شاهد بالفيديو.. طبيب بمستشفى نيالا يشكو من انتهاكات أفراد الدعم السريع ويحكي قصة نجاته من القتل بعدما رفع أحدهم السلاح في وجهه    نصف مليون دولار!!:ياللهول    شاهد بالفيديو.. في ظهور مثير.. رجل يمسك بيد الفنانة هدى عربي كأنه عريسها ويدخل بها لقاعة الفرح والشائعات تلاحق السلطانة هل هو زوجها؟    شاهد بالفيديو.. حمزة عوض الله يهاجم الشاعرة داليا الياس بسبب تبادل السلام بالأحضان مع المطرب شريف الفحيل ويصف المدافعين عنها بأصحاب الفكر الديوثي    بالصورة والفيديو.. على طريقة عاشق "عبير".. فتاة سودانية تصعد مكان مرتفع بمنزلها وترفض النزول دون تنفيذ مطالبها..شاهد رد فعل والدتها!!    عثمان ميرغني يكتب: حلفا .. والشمالية..    قوى سياسية في السودان تعلن عن مقاطعة مؤتمر في برلين    الكاف.. (الجهاز) في القاهرة و(الريموت كنترول) في الرباط    الهلال يشكو لاعب نهضة بركان... وتحدٍ إداري جديد يلوح في الأفق    وصول الفوج الرابع من اللاجئين السودانيين بيوغندا    مصادر تكشف تفاهمات سرية لوقف استهداف مطاري الخرطوم ونيالا    المملكة مركز ثقل في حركة التجارة الدولية    مصر.. الدولار يقترب من 54 جنيها لأول مرة    نتفليكس تزيل الستار عن أول صورة لشخصية جو كينيدى الأب فى مسلسلها الجديد    الأهلي يرفض قطع إعارة كامويش وعودته للدوري النرويجى.. اعرف التفاصيل    حقيقة مفاوضات بيراميدز مع أحمد القندوسى لضمه فى الصيف    دراسة: تناول 3 أكواب قهوة يوميًا يقلل القلق والتوتر    عائلة الممثل الكورى لى سانج بو ترفض الإفصاح عن سبب الوفاة.. اعرف التفاصيل    نبيل فهمي .. اختيار أمين عام جديد للجامعة العربية بإجماع عربي كامل    سارة بركة: أحمد العوضى مجتهد بشكل كبير وبيحب شغله جدا    دار الأوبرا تحتفى بذكرى رحيل عبد الحليم حافظ بحفلين اليوم وغداً    لوك غريب ل فتحى عبد الوهاب والجمهور يرد: هتعمل دور الملك رمسيس ولا إيه؟    وجبة سمك تُنهي حياة 3 سودانيين بالقاهرة وتتسبب في إصابة 4 آخرين بحالة تسمم غذائى حاد    7 عناصر غذائية يحتاجها الطفل فى سن المدرسة لدعم نمو وتطور الدماغ    اختيار غير متوقع لمستقبل "الملك المصري"    والي الخرطوم يعلن تركيب كاميرات رقابة حديثة في المعابر الحدودية التي تربط الولاية بالولايات الاخرى    عاجل..بيان مهم للجيش في السودان    هل يمكن علاج الكبد الدهنى؟.. دراسة جديدة تربط الوقاية بفيتامين ب3    شاهد بالصورة والفيديو.. مشجعة الهلال الحسناء "سماحة" تطالب إدارة ناديها بتقديم "رشاوي" للحكام من أجل الفوز بالبطولة الأفريقية وتشكر "أبو عشرين"    بسبب ضعف الراتب.. وزير الثروة الحيوانية بالسودان يبحث عن عمل إضافي    رئيس الوزراء يصدر قرارًا بشأن الرسوم الجديدة في المعابر    محمد عبد الباسط يكتب: لهذا تحركت باكستان الآن للوساطة بين أمريكا وإيران    السكوت على هذا الأمر لا يرضي الله ولا رسوله!!    ارتفاع أسعار الذهب في السودان    الخليج الضحية الكبرى: إيران وجهت 83% من هجماتها إليه… و17% فقط إلى إسرائيل    مهلة أخيرة للمخالفين: خيارات متعددة لمعالجة أوضاع التأشيرات المنتهية في السعودية    ضبط 2800 قندول بنقو بالجزيرة في عملية نوعية لمكافحة التهريب    ترامب يصدر أوامره ويكشف تطورات مثيرة مع إيران    هل مخالفة ترامب خلل في الكون؟!    الأمن يداهم مخزن يبيع الوقود المهرب لعصابات التنقيب عن الذهب    تراجع معدّل التضخّم في السودان    بادي يصدر مرسوم تنظيم أعمال التعدين التقليدي وضبط آليات التعدين بالنيل الأزرق    رئيس الأهلي مدني وابنه يتعرضان لحادث مروع    المباحث تنهي مغامرات شبكة إجرامية متخصصة في الإحتيال علي أصحاب المحلات التجارية عن طريق اشعارات تطبيق بنكك المزيفة    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    الشيخ بن زومة.. إلى جنة الخلد    قيم الهلال المتوارثة يجب أن تبقى أبد الدهر    في زمن الضجيج.. القرآن بوصلة المعنى والسكينة    د.مزمل أبو القاسم يكتب: دموع الباز.. وزاهر! (2)    السودان.. الدفاع المدني يستعين ب"التوك توك"    طفح جلدي في رقبة الرئيس ترمب يثير تساؤلات حول صحته    ملتقي التحصين للعام 2025 ينعقد بحضور التحالف العالمي للقاحات والشركاء    صوت لا يغيب.. محمد رفعت ورحلة الآذان الخالد في رمضان    أجهزة الأمن السودانية تنهي مغامرات لص الصيدليات في عطبرة    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    السودان.. فكّ طلاسم"تبيدي للمجوهرات" في الخرطوم والتحقيقيات تفجّر مفاجأة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



دعوة الرئيس لإنشاء فرع لمنظمة الشفافية .. بقلم: بشير معاذ الفكي
نشر في سودانيل يوم 09 - 02 - 2012


دعوة الرئيس لإنشاء فرع لمنظمة الشفافية
(هل يعلم أن أوكامبو عضو بالمكتب الأستشاري للمنظمة)
مقال منشور قبل سبع سنوات
بشير معاذ الفكي
[email protected]
في 31 اكتوبر 2003 أجازت الجمعية العامة للأمم المتحدة إتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد United Nations Convention Against Corruption ("الإتفاقية") بموجب القرار رقم (58/4) ، وفي خطابه أمام الجمعية العامة في تلك المناسبة قال الأمين العام السيد كوفي عنان:-
"Corruption hurts the poor disproportionately by diverting funds intended for development, undermining a government's ability to provide basic services, feeding inequality and injustice, and discouraging foreign investment and aid"
بهذه العبارة السلسلة المعبرة أستهل السيد الأمين العام خطابه أمام الجمعية العامة مبينا بأن الفساد يمثل الخطر الأكبر الذي يضرب فقراء العالم في المواجع، حين يجهز على الأموال المخصصة للتنمية، ويكبل مقدرة الحكومات في بسط الخدمات الأساسية لمواطنيها، ويذكي النعرات العنصرية، و يرسّخ الشعور بالتفرقة وعدم المساواة والظلم بين مواطني الدولة الواحدة، ويقف عائقا دون وصول الأموال الأجنبية في مجالات الاستثمار والتنمية والعون الإنساني. صدرت هذه العبارة عن مسئول أممي ينتمني لأفريقيا الحقيقية لوناً، وفقراً، وبؤساً، وانتماءً، وتعاطفاً، فبحكم مسئوليته قصد منها، على وجه العموم، كل فقراء العالم، وعلى وجه الخصوص أبناء جلدته الذين يرزحون تحت وطأة المرض، والفقر، والجوع مؤكدا لهم بأن الهلاك والردى هو مصيرهم إذا تلكؤا في محاربة الفساد بكل الوسائل المتوفرة لديهم، مدنية كانت أم رسمية.
تولت الإتفاقية، ضمن أشياء أخرى، تفصيل إلتزامات الدول في شأن محاربة الفساد باتباع اساليب الرقابة على كل معاملات القطاع العام، ومعاملات القطاع الخاص التي من شأنها المساس بالمصلحة العامة، وذلك باتباع سياسات وإجراءات قياسية. كما الزمت الإتفاقية الدول بتشجيع تأسيس منظمات المجتمع المدني محاربةً للفساد، وتعزيزاً للشفافية، وكشفاً للحقيقة، وتعقباً للفاسدين، وتمليكاً للمعلومة للرأي العام، واخضاعاً للوظيفة العامة للضوابط التي من شأنها الإرتقاء بالفاعلية والشفافية، وضرورة أن يكون التعيين في الوظيفة العامة مبنياً على الكفاءة والنزاهة، وأن الموظف العام الذي سوف يتم تعيينه، هكذا، يجب أن يكون خاضعاً للوائح الانضباط المهني والوظيفي والسلوكي، وأن يكون ملتزماً بالافصاح عن أي تعارض في المصلحة خصوصاً في بعض المرافق الحساسة مثل القضاء والمؤسسات القائمة على أمر المال العام، وتلك التي تتولى تنفيذ المشروعات العامة وتأمين المشتروات الحكومية، وغيرها من الوظائف الأخرى. كما الزمت الإتفاقية الدول الأعضاء بضرورة تفعيل مشاركة المنظمات غير الحكومية في عملية الرقابة العامة، وترقية الوعي بضرورة رصد ومحاربة الفساد وتعقب الفاسدين.
ولقد صادقت على الإتفاقية 94 دولة، وفقا للقائمة التي أعدتها وزارة الخارجية الأمريكية، وهي القائمة التي شملت دولا مثل موريشس، وتوجو، ومالي، واليمن...الخ، ولم ترد فيها ولو إشارة عابرة لجمهورية السودان على كل حال.
ومن المسائل التي تبنت الإتفاقية معالجتها بشكل مفصل قضية الشفافية، وحق الرأي العام في أن يعلم عن تفاصيل أي معاملات رسمية، وحقه في أن يسأل القائمين على الشأن العام والخاص أسئلة مشروعة له . ووفقا للإتفاقية فقد اصبحت مسألة الشفافية ليست مجرد مصطلح يردده السياسيون، وإنما تحولت بفضل الضمائر الحية، وقواعد الحكم الراشد في العديد من دول العالم إلى ممارسة عملية تنهض بها قطاعات كبيرة من المجتمعات المحلية بالتنسيق التام مع قطاعات مماثلة على النطاق الدولي.
فعلى المستوى الدولي تم تأسيس منظمة الشفافية الدولية "المنظمة"، حين اجتمع مؤسسو المنظمة وعددهم عشرة أشخاص لهم خبرات واسعة فيما يصاحب المعاملات المالية والتجارية من فساد، ووقعوا على الميثاق الذي بموجبه تم إنشاء أول منظمة عالمية غير حكومية ناشطة في مجالات محاربة الفساد. وقد كان المدخل الأساسي لعمل المنظمة هو حق الرأي العام في أن يعلم، وحقه في أن يكشف الحقيقة، وحقه في أن يحارب الفساد ويتعقب الفاسدين، وحقه في أن يراقب كل ما من شأنه المساس بالمصلحة العامة.
وعند إشهارها في مايو من عام 1993، جذبت المنظمة انتباه العالم بأثره، وفي مكتبها المتواضع في برلين بالمانيا، تلقت المنظمة أرتالاً من الرسائل من كل أنحاء العالم معبرة عن الشكر والتقدير بأن الله قد سخّر للإنسانية من بين خلقه من يتولي مهمة القيام بعمل شئ نحو كشف الحقيقة، وضرورة الالتزام بالشفافية، ومحاربة الفساد، وتعقب الفاسدين. وفور إشهارها بدأ المهتمون في كثير من دول العالم إجراءات تأسيس فروع وطنية للمنظمة، ومن بين تلك الدول الولايات المتحدة، والمملكة المتحدة، والأيكوادور التي تم تعيين رئيسها، السيد/ البترو داهك، كأول رئيس للمجلس الاستشاري للمنظمة.
شكل عام 1994 سنداً معنوياً ومهنياً كبيراً للمنظمة حين انحازت إليها مجموعة العمل الأرجنتينية الشهيرة Poder Ciudadano كأول منظمة وطنية غير حكومية لها اسهامات متفردة على المستوي العالمي والمحلي، في مسائل الشفافية، والمحاسبة، ومحاربة الرشوة والفساد، وتعقب الفاسدين. ولقد زاد من زخم ذلك السند المعنوي والمهني أن رئيس المجموعة الأرجنتينية المشار إليها، الشخصية الكارزمية السيد/لويس مورينو أوكامبو (المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية) أصبح عضواً بالمجلس الإستشاري للمنظمة. نشأ السيد/ اوكامبو في حواري الفقر والعوّز في إحدى مدن الأرجنتين، مثلما نشأ وترعرع اللاعب الأسطورة مارادونا، واللاعب المتميز آرديليس الذي فعل بكرة القدم الأفاعيل، ومن خلال تجلياته في فنونها، أرغم الجمهورالانجليزي المتهوس، في إحدى المباريات باستاد ويمبلي الشهير، أن يهتف مطالباً بأن تتنازل المملكة المتحدة عن سيادتها على جزر الفوكلاند، في مقابل تنازل الأرجنتين عن حقها في مواطنة اللاعب آرديلس. فقد ساهم، بآدائه الساحر في كرة القدم، في انغشاع ضباب حرب لعينة بين المملكة المتحدة والأرجنتين حول السيادة على جزر الفوكلاند، أوشكت على التفاقم. ظل السيد/أوكامبو عضو المجلس الاستشاري لمنظمة الشفافية الدولية، والمدعي العام لدى المحكمة الجنائية الدولية، مؤمنا بأهدافه في محاربة أسباب الفقر، غير مساوما في مبادئه الأخلاقية وشرف مهنته برغم إغراءات وتهديدات مافيا الفساد المتجذرة في ذلك الجزء من العالم، ماضيا في مناهضة الظلم ومناكفة ومشاكسة الظالمين والفاسدين ليس فقط في بلده الأرجنتين، وإنما في معظم دول الشطر الجنوبي من القارة الأمريكية. لفت السيد/أوكامبو انتباه الضمائرالحية، والشعوب المتحضرة، وتوج نضاله الحقوقي المتفرد بأن تم تعيينه كأول مدعي عام لدى المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي إجلالاً واعترافاً صريحاً من المجتمع الدولي، ممثلا في المنظمة الدولية، باسهاماته الحقوقية العديدة في محاربة الفساد والظلم اللذان أوديا بأرواح الملايين من بني البشرفي تلك البقعة من العالم.
أما على الصعيد الوطني، وعلى الرغم من الاهتمام الدولي المشار إليه والاهتمام الإقليمي المتزايد بضرورة تطبيق وتفعيل آليات وإجراءات مكافحة الفساد والمتمثل في صدور اتفاقية الإتحاد الأفريقي لمكافحة الفساد African Union Convention On Prevention And Combating Corruption ، إلا أن هذا الأمر الحيوي الهام لم ينل الاهتمام المطلوب، ولم يتم وضع إستراتيجية قومية لمكافحة الفساد في السودان. فقد استشرى أمر الفساد واستفاض إلى الحد الذي جعله يستوعب كل مناحي الحياة، وتحول إلى ظاهرة سودانية خالصة. فهناك الفساد المالي، والفساد المهني، والفساد الأخلاقي، والفساد العنصري، والفساد السياسي، والفساد الإجتماعي، والفساد الأكاديمي، والفساد الديني. فقد وجد الانتشار والقبول ضاربا بكل القيم الدينية والمهنية والأخلاقية. كما أن الحكومة لم تتحرك كما ينبغي للتصدي لهذه الظاهرة، حتى تجذرت في معظم مفاصلها وهياكلها، في وقت ظلت فيه شعارات الطٌهر والرٌشد والدين والأخلاق مُشرعة في خطابها في مختلف المناسبات. والسواد الأعظم من الشعب السوداني، بسبب قلة الحيلة والفاقة، تعامل مع تجليات وحالات الفساد وكأنها قصص أو مسلسلات تختتم فصولها بأن يصبح الفاسدون أبطالاً.
أشار د. حيدر إبراهيم إلى أن أخطر تجليات الفساد أن يتحدث الناس عن الفاسدين باعتبارهم أذكياء أو علماء، وأن يتقاعس المواطن السوداني عن مواجهة أي فاسد خاصة إذا أصبح هذا الأخير رجل البر والأحسان. فالفاسد يسكت الألسن بتبرعات تافه من مال لم يأته بأي جهد. ومن هذه الظاهرة تفرعت كثير من القضايا من أهمها كيفية حماية الأطفال وأجيال المستقبل من الإعجاب بتلك النماذج من البشر، خاصة وأن التعليم لم يعد هو السلم الاجتماعي الذي يتم الصعود من خلاله إلى مراق أعلى. وعلى افتراض أن التعليم ظل هكذا، فهناك ظاهرة الفساد الأكاديمي، إذ صار التساهل في منح الشهادات الجامعية وما بعدها ِسمة ظاهرة، حيث أن الكثير من رسائل الماجستير والدكتوراة أتت خالية تماما من شروط العمل الأكاديمي، وأن مضمون الكثير من تلك الرسائل ضعيف ولا يصلح كمقالات في صحف سيارة، وأن هذه الدائرة الشريرة the vicious circle في العلم تضاهي دائرة السياسة، والإدارة والمال إذ يحمل كثيرون شهادات عليا ثم يحتلون مواقع في الجامعات ويقومون بمنح آخرين شهادات علمية، ويعيدون انتاج جهلهم وركاكتهم.
هذه نقطة مفصلية حين يستشري هذا الطوفان من الفساد، بكل ضروبه، و يحيط بالوطن دون مقاومة حقيقية حتى من الاسلاميين المعتدلين أو المستنيرين الذين، وإن تصدوا لهذه الظاهرة بتفاوت، إلا أن ردود أفعالهم مجتمعين، قد جاءت متسربلة بقدر مهول من الحياء والخجل.
استوقفني كثيرا ما ظل يردده السيد رئيس الجمهورية، مرارا وتكرارا، من أنه لا وجود لفساد في أجهزة ودواوين الحكم، وأن من يدعي بوجوده عليه أن يقدم الدليل على ذلك. إن فضيلتي الصدق والعدل، ياسيادة الرئيس، تحتمان علينا جميعا أن نعترف مستبسلين بوجود هذا الطوفان من الفساد في بلادنا، وأن نتحرك مستبشرين، لمكافحته بكافة السبل تطهيرا للمجتمع. وفيما يتعلق بالفساد المالي، وددت لو كنت ياسيادة الرئيس مٌطلعاً على ما يسمى بجرائم ذوي اللياقات البيضاء white collar crimes ، وهي في غالبها الأعم جرائم تقترفها الصفوة في المجتمعات المختلفة إما باستغلال الوظيفة العامة، أو بالتمسح بصفات سمحة غير متوفرة لديهم مثل الطهر والدين والعفة والوطنية، أو بعدم التفريق بين المال العام والخاص، أو بالتقاعس عن الالتزام بضوابط الشفافية والافصاح عن تضارب المصلحة العامة والخاصة، أو باستخدام أساليب الخداع، وفي كل الأحوال تكون تلك الجرائم محاطة بسرية وبمهنية عالية للإفلات من الملاحقة الجنائية والعقاب. أجاد أحد الكتاب الأمريكيين في وصف جريمة ذوي اللياقات البيضاء حين قال:-
"It leaves no violated or bleeding victim; its perpetrators are often church going community leaders who stand before the judge wearing tailored suits and repentant expressions. Yet such financial crimes can devastate an entire community rather than robbing a victim. Their impact can last for years, stealing crucial services or a lifetime's savings through crimes invisible to their victims"
فهي من الجرائم التي لا تترك ضحية محددة ملقاة في الشارع العام تنزف دماً، ومن سماتها أيضا أن الذين يقترفونها هم، في الغالب الأعم، من صفوة المجتمع المواظبين على آداء صلواتهم في الكنائس. ومع أنها لا تخلّف ضحية محددة إلا أن آثارها قد تتمدد لتدمر مجتمعات بأثرها بسبب سعة طيفها، وطول أمدها.
في مقال سابق طلبت من السيد المستشار الإعلامي لرئيس الجمهورية أن يلتزم الجميع بمواجهة الحقيقة باعتبارها القيمة الوحيدة التي ربما قد تفضي للمصالحة ومن بعدها للسلام في السودان، فلا سلام بدون كشف الحقيقة ومحاسبة الفاسدين والظالمين، وطلبت، كذلك من الشرفاء من أبناء الوطن، في الحكومة أو المعارضة أو الحركة الشعبية، أن تكون دعوة د. حيدر ابراهيم لرصد ومحاربة الفساد الذي أقعد الشعب السوداني، هي ضربة البداية في تكوين قطاع وطني مدني عريض، للنهوض بالمهمة على أكمل وجه. ومن تاريخ نشر ذلك المقال، تداعى الشرفاء من بني الوطن، من كل حدب وصوب، ترحيبا بالدعوة، واستعدادا لموازرتها وتبنيها. فمن خلال مجموعة اتصال في السودان تم تأسيسها في أغسطس 2004، سوف يتم تفعيل دعوة الحقيقة والمحاسبة، باستيفاء المتطلبات الأساسية لمنظمة الشفافية الدولية التي تشترط خلق تحالف عريض من كل قطاعات المجتمع، وصياغة خطة قومية لمكافحة الفساد لتمكين ذلك التحالف من الإطلاع بدروه المنشود في النهوض بمهام كشف الحقيقة باتباع السياسات والإجراءات النمطية للمنظمة، وتمليك المعلومة للرأي العام، ومحاربة الفساد، وتعقب الفاسدين، وفتح المنابر الحرة للتصدي ليس فقط للفساد المالي، وإنما أيضا لكل الظواهر الاجتماعية والدينية والمهنية والأخلاقية التي تهدد بإنهيار المجتمع السوداني. وعند الوفاء بتلك الشروط وما يليها من إجراءات، سوف يتم التوقيع على اتفاقية مع الأمانة العامة لمنظمة الشفافية الدولية في برلين/ألمانيا تقضي باعتبار مجموعة الاتصال فرعا وطنياً وشريكاً لمنظمة الشفافية الدولية. وسوف يكون لفرع منظمة الشفافية الدولية المُزمع إنشاؤه دوراً محورياً في الشأن السوداني فيما يخص كشف الحقيقة، ومحاربة الفساد، وذلك عبر محاور عديدة من بينها تطوير فكرة المصالحة الواردة في بروتوكول قسمة السلطة في اتفاقيات السلام إلى آلية للحقيقة والمصالحة لفترة ما بعد السلام، وباعتبار أن هناك العديد من الجرائم تشكل انتهاكاً للحقوق الاقتصادية والاجتماعية للمواطنين السودانيين، ومن ثم بلورة خطة عامة لإعادة الحقوق المنهوبة التى تم التغول عليها بدون وجه حق خلال السنوات الماضية.
في مخطوطته الفريدة ( أهوال الحرب وطموحات السلام) قال الأستاذ المخضرم الدكتور منصور خالد بأن لجنة الحقيقة والمصالحة التي تتبناها الحركة الشعبية ربما تتخذ من تجربة جنوب أفريقيا نموذجاً يُحتذى. وأشار إلى أن تلك التجربة كانت مبادرة من رجلين نبيلين، نلسون مانديلا ودزموند توتو ارادا بها تطهير النفس، والسمو عن المواجع، واستشراف المستقبل بدلاً من التلبث عند الماضي، وأن اللجنة المشار إليها تكونت بعد وفاق بين المؤتمر الوطني الأفريقي (حزب مانديلا) والحزب القومي (حزب ديكليرك) تضمن تبني الحزبين لقانون صدر في العام 1990 (قانون تعزيز الوحدة والمصالحة الوطنية)، وكانت لجنة الحقيقة والمصالحة عنصراً مهماً من عناصره . وأنه من تلك اللجنة انبثقت لجنة قانونية مستقلة يترأسها قاض من قضاة المحكمة العليا للنظر في حالات الانتهاك الخطير لحقوق الانسان يُقر فيها المذنب بذنبه في جلسة علنية ويعفو فيها المجني عليه عن الجاني. وأضاف المخضرم الدكتور منصور بأن الهدف من العملية كان هو ابراء الذمم وضمد الجروح، وأن على الدولة، في كل الحالات التي تستدعى تعويضاً مادياً ولا يكفي فيها رد الاعتبار المعنوي، أن تقوم بتعويض الضحايا.
في الختام، نطرح هذه المبادرة عبر هذا الفضاء الأسفيري من خلال هذه الصحيفة، فهي موجهة للإنسان السوداني اينما كان، ومهما كان جنسه، أولونه، أوعرقه، أودينه، أوفكره السياسي، وهي بفضل الله، ثم بفضل ما احتواه مشروع الخطة القومية لمحاربة الفاسد من مبادئ و قواعد واجراءات، وما وجدته من مساندة من قطاع كبير من بني الوطن، وما سوف تجده من تأييد دولي في الفترة المقبلة في شأن رُشد حكامنا، وحرية إعلامنا، وتمليك المعلومة لرأينا العام، وضرورة الالتزام الصارم بمبادئ الشفافية والمحاسبة، سوف تنداح وتنداح لتصبح فرعا لمنظمة الشفافية الدولية تشمل فوائده المبتغاة كل قطاعات الشعب السوداني.
،،،وللفضيلة رب يرعاها وشعب يحميها،،،


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.