كواليس صادمة... كيف تعطلت صفقة تسليح الجيش السوداني في اللحظات الأخيرة؟    بالصورة.. الصحفي السوداني الشهير حسين خوجلي يستعيد بصره وسط سعادة أصدقائه ومتابعيه: (عودة البصر لصاحب البصيرة والوان وحمدا لله على السلامة أبو ملاذ)    الباشا طبيق : السيطرة على الكرمك تعيد تشكيل الخريطة العسكرية في السودان    تعديل وزاري مرتقب في السودان يشمل ست حقائب وزارية    11 دقيقة إضافية من النوم ليلا تساعد فى الوقاية من النوبات القلبية    13 حزمة لغوية جديدة لترجمة محادثات "واتساب"    سناب شات" يحوّل الصور إلى فيديو بالذكاء الاصطناعي    هل يكون محمد صلاح الصفقة الكبرى القادمة بالدوري الأمريكي بعد جريزمان؟    جلسة مع محمد صبحى في الزمالك.. اعرف السبب    استمرار محاولات الأهلي لإنهاء أزمة الشرط الجزائي مع توروب    يارا السكري تكشف لليوم السابع تفاصيل دورها فى فيلم صقر وكناريا    شاهد بالصورة.. فاتنة الإعلام السوداني تخطف الأضواء بأحدث إطلالة لها والجمهور يطيل الغزل في جمالها: (يا دووب كدة عيدنا)    باسم سمرة: الناس بقت تناديلى ب«زكى».. ونجاح عين سحرية توفيق من ربنا    ذكرى رحيل أحمد حلاوة.. ممثل جمع بين الهندسة والدكتوراه فى فلسفة الفنون    نصائح لوقاية مرضى حساسية الصدر من التقلبات الجوية والرياح    مشروبات تساعد على حرق الدهون بعد كحك العيد    اكتشاف مرض وراثي جديد يسبب الشيخوخة المبكرة والقصور الإدراكى    شاهد بالصور. الفنانة مروة الدولية تفاجئ الجميع وتعتزل الغناء وعازفها الشهير ينشر مراسلات واتساب بينهما أكدت فيها تمسكها بالقرار    بالصور.. مدارس أبو ذر الكودة تلزم أسرة طالب بدفع غرامة قدرها 100 ألف جنيه بسبب كسره مفتاح مروحة بالفصل ومتابعون يتصدون للدفاع عن المؤسسة    شاهد بالصورة والفيديو.. في تقليعة جديدة.. شباب سودانيون يلطخون صديقهم العريس ووزيره ب"ظهر الصابون" و"البودرة"    الهلال يواجه ضغط المباريات في رواندا    ((نار فلوران ولاجنة ريجيكامب؟؟))    جبريل يلتقي المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة إلى السودان    مهلة أخيرة للمخالفين: خيارات متعددة لمعالجة أوضاع التأشيرات المنتهية في السعودية    كيف تفاعل النجوم مع خبر رحيل صلاح عن ليفربول؟    ضبط 2800 قندول بنقو بالجزيرة في عملية نوعية لمكافحة التهريب    تعطيل الدراسة في الخرطوم    المريخ يكثف درجات إعداده ويتدرب بالصالة    النخبة بالخرطوم.. كيف؟    "تمبور" يكشف عن توجيهات صادرة جديدة    ترامب يصدر أوامره ويكشف تطورات مثيرة مع إيران    طهران ترد على تهديدات ترمب    هل مخالفة ترامب خلل في الكون؟!    هل تستطيع أمريكا احتلال جزيرة خارك الإيرانية؟    الأمن يداهم مخزن يبيع الوقود المهرب لعصابات التنقيب عن الذهب    تراجع معدّل التضخّم في السودان    بادي يصدر مرسوم تنظيم أعمال التعدين التقليدي وضبط آليات التعدين بالنيل الأزرق    رئيس الأهلي مدني وابنه يتعرضان لحادث مروع    المباحث تنهي مغامرات شبكة إجرامية متخصصة في الإحتيال علي أصحاب المحلات التجارية عن طريق اشعارات تطبيق بنكك المزيفة    شركة كهرباء السودان تحديث حول سير أعمال الصيانة الطارئة للشبكة القومية    توقّعات بارتفاع غير مسبوق في أسعار النفط    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    الشيخ بن زومة.. إلى جنة الخلد    أغلى علبة كعك في مصر تشعل مواقع التواصل    قيم الهلال المتوارثة يجب أن تبقى أبد الدهر    بنك السودان المركزي يصدر توجيهًا للمصارف    إبراهيم شقلاوي يكتب: الزراعة ما بعد اقتصاد الحرب    في زمن الضجيج.. القرآن بوصلة المعنى والسكينة    د.مزمل أبو القاسم يكتب: دموع الباز.. وزاهر! (2)    السودان.. الدفاع المدني يستعين ب"التوك توك"    طفح جلدي في رقبة الرئيس ترمب يثير تساؤلات حول صحته    ملتقي التحصين للعام 2025 ينعقد بحضور التحالف العالمي للقاحات والشركاء    صوت لا يغيب.. محمد رفعت ورحلة الآذان الخالد في رمضان    أجهزة الأمن السودانية تنهي مغامرات لص الصيدليات في عطبرة    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    السودان.. فكّ طلاسم"تبيدي للمجوهرات" في الخرطوم والتحقيقيات تفجّر مفاجأة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



المتقاعدون : كنز نفيس .. توفيق عبد الرحيم منصور (أبو مي)


بسم الله الرحمن الرحيم
http://www.tewfikmansour.net
بداية أوضح بأن فرص العمل في العالم تضيق يوماً بعد يوم .. ونسبة البطالة في معظم الدول في تصاعدٍ مستمر، مما يخلق الكثير من المشاكل المعقدة والعويصة، الأمر الذي يدفع ببعض الدول أحياناً لتشجيع موضوع (التقاعد قبل السن القانونية).. وأن نسبة البطالة في الوطن العربي على وجه الخصوص عالية جداً وتصل إلى 14،60 ، تزيد أو تنقص من بلدٍ لآخر .. وعليه فهناك إشكالية من وجهة نظر البعض في قضية تشغيل المتقاعدين .. وبالرغم من كل هذا سأتناول هنا موضوع أهمية وكيفية الاستفادة من المتقاعدين المتميزين الذين يشكلون نسبة ليست بالعالية، وثروة فكرية وعملية هامة، وذلك دون التأثير على موضوع التشغيل بأبعاده المعروفة .. وكذلك سيتم التطرق للضوابط الصارمة، التي يجب أن تتخذ في حالة إعادة تشغيل المتقاعدين في دوائرهم التي كانوا بها، وذلك للاستفادة من خبراتهم في الحالات الماسة والمجدية للطرفين، أي جهة التشغيل والمتقاعد ..
لا شك في أن العديد من أجهزتنا الرسمية تُخَرِّج عبر آلية التقاعد من وقتٍ لآخر، وحسب ما تقتضيه أنظمتها، مجموعات من الأطر ذات الكفاءة العالية والتجارب الثرة.. ومعظم هذه الأطر المتقاعدة ذات عقولٍ ناضجة، وخبرات هامة كماً ونوعاً.. وعند التقاعد تصطدم تلك العقول بفراغٍ قاتلٍ يؤثر على صحة الكثيرين منهم . هذا ونسبة مقدرة من تلك العقول لا تجتهد في البحث عن عمل لها بعد التقاعد، لاكتفائها مادياً، أو لأن صحتهم أضحت لا تسمح بالعمل المنتظم والمضني ..
عموماً معظم المتقاعدين ونسبة لما تَشَرُّبوه في حياتهم من مسؤوليات، وتحسسهم لواقع بلدانهم، لا يعارضون مبدأ العمل بعد المعاش، وذلك تطوعاً، أو بأي شكلٍ رمزي، أو بكامل الأجر إن كان ذلك بالإمكان، ولكن شريطة أن يُنظم ويُهندس التعيين المؤقت بطريقةٍ وأسلوبٍ علمي فعال .. وهندسة هذا الأمر تعود بالنفع في المقام الأول على الأجهزة المعنية، ومن ثم على المتقاعدين .. هذا ولا شك أن خارطة الاستفادة من المتقاعدين تتطلب دراسة متأنية، وتشمل في طياتها النظر في تجارب من سبقونا في هذا الأمر سواء من الدول الغنية أو النامية أو الأجهزة الدولية ..
الدول المتقدمة كانت سباقة في مجال الاستفادة من (المتقاعد) لقناعتها بأنه يختزن الكثير من الخبرات والطاقات والنضج النفسي والعملي .. وتأتي اليابان في مقدمة تلك الدول، حيث اعتبرت وبعقليتها الحضارية، وروح مجتمعاتها الوثابة، بأن المتقاعد إنما يشكل شريحة هامة من الثروة القومية، وذلك نسبة لخبرات المتقاعدين وكفاءاتهم ودورهم في بناء المعجزة الاقتصادية والصناعية والتكنولوجية اليابانية ..
أما في أمريكا فلم يقتصر الدور فقط في الاستفادة التقليدية من المتقاعدين، وذلك بتشغيل بعضهم فحسب، بل ابتكرت الشركات العملاقة التكنولوجية مثل شركة (مايكروسوفت) للمتقاعدين وكبار السن عدة برامج مجانية لمساعدتهم لأجل الاستمرارية في العطاء من داخل منازلهم عبر الحاسوب والإنترنت، وذلك لتمكين شريحة أكبر من قطاع الأعمال بأمريكا من الاستفادة من خبراتهم .. خاصة وأن عدد من يرغب في العمل من المتقاعدين في أمريكا يزداد يوماً بعد يوم، فقد أوضح استبيان أمريكي بأن 70% من المتقاعدين بأمريكا يرغبون في العمل بعد سن الخامسة والستين .. هذا وقد صرح مسؤول بشركة (IBM) بأن هناك حاجة ملحة من قبل الهيئات بأمريكا لأجل الاستفادة من خبرات المتقاعدين، بواسطة التقنيات الحديثة .. وقد بدأت بالفعل شركة (IBM) في إنتاج حواسيب ذات (لوحات مفاتيح) تناسب كبار السن، وتصلح لمعظم المتقاعدين، ومجهزة ب(ماوس) يتجاهل الحركات الناتجة عن ارتعاش اليد، إضافة لبرامج كتابة تسهل الكتابة السريعة لمن اعتاد أن يكتب بيدٍ واحدة .. هذا إن دل إنما يدل على أن مصنعي الحواسيب والتقنيات الحديثة قد أدركوا أهمية التواصل مع المتقاعدين وكبار السن لأجل الاستفادة منهم، الأمر الذي دفعهم لتطوير الحواسيب لتقترب أكثر منهم ..
التقاعد : نبذة تعريفية وتاريخية ..
التقاعد؛ كمفردة بتركيبتها اللفظية ودلالاتها الحالية لم تكن معروفة في معاجم اللغة، وهي كلمة من الكلمات المُحدثة التي اعتمدها المجمع اللغوي بالقاهرة لمجاراة الواقع وتطورات العصر .. هذا وقد جاء في (المعجم الوسيط : تقاعد الموظف عن العمل أي أحيل إلى المعاش) .. وجاء في لسان العرب لإبن منظور تحت "قعد" (وتقعَّد فلان عن الأمر لم يطلبه) ..
والتقاعد هو أحد الأنظمة الاجتماعية الحديثة، ولم يكن موجوداً في المجتمعات السابقة على الأقل بشكله المنظم في هذا الزمن .. أما بشكله الحديث فقد أوجده لأول مرة في التأريخ (بسمارك 1871- 1890) الذي اعتمد بألمانيا بأن من يبلغ سن الخامسة والستين من موظفي الدولة يكون مؤهلاً لنيل راتب تقاعدي .. هذا وتشير بعض أدبيات التقاعد إلى أنه ارتبط بنشأة البيروقراطية والمنظمات الحكومية والتحولات الاجتماعية والسياسية التي شهدتها أوروبا .. هذا وقد ساهمت عدة عوامل في نشأة التقاعد وتنظيم أمره، منها؛ الثورة الصناعية، والتطور الصناعي، والتطور الاقتصادي بالدول الغربية، الأمر الذي أدى لتوفر مال التقاعد . كذلك كان لدور التطور الصحي الذي أدى لإطالة عمر الإنسان القدح المعلى في التفكير في أنظمة التقاعد . وعليه توجب تأمين مال يساعد المتقاعد في تدبير أمره، فالمتقاعد في هذا الزمن قد زاد (عمره التقاعدي) ونقص (عمره في العمل) عما كان عليه في الماضي ..
هذا وتشير أدبيات الإسلام وتاريخه إلى أن بلاد المسلمين عرفت التقاعد قبل أوروبا، ولكن ليس بأسلوب الأنظمة الحديثة . ففي شذرات الذهب لابن العماد نجد : (توفي في سنة 952 ه أحمد بن حمزة الحنفي الذي اشتغل بالعلم ... ثم صار قاضياً بمصر ... ثم أُعطي تقاعداً عنها بمائة عثماني ومات على ذلك، وخلف دنيا طائلة وكتبا نفيسة) .. هذا وقد جاء أيضاً في الأثر عن الاستفادة من خبرات الكبار (المتقاعدين) الآتي : (فالإمام أبو الفرج الجوزي المتوفى في سنة 597 ه ألف العديد من الرسائل عن كبار السن والاستفادة منهم كمخزن للخبرة خاصة في مجال التعليم) ..
ومع هذا يمكننا القول بأن التقاعد لم يكن معروفاً في تاريخ الدولة الإسلامية منذ وضع الدواوين في عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه بأي شكلٍ مما نراه اليوم .. وتحديد سن معينة للتوقف عن العمل لا يعترف بها الإسلام الذي يعتبر العمل قيمة إنسانية عالية . والإسلام يحث الإنسان على أن لا يعيش عالة على غيره، وأن لا يتوقف عن العطاء وإن قامت الساعة .. يقول الرسول الكريم محمد (ص) : "إن قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة، فإن استطاع أن لا يقوم حتى يغرسها فليفعل" .. والفاروق (عمر بن الخطاب) رضي الله عنه يقول : " لا يقعد أحدكم عن طلب الرزق ويقول اللهم أرزقني، وقد علم بأن السماء لا تمطر ذهباً ولا فضة ..." ..
أما التعامل والتعاطي في زمننا هذا مع (التقاعد) وسَن نظمه في بلاد المسلمين، إنما هو استجابة لضرورات العصر واستيعاب الشريعة السمحة نفسها لنظام التقاعد وغيره من أنظمة العصر المستحدثة التي فرضتها ظروف العصر وضروراته .. وعليه نخلص إلى أن معظم المتقاعدين الذين تسمح لهم ظروفهم الصحية بالعمل، يتوقون إلى أن لا يتوقفوا عن العطاء ولو بأشكال أخرى غير تلك التي عهدوها أثناء حياتهم العملية المنتظمة ..
آلية التقاعد تتمثل في خصم جزء من مرتب العامل أو الموظف للفترة منذ بداية عمله حتى توقفه .. ويمكن أن تعطى له في شكل مكافأة أو بأي شكلٍ متفق عليه .. كذلك تحديد سن معينة يتوقف عندها العامل أو الموظف عن العمل إجبارياً بغض النظر عن حالته الصحية .. أما مقاصد التقاعد فتتمثل في إيجاد حياة كريمة للعامل أو الموظف بعد تركه الخدمة وتشكل بذلك أحد أنظمة الرعاية التي يقدمها المجتمع لأفراده ..
عموماً الدراسات الخاصة بالتقاعد والمتقاعدين في بلادنا والوطن العربي محدودة جداً، بعكس الدول المتقدمة، والنذر اليسير منها ركز على البعد الإنساني والاجتماعي، وليس على مدى الاستفادة من المتقاعدين .. هذا ونستدل من ذلك بأن (الرابطة العربية للجان الوطنية لكبار السن) تأسست في السنوات القليلة الماضية!. وفي المملكة العربية السعودية تم الإعلان عن الجمعية الوطنية للمتقاعدين في 2006.. بالطبع هناك الكثير من الاجتهادات في تنظيم أمور المتقاعدين الآن في الوطن العربي، وبالأخص بالجمهورية اللبنانية كمثال . ومعظم هذه الاجتهادات المقدرة تركز على الحالة الاجتماعية للمتقاعدين، ولكن ما يخص أمر الاستفادة منهم كخبرات وبنُظم مدروسة ومنضبطة يبقى ضعيفاً أو منعدماً في بلادنا ومعظم بلاد العرب والأفارقة ..
أهمية ونوعية الخبرات المتقاعدة ..
المتقاعد في بلادنا، وعلى وجه الخصوص من يحمل درجاتٍ أكاديمية عليا، أو من يمتاز تخصصه بالندرة، إنما يشكل حقيقة ثروة يمكن الاستفادة منها في شتى الأوجه .. وعليه يجب الاهتمام بتلك الخبرات المتقاعدة، الأمر الذي لا يشكل مطلباً إنسانياً فحسب، إنما يشكل في المقام الأول حاجة اقتصادية ملحة خاصة في بلادنا .. هذا ومما لاشك فيه فإن الخبرات الإنسانية تعتبر ذات أهمية كبرى، وأن الحضارة الإنسانية أساساً هي نتاج عملية خبرات تراكمية .. والخبرات التراكمية لا شك متوفرة بشكل كبير في متقاعدي بلادنا سواء من عملوا في أجهزتنا، أو في بلاد المهجر، أو في المنظمات الإقليمية والدولية ..
هذا وعادة ما يتوفر المتقاعدون من الموظفين السابقين على ما يلزم من مهارات ومعارف مؤسسية تمكنهم من مباشرة الأداء على نحوٍ كاملٍ، ودون الحاجة لفترة تعلم . وعليه وفي معظم الحالات يعتبر استخدام المتقاعد أكثر الوسائل فاعلية من حيث التكلفة، لتلبية الاحتياجات التشغيلية على المدى القصير .. وخلاصة القول فإن معظم المتقاعدين قيمتهم عالية، فهم يحسنون ما يوكل إليهم وبأنجع الأساليب . وكما جاء في مقدمة ابن خلدون : (يقال عن على رضي الله عنه "قيمة كل أمريء ما يُحسن" بمعنى أن صناعته هي قيمته ..) .. وقيمة المتقاعد في معظم الحالات عالية ..
الحاجة الماسة للخبرات المتقاعدة ..
كما تقدم ذكره، فإن الخبرات التراكمية لدى المتقاعد المتميز والنادر من خلال أجهزتنا المختلفة، أو بلاد المهجر، أو الأجهزة الدولية والإقليمية، لا تقدر بثمن .. وفي نفس الوقت فبلادنا في حالة تنمية، وتحفها الكثير من المشاكل والصعاب، وتحتاج لعقول جبارة لإدارة دفة التحول والتطور .. كذلك فإن معظم الخبرات السودانية بالأجهزة الدولية والإقليمية، إنما لديها ملكات ومعارف ودراية بتضاريس دروب التنمية الشاقة، وتتفهم جيداً العقلية الأجنبية والدولية وكيفية التعامل معها .. كذلك فإن أطرنا المتقاعدة من الأجهزة الدولية ممن قضوا بها فترات طويلة، إنما يشكلون أدمغة هامة بالنسبة للتعامل أو إجراء الدراسات أو الاستشارات، ومعظمهم سبق إن أوكلت لهم مهمات طويلة أو قصيرة ومحددة لحل مشاكل دول نامية أو شبيهة ببلادنا .. كذلك فإن بعض الدول الفقيرة والتي تحتاج لاستشارات مكلفة ودراسات باهظة التكلفة لا شك سيفيدها كثيراً أمر التعامل مع خبرات السودانيين المتقاعدين . هذا وللأسف الشديد فإننا نجهل حتى من (هم أو عددهم) من أبنائنا الذين تقاعدوا من الأجهزة الدولية والإقليمية !! ..
المعوقات التي تواجه الاستفادة من الخبرات المتقاعدة ..
الدول المتقدمة أدركت قبل زمن طويل أهمية الاستفادة من الخبرات المتقاعدة، وأثبتت عملياً بأن لهم دور إيجابي .. وبالفعل عملت على استثمار ملكاتهم الفعالة والمجدية .. ولكن بالطبع فإن عملية الاستفادة في الدول المتقدمة لها خارطة تنير طريقها ومتطلباتها، الأمر الذي لا يوجد في بلادنا أو أجهزتنا على الأقل إلى الآن !.. وهذا الأمر يشكل أول المعوقات .. فموقف بلادنا أو أجهزتنا من الاستفادة من المتقاعد خاصة ذي الخبرة النادرة والهامة، سلبي للغاية !.. كذلك فإن المتقاعد السوداني وعلى وجه الخصوص الغير محتاج لمالٍ كمعظم ألأطر المتقاعدة من، المنظمات الدولية والإقليمية ودول المهجر، لا يذهب أبداً لعرض نفسه أو خدماته على الآخرين . ولذلك فإن عدم وجود آلية للتعرف والوصول أو التواصل مع المتقاعد خاصة النادر والمتميز تشكل أحد أهم المعوقات .. وأسوق هنا قصة وقعت بالفعل في مدينة الخرطوم بحري .. (أحد المتقاعدين من ذوي الكفاءات النادرة، وبعد أن انزوى في بيته، رأت إحدى كريماته بأن البلد يحتاج لخبرته حتى ولو بعمل استشاري خفيف وغير مضني، ولعلم ابنته بأن أباها سوف لن يُقدِم على تقديم نفسه، أو كتابة (طلب للعمل) ولو تطوعي، ولأنها أدركت بأن وجوده في البيت سوف يؤثر على صحته كثيراً، فقد قامت بتصوير شهاداته العلمية وسيرته الذاتية وكتبت باسمه لعدة جهات (داخل وخارج البلاد) عارضة خدماته، وفوجئت بأن جميع الجهات التي خاطبتها تسابقت لنيل شرف تشغيل أبيها معهم !!) ..
خلاصة القول هو أن موضوع إعادة استخدام المتقاعدين، أو الاستفادة منهم في بلادنا، تُوَاجَه بشح الدراسات والمقالات في هذا الصدد، وكذلك بقلة الإحصاءات، وصعوبة الاتصالات بالمتقاعدين، وكذلك بصعوبة الحصول على قوائم المتقاعدين خاصة بالأجهزة الأمنية والعسكرية ..
الأمم المتحدة وأسلوبها في الاستفادة من المتميز والنادر من الأطر المتقاعدة ..
بداية أشير إلى أن أجهزتنا المختلفة بالسودان أكاديمية كانت أو حكومية أو خاصة، إن رأت أن تستفيد بشكل منظم من خدمات المتقاعدين، فالأمر يتطلب تقنيناً وقرارات بمستوى عالٍ للعمل بموجبها . وهنا نعرض بدايةً وكمثال ما يتم بالأمم المتحدة وأجهزتها كمثال نستنير به ..
في الأمانة العامة للأمم المتحدة هناك قراران من الجمعية العامة بخصوص استخدام المتقاعدين من موظفيها السابقين، وهما القرار رقم 57/305، والقرار رقم 59/266 .. (يلزم القراران الأمين العام للأمم المتحدة بتقديم تقريرٍ كل سنتين عن استخدام الموظفين المتقاعدين، على أن يشمل التقرير معايير اختيار الموظفين في الفئات الفنية، وعدد الموظفين المتقاعدين المتعاقد معهم لفترةٍ تتجاوز السنتين، وعدد المتقاعدين الذين يعملون في وظائف تؤثر في عملية اتخاذ القرار ولا سيَّما في مجالات التوظيف والترقية على نطاق الأمانة العامة وفي الميدان .. فضلاً عن الحالات التي يُعهد فيها بمسؤوليات التمثيل لدى الهيئات الحكومية الدولية إلى موظفين متقاعدين .. وموضوع إبقاء الموظفين في الخدمة بعد سن التقاعد الإلزامي)..على ضوء القرارين المشار إليهما يقدم الأمين العام للأمم المتحدة تقريراً كل سنتين بشأن (استخدام المتقاعدين) للجمعية العامة .. وعادة ما يتطرق التقرير إلى مستويات الموظفين المتقاعدين الذين استعانت بهم المنظمة ونوع التعاقد .. ويشمل التقرير تحليلاً كاملاً وشاملاً لما تم خلال سنتين ..
ثانياً:- منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (الفاو) ..
تعمل (الفاو) بالطبع على ضوء قراري الأمم المتحدة في شأن استخدام المتقاعدين والمشار إليهما في (أولاً) ولكن لدى (الفاو) قواعدها ونظمها الداخلية والتي من أهم شروطها التالي :-
أن تكون مدة ثلاثة أشهر قد انقضت منذ تقاعد الموظف في سن 55 أو ما فوقها ..
أن لا يحصل الموظف على أكثر من 22 ألف دولارا في السنة باستثناء موظفي الخدمات اللغوية إذ يكون سقفهم المالي 44 ألف دولارا في السنة .. ألا تتجاوز مدة الخدمة ستة أشهر في السنة .. لا يجوز استخدامهم عند مستوى أعلى من المستوى الذي كانوا عليه عند خروجهم من الإدارة المعنية .. ألا يحصلوا على تعويض بمستوى أعلى مما يحصل عليه الموظفون العاملون في نفس الوظيفة وفي نفس العمل ..
على ضوء ما تقدم كأمثلة بخصوص الاستفادة من خبرات وخدمات المتقاعدين، يتضح لنا بأن هناك وضوحاً وقوة ومتابعة مدعومة بقرارات عالية المستوى، بشأن الاستفادة من المتقاعدين بالنسبة للأمانة العامة للأمم المتحدة وأجهزتها الدولية والإقليمية، وهناك لجان وتقارير ومحاسبة ومتابعة على مستوى الأمانة العامة للأمم المتحدة، وعليه فلا مجال للمجاملات، بل تدقيق بمستوى رفيع لأجل الاستفادة من الكوادر المتقاعدة التي تحتاج لها الأمم المتحدة في مهامها المعقدة والملحة والخطيرة ..
كما تقدم فإن تقنين أمر (توظيف المتقاعدين) في نفس الجهاز الذي يعملون به، يجب أن تسبقه قرارات بمستوى رفيع .. ثم تتبع تلك القرارات (قواعد تنظيمية) لأجل الشروط العامة والترتيبات التعاقدية التي يجب احترامها بدقة تامة، كما يجب مراقبتها من جهات أعلى ..
خلاصة القول هو أن الاستفادة من خبرات المتقاعدين النادرين والمتميزين فيها نفع كبير للجهة التي تنشد الفائدة، وكذلك للمتقاعد الراغب في العمل، وذلك من الناحية السيكولوجية التي تنعكس على حالته الصحية والذهنية واستمرار يته في العطاء لأطول فترة ممكنة، إما عن طريق التطوع، أومن خلال أجر مادي متواضع، أو بأجرٍ كامل، أو بحافزٍ يُتفق عليه ..
هذا ويتطلب الأمر بداية تصميم قاعد بيانات اليكترونية، تضم جميع متقاعدينا بالقطاع الخاص والحكومي ودول المهجر والمنظمات والأجهزة الدولية، على أن تكون قاعدة فعالة ومحدثة على الدوام .. وهذا الأمر يتطلب حصراً شاملاً للمتقاعدين مجهزاً بالسيرة الذاتية، وعناوين المتقاعدين، وجاهزيتهم للانخراط في بعض المهام التي ربما توكل إليهم إما في بلادهم أو الخارج .. كذلك يجب أن تشمل القاعدة أيضاً تحديد المهام والأنشطة التي تحتاج لخبرات المتقاعدين ببلادنا .. هذا وننبه إلى ضرورة حث مراكز الدراسات ببلادنا لإجراء دراسات خاصة بالمتقاعدين، ومدى الاستفادة من الكفاءات النادرة، والتعريف بمجالات وآلية الاستفادة .. كذلك نشير لأهمية إعداد الذين هم على وشك التقاعد لتفهم واقعهم الجديد، وحثهم على التواصل بعد التقاعد، لأجل الفائدة المشتركة وذلك حين توفر فرص عمل مؤقت لهم . هذا الأمر تتبعه الأمم المتحدة ومنظماتها .. كذلك يجب على من يعنيهم الأمر القيام بتشجيع إقامة أندية أو جمعيات للمتقاعدين .. أو تكوين نادٍ أو منتدى افتراضي اليكتروني بموقع لوزارة يهمها الأمر ببلادنا .. كذلك نشير لأهمية تزويد القطاع الخاص ورجال الأعمال بقوائم الخبرات النادرة للمتقاعدين السودانيين من خلال القاعدة الاليكترونية، إضافة لبعض القطاعات الأخرى مثل الجامعات والسلك الدبلوماسي ومراكز البحوث وما إلى ذلك .. أي بمعنى الترويج لتلك الخبرات النادرة والهامة والتي ترغب في مواصلة العطاء تطوعاً أو بأجر رمزي .. كذلك نشير لأهمية حث الولايات على مشاركة المتقاعدين في مجالسها المختلفة، لأجل المشاركة في التنمية عامة، وتنمية المدن خاصة، كمستشارين، إضافة إلى التواصل معهم لإشراكهم في بعض اللجان الوطنية الخاصة بمواضيع معينة .. وكل ما تقدم يُوتي أكله عن طريق القاعدة الاليكترونية التي ستساعد جميع الأطراف في أمر الاستفادة من المتقاعدين .. والله الموفق، وإلى لقاء ..
توفيق عبد الرحيم منصور (أبو مي)
http://www.tewfikmansour.net


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.