السودان.. وزير الشباب والرياضة يصدر قرارًا    وزير المعادن: السودان ينتقل من تعدين الذهب إلى عصر المعادن الاستراتيجية والطاقة النظيفة    بدر للطيران تدشن رسميا خط بورتسودان دنقلا    دوري أبطال أفريقيا يشتعل.. 3 أندية تتأهل رسميًا وصراع مفتوح على 5 بطاقات    توجيهات بحجز جميع المركبات والشاحنات المخالفة لقرار حظر تداول الحديد الخردة ونقل الحطب بالخرطوم    ارتفاع في وارد المحاصيل الزراعية بسوق القضارف    لجنة (الجاز).. المريخ (هوَ اللي بيطلع جاز)..!!    وزير الشباب والرياضة بنهر النيل يؤكد دعمه لتفعيل العمل الشبابي والرياضي بالولاية    المنصوري يتعهد بتقديم الدعم لتنمية الثروة الحيوانية بمحلية الحصاحيصا وجامعة الجزيرة    موعد تجربة سيري 2.0 لأول مرة على آيفون    مان سيتي يسرق الفوز من ليفربول    "إيغاد" ترحّب باستئناف السودان المشاركة في المنظمة    عبلة كامل حديث السوشيال ميديا رغم الغياب    رحمة أحمد تفاجئ الجمهور بظهورها بالحجاب على البوستر الرسمى لمسلسل عرض وطلب    عثمان ميرغني يكتب: كبري الحلفايا...    انخفاض أسعار النفط والذهب والفضة يواصلان مكاسبهما    بإطلالة نارية وقرد صغير.. رامز جلال يلمح لمقالبه في رمضان    السودان.. الإعلان عن توفير 40 ألف وظيفة حكومية    السودان..تمديد فترة تسجيل طلاب الشهادة الثانوية للوافدين    ترامب يهاجم مغنيا شهيراً.. "رقصه مقزز وكلامه غير مفهوم"    وزير الشباب والرياضة يخاطب جماهير السَّلَمة الكباشي ويتكفّل برعاية البراعم والناشئين    مدير مستشفى سنار التعليمي يشيد بالمقاومة الشعبية والمنظمات لتطوير المستشفى    علامة تحذيرية لمرض باركنسون قد تظهر فى الأنف قبل سنوات من التشخيص    مشروب من مكونين يخفض وزنك ويحافظ على استقرار سكر الدم    شاهد بالصور.. كان في طريقه للتوقيع لفريق الخرطوم.. لاعب سوداني يتعرض لإصابة نتيجة انفجار "دانة" تسببت في بتر يده ورجله والنادي يكرمه بعقد مدى الحياة    شاهد بالفيديو.. قائد ميداني من أبناء "المسيرية" يعلن انشقاقه من الدعم السريع ويقسم على المصحف بسحب كل أبناء القبيلة من المليشيا    شاهد بالفيديو.. افتتاح مستشفى بمواصفات عالمية بمنطقة شرق النيل بالخرطوم والجمهور يشببها بأكبر المستشفيات بالخليج    شاهد بالصور.. مواطن سوداني محتجز بأحد إقسام الشرطة بمصر يرسل رسالة لأقاربه على قطعة "كرتون" (أحضروا لي ملابس)    مدير عام قوات الجمارك: لن نتهاون في حماية الوطن من سموم المخدرات والسلاح    مجموعة الهلال السوداني.. صنداونز يقتنص التعادل ويبقي آمال التأهل في دوري الأبطال    الجمارك في السودان تحسم جدل رسوم بشأن الأثاثات والأجهزة الكهربائية للعائدين    الأهلي يبلغ ربع نهائي أبطال أفريقيا.. والجيش الملكي يهزم يانج أفريكانز    اكتشاف وجود علاقة بين الاكتئاب وهشاشة العظام    أفراد من الشرطة يلقون القبض على السائق الخاص بالقائد الميداني لمليشيا الدعم السريع "جلحة" داخل "ركشة" بحي بري    هلال كوستي يدشن برامجه الثقافية بليلة ثقافية كبرى وتكريم رموز النادي والمجتمع    السودان يرحّب بالقرار 1591    شاهد بالفيديو.. سرقة محل مجوهرات بشارع الوادي بأم درمان وقيمة المسروقات تقدر ب(ترليون) جنيه    محاولة أوكرانية جديدة لإفشال مفاوضات السلام بعيداً عن ارض المعركة    رفض الزوج شراء سجائر لها فقتلته.. جريمة زوجة مصرية تثير الجدل    توصيات المؤتمر القومي لمعالجة قضايا الشباب    لجنة أمن ولاية الخرطوم تؤكد المضي قدما في تنفيذ موجهات رئيس مجلس السيادة لبسط الأمن وفرض القانون    ضبط اسلحة ومخدرات بكسلا    حريق كبير في سوق شرق تشاد    صعود الذهب عالميًا يرفع أسعار المعدن النفيس فى قطر صباح الخميس    رسالة أخيرة في بريد الرئيس البرهان قبل تمرد الحركات المسلحة الدارفورية    ترامب يحذر إيران: الوقت ينفد والهجوم القادم سيكون أشد    مباحث الخرطوم تعلن توجيه ضربة موجعة لمافيا السيارات..إليكم التفاصيل    تلفزيون السودان يستأنف البث المباشر من مقرّه الرئيسي    وزير الصحة: التبغ عدو الحاضر والمستقبل و فاتورته الصحية تفوق عائداته الضريبية    هل قتل السحر الأسود الإسرائيلي عبد الناصر؟.. كتاب جديد يكشف خفايا خطيرة في مصر    سباق اختراق الضاحية باكورة بطولات الاتحاد العربي لألعاب القوى    شركة اتصالات في السودان تعلن عن توقف خدمات    "مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ"!    أحمد الشاكر: انا أعجز عن شكر جميع الإخوة الأشقاء في المملكة العربية السعودية    ترامب للإيرانيين: واصلوا الاحتجاج.. المساعدة في الطريق إليكم    السودان..حصيلة صادمة بمرض شهير في ولايتين    إسحق أحمد فضل الله يكتب: (حديث نفس...)    "كرتي والكلاب".. ومأساة شعب!    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



يا حليلك (يا فنانتو مسوبتو) الفنان محمد عثمان حسن وردي بقلم حسين الزبير

كان وردي ظاهرة فنية متفردة في تاريخ السودان الحديث، و بينما نحن عشاق فنه ظللنا نمتع انفسنا بالدهشة و الطرب و الفرح الذي يشحنك بمشاعر شتي لا تستطيع وصفها، لكن تحس بها و هي تهز البدن و الروح، بينما نحن نرتوي من بحر فنه، هنالك آخرون هم خاصته ، العالمون بالفن و المدركون لعظمة فن هذا " الفنانتو مسوبتو"، الذين ظلوا في جواره يمتعونه بالرفقة الواعية المثقفة، فتشع الفرحة من عينيه ، و يطربهم بالحانه الخالدة، عرفوا قدره و قدر فنه ، و صاغوا حزنهم عليه ادبا بليغا و مشاعر سامية.
اليوم في الذكري الاولي لرحيله، و قد حقت حكمة اجدادنا "الله جاب يوم شكره"، اردت أن اكتب مقالا يناسب مقامه، و قررت ان اكتب لكم عن ابداعاته النوبية. فقد كان الفنان شاعرأ متفردا بالنوبية، يخال الي انه شبيه بتفرد نزار قباني، لكنني ارفض هذا الخيال و اقول هو "الفنانتو مسوبتو" لا شبيه له و لا نظير. و يخيل الي انني سببت "كاروشة" لغير الناطقين بالنوبية بترديد "فنانتو مسوبتو" بدون شرح. المعني الحرفي لهذه العبارة "الفنان المجنون"، لكني ما يشدني للتعبير انه شطر من شعره، و في سياق القصيدة تعبر عن شخصية الفنان العارف قدر نفسه و المعتز به. فهذه جزء من اغنية عاطفية يخاطب فيها المحبوبة و يقول لها:
يا تري من غيري انا
الذي دللك
و نومك و صحاك
اضحكك و ابكاك
من غير الفنان المجنون
الذي يستطيع ان يلقح قلبك كما تلقح النخيل
و يصيبك بسهم الحب
*******
من ذا الذي يدق قلبه مع قلبي
قلبي ملكك الخاص
من ذا الذي يستطيع ان يصور جمالك بعيونه
و يوصفك من شعر رأسك لاخمص قدميك
لا احد ... فقط هذا الفنان المجنون
و بما اننا في يوم شكره لا بد ان نمجد هذا الفنان الانسان الرائع، و هنا وقف "حمار الشيخ في العقبة"، حيث انني و انا من غير الناطقين بها، لا استطيع ان افي هذا الجانب حقه، فهداني ربي لاسلوب يمكنني من اجادة هذا الجزء من المقال و هو ان انقل لكم فقرات مما كتبه اعلام الادب و الفنون، و التي تمجد الفنان العظيم:
رغم ان هذا النوع من ابناء بلادي، و هم نوع خاص كما القنديلة في السكوت و المحس، الذين ارتادوا محراب وردي و كتبوا عنه، كثيرون ، الا انني ساكتفي بهذا القدر، لكي لا اتهم باني اكتب مقالا بابداع الآخرين!
ابداعات الفنان وردي باللغة النوبية: اغنية صواردن شو نموذجا
في ذكري رحيله الاول اردت ان اعرفكم بشعره بلغة الام، فقد كان ايضا متفردا في شعره بالنوبية، فهو لم يكتب شعرا بالنوبية الا و غناه بالحان رائعة. و رغم ان الشعراء النوبيون كثر، ولو كنتم تفقهون لغتنا لعرفتم ان الشعراء النوبيون فيهم من تستطيع ان تقارنه بالمتنبي و مظفر النواب و نزار قباني. كم اتمني ان يستطيع احد ابناء النوبة ان يترجم الشعر النوبي الي اللغة العربية بصورة تجعلها معبرة تماما عن المعني الذي قصده الشعراء.
لكن كيف نشأ هذا الفنان ، و ما هي العوامل التي جعلته فنانا متفردا، وجعلت منه الموسيقار و الملحن و المغني الذي ترك بصمته في الفن السوداني كظاهرة فنية فريدة؟ لا اعرف ما هو رأي علماء الفنون و لا تفسيرهم لظاهرة الوردي، لكنني اعتقد كعاشق لفن وردي ان اولي العوامل كانت هبة الرحمن، اي الموهبة و الذكاء الحاد، و من بعد ذلك كان الاثر الاكبر في نضوجه كفنان، نشأته في البيئة النوبية. ساحاول ان اثبت لكم صحة اعتقادي هذا، و ذلك بوصف لحياة النوبة و لتراثهم منذ ثلاثينيات القرن الماضي حتي منتصف الخمسينيات- اي الزمن الذي قدم فيه الفنان للعاصمة حاملا طمبوره و عوده، فنان موهوب صقل موهبته و فيه كل مواصفات الفنان الكامل (Fully-fledged).
منذ ثلاثينيات القرن الماضي و حتي منتصف الخمسينيات ، كانت القري النوبية تتجاور علي ضفاف النيل، و حرفتهم الرئيسية كانت الزراعة بالساقية في رقعة الارض الزراعية حول النيل علي الضفتين و في الجزر "المطروحة" في وسط النيل. و هذه الساقية المستخدمة عند النوبيين من قبل الميلاد دليل علي ان النوبيين هم اول من حاول مكننة الزراعة. و لم تكن الساقية تلك الآلة فقط، بل كانت ثقافة و تراثا كاملا متصلا بكل انشطة المجتمع، اقتصادية، اجتماعية، وفنية. و رغم ان الكلمة "ساقية" تعني حرفيا تلك الآلة التي ترفع المياه من النهر للجدول، الا ان معناها امتدت لتسمي بها قطعة الارض التي تزرعها ساقية واحدة، و لوصف مساحة الارض الكافية لساقية نقول "اسكلي قروي Askalai Gurwai" و هي شبيهة بكلمة فدان او حواشة. كما انك تسمع من يقول لك هذه ساقية "ناس فلان" و المقصود هنا الارض و ليست الآلة. و النوبيون كذلك اول من استخدموا العمل بالوردية، فالساقية تزرع ثلاث ورديات في اليوم: "فجرن تتي"- اي وردية الصباح، "دكرن تتي" اي وردية الظهر، و "دبين او دبنون" و هي وردية الليل. و المحاصيل الاساسية للزراعة كانت القمح و الذرة، و لكن تزرع محاصيل اخري ، غالبا المحاصيل النقدية كالفول و السمسم و البقوليات و هذه الأخيرة نسميها "كلكتي". و بجانب الزراعة كان هنالك المحصول النقدي الأهم الذي تنتجه النخلة.
حتي بداية الخمسينيات كانت الزراعة بالساقية عملا شاقا و تحتاج لقوة جسدية ، كما ان الزراعة كمهنة لها اصولها التي تعلمها الاجيال لبعضها. لكن رغم مشقة كسب العيش ، كانت هذه القري تحيا حياة جماعية فيها الود و الحب و السلام. أذكر مذ كنت طفلا في الرابعة من العمر، ان الاحساس بالامان و الفرح في تلك الفترة لا يمكن تصويره، تري الفرح و تحسه في كل مكان و كل نشاط ، لا يعكر صفوه الا المرض و الموت. يبدأ اليوم في الصباح الباكر مع آذان الفجر ، حيث تفيق الاسرة كلها و تدب الحركة في البيت، و بعد شراب شاي الصباح يخرج الحميع للعمل: الام لنظافة البيت اولا ثم نقل الماء من جدول الساقية للبيت، ثم اعداد الطعام. و الأب برفقة الابناء الي الساقية ، و مساحة الارض التي يزرعها. لكن رغم جدية هذه الاعمال ، كلها مصحوبة بالغناء، فالنساء يتغنين و هن ينقلن الماء، او حين يقمن باعداد الطعام ، و الرجال في الحقول يكسرون رتابة العمل الشاق بالغناء، و الابناء و هم يقومون بالاعمال المختلفة حسب الموسم، يتغنون و يتسابقون. و عند الظهيرة، اي حوالي الثانية او الثالثة ظهرا يعودون جميعا لديارهم لتناول طعام الغداء، ما عدا المزارع الذي عليه وردية الظهر. و في وقت القليلولة يذهب الشباب الي شاطئ النيل و وسط النخيل ، حيث يمارسون برامجهم الخاصة : الالعاب المختلفة، العوم، صيد السمك،المسابقات، و ممارسة الهوايات كعزف الطمبور و الغناء و الصفقة. و هنا تظهر المواهب.
فضلا عن هذا فان أهل هذه القري يصنعون الفرح من كل مناسبة صغيرة او كبيرة، مثلا وصول احد القادمين من مصر مناسبة حيث يستقبل في "المشرع" مكان رسو المركب، بالزغاريد، و غالبا ما تضبح الاسرة و تجتمع القرية كلها في بيت القادم من السفر، الذي يبلغهم اخبار ابنائهم في القاهرة. و اذا اتي بهدايا او مصاريف يسلمها لاهلهم. و اذا كانت المناسبة "طهور" فالفرح بستمر لثلاثة ايام. اما العرس يستمر لاسبوعين في الثلاثينيات و الاربعينيات، و اختصرت المدة لاسبوع في الخمسينيات. كل هذه المناسبات هي الساحات التي يمارس فيها المهوبون ابداعهم و يصقلون مواهبهم. بل اكثر من ذلك فان الشباب يجتمعون كل ليلة فوق تلال الرمل و يكون معهم وردي او حسين لالا او دهب، فيغني الفنان و يصفق الشباب ، و تخرج النساء من البيوت يبحثون عن مصدر الفرح و يتجمعون و تصبح سهرة جميلة ، دون ان تكون هنالك مناسبة. و المدهش ان الاغاني التي تغني في الاماكن المختلفة و الاغراض المتعددة ، تختلق ايضا في اللحن : اغنية الام التي تهدهد طفلها ، تكون بلحن رتيب، و الاغاني التي يغنيها المزارعون و هم يفلحون الارض، او ينصبون الساقية، لها لحن حماسي و باصوات عالية، و اغاني النساء و هن مشغولات بالحرف اليدوية مستخدمين سعف النخيل، لها الحان متميزة و مناسبة لاصوات النساء، و غناء الاعراس الحانها هي تلك الراقصة التي تجعل الشباب يرقصون حتي الساعات الاولي من الصباح .... الخ و لا ادري ان كان هذا سببا في تنوع الحان وردي، حتي ان كل اغنية لها "ميلودي" لا يشابه ما في اي اغنية اخري و العهدة هنا علي الاستاذ السر قدور الذي ذكر هذه المعلومة في برنامجه الشهير.
بقي ان احدثكم عن الدكاي و ما ادراك ما الدكاي. هذا الدكاي شراب يصنع من البلح، و لها قوارير خاصة هي في الاساس جرار من الفخار كالازيار، تعالج معالجة معينة حتي تصبح صالحة لاعداد الدكاي. و هذه الجرار لها احجام مختلفة، فمنها التي تسع قيراطين بلح وهذه الجرة تسمي "كوبي" ، و تعرف باحجامها ، فجرة قيراطين تسمي كمبيج، و الاخريات تسمي بالحجم : اب ستة، اب اربعة، اب تمانية و مازاد عن ذلك تسمي "قمبرة". كل جرة يجب ان تسع البلح و صفيحة ماء مقابل كل قيراط بلح. يغلي الماء جيدا ثم يصب علي هذه الجرة، و يترك ل 6 او 7 اياما ثم يكون جاهزا للشرب. و اقر و اعترف و انا بكامل قواي العقلية ان هذا المشروب مسكر. و رغم ذلك فهو عند اجدادي خمر حلال ، تماما كخمر الجنة. و لم تظهر غلوطية حلال و حرام الا في منتصف الاربيعينيات، عندما عاد للقري خريجو الازهر و حتي المغتربون في مصر. هؤلاء هم الذين ظلوا يوعظون الناس بحرمة هذا الشراب، و لذلك فان جيلي يشربون الدكاي و هم عارفون بحرمته، و هم يسألون الله الهداية و التوبة. و لكن عندما كان فناننا طفلا و صبيا، كان الناس يتجادلون في مسألة الدكاي و الغالبية العظمي من جيل الآباء و الاجداد، ماتوا و هم واثقون ان لاحرمة في شراب مكونه الاساسي من محصول نخلته، و اعدته زوجته كما تعد اي صنف آخر من الطعام و الشراب.
و أمر آخر يجب التعرض له قبل الحديث عن اغنيات الفنان باللغة النوبية، الا و هو جمال الطبيعة في هذه القري. غابة النخيل التي تشقها لتصل الي شاطئ النيل ، منظر جميل و مهيب ، و جلسة السمر وسطها و في ظل مجموعة كثيفة "حاجة ما بتخلص"! و ما اجمل الجزر بكل ما فيها من اشجار "الطرفة" الكثيفة، وحيواناتها و عصافيرها. و يا لجمال المركب الشراعي و هو يشق "البحر" عكس التيار، و يزيد الجمال لو كان وردي معهم يعزف الطمبور و يغني. و لم يكن الفنان يري الجمال في الطبيعة فقط ، بل كانت انشطة الناس في القرية تمثل له جمالا يشبه به الفاتنة او المحبوبة. مثلا يقول الفنان انها تشبه ساحة تجميع محصول القمح (الين قيس)، و لا اعتقد انه يشير بذلك لجمال القمح المكوم كاالجبل قبل تخزينه في جوالات، و لكنه يقصد المناسبة نفسها ، عندما يجتمع الجميع ، فرحين بمحصول الموسم، الزغاريد و التهاني المتبادلة ، و الحمد و الشكر للرزاق الكريم. ليس هذا فحسب بل انه يشبهها احيانا بالعجل، لكنه يقصد نوعا معينا من العجول ، اي تلك التي تكون في مرحلة "البلوغ" اذا جازلي هذا الوصف، فالعجل في هذه المرحلة يتدور جسمه ويتلألأ لون شعره، و يكون له طاقة مهولة يستدعي ان ينقل الحبل الذي يربط به من الرجل الي الوجه و الرأس . يقول الفنان:
لماذا افصل لكم هذا الجانب من حياة الفنان؟؟ اولا لأؤكد ان البيئة النوبية كانت المعهد الفني الذي نهل منه الفنان الغناء و الشعر و تصوير البيئة بنصوص بليغة، و الأمر الأهم لكي اؤكد لكم ان شعر و غناء الفنان وردي باللغة النوبية مرآة للتراث النوبي و سيأتي يوم تكون فيه اغنياته باللغة النوبية مراجع للتراث النوبي، تحفظ في دار الوثائق و المكتبات. و لاشرح هذا المعني اكثر ساتناول معكم اغنية "صواردن شو" و معناها جواب لصواردة. لكن قبل ذلك اريد ان اعطيكم نماذج و هي كوبليهات من اغنيات مختلفة.
اظنكم توافقونني ان خيال الشاعر دقيق كما ريشة الفنان الرسام ، بل ان عيونه كاميرا رقمية تلتقط الصورة بكل تفاصيلها.
و كما ترون مع ان القصد هو "التحسر" علي حبيبة رعاها و احبها فتزوجها غيره، الا ان الكوبليه تصور قصة شتل النخيل، و هذا ما اقصده بان غناءه بالنوبية مرآة للتراث. و يجب ايضا ملاحظة ان الفنان لا يتغني بحالته الخاصة، و لكن في كثير من الاحيان يتكلم عن حب صديق، او قريب.
و من الاشياء التي ادهشتني في وردي ، غناؤه للوطن الكبير السودان و غناؤه للبلد او القرية: بقدر ما كان ينفعل و ينتشي حماسا و حركة علي المسرح عندما يتغني بالاناشيد القومية، كان غناؤه للبلد حنينا و شوقا فقط، و اليكم المثال التالي:
و نأتي الآن لاغنية صواردن شو ، و الذي اعتبره مرجعا في مصاف كتاب وليم آدمز "النوبة رواق افريقيا"، فالأغنية رغم انها قصيدة شوق للبلد، و حنين لايام الصبا، الا انها تحمل كمية مهولة من المصطلحات النوبية الخاصة بالساقية و الزراعة، و اشارات كثيرة للعادات و التقاليد ، و القيم النبيلة و شهامة الرجال الذين كانوا حراسا للقرية، و اوصياء علي التوادد و التراحم و اشاعة المحبة و السلام بين الناس. ليس هذا فحسب بل الاغنية فيها ابداع مدهش سيأتي تفصيله لاحقا.
في عام 2010 قرر المركز النوبي، بمبادرة من الدكتور ياسر عباس محجوب، اقامة حفل تكريم لوردي، ووجدتها مناسبة لسماع صوته و التحدث اليه، فاتصلت به و هو في الصين. و الحقيقة انني كنت اعتقد ان الفنان ألف كلمات هذه الاغنية ليحفظ فيها اكبر قدر من التراث النوبي. فسألته ان كان اعتقادي صحيحا. فقال لي: ابدا لم يكن هناك تدبير او تخطيط لغرض كهذا. قال لي انه اغترب كثيرا لكن الغربة الحقيقة كانت في امريكا، و هناك تفجرت المشاعر و الذكريات شوقا و حنينا للقرية.
تعالوا لنري كيف صمم هذه الاغنية ، و كيف استعاد ذكرياته، و ما هي الطريقة التي عبر بها عن اعزازه لاهله وصفاتهم الانسانية الجميلة. فسم الاغنية الي جزئين: مقدمة يصور فيها مجالس السمر و الفرح ، و التي كانت دائما في مجلس من مجالس الدكاي، وبطريقة الفنان المبدع تناول قضية حرمة الدكاي او عدمه، دون ان يتعدي فيها علي سلطة رجال الدين المؤهلين للفتوي، مستخدما اللحن الشائع في هذه المجالس و يسمي "كلاكيي"، و هذا النوع من الغناء في مجالس الدكاي كانت نوع من المطارحة كما في الدوبيت، يشترك فيها كل الموجودون بالترتيب، حيث يغني من عليه الدور كوبليه ثم يشير في غنائه انتهاء مساهمته " ويناول الميكرفون للذي يليه". أما الجزء الثاني الذي يغنيه بلحن راقص كان مرورا علي كل بيوت القرية للسلام علي الاهل و الجيران، و في تجواله هذا يمدح الناس بصفاتهم النادرة او بذكر صلة القربي و كذلك ذكر التقاليد النوبية في صلة الرحم و حسن الجوار و الحب و الايثار.
لكن دعونا نتأمل هذه الاغنية عن قرب و نمتع انفسنا بدهشة ابداع هذا الفنان العبقري. اعتقد اننا جميعا قرأنا المسرحيات باللغة العربية او الانجليزية، و في كلا الحالتين يبدأ اي فصل في المسرحيه بوصف "للمنظر" حيث يصف لك الروائي اين تحدث الاحداث التي نشاهدها. و كذلك فعل "فنانتو مسوبتو" في هذه الاغنية:
ما اروع ابداعك يا "فنانتو مسوبتو"، سافر بي خياله هناك و صنقر في المجالس التي كان يفرح فيها و ينقل عدوي الفرح لللآخرين بطمبوره و غنائه العذب, و يعطي صورة الشخص الذي يوزع الدكاي و كيفية ادائه لمهمته. و لو اراد ان يزيد لقال لكم ان المجلس به كذا نفر و هم جلوس علي الارض في صورة دائرية.
بعد ذلك يحدث المستمع عن الدكاي، النوع الجيد منه الذي يعد من اجود انواع التمر ويكون جاهزا للشرب، استثناءا، في ثلاث ايام بدلاعن الخمسة او الستة ايام. و بالتأكيد و هو في مجلس الدكاي تذكر ذلك الجدل الذي كان يدور حول حرمة الدكاي كمسكر او رفع الحرمة عنه لانه جزء من الطعام الذي تعده الزوجة. و عندما اراد اثارة هذه القضية في الاغنية ، لم يتخذ رأيا لنفسه، بل سأل السؤال و كأنه موجه لخليل ابن اخته: من الذي يشرب هذا الدكاي؟ و لم ينتظر الاجابة من خليل بل اجاب علي نفسه: و من الذي لايشرب ؟ ثم يعدد الذين يشربون الدكاي ذاكرا موقع كل منهم في مجتمع القرية. و يبدأ اولا بالمزارعين الذين كان يعزهم و يعتز بهم كثيرا ، و يرجع هذا الي الفترة التي عمل فيها معهم مزارعا، و بذلك خبر المشقة و العناء الذي يبذل من اجل اخضرار الأرض و جني الثمار. لذلك كان طول عمره يتحدث عن مزارعي القرية، خصوصا اولئك الذين زرعوا بالساقية، باعزاز و احترام.
كما ترون الفنان يريد ان يقول انهم جميعا يتعاطون هذا المشروب الشعبي، لكن مع ذلك عنده رسالة اخري عن القرية ، الا و هي تمجيد رجال القرية و تثمين جهودهم في استقرار مجتمعهم، و اكتفائه بالضروريات، و تحقيق الامن و الطمأنينة في القرية، و حمد الرزاق الكريم علي نعمه.
ثم يذكر فئة اخري من الناس، لا يشاركون هؤلاء الشباب و الرجال في الانتاج ، وربما يشاركون الا ان لهم دور آخر ليكون المجتمع معافا من الامراض الاجتماعية.
فكما تري لم يترك رجلا من رجال القرية لم يضمنه هنا، كما انه من الواضح انه يريد ان يثني علي جيل تكبد المشاق و خلق الحياة الكريمة، دون من او شكوي، بل و هم يتغنون و يرقصون في كل حين.
هذا هو الجزء الاول من الاغنية التي غناها بلحن "الكلكية"، اما الجزء الثاني و الذي غناه كاغنية طمبور راقصة، فخصصها للتجوال في القرية و السلام علي اهلها بيتا بيتا ، في وصف فني بديع للبيئة و للناس في القرية ، ذاكرا امجادهم و فضائلهم.
الذي اردت ان ابرزه في هذا المقال ان الفنان العظيم محمد وردي، له ابداع آخر غير فنه باللغة العربية، و يعتبر غناؤه باللغة النوبية ثروة فنية، فيه زخيرة لغوية باللغة النوبية، اعتقد ان الذين يفهمونها كلها قليلون. كما ان اغنياته باللغة النوبية مليئة بصور التراث و العادات و التقاليد.
ولذا فانه من المهم ان يجد هذا الجانب من فنه الاهتمام، بتحليله و توثيقه و حفظه بالصورة العلمية في عصر التكنولوجيا.
رب نحمدك و نشكرك ان انعمت علي الشعب السوداني بهذا المبدع المدهش، المحب لشعبه، و الوفي له، و نشهدك ربي و نشهد ملائكتك ، انه ظل ينشر الفرج و السرور بين الناس، و يبشر بالقيم الفاضلة لرفعة الوطن، فاجزه يا حنان يا منان عنا خير الجزاء، و اغفر له و ارحمه و تقبله عندك مع الصديقين و الشهداء و حسن اؤلئك رفيقا.
و آخر دعوانا ان الحمد لله رب العالمين.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.