والي الشمالية يتفقد انطلاقة العمل بمستشفى محمد زيادة المرجعي للأطفال بدنقلا    الشرطة المجتمعية بولاية سنار تدشّن قافلة دعم تكايا رمضان بولاية الخرطوم    سهير عبد الرحيم تكتب: مشاهداتي في جلسة مجلس السلم والأمن الأفريقي    النتيجة تؤهل النيل لدوري النخبة مينارتى يواصل إنتصاراته.. يفوز على الوحدة بثلاثية ويعزز صدارته للمجموعة الأولى    المريخ يبارك انتخاب رئيس إتحاد سيكافا وأعضاء اللجنة التنفيذية    مريخ الممتاز يؤدي مرانه الختامي للقاء ملوك الشمال    مساعد قائد الجيش يكشف عن فساد وزير كبير    إبراهيم جابر ينفي خبر حل اللجنة العليا لتهيئة بيئة العودة إلى الخرطوم    إبراهيم شقلاوي يكتب: مسرح ما بعد الحرب لدى يوسف عيدابي    الصحفية سهيرة عبد الرحيم: (شعرت للحظة أن وزير الخارجية المصري سيهتف داخل القاعة "جيش واحد، شعب واحد" من فرطٍ حماسه في الجلسة)    شاهد بالفيديو.. والدة الفنان الراحل محمود عبد العزيز: (اتخذلت في هذا المطرب!! وكل من كانوا حول الحوت منافقون عدا واحد)    وزارة المالية توقع إتفاق مع بنك التضامن الإسلامي لتقديم خدمة إيصالي    شاهد بالفيديو.. على أنغام أغاني "الزنق".. لاعبو حي الوادي يحتفلون مع راعي الفريق ونائب رئيس إتحاد الكرة أسامة عطا المنان بمناسبة زواجه    شاهد بالصورة.. اللاعب هاني مختار يتوشح بعلم السودان في جلسة التصوير الخاصة بناديه الأمريكي    شاهد بالفيديو.. بتواضع كبير "البرهان" يقف بسيارته في الشارع العام ليشرب عصير من الفواكه قدمه له أحد المواطنين بدنقلا    وزير الخارجية والتعاون الدولي يلتقي رئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي    شاهد بالفيديو.. فتاة سودانية تبهر راغب علامة وأنغام بعد ترديدها أغنية هدى عربي في برنامج مسابقات والسلطانة تدعمها وتحتفي بها    وزارة الشباب والرياضة تواصل انفتاحها على الولايات    ارتفاع في اسعار محصول الذرة واستقرار سعر السمسم بالقضارف أمس    وفاة ثالث رضيع تناول حليبًا ملوّثًا بفرنسا    مشروبات طبيعية تدعم مناعتك.. روشتة حمايتك من العدوى    دراسة تربط طنين الأذن بالإنتاجية في العمل    إلغاء رحلة قطار إلى الخرطوم..إليكم تفاصيل    جوجل تسهّل إزالة المعلومات الشخصية والتزييف العميق من نتائج البحث    "ميتا" تبني مركز بيانات بقيمة 10 مليارات دولار    إضافة علامة تبويب الإعدادات بواجهة "واتساب"    انطلاق دورة متخصصة لتطوير الأداء الرقمي برعاية وزير الشباب والرياضة    كباشي يحيي صمود مواطني شرق النيل ويوجه بزيادة محولات الكهرباء ومكاتب السجل المدني بالمنطقة    تطور حاسم بقضية "الاعتداء الجنسي" في منزل لامين يامال    الإدارة العامة لشرطة تأمين التعدين تنفذ حملة منعية وكشفية لمكافحة التعدين العشوائي بولاية البحرالاحمر    الإدارة العامة لشرطة تأمين التعدين تنفذ حملة منعية وكشفية لمكافحة التعدين العشوائي بولاية البحرالاحمر    هيئة مياه الخرطوم: تحصيل فاتورة المياه لا يشمل القطاع السكني حتى الآن    ارتفاع طفيف لأرباح زين السعودية إلى 604 ملايين في 2025    مسلسلات رمضان.. هل تقع أيتن عامر فى حب ياسر جلال فى مسلسل كلهم بيحبوا مودى    الدولار يواصل التراجع أمام الجنيه فى منتصف تعاملات اليوم    مسؤول سوداني يغادر إلى تركيا    السودان.. وزير الشباب والرياضة يصدر قرارًا    دوري أبطال أفريقيا يشتعل.. 3 أندية تتأهل رسميًا وصراع مفتوح على 5 بطاقات    مجموعة الهلال السوداني.. صنداونز يقتنص التعادل ويبقي آمال التأهل في دوري الأبطال    أفراد من الشرطة يلقون القبض على السائق الخاص بالقائد الميداني لمليشيا الدعم السريع "جلحة" داخل "ركشة" بحي بري    هلال كوستي يدشن برامجه الثقافية بليلة ثقافية كبرى وتكريم رموز النادي والمجتمع    شاهد بالفيديو.. سرقة محل مجوهرات بشارع الوادي بأم درمان وقيمة المسروقات تقدر ب(ترليون) جنيه    محاولة أوكرانية جديدة لإفشال مفاوضات السلام بعيداً عن ارض المعركة    رفض الزوج شراء سجائر لها فقتلته.. جريمة زوجة مصرية تثير الجدل    حريق كبير في سوق شرق تشاد    رسالة أخيرة في بريد الرئيس البرهان قبل تمرد الحركات المسلحة الدارفورية    ترامب يحذر إيران: الوقت ينفد والهجوم القادم سيكون أشد    مباحث الخرطوم تعلن توجيه ضربة موجعة لمافيا السيارات..إليكم التفاصيل    تلفزيون السودان يستأنف البث المباشر من مقرّه الرئيسي    وزير الصحة: التبغ عدو الحاضر والمستقبل و فاتورته الصحية تفوق عائداته الضريبية    هل قتل السحر الأسود الإسرائيلي عبد الناصر؟.. كتاب جديد يكشف خفايا خطيرة في مصر    سباق اختراق الضاحية باكورة بطولات الاتحاد العربي لألعاب القوى    شركة اتصالات في السودان تعلن عن توقف خدمات    "مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ"!    أحمد الشاكر: انا أعجز عن شكر جميع الإخوة الأشقاء في المملكة العربية السعودية    السودان..حصيلة صادمة بمرض شهير في ولايتين    إسحق أحمد فضل الله يكتب: (حديث نفس...)    "كرتي والكلاب".. ومأساة شعب!    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



العرب وأبناء المسيح عبر القرون ... بين التناغم والاصطدام!
نشر في سودانيزاونلاين يوم 01 - 06 - 2013


بقلم د. محمد بدوي مصطفى
توطئة:
إن ازدياد الحملات المعادية للغرب ما فتئت تزداد يوما تلو الآخر، سيما بازدياد الملل الإسلاموية (سلفيّة أم تكفيريّة) تتكاثر كالنمل وتقتحم الأرض كما يقتحمها الفطر الطفيليّ. كل هذه الحركات المتطرفة تنادي - دون استثناء – رافضة لكل ما أتى من الغرب من حضارة، جملة وتفصيلا. لكن هل يجوز هذا دون ترجيح العقل وإعماله ومن ثمّة فرز الصالح من الطالح؟
أن موضوع تعامل الغرب مع الحضارة الإسلامية قديما ربما يكون معروفا لبعضكم في شذرات أو تماما. لكن هل وقف أحد منَا مع نفسه يحدثها عن هذا الرفض الزائف؟ فكل ما لنا من مظاهر الحضارة أتى من الغرب وكل ما نحتاج إليه لخير الأمة أتى من أبناء المسيح. وعندما نسأل أنفسنا ماذا اخترعنا نحن للحضارة الانسانية تكون الإجابة أغلب الظن لا شيء. هل تعلمون أن العالم العربي من المحيط إلى الخليج لا ينتج من المؤلفات الفكرية المتضمنة في شكل كتب أو أبحاث ولا حتى 5٪ مما تنتجه دولة اسبانيا. فيا ليت الأمة تفيق من سباتها وسنتها العميقة وتنادي من مآذن المساجد للحب والعمل والرأفة والتراحم والوئام وأن يتركوا فتاوى العداء والرفض الزائف لكل ما جاء من ابناء المسيح. فالرسول عليه أفضل الصلاة والسلام عاش في سلام مع الأقليات اللاهوتية الأخرى كما عاش أهل الأندلس وأخرج هؤلاء خير ما رأت الأمة من حضارة وازدهار. فهل لنا فيهم من مثال؟
أولا: الغرب والشرق بين الهجوم والهجوم المعاكس
إن موضوع تقبل حضارة ليس حضارتنا سيما من ديانة تعتنقها الأغلبية الكاسحة، للأكثرية معادية، تبعث فيه أبعاد خطيرة يجب علينا أن نقف إليها وقفة حكيمة، إذ أن الغرب قديما، وفي فترة اشتد فيها العداء للمحمديين، نهل من منابع حضارة الإسلام إلى أن بلغ عصر التنوير الذي كان الانطلاقة الجبارة لعلمه ورقيه وسموه الإنساني في العصور السابقة وإلى الآن. الملاحظ أنه رغم عداء الجماعات الإسلاموية للغرب بيد أنها في كل الحالات والنكسات تلجأ إليه . فهي ترى فيه النجدة والسلوى عندما تشتد الحاجة بها وحينما تفتقد إلى الحيلة لا تولِّي وجهها إلى قبلة الغرب المسيحيّ. وهانحنذا نرى بأم أعيننا كيف خلص الغرب العرب في ثوراته العديدة (بتونس وليبيا) من طغاتهم الذين بلغوا من عمر السلطان ارذله - وكان القذافي آخرهم والبقية تأتي.
عزيزتي القارئة وعزيزي القارئ إن أهمية موضوع تلاقح الحضارات واستعارتها من بعضها البعض ليس فقط هام من وجهة نظر علمية أو أكاديمية ولكن من وجهة نظر انسانية أخرى، تخصنا، سيما في وضعنا الحالي الذي لا يفتأ أن يتأزم سنة تلو الأخرى. نرى بأم أعيننا تداعيات الاصطدامات الثقافية والدينية بيننا وها هي مصر قد انقسمت إلى فرق وليبيا وتونس كذلك وهلم جرّ. لا تزال نيران الفتنة تأجج القلوب وتحضّ الأفئدة إلى الانشقاق القبليّ والبغضاء الثوريّة والعنصرية الحزبيّة والدينية الدامية، فماذا جنينا من كل هذا بربكم – غير وجع الدماغ!؟ إذا فشأن هذه المسألة يُعنى بقضايا تسامح الحضارات والثقافات والأشخاص الذين يعيشون فيها ومما في ذلك من أهمية في تطور الإرث الثقافي والحضاري لنا ولغيرنا دون النظر إلى المنتميات، عرقية كانت أم لاهوتية. فطنت دولة قطر والإمارات في استجلاب الفكر الغربي في جامعاتها ومؤسساتها العلمية والحكومية ونحن نرى الآن ما وصلت إليه هذه الدولة من تقدم وازدهار لأنها فطنت – في الوقت المناسب - لأهمية هذا التواصل بينها وبين الدول التي تنتج العلم والفكر في كل المجالات: الطب الهندسة والزراعة والسياسة والتعمير وحتى في المجالات الرياضية. لقد صارت قطر مثال يتحذى به في العالم. وهكذا فعل أهل الأندلس إذ انتقلت علومهم إلى باقي أنحاء أروبا فنشأت حركة الترجمة والتواصل بين العلماء والخبراء في كل المجالات فأسسوا حصيلة وذخيرة علمية كانت الانطلاقة الجبارة لحضارتهم التي صرنا نحن عالة عليها، لأنا نستورد منهم كل كبيرة وصغيرة من الإبرة والجوال والتلفاز إلى الطائرات الخ.
ثانيا: المساهمة العربية الإسلامية في حضارة أبناء المسيح:
لقد أهتم حفنة من الباحثين بدراسة الأوجه المتباينة لتأثير التراث الإسلامي العربي في الحضارة الغربية في القرون الوسطى وضمنت محاولاتهم نتائجا طيبة، بيد أن الكثير من الحقائق المتعلقة بهذا التراث لا تزال غامضة وغير مدروسة فضلا عن اكتشافها من قبل الباحثين. فالمكتبة العربية الإسلامية تفتقد وإلى الآن لأبحاث ودراسات شاملة في هذا الحقل الهام لتتمكن من تقييم مدى المساهمة الإسلامية في الحضارة الغربية وأهم آلياتها التي استوعبها الغرب وهضمها إلى أن بلغ من الشأن أزهره. وهل لنا في ذلك من عبر، لنخرج بلادنا وأهلينا من الظلمات إلى النور بإشراقة عهد تنوير يشع سناه في بلادنا ويكون لنا نقطة انطلاق جديدة لعهد مزهر وحضارة ترفع من شأونا بين الأمم لكي يساهم العربي والإفريقي في المنظومة العالمية مساهمة رئيسة ولكي نبتعد عن الاستكانة وسهولة الاستيراد (ونأكلها باردة ونحن راقدون على جنوبنا). فلينظر كل منّا في منزله ليعد ما أتى إلينا من الغرب أو قل من اختراع الغرب: الموبايل، السيارة، الدواء، اللبن المجفف، الحلوى بأنواعها، التلفاز، الفيديو، الفيس بوك، الواتس أب، القوقل، الكتب العلمية في الجامعات، الخ والقائمة تحتاج لأيام حتى تكتمل. من جهة أخرى نفتقد بصورة جليّة لأبحاث أساسيّة وتحليلات علميّة جادّة لمعرفة ماهيّة الأسباب التي أدت إلى الركوض الحضاري للشعوب العربية الإسلامية بعد أن كان لها الصدارة في تلك الحقبة.
يعطي بعض المفكرين الحروب الصليبية نصيب الليث في لون أو قل تسمم العلاقات بين الشرق والغرب. لكن في الحقيقة إن تلك الفترة لا تمثل سوى حلقة صغيرة - بالمقارنة – من حلقات الصراع ومراحل التأرجح العديدة بين الهجوم والهجوم المعاكس بين الكتلتين النصرانية والإسلامية. والجدير بالذكر أنّ على مدى ألف سنة ومنذ أول حملة انزال من المغرب باتجاه جبل طارق وحتى الحصار العثماني الثاني حول فيينا، ظلت أوربا تحت سيطرة الإسلام. لذا هم يدينون لحضارتنا وثقافتنا الكثير.
ثالثا: ضرورة الاحتكاك الحضاري في تقدم الشعوب:
لقد بلغ الاحتكاك الحضاري في القرون الوسطى المتقدمة أوجه وصار واقعا ملموسا بكل أرجاء أوربا. فبدأ الغرب وأهله حينذاك يعنون بالتراث العربي الإسلامي وأيما اعتناء. لكن إذا سألنا أنفسنا ما هي أغراض وأهداف هذا الاهتمام؟ هل أرادوا فقط استخراج الكنوز الثقافية التي ألفها علماء العرب؟ هل نشدوا التقليد والمحاكاة للوصول إلى ضالة منشودة، ألا وهي بناء صرح كالذي وقف شاهدا على فطنتهم الثاقبة وذكاءهم الحاد؟ على كل حال لقد أولع أهل الغرب بالعلوم الإسلامية والعربية أيما ولع فنشطت عهدذاك حركة العلوم وانتشرت مجالسها وأنشأت المكتبات واقيمت المدارس الأكاديمية ونشطت الترجمة ودورها في النقل ولم تستطع في تلبية الحاجة الماسة للمؤلفات التي ترجمت إلى اللاتينية ومن ثمّة الاسبانية والكتلانيّة. وتوازا قانونا العرض والطلب بيد أنهما قد عجزا في تلبية العطش الكثيف والمتصاعد لفهم وهضم هذه الحضارة البديعة. فكان لا بد من تعلم اللغة التي تكتب بها هذه المؤلفات. لذا أخذت اللغة العربية في الانتشار السريع، كالنار على الهشيم؛ وصارت في فترة وجيزة بين أهل اسبانيا وايطاليا والبرتقال لغة العلم، الأدب، الفن والحضارة. وطغت على اللغة اللاتينية التي كان مواطنو شبه الجزيرة الإيبيرية يتداولونها كلغة شفاهة محلية. لعمري لقد أفتتن أبناء المسيح وانسان الغرب بالحضارة الإسلامية وبطرق معاملتها لأهل البلد وكيف فتحت لهم آفاقا لم يكونوا يحلمون بها. فأسلم الكثير منهم وما زالت اسماء القرى واسماء بعض الأسر بإسبانيا وجنوب فرنسا مرصعة بحُليّ الكلم العربي. ونشط الطلاب فيهم من النهل من معين هذه الحضارة الجديدة ودراسة اللغة بوجه يتيح لهم الاستفادة القصوى من الدرر الكامنة فيها. فدعت الحاجة الماسة لإقامة مدراس استشراقية للترجمة والنقل بطليطلة ثم انتقل فيروس الحضارة بعد ذاك لأجزاء تالية، إلى جنوب فرنسا وإيطاليا، فما كان من أولئك الأهالي ألا أن أقاموا مدارس العلم والترجمة. وهذه الأخيرة يمكن أن نعتبرها عاملا هاما جدا في توطيد العلم وترسيخ الازدهار لتلك الشعوب وهي من أهم العوامل في تقدمها. وقام فطاحلة اللغة بترجمة أمهات الكتب العلمية من العربية إلى اللاتينية. وترجم – على سبيل المثال - الكتاب في الطب لابن سينا واتخذ كأول منهج لتدريس الطب في الجامعات الأوروبية. وكان الاهتمام لأمر الترجمة سلاح ذو حدين: الأول هو النهل من منابع علماء العرب والثاني والذي تبلور بعد عدة قرون من دخول العرب الأندلس، كان يصبو لمحاربة الإسلام – هذا الدين الذين دخل فيه الأوربيون أفواجا. فما كان من رجال الدين إلا أن يوقفوا زحفه. وهنا نرجع مرّة أخرى لبعض رجال الدين والأثر الهام في هدم الحضارات ونزغ البغضاء والكراهيّة بين الناس.
رابعا: التلاقح الأدبيّ بين الشرق والغرب.
جوته (من الديوان الشرقيّ للشاعر الغربيّ):
نجمي هو الشرق، إقليم ساطع،
حيث الشمس زاهية كملكة في خيمتها!
قرصها يتنزَه في سماء دائمة الصفاء
هكذا تحمل الأمير ذي بقعة ثرية
على أنغام الناي المقدس
شهرة سفينة ذهب على بحر أزرق
القارئ للأدب العربي الآني عند الطيب صالح في موسم الهجرة إلى الشمال وعند يحيى حقي في قنديل أم هاشم وعند توفيق الحكيم في عصفور من الشرق ربما يلتمس بعض تداخلات أسلوبية ومهارات سردية جمة تتسم بالازدواج بين العالم العربي والغربي. وهكذا كان حال قدامى الغربيين عندما افتتنوا بالأدب العربي فنهلوا من معينه إلى أن طوروا آدابهم ووصلوا بها إلى درجة العالمية. إن هذا المقال ينشد استخلاص العبر والتدبر في ما كان وما يجب أن نلجأ إليه ونحن في محنتنا الثقافية الحالية. وهل تعلمون أن العالم العربي بأجمعه، من الخليج إلى المحيط، لا ينتج - وإن كان بعضهم لبعض ظهيرا - إلى 5٪ من الإنتاج الثقافي لدولة إسبانيا فقط، المتمثل شكل المؤلفات المكتبية. وهاهنا أعطى بعض الأمثلة لذلكم التمازج الثقافي والتلاقح الأدبي ولما فعله الغربيون عندما كان إنتاجهم الثقافي لا يصل إلى 1٪ من إنتاج العرب. فأين هم الآن وأين نحن؟
خامسا: أدب العرب أنموذج لانطلاقة أدب الغرب:
كما نعلم بقيت القافية في الشعر الأوربي (إن جاز التعبير) إلى يومنا هذا دليلاً بينا يرمز لفضل العرب على أدبه. لقد كان اهتمام الشاعر العربي في تكوين قصيدته بقافية رنانة ومقدمة عصماء تشحذ وتشد انتباه المستمع، ملكت على شعراء الغرب ألبابهم، خصوصاً مما تضفيه تلكم القافية من رونق لحني َ على المضمون. فأخذوا يقلدون ألوان الشعر العربيَ. فالزجل فن من فنون الأدب العربي ذاع في الأندلس ومنها انتقل إلى جنوب فرنسا وكانت نتيجة هذا الامتزاج الأدبي ظهور شعر الشعراء الجوالين أو شعراء التروبادور في إسبانيا ومنهم من كانوا يكتسبون لقمة العيش في الطرقات بإنشادهم الأشعار على أنغام الموسيقى. والجدير بالذكر أن الأغاني التي كان يتغنى بها هؤلاء الشعراء توحي من حيث موضوعاتها وأساليبها وطريقة إنشادها بأنها من أصل عربي. فنحن نجد كثير من التماس الأدبي في موضوعات الحب العذري والحنين إلى الحبيب مما نجد أصوله في قصص الحب العذري عند عنترة وقيس من القدامى وعند ابن زيدون وعند ابن حزم الأندلسي في " طوق الحمامة في العشق والعشاق." أخيراً يجب أن لا ننسى أن ابن غزمان أشهر الزجالين في الأندلس كان معاصراَ للأوائل من شعراء التروبادور.
أما فيما يتعلق بفن القصة، فكانت القصص الحيوانية الذائعة في العالم الإسلامي آنذاك فناً من الفنون التي لم تعرفها الآداب الأوروبية - بشكلها الواسع - فاقتبستها وصارت فنا من فنونها وتطورت بعد ذلك. وقد ساعد على نقل هذه الأقاصيص التجار والرحالة وطلبة العلم والمترجمون، فبفضلهم وبفضل أدباء المسلمين تعرَفت أوروبا على قصص الخرافات الحيوانية ككليلة ودمنة عبر اللغة العربية ونقلاً من الأصل الهندي "باشا تنترا" إلى الفارسي فاستوحى منها الأديب الفرنسي لافونتين قصصه الخرافية المعروفة ب "لي فابل دو لا فونتين".
ومن المدهش أن أهل الغرب ذهبوا إلى نطاق وعر آخر وحاولوا فك طلاسم فن المقامات التي نعرفها في الأدب العربي عند بديع الزمان الهمذاني وعند الحريري. لقد اشتهر فن المقامات كما نعلم بشخصيات معروفة كالحارث بن تمَام. فظهر في القرن السابع عشر في الأدب الإسباني فن يشابه فن المقامات لأبعد الدرجات، فالبطل يتمتع بصفات بطل المقامات الحريرية أو الهمذانية بذكاء شيطاني في ابتداع الحيل وخلق الألاعيب لكسب الرزق، فبطل المقامات الإسبانية، إن صح التعبير، يدعى بيكارونPicaroon وهو متشرد يكسب رزقه عبر الحيل. لقد وجد هذا الفنّ رواجا وقبولا كبيرا عند أهل الغرب سيما في شبة الجزيرة الإبرية.
وفي فن القصة القصيرة لم يتوانوا في التهام كنوز الأدب العربي. فمن القصص التي ذاع صيتها ووجدت رواجاً فائق المدى، هي قصص " الف ليلة وليلة " والتي ترجمت في فرنسا بين عامي 1704 - 1717 وظل المؤلفون يعتمدون عليها في أعمالهم الأدبية. من جهة أخرى نذكر أن من الأدباء الألمان الذين تأثروا بهذه القصص هوجو فون هوفمانستال والشاعر جوته والأديب ريلكه. وكان نجاح هذه القصص يقوم على أنها ملأت مخيَلة الأديب الأوروبي بخيال خصب وأفكار فردوسية نقلته من واقعه المرير الممتلئ بالحروب والصراعات الكثيرة المعروفة إلى حلم بديع ينبض بصورة خيالية سحرية جنونية فكانت القصص عبارة عن نافذة تطلَ على عالم بديع يتسنى لكل ظمآن أن يشفي عليل خياله منه. ويستشهد المستشرق الإنجليزي وارتون في كتابه تاريخ الشعر الإنجليزي الذي نشر عام 1770 أن الحركة الرومنطيقية في نهاية القرن الثامن عشر وبداية القرن التاسع عشر التي حملت أفكار تعبر عن الخيال والقلب والشعور وإدراك الجمال بدلاً من الحركة الكلاسيكية التي اعتمدت على العقل والمنطق، هي بلا ريب، نتاج عربي خالص. وأن قراءة الكوميديا الإلهية لدانتي تشهد بتأثره بالتراث الإسلامي العربي. أيضاً نجد نفس الأثر عند فيكتور هيجو في مقدمة ديوانه الشرقيات ولقد تعرض الكاتب في ديوانه هذا لذكر الحياة الشرقية ومدن الشرق كما في القصيدة التالية:


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.