أشرنا في مقالنا السابق إلى أن حمى الهيستريا تجتاح الساحة السياسية الفرنسية هذه الايام، فبعد استقالة وزير الميزانية من الحكومة ثم من البرلمان، و في اللقاء التلفزيوني الذي تمّ معه في يوم 16/04/2013م، أعتذر الوزير المستقيل في اسف عميق عن الاحباط الذي سببه لمن رشحوه في دائرته الانتخابية وأعتذر لرئيس الجمهورية وللحزب اليساري الذي وثق به وكلفه بوزارة، وقال بأنه ما كان من المفترض ان يقبل ذلك التكليف الوزاري وذلك المنصب الرفيع، وقال بانه المخطيء وانه يعترف بخطاءه ويعتذر للجميع!!! جريمة الوزير انه امتلك بعرق جبينه أموال ووضعها بحساب بنكي بسويسرا ثم حولها لحساب بدولة سنغافورا، دون أن يعلن عن أمواله في فرنسا أي تهرب من الضرائب!!! وبسبب تلك الحمى هذه الايام، أجبر كل الوزراء ووزراء الدولة على الإعلان والإعلام بممتلكاتهم واموالهم أي كتابة إقرار "إبراء الذمة". ولما علم الشعب بان بين وزراء هذه الحكومة اليسارية من يملك 6 مليون يورو، استغرب البعض وتأفف البعض الاخر من كون ان الوزراء يملكون بعض المال!!! وما سبق يفسر لماذا يكفر كثير من افراد الشعب الفرنسي بالسياسة والسياسين ويحمون حقوقهم عن طريق الانتماء للنقابات التي تدافع عنهم بشدة وعندما لا تصل في مفاوضاتها مع الحكومة او اصحاب العمل لحل مرضي تنزل في مظاهرات للشارع العام لتعبر عن عدم رضاءها ، ونجد ان نقابات البوليس نفسها قد نظمت العديد من المظاهرات للمطالبة بحقوق البوليس. يوجد العديد من كبار رجال وسيدات الاعمال بفرنسا يملكون المليارات، وكثير من صغار رجال وسيدات الاعمال يملكون الملايين!!! ولكن عندما يجمع رجل السياسة بين العمل السياسي و"البيزنس" او يستغل عمله في اكتساب بعض المنافع والمصالح الاضافية والشخصية تقوم الصحافة والاعلام الحر او الاعلام المعارض بكشفه وتعريته وغالباً ما تكون نهايته محاكمة يدان بعدها !!!. هذا و يبقى سيف محكمة الحسابات أو "ديوان المراجع العام" مسلط على رقاب المسؤولين، وهي سلطة مستقلة ويجيء تقريرها عن المخالفات المالية او التجاوزات المالية والمنصرفات الباهظة في كل أجهزة الدولة حتى منصرفات الاكل في قصر الرئاسة وترفع تقريرسنوي غالباً ما ينتهي بادانات ومحاكمات لمسؤولي الدولة!!!. نأتي لبلاد "هي لله هي لله لا للسلطة ولا للجاه"، ومن إدعوا إنهم جاءوا لنشر الفضيلة والمساواة وتطبيق الشريعة، فاذا بدأنا برئيس الانقاذ الذي أكد في تاريخ 15 أبريل 2013م بأنهم " حريصون على حماية المال العام ومحاسبة المعتدين" !!! والكل يعلم بانه عند قيامه بالتعدي على الدستور وبالانقلاب العسكري في 30 يوليو 1989م، لم يكن يملك من الدنيا سوى مرتب ضابط كبير ويسكن في بيت بالايجار وصرح في صيف 1989 ) لاأملك منزلا وأسكن في بيت الأسرة في كوبر الحلة ما كوبر العمارات!!( ويعلم القاصي والداني بالسودان بأنه لا تخفى خافية داخل مجتمع الخرطوم ومن ذلك أن والد البشير المرحوم حسن أحمد البشير كان يعمل بمزرعة البان بكافوري، ونجح ذلك العامل في توفير حياة كريمة شريفة لاسرته فكان من أبنائه الطبيب ومنهم الضابط ومنهم المعلم، وعندما كبر البشير واخوته ظل الوضع المادي لآل البشير عادي ككل الاسر السودانية والدليل على ذلك ماأوضح محمد حسن شقيق البشير ")عندما كان الاخ رئيس الجمهورية عمر البشير برتبة عميد قبل ثورة الانقاذ الوطني كان يقطن معنا في منزل الاسرة وينفق كل مرتبه في بيت الاسرة وكان عندما يحضر الاهل من الولايات ويحلوا ضيوفا ببيت الاسرة كان يترك غرفته (للضيوف) القادمين ويقيم في أي موقع اخر من المنزل(" وبعد مرور عدة سنوات على ما سبق، يأتي البشير ليعلن أمام الملأ وعلى شاشة التلفاز في قناة النيل الازرق في برنامج "حوار الساعة" في شهر فبراير 2012م، )عندي بيت في كافوري والطائف ومزرعة في السليت وشقة في مجمع النصر(!!! ومجموع هذه الممتلكات فقط يتجاوز المليون دولار!!! لعل كل المسؤولين في عهد الانقاذ الذين مروا على مناصب حكومية في السودان تحول حالهم من الفقر الى الغنى مُحوّرين في القول المعروف " جاور السعيد تسعد" الى جاور السلطة والمنصب الحكومي تسعد. والدليل على ذلك انه بمجرد ان ترتفع درجة منصب شخص في منصب حكومي او حتى ادارة الا ويرحل من ذلك الحي الذي عاش فيه سنوات طوال مضت، ويتنكر لجيرانه ولربما لأهله. بل حتى عند مجئيه للحي الجديد غالباً ما يتسبب في كثير من الضيق والإزعاج للجيران وقد يقفل عليهم الطرق المؤدية الى منازلهم، بل وصل الامر بالبعض منهم لأكراه جيرانه على الرحيل حتى يتمكن من إقامة حاجز أمني حول منزله لحمايته وأهله. ولنبقى فقط في نطاق عائلة رئيس الانقاذ، فالكل في الخرطوم يعلم بأن أغلب حي كافوري كان مساحات فارغة أو بيوت أرضية، وفجاءة بعد مجيء عهد "التمكين" الانقاذي قامت عدة فيلات وعمارات وأبراج في حي كافوري بالخرطوم بحري، واطلق بعض الحساد على مجموع تلك المساكن الجديدة "حوش بانقا" ، وتناقلت الاخبار إنه أفتتح بحي كافوري، نادي كافوري المجهز بصالات الرياضة وصالة بلياردو!!!، بينما يعاني المواطنين في جميع أنحاء الوطن و حتى في الاحياء الهامشية للخرطوم من الجوع والعطش والمرض وإنقطاع أو انعدام التيار الكهربائي!!!. سبق أن كتبت أن سكان حي الصحافة شرق وهو سكن "درجة ثالثة" في سنوات الثما نينات كانوا يعلمون بان جارهم المرحوم محمد فتحي كرار هو مدير لأراضي السودان ورغم ذلك كانت زوجته ووالدة ابنائه تقف معهم في صف الجمعية التعاونية لاستلام حصة السكر والصابون وما رأوا له خادمة او سائق وكان ابناؤه لا يميزهم شيء عن ابناء الفقراء، بل ان بعض اهالي منطقة الصحافة شرق كانوا احسن من آل كرار وضعاً ماليا !!!ونحن نتكلم هنا عن الظاهر والله اعلم بالسرائر. في الزمن الجميل وايام العسكرية النظيفة كان الضابط لا يصل لرتبة العميد الا بعد سنوات طويلة وخدمة جليلة ويكون حينها قد قارب سن المعاش، وقد يكافئ بجانب حقوقه بإعطائه قطعة ارض او بيت صغير. وكضرب مثال نجد أن أحد قادة سلاح المستودعات المركزي أو سلاح"المخازن والمهمات سابقاً" في سنوات الثمانينات كان يسكن في بيت حكومي وعندما وصل سن المعاش، اقتنى بيت أرضي ليس في العمارات او الرياض او الطائف او الصافية بل في أمبدة ليس بعيد من سوق ليبيا القديم ، ولمن لم يعرف أمبدة في الثمانينات فقد كان بجوار بيته مربط للحمير التي تجر "فناطيس" تحمل عليها الماء!!! ومثال أخرمن الزمن الجميل في الثمانينات ، وزير الداخلية اللواء عباس مدني كان يسكن في بيوت "الاشلاق" جوار جامعة القاهرة فرع الخرطوم حينها "جامعة النيلين" حالياً، وفي أحد الايام ونحن شباب صغار كنت مع صديقي علي إبراهيم الذي تجرأ وطرق باب بيت الوزير، ففتح لنا الباب بنفسه وعليه "جلابية" أو" عراقي" لا أذكر!!!. فأي بساطة تلك!!! بل حتي المرحوم الرئيس السابق نميري عندما رجع من هجرته بمصر سكن حي ود نوباوي حتى وفاته. ولعلنا نختم هذه الفقرة مع شيء من الحذر ببعض من نظن بهم الخير من بين مجلس قيادة الفرقة الانقاذية، فقد تناقلت الاخبار ان السيد عثمان أحمد حسن "والي الخرطوم" في بداية الانقاذ، وكذلك الفيصلين، العقيد فيصل علي ابوصالح واللواء فيصل مدني مختار عرفوا ان الفيصل بين الخير والشر، هو الانسحاب من الانقاذ ومن أول أيامها!!!. ولعلهم تابوا وأصلحوا و"التائب من الذنب كمن لا ذنب له" . كتب الزميل كمال عباس نقلاً عن شوقي بدري أن الازهري مات وبيته مرهون للبنك العقاري وأن حسن عوض الله زميل الازهري كان يسكن في بيت بالإيجار في حي الملازمين، ونقل كذلك عن العقيد محجوب برير محمد نور قول الرئيس عبود " حقاً أنا رجل فقير؛ لا أملك سوى راتبي الشهري المحدود؛ غير أنني لا أرضى لنفسي كما كنت لا أرضى لغيري.. أن يُستباح المال العام لأغراض شخصية. وكل ما أرجوه هو أن أتقاضى راتبي التقاعدي المنصوص عليه قانوناً). ولم يكن له منزل ورفض ان تبني له الحكومة منزلاً وبقى بالمسكن الحكومي!. أخي القاري، هل يذكرك قول الفريق عبود بقول البشير الذي سقناه في مقدمة المقال" حريصون على حماية المال العام ومحاسبة المعتدين"!!!. ويبقى على الاخير ومن حوله ان يسيروا على خطى الاوائل "إن التشبه بالرجال فلاح". قال أحد الشعراء " مأساتنا أن اللئام المترفين بذي البلاد... الحاصلين على المباهج من معاناة العباد الحاصدين ثمار ما غرست سواهم دون اجتهاد... ونحن الحاضنين الجرح فوق الجرح في ليل السهاد النازفين دموعهم ودمائهم ... الحارقين سنينهم... القابضين على الرماد الصابرين على الظلام والضنك والبأساء.... ينتظرون في ظلماتهم فجر الفرج ... فعساه يوما ينبلج ............ "ونظل نهذي في فراش الموت.. نحن الفائزون بلا ارتياب... صبراً على هذا المصاب فلنا على الصبر الثواب... والظالمون لهم عقاب... المعتدون نصيبهم عذاب... والصبر مفتاح الفرج"