصول الأموال الأجنبية في مجالات الاستثمار والتنمية والعون الإنساني. صدرت هذه العبارة عن مسئول أممي ينتمني لأفريقيا الحقيقية لوناً، وفقراً، وبؤساً، وانتماءً، وتعاطفاً، فبحكم مسئوليته قصد منها، على وجه العموم، كل فقراء العالم، وعلى وجه الخصوص أبناء جلدته الذين يرزحون تحت وطأة المرض، والفقر، والجوع مؤكدا لهم بأن الهلاك والردى هو مصيرهم إذا تلكؤا في محاربة الفساد بكل الوسائل المتوفرة لديهم، مدنية كانت أم رسمية.
تولت الإتفاقية، ضمن أشياء أخرى، تفصيل إلتزامات الدول في شأن محاربة الفساد باتباع اساليب الرقابة على كل معاملات القطاع العام، ومعاملات القطاع الخاص التي من شأنها المساس بالمصلحة العامة، وذلك باتباع سياسات وإجراءات قياسية. كما الزمت الإتفاقية الدول بتشجيع تأسيس منظمات المجتمع المدني محاربةً للفساد، وتعزيزاً للشفافية، وكشفاً للحقيقة، وتعقباً للفاسدين، وتمليكاً للمعلومة للرأي العام، واخضاعاً للوظيفة العامة للضوابط التي من شأنها الإرتقاء بالفاعلية والشفافية، وضرورة أن يكون التعيين في الوظيفة العامة مبنياً على الكفاءة والنزاهة، وأن الموظف العام الذي سوف يتم تعيينه، هكذا، يجب أن يكون خاضعاً للوائح الانضباط المهني والوظيفي والسلوكي، وأن يكون ملتزماً بالافصاح عن أي تعارض في المصلحة خصوصاً في بعض المرافق الحساسة مثل القضاء والمؤسسات القائمة على أمر المال العام، وتلك التي تتولى تنفيذ المشروعات العامة وتأمين المشتروات الحكومية، وغيرها من الوظائف الأخرى. كما الزمت الإتفاقية الدول الأعضاء بضرورة تفعيل مشاركة المنظمات غير الحكومية في عملية الرقابة العامة، وترقية الوعي بضرورة رصد ومحاربة الفساد وتعقب الفاسدين.
ولقد صادقت على الإتفاقية 94 دولة، وفقا للقائمة التي أعدتها وزارة الخارجية الأمريكية، وهي القائمة التي شملت دولا مثل موريشس، وتوجو، ومالي، واليمن...الخ، ولم ترد فيها ولو إشارة عابرة لجمهورية السودان على كل حال.
ومن المسائل التي تبنت الإتفاقية معالجتها بشكل مفصل قضية الشفافية، وحق الرأي العام في أن يعلم عن تفاصيل أي معاملات رسمية، وحقه في أن يسأل القائمين على الشأن العام والخاص أسئلة مشروعة له . ووفقا للإتفاقية فقد اصبحت مسألة الشفافية ليست مجرد مصطلح يردده السياسيون، وإنما تحولت بفضل الضمائر الحية، وقواعد الحكم الراشد في العديد من دول العالم إلى ممارسة عملية تنهض بها قطاعات كبيرة من المجتمعات المحلية بالتنسيق التام مع قطاعات مماثلة على النطاق الدولي.
فعلى المستوى الدولي تم تأسيس منظمة الشفافية الدولية "المنظمة"، حين اجتمع مؤسسو المنظمة وعددهم عشرة أشخاص لهم خبرات واسعة فيما يصاحب المعاملات المالية والتجارية من فساد، ووقعوا على الميثاق الذي بموجبه تم إنشاء أول منظمة عالمية غير حكومية ناشطة في مجالات محاربة الفساد. وقد كان المدخل الأساسي لعمل المنظمة هو حق الرأي العام في أن يعلم، وحقه في أن يكشف الحقيقة، وحقه في أن يحارب الفساد ويتعقب الفاسدين، وحقه في أن يراقب كل ما من شأنه المساس بالمصلحة العامة.

وعند إشهارها في مايو من عام 1993، جذبت المنظمة انتباه العالم بأثره، وفي مكتبها المتواضع في برلين بالمانيا، تلقت المنظمة أرتالاً من الرسائل من كل أنحاء العالم معبرة عن الشكر والتقدير بأن الله قد سخّر للإنسانية من بين خلقه من يتولي مهمة القيام بعمل شئ نحو كشف الحقيقة، وضرورة الالتزام بالشفافية، ومحاربة الفساد، وتعقب الفاسدين. وفور إشهارها بدأ المهتمون في كثير من دول العالم إجراءات تأسيس فروع وطنية للمنظمة، ومن بين تلك الدول الولايات المتحدة، والمملكة المتحدة، والأيكوادور التي تم تعيين رئيسها، السيد/ البترو داهك، كأول رئيس للمجلس الاستشاري للمنظمة.
شكل عام 1994 سنداً معنوياً ومهنياً كبيراً للمنظمة حين انحازت إليها مجموعة العمل الأرجنتينية الشهيرة Poder Ciudadano كأول منظمة وطنية غير حكومية لها اسهامات متفردة على المستوي العالمي والمحلي، في مسائل الشفافية، والمحاسبة، ومحاربة الرشوة والفساد، وتعقب الفاسدين. ولقد زاد من زخم ذلك السند المعنوي والمهني أن رئيس المجموعة الأرجنتينية المشار إليها، الشخصية الكارزمية السيد/لويس مورينو أوكامبو (المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية) أصبح عضواً بالمجلس الإستشاري للمنظمة. نشأ السيد/ اوكامبو في حواري الفقر والعوّز في إحدى مدن الأرجنتين، مثلما نشأ وترعرع اللاعب الأسطورة مارادونا، واللاعب المتميز آرديليس الذي فعل بكرة القدم الأفاعيل، ومن خلال تجلياته في فنونها، أرغم الجمهورالانجليزي المتهوس، في إحدى المباريات باستاد ويمبلي الشهير، أن يهتف مطالباً بأن تتنازل المملكة المتحدة عن سيادتها على جزر الفوكلاند، في مقابل تنازل الأرجنتين عن حقها في مواطنة اللاعب آرديلس. فقد ساهم، بآدائه الساحر في كرة القدم، في انغشاع ضباب حرب لعينة بين المملكة المتحدة والأرجنتين حول السيادة على جزر الفوكلاند، أوشكت على التفاقم. ظل السيد/أوكامبو عضو المجلس الاستشاري لمنظمة الشفافية الدولية، والمدعي العام لدى المحكمة الجنائية الدولية، مؤمنا بأهدافه في محاربة أسباب الفقر، غير مساوما في مبادئه الأخلاقية وشرف مهنته برغم إغراءات وتهديدات مافيا الفساد المتجذرة في ذلك الجزء من العالم، ماضيا في مناهضة الظلم ومناكفة ومشاكسة الظالمين والفاسدين ليس فقط في بلده الأرجنتين، وإنما في معظم دول الشطر الجنوبي من القارة الأمريكية. لفت السيد/أوكامبو انتباه الضمائرالحية، والشعوب المتحضرة، وتوج نضاله الحقوقي المتفرد بأن تم تعيينه كأول مدعي عام لدى المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي إجلالاً واعترافاً صريحاً من المجتمع الدولي، ممثلا في المنظمة الدولية، باسهاماته الحقوقية العديدة في محاربة الفساد والظلم اللذان أوديا بأرواح الملايين من بني البشرفي تلك البقعة من العالم.
أما على الصعيد الوطني، وعلى الرغم من الاهتمام الدولي المشار إليه والاهتمام الإقليمي المتزايد بضرورة تطبيق وتفعيل آليات وإجراءات مكافحة الفساد والمتمثل في صدور اتفاقية الإتحاد الأفريقي لمكافحة الفساد African Union Convention On Prevention And Combating Corruption ، إلا أن هذا الأمر الحيوي الهام لم ينل الاهتمام المطلوب، ولم يتم وضع إستراتيجية قومية لمكافحة الفساد في السودان. فقد استشرى أمر الفساد واستفاض إلى الحد الذي جعله يستوعب كل مناحي الحياة، وتحول إلى ظاهرة سودانية خالصة. فهناك الفساد المالي، والفساد المهني، والفساد الأخلاقي، والفساد العنصري، والفساد السياسي، والفساد الإجتماعي، والفساد الأكاديمي، والفساد الديني. فقد وجد الانتشار والقبول ضاربا بكل القيم الدينية والمهنية والأخلاقية. كما أن الحكومة لم تتحرك كما ينبغي للتصدي لهذه الظاهرة، حتى تجذرت في معظم مفاصلها وهياكلها، في وقت ظلت فيه شعارات الطٌهر والرٌشد والدين والأخلاق مُشرعة في خطابها في مختلف المناسبات. والسواد الأعظم من الشعب السوداني، بسبب قلة الحيلة والفاقة، تعامل مع تجليات وحالات الفساد وكأنها قصص أو مسلسلات تختتم فصولها بأن يصبح الفاسدون أبطالاً.
أشار د. حيدر إبراهيم إلى أن أخطر تجليات الفساد أن يتحدث الناس عن الفاسدين باعتبارهم أذكياء أو علماء، وأن يتقاعس المواطن السوداني عن مواجهة أي فاسد خاصة إذا أصبح هذا الأخير رجل البر والأحسان. فالفاسد يسكت الألسن بتبرعات تافه من مال لم يأته بأي جهد. ومن هذه الظاهرة تفرعت كثير من القضايا من أهمها كيفية حماية الأطفال وأجيال المستقبل من الإعجاب بتلك النماذج من البشر، خاصة وأن التعليم لم يعد هو السلم الاجتماعي الذي يتم الصعود من خلاله إلى مراق أعلى. وعلى افتراض أن التعليم ظل هكذا، فهناك ظاهرة الفساد الأكاديمي، إذ صار التساهل في منح الشهادات الجامعية وما بعدها ِسمة ظاهرة، حيث أن الكثير من رسائل الماجستير والدكتوراة أتت خالية تماما من شروط العمل الأكاديمي، وأن مضمون الكثير من تلك الرسائل ضعيف ولا يصلح كمقالات في صحف سيارة، وأن هذه الدائرة الشريرة the vicious circle في العلم تضاهي دائرة السياسة، والإدارة والمال إذ يحمل كثيرون شهادات عليا ثم يحتلون مواقع في الجامعات ويقومون بمنح آخرين شهادات علمية، ويعيدون انتاج جهلهم وركاكتهم.
هذه نقطة مفصلية حين يستشري هذا الطوفان من الفساد، بكل ضروبه، و يحيط بالوطن دون مقاومة حقيقية حتى من الاسلاميين المعتدلين أو المستنيرين الذين، وإن تصدوا لهذه الظاهرة بتفاوت، إلا أن ردود أفعالهم مجتمعين، قد جاءت متسربلة بقدر مهول من الحياء والخجل.
استوقفني كثيرا ما ظل يردده السيد رئيس الجمهورية، مرارا وتكرارا، من أنه لا وجود لفساد في أجهزة ودواوين الحكم، وأن من يدعي بوجوده عليه أن يقدم الدليل على ذلك. إن فضيلتي الصدق والعدل، ياسيادة الرئيس، تحتمان علينا جميعا أن نعترف مستبسلين بوجود هذا الطوفان من الفساد في بلادنا، وأن نتحرك مستبشرين، لمكافحته بكافة السبل تطهيرا للمجتمع. وفيما يتعلق بالفساد المالي، وددت لو كنت ياسيادة الرئيس مٌطلعاً على ما يسمى بجرائم ذوي اللياقات البيضاء white collar crimes ، وهي في غالبها الأعم جرائم تقترفها الصفوة في المجتمعات المختلفة إما باستغلال الوظيفة العامة، أو بالتمسح بصفات سمحة غير متوفرة لديهم مثل الطهر والدين والعفة والوطنية، أو بعدم التفريق بين المال العام والخاص، أو بالتقاعس عن الالتزام بضوابط الشفافية والافصاح عن تضارب المصلحة العامة والخاصة، أو باستخدام أساليب الخداع، وفي كل الأحوال تكون تلك الجرائم محاطة بسرية وبمهنية عالية للإفلات من الملاحقة الجنائية والعقاب. أجاد أحد الكتاب الأمريكيين في وصف جريمة ذوي اللياقات البيضاء حين قال:-
"It leaves no violated or bleeding victim; its perpetrators are often church going community leaders who stand before the judge wearing tailored suits and repentant expressions. Yet such financial crimes can devastate an entire community rather than robbing a victim. Their impact can last for years, stealing crucial services or a lifetime's savings through crimes invisible to their victims"
فهي من الجرائم التي لا تترك ضحية محددة ملقاة في الشارع العام تنزف دماً، ومن سماتها أيضا أن الذين يقترفونها هم، في الغالب الأعم، من صفوة المجتمع المواظبين على آداء صلواتهم في الكنائس. ومع أنها لا تخلّف ضحية محددة إلا أن آثارها قد تتمدد لتدمر مجتمعات بأثرها بسبب سعة طيفها، وطول أمدها.
في مقال سابق طلبت من السيد المستشار الإعلامي لرئيس الجمهورية أن يلتزم الجميع بمواجهة الحقيقة باعتبارها القيمة الوحيدة التي ربما قد تفضي للمصالحة ومن بعدها للسلام في السودان، فلا سلام بدون كشف الحقيقة ومحاسبة الفاسدين والظالمين، وطلبت، كذلك من الشرفاء من أبناء الوطن، في الحكومة أو المعارضة أو الحركة الشعبية، أن تكون دعوة د. حيدر ابراهيم لرصد ومحاربة الفساد الذي أقعد الشعب السوداني، هي ضربة البداية في تكوين قطاع وطني مدني عريض، للنهوض بالمهمة على أكمل وجه. ومن تاريخ نشر ذلك المقال، تداعى الشرفاء من بني الوطن، من كل حدب وصوب، ترحيبا بالدعوة، واستعدادا لموازرتها وتبنيها. فمن خلال مجموعة اتصال في السودان تم تأسيسها في أغسطس 2004، سوف يتم تفعيل دعوة الحقيقة والمحاسبة، باستيفاء المتطلبات الأساسية لمنظمة الشفافية الدولية التي تشترط خلق تحالف عريض من كل قطاعات المجتمع، وصياغة خطة قومية لمكافحة الفساد لتمكين ذلك التحالف من الإطلاع بدروه المنشود في النهوض بمهام كشف الحقيقة باتباع السياسات والإجراءات النمطية للمنظمة، وتمليك المعلومة للرأي العام، ومحاربة الفساد، وتعقب الفاسدين، وفتح المنابر الحرة للتصدي ليس فقط للفساد المالي، وإنما أيضا لكل الظواهر الاجتماعية والدينية والمهنية والأخلاقية التي تهدد بإنهيار المجتمع السوداني. وعند الوفاء بتلك الشروط وما يليها من إجراءات، سوف يتم التوقيع على اتفاقية مع الأمانة العامة لمنظمة الشفافية الدولية في برلين/ألمانيا تقضي باعتبار مجموعة الاتصال فرعا وطنياً وشريكاً لمنظمة الشفافية الدولية. وسوف يكون لفرع منظمة الشفافية الدولية المُزمع إنشاؤه دوراً محورياً في الشأن السوداني فيما يخص كشف الحقيقة، ومحاربة الفساد، وذلك عبر محاور عديدة من بينها تطوير فكرة المصالحة الواردة في بروتوكول قسمة السلطة في اتفاقيات السلام إلى آلية للحقيقة والمصالحة لفترة ما بعد السلام، وباعتبار أن هناك العديد من الجرائم تشكل انتهاكاً للحقوق الاقتصادية والاجتماعية للمواطنين السودانيين، ومن ثم بلورة خطة عامة لإعادة الحقوق المنهوبة التى تم التغول عليها بدون وجه حق خلال السنوات الماضية.
في مخطوطته الفريدة ( أهوال الحرب وطموحات السلام) قال الأستاذ المخضرم الدكتور منصور خالد بأن لجنة الحقيقة والمصالحة التي تتبناها الحركة الشعبية ربما تتخذ من تجربة جنوب أفريقيا نموذجاً يُحتذى. وأشار إلى أن تلك التجربة كانت مبادرة من رجلين نبيلين، نلسون مانديلا ودزموند توتو ارادا بها تطهير النفس، والسمو عن المواجع، واستشراف المستقبل بدلاً من التلبث عند الماضي، وأن اللجنة المشار إليها تكونت بعد وفاق بين المؤتمر الوطني الأفريقي (حزب مانديلا) والحزب القومي (حزب ديكليرك) تضمن تبني الحزبين لقانون صدر في العام 1990 (قانون تعزيز الوحدة والمصالحة الوطنية)، وكانت لجنة الحقيقة والمصالحة عنصراً مهماً من عناصره . وأنه من تلك اللجنة انبثقت لجنة قانونية مستقلة يترأسها قاض من قضاة المحكمة العليا للنظر في حالات الانتهاك الخطير لحقوق الانسان يُقر فيها المذنب بذنبه في جلسة علنية ويعفو فيها المجني عليه عن الجاني. وأضاف المخضرم الدكتور منصور بأن الهدف من العملية كان هو ابراء الذمم وضمد الجروح، وأن على الدولة، في كل الحالات التي تستدعى تعويضاً مادياً ولا يكفي فيها رد الاعتبار المعنوي، أن تقوم بتعويض الضحايا.
في الختام، نطرح هذه المبادرة عبر هذا الفضاء الأسفيري من خلال هذه الصحيفة، فهي موجهة للإنسان السوداني اينما كان، ومهما كان جنسه، أولونه، أوعرقه، أودينه، أوفكره السياسي، وهي بفضل الله، ثم بفضل ما احتواه مشروع الخطة القومية لمحاربة الفاسد من مبادئ و قواعد واجراءات، وما وجدته من مساندة من قطاع كبير من بني الوطن، وما سوف تجده من تأييد دولي في الفترة المقبلة في شأن رُشد حكامنا، وحرية إعلامنا، وتمليك المعلومة لرأينا العام، وضرورة الالتزام الصارم بمبادئ الشفافية والمحاسبة، سوف تنداح وتنداح لتصبح فرعا لمنظمة الشفافية الدولية تشمل فوائده المبتغاة كل قطاعات الشعب السوداني.
،،،وللفضيلة رب يرعاها وشعب يحميها،،،


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.