العراق ثامن المنتخبات العربية في المونديال    المذيعة تسابيح مبارك تعبر عن حزنها لإغتيال القيادي بحكومة تأسيس: (شاب هميم التقيته في نيروبي ويحمل جواز سفر أميركي ما يعني أن لديه فرصة أخرى في الحياة)    5 تصرفات تتسبب فى تدمير العلاقة العاطفية.. أخطرها سؤال أنت فين دلوقتى؟    "يديعوت أحرونوت": واشنطن بدأت عملية إجلاء طارئة ل60 ألف أمريكي من مصر    الدولار يتراجع مع تصاعد توقعات التهدئة في الشرق الأوسط    القبض على أمريكى هدد 8 مرات بقتل ترامب    إحالة رئيس الأركان السوداني للتقاعد بالمعاش    بالصورة.. أبعدوه حتى لا يرى قبرها ويقوم بنبشه.. قصة مؤثرة تدمي القلوب لشاب سوداني معاق ذهنياً في يوم وفاة والدته التي كان متعلق بها ومداوم على مسك "ثوبها"    ميسي ورونالدو على رأس أساطير التهديف في الدوري الإسباني    شاهد بالفيديو.. "ماما كوكي" تتحدث عن قضية الساعة.. مطربة شهيرة تقيم علاقة عاطفية مع "البرنس" بعد طلاقها من زوجها وردة فعل أهلها جاءت صادمة لها    مفاجآت عمرو دياب لجمهوره التركى فى أول حفل له أغسطس المقبل    ريهام حجاج : كممثلة لا أهتم بالمظهر بقدر اهتمامى بصدق الشخصية    أدوية منسية في المنزل قد تهدد صحة العائلة.. تخلص منها فورا    نوع نادر من السرطان.. ما هو التليف النخاعى؟    5 نصائح للوقاية من جرثومة المعدة    سوداني يسأل: (أنا مغترب وحصلت مشكلة بين زوجتي وزجة أخي واخوي اتصل علي قال لي طلقتها ليك هل الطلاق واقع؟)    اللجنة الإقتصادية العليا تصدر عدداً من القرارات المهمة لتحقيق استقرار سعر الصرف    الصحفية عائشة الماجدي: (لاحظت في الخرطوم مجموعة من الناس نشطة عايزة تبيع بيوتها وفي كمية عرض بيوت للبيع ما طبيعية)    بالفيديو.. شاهد ماذا قالت الفنانة توتة عذاب عن أغنيتها التي تصدرت "الترند" في الوطن العربي؟ وتوجه رسالة للمطربة بلقيس فتحي والممثلة إيمي سمير    وزير التربية يدشن استلام الدفعة الثانية من كتب الصف الاول الثانوي للولايات    "معاناة 5 سنوات".. برشلونة يتلقى نبأ سارا من رابطة الليجا    شاهد بالفيديو.. علاء الدين نقد يدخل في حالة بكاء هستيري في سرادق عزاء القيادي بحكومة "تأسيس" أسامة حسن    الأمم المتحدة تفتتح مقرها بالخرطوم    شبكة أطباء السودان .. قوة تتبع للدعم السريع اقتحمت مستشفى الأسرة بمدينة نيالا واعتدت علي الكوادر الطبية    كانتي.. منذ أن كان حلمًا في أعين الهلالاب    السودان.. وفاة لاعب كرة قدم    محمد عبدالقادر يكتب: شهادة البوشي.. و"فضيحة صمود "    قرارات لجنة المسابقات باتحاد الكرة الدامر    وزير المعادن ونائب المدير العام المفتش العام للشرطة يدشنان مركبات لتعزيز مكافحة تهريب المعادن وتأمين مواقع التعدين    السودان.. زيادة مخيفة للإصابة بالضنك في 7 ولايات    السودان.. وزير يشرع في تكوين قوّة عسكرية ضاربة..ماذا هناك؟    ارتفاع وارد واسعار الذرة والسمسم بسوق القضارف    قالت إنّها خرجت من آلية تحديد أسعار الوقود..الطاقة تكشف تفاصيل 20 باخرة في محيط البحر الأحمر    عثمان ميرغني يكتب: فساد.. الفساد..    شراكة استراتيجية بين "الشباب والرياضة" و"الصناعة" لتمكين المبتكرين ودعم الإنتاج الشبابي    السيسي للرئيس ترامب: لا أحد يمكنه وقف الحرب في المنطقة إلا أنت    مصر.. الدولار يقترب من 54 جنيها لأول مرة    وجبة سمك تُنهي حياة 3 سودانيين بالقاهرة وتتسبب في إصابة 4 آخرين بحالة تسمم غذائى حاد    رئيس الوزراء يصدر قرارًا بشأن الرسوم الجديدة في المعابر    محمد عبد الباسط يكتب: لهذا تحركت باكستان الآن للوساطة بين أمريكا وإيران    الخليج الضحية الكبرى: إيران وجهت 83% من هجماتها إليه… و17% فقط إلى إسرائيل    مهلة أخيرة للمخالفين: خيارات متعددة لمعالجة أوضاع التأشيرات المنتهية في السعودية    ترامب يصدر أوامره ويكشف تطورات مثيرة مع إيران    الأمن يداهم مخزن يبيع الوقود المهرب لعصابات التنقيب عن الذهب    رئيس الأهلي مدني وابنه يتعرضان لحادث مروع    المباحث تنهي مغامرات شبكة إجرامية متخصصة في الإحتيال علي أصحاب المحلات التجارية عن طريق اشعارات تطبيق بنكك المزيفة    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    الشيخ بن زومة.. إلى جنة الخلد    قيم الهلال المتوارثة يجب أن تبقى أبد الدهر    في زمن الضجيج.. القرآن بوصلة المعنى والسكينة    د.مزمل أبو القاسم يكتب: دموع الباز.. وزاهر! (2)    السودان.. الدفاع المدني يستعين ب"التوك توك"    طفح جلدي في رقبة الرئيس ترمب يثير تساؤلات حول صحته    صوت لا يغيب.. محمد رفعت ورحلة الآذان الخالد في رمضان    أجهزة الأمن السودانية تنهي مغامرات لص الصيدليات في عطبرة    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    السودان.. فكّ طلاسم"تبيدي للمجوهرات" في الخرطوم والتحقيقيات تفجّر مفاجأة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



غربا باتجاه الشرق دفاتر الديمقراطية البرلمانية الثالثة ( 18 و19)


مصطفى عبد العزيز البطل
[email protected]
-- الحلقتين الثامنة عشر والتاسعة عشر--
** الحلقة الثامنة عشر ***
(1)
عند مفتتح اللقاء مع العقيد قرنق وزمرته كان السيد الصادق المهدي يجلس على رأس المائدة والى جانبه الدكتور حماد عمر بقادي. أن كنت من الاجيال الطالعة ولم تكن تعرف الدكتور بقادي فإن التعريف السياسي يقول انه مساعد رئيس حزب الامة لشئون الجنوب آنذاك. واذا أردت التعريف الاجتماعي (مصحوباً بالشمارات) فهو زوج السيدة الفضلي مرضية الفاضل محمود، شقيقة المرحومة السيدة سارة الفاضل محمود، الزوجة الثانية للسيد الصادق المهدي. أي أنه عديل رئيس الوزراء. والدكتور بقادي محاضر في علم البيطرة، وقد شغل في النصف الاول من التسعينات منصب عميد كلية البيطرة بجامعة الخرطوم، قبل ان تعزله العصبة المنقذة وتنعم عليه من فيوض كرمها، وتقوم معه بالواجب، وتستضيفه لبعض الوقت في معتقلاتها الوثيرة.
والحق أن المائدة، التي قلنا ان السيد الصادق المهدي قد جلس على رأسها، لم تكن مائدة اجتماعات بالمعني المتعارف، اذ لم تكن الغرفة مزودة بطاولة ومقاعد من مثل تلك التي يجلس حولها الناس عادةً لأغراض اللقاءات الرسمية. بل مجموعة من المقاعد القصيرة التقليدية التي توضع عادة في صالونات الاستقبال ليجلس عليها الضيوف، ثم في المنتصف كانت هناك طاولة صغيرة قصيرة ايضاً مما يطلق عليها الفرنجة "كوفي تيبل".
كان هناك مقعدين في المقدمة، ثم صفين متقابلين من المقاعد. جلس على يمين رئيس الوزراء، في الصف الجانبي، العقيد جون قرنق، يليه بالترتيب رئيس اركان جيش الحركة وليام نون، ثم أروك طون، ولام أكول، وجيمس واني، ثم يوسف كوة. وجلس على يسار الرئيس، في الصف المقابل للعقيد قرنق وزمرته، بالترتيب كل من ابراهيم على ابراهيم مدير مكتب رئيس الوزراء، يليه كاتب هذه الكلمات، ثم الدكتور تيسير محمد احمد، فالدكتور مأمون محمد حسين، وأخيراً المهندس مختار عثمان. هل تعرف مختار عثمان يا رعاك الله؟ مختار هو ممثل المهندسين في التجمع النقابي، وقد عينته الحكومة الائتلافية في وقت لاحق مديراً للخطوط الجوية السودانية. ولكن وعند دخول الجبهة الاسلامية حكومة الوفاق الوطني في وقت لاحق طلب الدكتور الترابي عزله، كما طلب عزل المهندس الآخر هاشم محمد احمد، الذي كان قد تم تعيينه مديراً عاما لهيئة السكة حديد من منصبيهما، واستهجن تعيينهما اصلاً في هذين المنصبين الحساسين. وقد حدثت مشادة في هذا الشأن بين الدكتور الترابي والمرحوم صلاح عبد السلام الخليفة وزير شئون الرئاسة، الذي قدم تبريراً لتعيينهما لم يعجب الدكتور الترابي. ولا شك عندي ان السبب هو ان هاشم كان – واحسبه ما يزال – عضوا في الحزب الشيوعي. أما مختار فلا أعتقد بشيوعيته، ولكنه كثير الحركة وشديد الازعاج، ولم يكن الاسلامويون يطيقونه (أنا أيضا لم أكن اطيقه مع انني لست اسلاموياً).
(2)
بدأ اللقاء رسمياً بكلمة قصيرة تلاها من ورقة مكتوبة الدكتور حماد بقادي، تضمنت الترحيب والتعبير عن التفاؤل وتمني الخير للبلاد. لم يتحدث بعدها الدكتور بقادي بل ظل مستمعاً. كما ظل ممثلو التجمع النقابي صامتين تماماً، لا ينطقون ببنت شفه، حتي نهاية اللقاء، ويبدو انهم كانوا متفقين على ذلك. ومهما يكن فأنه لم تكن لأى منهم صفة للحديث في ذلك الاجتماع أساساً، سوى تمثيل الجهة التي نظمت اللقاء ورعته.
(3)
قبل ان نمضي قدماً أود ان أسترجع نقطة حسبتها في المبتدأ هامشية، ولكنني أعدت النظر كرتين، ورأيت ألا أتجاوزها. هل يعقل ان أكتب عن الكراسي والطاولات ولا اكتب عن حبيبنا والتر كونيجوك، رحمه الله؟ والتر كان وزيراً للعمل في حكومة السيد الصادق المهدي ممثلاً لكتلة ساك الجنوبية. وجّه رئيس الوزراء بضمه الى وفد مؤتمر القمة الافريقي بأديس أبابا. كان اسمه قد جاء هكذا في قرار تعيينه وزيراً: (والتر كوني). واستمر في الوزارة بهذا الاسم عهداً طويلاً. ولكنه جاء الى أمانة مجلس الوزراء ذات يوم وذكر ان اسمه ليس والتر كوني. ثم أخذ ورقة وقلماً وكتب اسماً طويلاً، بسطه في سطر كامل ونصف السطر، وقال ان ذلك هو اسمه الصحيح الذي ينبغي ان ينادي به ويكتب في المكاتبات الرسمية. وقد عانى الجميع أمرّ المعاناة من ذلك الاسم الطويل الذي أهدر المال العام من أحبار وأوراق، ثم استحلفوه بحق المحبة بين الشمال والجنوب أن يسمح لهم بأن يكتبوا اسمه اختصاراً (والتر كونيجوك) فوافق على مضض.
كان والتر كونيجوك يقيم بفندق غايون، وكان معزولاً تماماً عن الاتصالات الجارية من جانب وفدنا بخصوص اللقاء. والحقيقة أن الشكوك كانت تحوم حوله بسبب اتصالاته الوثيقة بجماعة الحركة الشعبية. جاءني والتر في الليلة السابقة للقاء وسألني سؤالاً مباشراً عما اذا كان رئيس الوزراء يريد منه أن يحضر الاجتماع مع العقيد قرنق غداً. رددت عليه في أدب وخبث شديدين: "هل سيلتقي رئيس الوزراء غدا بجون قرنق .. هل هذا صحيح .. كيف عرفت"؟ غضب الوزير ورد علىّ رداً قاسياً، حسبته مصطنعاً، ربما أراد من ورائه أن يغطى على الخطأ الذي ارتكبه بكشفه لمعلومات يفترض انه هو بالذات لم يكن يعلمها لان احداً، من جانبنا، لم يخطره بها. اعتذرت له ووعدته بأن آتيه بالإجابة في ظرف ساعات.
بالفعل ذهبت الى الفيللا الرئاسية، وقبل أن اصعد الى الطابق الثاني وجدت الدكتور تيسير والدكتور مأمون والمهندس مختار يشربون الشاى في الصالون الارضي. طرحت عليهم وطلبت رأيهم حول سؤال والتر كونيجوك. ماطلوا في الاجابة، بل تصرف كل منهم بما يوحي بأن الاجابة ستأتي من زميله. بعد تردد وفي كلمات مرتبكة قال لي أحدهم ما معناه ان اللقاء يفترض ان يتم بين السيد الصادق بصفته رئيساً لحزب الامة، لا رئيسا للوزراء، وهذا هو شرط العقيد قرنق والحركة، وبالتالي فهو ليس لقاءً رسمياً يمكن ان يحضره الوزراء بصفاتهم الوزارية.
صعدت الى الطابق الأعلى. وجدت الدكتور منصور خالد يجالس السيد الصادق المهدي، ويحتسيان الشاي أيضاً. لم أشأ التأجيل فقد تأخر الوقت، كما أنه ليس من الاصول أن أسأل الرئيس مثل ذلك السؤال في حضور آخرين. قلت للرئيس بصوت عال: "سيادتك وعدت الدكتور تيسير وبقية اعضاء التجمع بالاجتماع بهم، وهم ينتظرون في الطابق الارضي لأكثر من ساعة". كنت اتوقع أن يأتي رد الفعل من الدكتور منصور، كأن ينهض من كرسيه ويعتذر بأن عنده هو ايضا موعد آخر. ولكنني فوجئت برئيس الوزراء يرد: "قول ليهم يجونا فوق"! وبالفعل صعد الجميع، وتحول الشاى الى عشاء. وكان ذلك كله على غير رغبة فتية التجمع، الذين لم يكونوا مرتاحين لوجود منصور اثناء تباحثهم مع رئيس الوزراء، لأسباب مفهومة.
(4)
ولكنني حصلت على إجابة السؤال بشأن والتر كونيجوك في نهاية المطاف. إذ دخل رئيس الوزراء الى غرفة جانبية ليصلي، فدخلت خلفه. قلت له: "سيادتك وزير العمل والتر كونيجوك يسأل هل يحضر اللقاء غداً؟". تطلع الرئيس في وجهي للحظات، ثم قال: "الله اكبر الله اكبر" ودخل في الصلاة دون ان يجيب. وصلتني الاشارة بوضوح، ومن عاشر حفيد المهدي اربعين يوماً عرف إشاراته. الاجابة: لا. ولكن الوزير لا يجب ان يعرف ان ذلك كان قرار الرئيس!
** الحلقة التاسعة عشر ***
ما زلنا نعالج وقائع اللقاء بين رئيس الوزراء السيد الصادق المهدي والعقيد جون قرنق، الذي انعقد في العاصمة الاثيويبة أديس أبابا في يوليو 1986، فنقول وبالله التوفيق:
(1)
بعد ان فرغ الدكتور حماد بقادي من القاء كلمته الافتتاحية الترحيبية القصيرة، تحدث السيد الصادق فسأل العقيد قرنق عما اذا كان يفضل أن تكون لغة الحوار العربية ام الانجليزية. ابتسم قرنق والتفت الى يمينه حيث جلست جماعته، ثم أجاب بأنه شخصياً يشعر أن قدرته على الاستيعاب والتعبير بالانجليزية أفضل من العربية. وهكذا كانت الغلبة للغة الفرنجة، التي سادت، تبعاً لاختيار العقيد، خلال التسع ساعات ونصف الساعة التالية.
تحدث السيد الصادق فاجتهد في رسم لوحة للوضع السياسي والتغيرات الكبيرة التي شهدها السودان عقب انتفاضة ابريل 1985. وبحسب تلك اللوحة فإن شعب السودان يتوقع من الحركة الشعبية أن توقف الحرب وتتقدم للمشاركة في صناعة الحاضر ورسم المستقبل، بحكم دورها المشهود والمقدر في مقاومة النظام المايوي والمساهمة في اسقاطه. وأشار الى ان قطاعات واسعة من أبناء السودان تستغرب موقف الحركة واصرارها على الاستمرار في القتال، بعد أن نجح الشعب في خلع النميري واستعادة الديمقراطية.
(2)
كان رد العقيد قرنق مستعاداً مكروراً في جانبه الاول، إذ قام بتشغيل نفس الاسطوانة التي تحمل أغنية (مايو تو) الشهيرة، من تأليف وتلحين العقيد نفسه، والتي كان الاخ ياسر عرمان يرددها وقتذاك من اذاعة الجيش الشعبي. ولكن قرنق – للحق – أضاف هذه المرة شيئاً جديداً، اذ تساءل عن الانتخابات التي اجريت وتم بموجبها تشكيل البرلمان ثم الحكومة الجديدة برئاسة السيد الصادق المهدي، وعن سبب اجرائها في غياب الحركة الشعبية. وهي اضافة جديدة فعلاً كما ترى، كما أنها مدهشة أيضاً. بل ومدهشة للغاية، لا سيما اذا استرجعنا ووضعنا في الاعتبار كثرة الدعوات والرسائل والبعوث الماكوكية التي قام بها ممثلو التجمع وحكومة الدكتور الجزولي دفع الله الانتقالية بهدف اقناع الحركة الشعبية بالمشاركة في عملية التحول الديمقراطي. ثم تذكرنا المطل والتعنت والشروط التعجيزية من جانب الحركة. الامر الذي حدا بالحكومة الانتقالية للمضي قدماً في انجاز الانتخابات النيابية، وفاءً للالتزام باجرائها وتسليم السلطة للشعب في ظرف عام واحد.
(3)
في ذيل الرد المستفيض على تساؤل قرنق المدهش ذكر السيد الصادق أن الحكومة الانتقالية وإن أجرت الانتخابات في الشمال، فانها قامت بتأجيلها في 38 دائرة جغرافية بالأقاليم الجنوبية. وهنا اشتعل قرنق حماسة، فسأل: "ولماذا تم تأجيلها في دوائر الجنوب تلك؟" والاجابة البديهية تقول ان السبب هو اضطراب الاحوال الامنية في تلك الدوائر بسبب الحرب التي تشنها الحركة. ولكن حفيد المهدي اضاف: "ربما حجزتها لكم الحكومة الانتقالية حتي اذا اوقفتم الحرب خضتم الانتخابات فيها". وهنا واتت قرنق الفرصة للتألق فاهتبلها. وانت لا تحتاج الى مجالسة قرنق والاستماع اليه لاكثر من تسع ساعات ونصف الساعة لتكتشف ولعه بالتألق والاستعراض ومحاولة اثبات الذكاء والتميز. قال قرنق وعيناه تلمعان، وكأنه قبض الذئب من ذيله: "من قال أننا نريد ان نخوض الانتخابات في الجنوب حتي تحجز لنا الدوائر هناك"؟ فسأل حفيد المهدي: "وأين كنتم تريدون خوضها؟". هنا أجاب قرنق: "أنا شخصيا كنت اريد ان اخوضها في بورتسودان". ثم أخذ يتطلع في وجه رئيس الوزراء، ثم في وجوهنا، ليرى تأثير عبارته تلك علينا. والمفروض طبعاً أن نكون مذهولين ومأخوذين من عبقرية الثائر الفذ وخيبة رئيس وزرائنا!
الفكرة واضحة. أليس كذلك؟ لا عجب اذن أن تكررت بصورة مزعجة المرات التي وردت فيها مثل تلك العبارات الاستعراضية، التي تعبر عن فتنة عجيبة بالاثارة والحركات الاكروباتية والتهافت لكسب النقاط الافتراضية، بأكثر مما تكشف عن رغبة أصيلة في بحث نقاط الالتقاء والسعي الجاد لتأمين السلام وحقن دماء الأبرياء التي كانت تهدر عبثاً في كل يوم تحت دعاوى تحرير السودان.
(4)
كنت قد كونت عقيدتي، قبل انقضاء الساعة الاولى من بدء المحادثات بأن وفد الحركة لم يأت لحوار، وأن قرنق لاعتبارات كثيرة لم يكن مستعداً لالقاء السلاح ومواجهة تحديات السلام. وبالتالي فإن موافقته وحضوره ذلك اللقاء لم يكن اكثر من ذر للرماد في العيون ومحاولة لمحاصرة التساؤلات العديدة داخل وخارج السودان حول دوافع الحركة للاستمرار في القتال، والسعي لخلق انطباع وارسال اشارات هنا وهناك بأن الحركة تبذل جهداً لتحقيق السلام.
ولكن الحقيقة تظل هي أن أداء اعضاء وفد الحركة (سنأتي الى أداء العقيد قرنق منفصلاً) لم يتعد في غالبه أن يكون سلسلة من محاولات صح ان يقال عنها صبيانية، في أحيان كثيرة، لتسخيف وتسفيل كل عبارة ينطق بها رئيس الوزراء. وزاد الامر ضغثاً على إبالة أن عدداً من هؤلاء الأعضاء استخدموا في مواجهة رئيس الوزراء، وفي حضور قرنق نفسه بطبيعة الحال، عبارات غاية في التعدي وسؤ الأدب وعوار الخلق، تعويلاً على صبر المهدي وسماحته وسعة صدره، ورغبته الاكيدة لتجنيب البلاد أهوال الحرب مهما كانت التكاليف والتضحيات.
ومن مثال ذلك مخاطبة رئيس اركان جيش الحركة وليام نون لرئيس الوزراء بفجاجة مفرطة قائلاً: “don't crack our heads”. وربما كانت أقرب ترجمة للعبارة هي (لا تفلق رؤوسنا). وكان المهدي يجيب وقتها على سؤال من العقيد قرنق حول استعداده للقبول ببعض شروط الحركة. ومن الغريب أن قرنق لم يبد عليه الانفعال بمثل ذلك المسلك المسئ. وبخلاف ما هو سائد من اعتقاد عن هيبة قرنق وسطوته وقسوته فقد كان تساهله امام تفلت بعض اعضاء وفده مريباً ومثيراً للحيرة. وهو تفلت طال قرنق نفسه، حين قاطعه الرائد أروك طون بحدة شديدة عندما كان كان قرنق يعرض وجهة نظره حول مسألة معينة، فثار طون وعبّر عن استهجانه لرأى قرنق وعدم استعداده للالتزام به حال جري الاتفاق عليه مع رئيس الوزراء.، حيث قال أروك طون بلغة عربية، مع ان الحوار كان يدور بالانجليزية: " لو حدث اتفاق زي ده أنا راح أنشق من الحركة". ولم يتعد رد فعل العقيد قرنق على هذا التصرف الخارج عن كل الاعراف سوى أن نظر الى رئيس الوزراء وخاطبه بكل هدوء قائلاً: “You see how my fingers rebel in my hands?” . وترجمتها الحرفية " هل تري كيف تتمرد أصابعي داخل يدي". وهو تعبير لم اكن قد سمعته لا بالانجليزية ولا بالعربية ولكن المعني المراد واضح على أية حال.
(5)
دهشت لاسلوب أروك طون (ولحد ما يوسف كوة)، ولكنني لم أدهش لسلوك وليام نون. كنت قبلها قد سمعت الدكتور حسين أبوصالح، وهو اختصاصي في جراحة المخ والاعصاب، يقول في احدي جلسات مجلس الوزراء عن وليام نون: "هذا الرجل حدث له مينتال بريكداون من قبل. وأنا على علم بطبيعة وتفاصيل حالته. ومن يصل تلك الحالة التي وصلها ذلك الرجل يظل مريضاً ومختلاً عقلياً طوال عمره".
المعروف ان وليام نون قتل غيلةً داخل الاراضي السودانية في منطقة متاخمة للحدود الكينية. لا يهم، فهو ليس بأفضل من غيره ممن قتلهم قرنق. ولكن السؤال يظل قائماً: هل هناك عاقل يعتقد بأن حواراً يشارك فيه أمثال وليام نون هذا يمكن أن يأتي بنتائج؟


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.