"ميتا" تعزز فيسبوك بميزة الصور الشخصية المتحركة    الأردني التعمري يقود رين إلى هزيمة باريس سان جيرمان بثلاثية    د. سلمى سجلت نقطة لصالحها، إن تم قبول استقالتها ستخرج وقد رفعت الحرج عن نفسها    الأمم المتحدة تطلق التحذير تجاه أزمة السودان    (سبتكم أخضر ياأسياد)    الهلال يصارع لوبوبو لخطف بطاقة ربع النهائي    الشرطة في الخرطوم تنهي مغامرة متهم المستشفيات الخطير    من سلوى عثمان لهند صبري .. مشادات "اللوكيشن" تهدد دراما رمضان    نصائح صحية للاستعداد المبكر لرمضان    "الصحة العالمية": اعتماد لقاح فموي جديد لشلل الأطفال    علم النفس يوضح.. هكذا يتخذ أصحاب التفكير المفرط قراراتهم    أئمة يدعون إلى النار    الهلال السوداني يخوض مواجهة مصيرية في أبطال إفريقيا    موسيفيني يصدر توجيهًا لجهاز المخابرات بشأن السيارات السودانية    بالصورة.. لأول مرة منذ 23 عام.. الأمل يودع الدوري السوداني الممتاز والحزن يخيم على عشاق كرة القدم بعطبرة    إتحاد جبل أولياء يكون اللجان العدلية    في مباراة مثيرة شهدت ضربتي جزاء وحالة طرد الأهلي يخسر أمام مويس بثنائية نظيفة في دوري شندي    النفط يستقر وسط خسائر أسبوعية والذهب والفضة ينتعشان    شاهد.. حسناء الفن السوداني "مونيكا" تشعل مواقع التواصل بجلسة تصوير جديدة    شاهد.. الفنان مأمون سوار الدهب بعد زواجه: (زارتني الملائكة)    "ميتا "تسجّل براءة اختراع لمحاكاة المستخدمين بعد وفاتهم    شاهد بالصورة.. ظهرت بشعار أتلتيكو مدريد وهي تلوح بالرقم 4!! هل قصدت المذيعة السودانية سهام عمر السخرية من برشلونة بعد الهزيمة المذلة؟    بالصورة.. لأول مرة منذ 23 عام.. الأمل يودع الدوري السوداني الممتاز والحزن يخيم على عشاق كرة القدم بعطبرة    شاهد بالفيديو.. السياسي الراحل غازي سليمان: (لم أعد افرح لأن شعب السودان لم يفرح بعد وعلي الطلاق إبنتي "أم النصر" أرجل من 100 راجل)    من أرشيف كتابات الصحفية سهير عبدالرحيم : (هذا الصحفي كان يصلي خلف البشير من غير وضوء)    طلاب شرق دارفور يسيرون قافلة وطنية إلى جنوب كردفان برعاية والي شرق دارفور    ترتيبات لإعادة تشغيل مصنع ألبان بركات وإنشاء مزرعة لتربية الماشية    شاهد بالفيديو.. فنان سوداني يصل الخرطوم ويوثق لجمال وروعة صالة الوصول بالمطار ويدعو أبناء الوطن للعودة (البلد بتعمر بأهلها)    تشغيل مصنع الاوكسجين بمستشفى الدبة المركزي    إبراهيم شقلاوي يكتب: مسرح ما بعد الحرب لدى يوسف عيدابي    وزارة المالية توقع إتفاق مع بنك التضامن الإسلامي لتقديم خدمة إيصالي    شاهد بالفيديو.. فتاة سودانية تبهر راغب علامة وأنغام بعد ترديدها أغنية هدى عربي في برنامج مسابقات والسلطانة تدعمها وتحتفي بها    ارتفاع في اسعار محصول الذرة واستقرار سعر السمسم بالقضارف أمس    إلغاء رحلة قطار إلى الخرطوم..إليكم تفاصيل    انطلاق دورة متخصصة لتطوير الأداء الرقمي برعاية وزير الشباب والرياضة    الإدارة العامة لشرطة تأمين التعدين تنفذ حملة منعية وكشفية لمكافحة التعدين العشوائي بولاية البحرالاحمر    الإدارة العامة لشرطة تأمين التعدين تنفذ حملة منعية وكشفية لمكافحة التعدين العشوائي بولاية البحرالاحمر    هيئة مياه الخرطوم: تحصيل فاتورة المياه لا يشمل القطاع السكني حتى الآن    ارتفاع طفيف لأرباح زين السعودية إلى 604 ملايين في 2025    الدولار يواصل التراجع أمام الجنيه فى منتصف تعاملات اليوم    مسؤول سوداني يغادر إلى تركيا    أفراد من الشرطة يلقون القبض على السائق الخاص بالقائد الميداني لمليشيا الدعم السريع "جلحة" داخل "ركشة" بحي بري    هلال كوستي يدشن برامجه الثقافية بليلة ثقافية كبرى وتكريم رموز النادي والمجتمع    شاهد بالفيديو.. سرقة محل مجوهرات بشارع الوادي بأم درمان وقيمة المسروقات تقدر ب(ترليون) جنيه    محاولة أوكرانية جديدة لإفشال مفاوضات السلام بعيداً عن ارض المعركة    رفض الزوج شراء سجائر لها فقتلته.. جريمة زوجة مصرية تثير الجدل    حريق كبير في سوق شرق تشاد    رسالة أخيرة في بريد الرئيس البرهان قبل تمرد الحركات المسلحة الدارفورية    ترامب يحذر إيران: الوقت ينفد والهجوم القادم سيكون أشد    تلفزيون السودان يستأنف البث المباشر من مقرّه الرئيسي    وزير الصحة: التبغ عدو الحاضر والمستقبل و فاتورته الصحية تفوق عائداته الضريبية    هل قتل السحر الأسود الإسرائيلي عبد الناصر؟.. كتاب جديد يكشف خفايا خطيرة في مصر    سباق اختراق الضاحية باكورة بطولات الاتحاد العربي لألعاب القوى    شركة اتصالات في السودان تعلن عن توقف خدمات    "مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ"!    أحمد الشاكر: انا أعجز عن شكر جميع الإخوة الأشقاء في المملكة العربية السعودية    السودان..حصيلة صادمة بمرض شهير في ولايتين    إسحق أحمد فضل الله يكتب: (حديث نفس...)    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



من عجائب الحالة المصرية .. هبوط ( ثلاثي عمرو ) إلى ( الدرجة الثالثة )!


أبو البشر أبكر حسب النبي
يبدو أن ضغط الأحداث في أرض الكنانة يجبر المرء ، كائناً من يكون ، على أن يرنو تلقائها مرغما ، و يدير بصره لا ظهره ، مؤقتا على الأقل ، عن الأحداث الجسام التي تمور بها أرض السودان .. بعضها ناجم عن غضبات الطبيعة بآثارها المدمرة .. وأخرى من أفعال السلطة والمعارضة في مناكفاتهما العقيمة و المزمنة، التي لم تفرز غير حروب عشائرية مهلكة وأوضاع معيشية مزرية.
ففي الحالة المصرية، فضلا عن الفظائع والجرائم التي تفطر لها القلوب من قتل وسحل، ثمة هنالك عجائب ومفارقات تثير الحيرة والدهشة.. لقد قمت بتعيين بعضها من خلال متابعتي الحثيثة لأحداث الجارية، حيث لفت نظري ظاهرة جد غربية؛ تتمثل في انقلاب الاتجاه التحليلي لعدد كبير من المحللين المصريين ( المرموقين ) ، وانحدارهم وهبوطهم من علياء الموضوعية إلى قاع الغلو والإسفاف ، وبلوغهم دركا يقترب من مرتبة السفلة و الرعاع .. وقد انحطت قامات كان يُشار لها بالبنان في عالم التحليل السياسي إلى الحضيض، وبدت لنا كأنها محض أقزام من الآحاد الذين لا يكادون يفقهون قولا.. لقد طمست الغبينة عقولهم و غلفت الضغينة افئدتهم ودفعتهم إلى ركوب قارب هستيريا تخوين جماعة ( الأخوان ) وشيطنتها .. وعلى رأس هؤلاء ثلاثة ، كلهم يحملون اسم (عمرو) ، أعنى : (عمرو حمزاوي) و(عمرو هاشم ربيع ) و(عمرو الشوبكي ) فهؤلاء الثلاثة من كبار المحللين المصريين .. قلَّ مَن لا يعرفهم .. فالأول هو الباحث الشهير في مؤسسة كارنيجي للأبحاث الذي ارتد سياسيا بعد قيام الثورة المصرية .. أما الآخران فهما من أساطين مركز الأهرام للدراسات الاستراتيجية .. فهؤلاء الثلاثة - ضمن آخرين - قد ظلوا بمثابة أبطال شاشة الفضائيات العربية في تحليل الشئون العربية خلال السنوات العشر الماضية.. وجزء من هذه الشهرة يعزى إلى قدرتهم الفائقة على السرد/ الحكي بلغة (صحفية )؛ أي لغة لا هي دارجة ممعنة في محليها ولا هي فصحى متقعرة .. فعمرو الأول كان لديه قدرة عجيبة على إضفاء مسحة (ميلودرامية) على تحليلاته باستخدام لغة مبسطة ومشوقة وسليمة وتسلسل منطقي ومنظم ومتقن للأفكار مع استرسال سلس وجذاب غير ممل ..
ولكن فجأة انقلبوا جميعا على أعقابهم .. وتجردوا تماما من دثار التحليل الموضوعي وكفروا بالمنهج العلمي الذي كانوا يبهروننا به..فكانت النتيجة أن تحورت لغتهم السلسة إلى أخرى خشبية جافة ، وتحول الدفاق السلس للسرد إلى تلعثم وطأطأة .. وانفرط عقد الأفكار المنظمة ولم نجد إلا إصدار أحكام قاسية تتناص مع مقولات العصابات المقنعة مثل (بلاك بلوك ) وأخواتها .
مفارقة مذهلة ! .. كيف نضب معين هؤلاء بهذه الطريقة الدراماتيكية ؟ .. بالأمس استمعت لعمرو الثاني (هاشم ربيع ) ، في الحقيقة لم أصدق نفسي بأنني استمع إليه، حيث ظل يلف ويدور ويلعن الأخوان وأمريكا ويردد العبارة المدلسة " نريد دولة مدنية.. لا دينية ولا عسكرية " (!!) حتى انتهت المقابلة ..نقول هذه العبارة مدلسة لأن الدولة التي كانت يرأسها "مرسي" لم تكن " دينية " كما أن الدولة التي يقودها " السيسي " الآن لا ينكر إلا الجاحد بأنها "عسكرية " !.
وكان قبل ذلك بيوم أو يومين استمعت لعمرو الثالث ( الشوبكي ) يقول :" على الشرطة أن تطلق الرصاص الحي على رؤوس وصدور الأخوان " ! أعوذ بالله ما دهاه ؟.. ثلاثتهم اليوم يؤمنون بسياسة "أقضوا عليهم " .. و" اجتثوا شجرة الأخوان من قرارها " وهو منطق ذاته الذي يردده بعض الجنرالات المتقاعدين الذين أسس لهم نظام مبارك مراكز للبحوث والدراسات ليعيشوا عليها بتسول المعونات والمعينات من أبواب المؤسسات الغربية ، مثل الجنرال ( سويلم ) و(سيف اليزل) و(محمد على ) وغيرهم ممن ينهض عماد تحليلاتهم للوضع الحالي على الكذب والنفاق والمبالغة والتطرف في محاربة ما يسمونه بالتطرف الديني ..
إن النقطة المركزية التي يحاول هؤلاء المحللون الثلاثة تصويرها لنا بالتزوير هي أن تحليلاتهم تتوافق مع الاتجاه العام الذي تعبر عنه (جماعة الوطنية ) أو (الكتلة التاريخية ) في مصر.. وهو عين الزعم الذي كان حزب مبارك (الحزب الوطني الديمقراطي ) يتسربل به لحكم مصر بالحديد والنار.
إنني لا أقلل من الاتجاه العام المعادي للإخوان.. وهو يشمل قطاع غير يسير من الشعب المصري وهي من الظواهر (المنفلتة)؛ أي تلك التي تنعدم فيها أشراط العقلانية والمعقولية ، لماذا أصيب قطاع من الناس في مصر بجنون بُغض الأخوان إلى هذا الحد ؟ في الحقيقة نحن نحتاج إلى تحليل أعمق للإجابة على هذا السؤال بعيدا عن الإجابات المتسرعة مثل القول بأن السنة التي قضوها في الحكم كانت كافية لحكم الناس عليهم ..ولا كافيا القول بأن بث الكراهية المفرطة والدعاية الفجة ضدهم من الإعلام الرسمي قد شيطنتهم.
و عن طريق الاستقراء يمكن للمرء أن يرسم خريطة جغرافية حقيقية ( وليست صورة ذهنية) لترسيم تخوم و تجليات موجة (بُغض الأخوان) أو هوجة العداء للتيار الديني عموما بحيث نرى أن بؤرة هذه الكراهية تتمركز في محافظات الوجه البحري خاصة في (الغربية والمنوفية والدقهلية والقليوبية ) وبدرجة أقل حدة في (الشرقية وكفر الشيخ والبحيرة ) فمعظم هذه المحافظات لم تشملها قرار حظر التجوال من السابعة مساء إلى السادسة صباحا نسبة لهدوء الأحوال فيها ، و في الحقيقة ليس لدي أي تفسير لهذه الظاهرة اللهم إلا القول بأن الكتل البشرية في هذه المحافظات غير راضية أصلا عن ( الثورة المصرية ) وإنها ضد التغيير الذي حصل .. ودليلي على ذلك أن الجنرال أحمد شفيق(آخر رئيس وزراء في عهد مبارك) عندما نافس الرئيس المعزول مرسي على معقد الرئاسة وجد تأييداً كاسحاً في هذه المحافظات..
وبضد من ذلك نجد أن محافظات الصعيد الأدنى ( بني سويف والمنيا والفيوم وأسيوط ) و المحافظات الملحقة بالقاهرة الكبرى( الجيزة وحلوان و 6 أكتوبر ) تأيد بشكل كاسح التيار الإسلامي بينما الساكنة في الصعيد (الجواني) ( سوهاج وقنا والأقصر وأسوان ) أما هي غير مبالية أو مؤيدة للتيار الإسلامي .كما تتدرج نسبة تأييد التيار الإسلامي في محافظات إقليم القناة ( السويس والإسماعيلية وبورسعيد ) من أعلى إلى متوسط ثم منخفض على التوالي بينما يتقاسم سلطة العسكر والأخوان النفوذ في المحافظات الساحلية (دمياط والإسكندرية والبحر الأحمر) أما محافظتي شمال وجنوب سيناء و مرسي مطروح فهي (متشنجة ) ضد الانقلاب في معظم الأحوال لدواعي عشائرية وليس تأييدا للتيار الإسلامي .. في الوقت الذي ظلت محافظة واحدة هي (الوادي الجديد ) شبه محايدة حتى أن المحافظ اجتمع بجميع الأحزاب السياسية بما فيها حزب (الحرية والعدالة) وطلب ورجا منهم التزام الهدوء لمصلحة المحافظة !.
البعض يفسر الظاهرة على سياقات الفقر والغنى أي أنه كلما كانت الاوضاع الاقتصادية للناس مواتية بغضوا الأخوان ، وكلما كانت أحوالهم مزرية والوا الأخوان ، ولكن هذا التفسير غير منتج بالنظر إلى حالة القاهرة الأم حيث نجد أن الأحياء شبه البرجوازية هي المنتفضة تأييدا للإخوان مثل مصر الجديدة والمعادي والقاهرة الجديدة ومدينة نصر والمهندسين ..الخ بينما يلف السكون الأحياء الفقيرة .
لا توجد في سوق الأفكار فكرة خيالية أكثر من فكرة إمكانية اجتثاث الأخوان التي تجد لها رواجا في الفضاء المصري .. جميع حكام مصر خلال التسعين عاما الماضية - أي من لدن ملك فؤاد إلى رئيس حسني مبارك .. قد أقروا باستحالة اقتلاع الجذر الأخواني من أديم مصر فرضوا بالتكيف والتعامل مع هذا التيار .. على هذا الأساس كان (مباركاً) يتقي ( شر) جماهيرية الأخوان عن طريق ال( تنفيس ) أي عن طريق غض الطرف عن نشاطاتهم الاقتصادية والاجتماعية والثقافية وكلما يحل موعد الاستحقاقات السياسية يقوم ب(تقطيرهم ) بعض المقاعد النيابية شريطة أن لا يتجاوز عديدها عن ربع عدد مقاعد مجلس الشعب .. وكلما شعر باكتساحهم أي ميدان من ميادين العمل العام قام ب( تعويق ) نشاطهم باستخدام أسلحة من جنس سلاحهم مثل تكليف جهاز (مباحث أمن الدولة) باختراع (التيار السلفي) المهادن للسلطة والمساير لتيار المعادي للإسلام السياسي.. ففي الأزمة الأخيرة لعب التيار السلفي دور( المربك) مما وفر المزيد من الذرائع لحملة القضاء على الأخوان.
لقد وعى نظام مبارك بأن العنف لا يولد إلا العنف لذلك بذل جهودا جبارة للتصالح مع الجماعات الإسلامية في إطار ما سمي ببرنامج (الاستتابة) لأعضاء (تنظيم الجهاد) و(الجماعة الإسلامية) و(الناجون من النار) .. الخ بتوظيف المؤسسات الدينية الرسمية مثل (وزارة الأوقاف) و(مشيخة الأزهر) و(دار الإفتاء ) وبعض الشيوخ الذين يدورون في فلك السلطة مثل( أحمد عمر هاشم ) ما ذلك إلا لإدراك النظام أنه من العسير إيصال هذه الجماعات إلى ( نقطة الإعياء التام ) ومن ثم الانقضاض والقضاء عليها في هبة واحدة مثلما تبشرنا به هذه التحليلات المهلهلة الآن .
إذا كانت هذه الخلاصة من البديهيات لماذا يعتقد هؤلاء المحللون (المرموقون ) بأنه يمكن التخلص من جماعة الأخوان المسلمين دون النظر حتى إلى الثمن المدفوع في فترة أقل من شهرين ؟ هل هم سذج إلى هذا الحد ؟ كلا للأمر أبعاد أخرى .. ففي اعتقادي المتواضع أن السبب يعود إلى "بورصة تداول التحليلات السياسية " وهي البورصة حقيقية وليست متخيلة ، أي أن هذه التحليلات مدفوعة الثمن بالمعنى الحرفي ، لا غضاضة من العمل بمبدأ بيع الأفكار استنادا لقاعدة (حقوق الملكية الفكرية ) ولكن التي تروج لها الآن هي الأفكار المغشوشة (المضروبة ) وليست الأصلية.
مرة عدت إلى شقتي متأخرا ولم أجد المفتاح فهرعت إلى أحد محلات نسخ المفاتيح وطلبت من العامل النجدة وجاء معي وانفتح الباب بمجرد أن وضع مفكه عليه.. وطلب مني مبلغا (خرافيا) قلت له إنك لم تفعل شيئاً ؟ ابتسم و سألني في أي مجال تعمل ؟ قلت : في (التدريس) فقال إذا أنت تبيع الأفكار لا الأفعال (!) وأنا الآن أبيعك فكرة وليس فعلا .. منطق سليم لم يسعني إلا أن أدفع له المبلغ المطلوب!.
لقد اعترف الملياردير المصري القبطي نجيب ساويرس لمجلة (دير شيبغل) الألمانية بأنه هو الذي موَّل حركة التمرد حتى دون علمها .. في الحقيقة كان الاستغراب يحيط بكثير من المراقبين حول سر نشاط غير العادي للشبان المسيحيين ضمن حركة التمرد والمشاركة الكثيفة لأفراد الطائفة القطبية في الحملة حتى أن بعض التقارير تقول بأن جميع قبط مصر ، وعددهم عشرة ملايين ، ملئوا استمارات حملة التمرد. وهذا يفسر لنا أيضا لماذا أفرغ كثير من الناس جام غضبهم على الكنائس والأديرة والمحلات التي يملكها الأقباط في اليوم التالي لفض اعتصامي رابعة والنهضة .
قياسا على ذلك لدي فرضية غير قابلة للنقض مؤداها أن هؤلاء المحللين يقبضون أموالا من رجال الأعمال الناقمين على الأخوان من أمثال نجيب ساويرس أو من أشخاص مصابين بحالة عصابية من ( فوبيا ) الأخوان مثل ضاحي خلفان (في دبي ) أو من أجهزة مخابرات أجنبية تبحث عن أية وسيلة ل(فركشة ) الربيع العربي مثل المخابرات الإيرانية ( لاحظ أن أغلب المحللين يرددون لازمة " أمريكا تريد أن تفرقنا شيعة وسنة" ) بحيث يستدعي أحدهم محللا ويعطيه شيكا ب(خمسين ألف دولار) ويطلب منه أن يظهر في الفضائيات ويلعن الأخوان لمدة خمسين يوما ويتم الاتفاق على قيمة العقد الثاني للمرحلة الثانية طبقا لنتائج المرحلة الأولى ..هكذا عالم (بورصة التحليلات والمقالات ) .. فلا تسألني وتقول لي ما دليلك على ذلك فيكفي إعمال قاعدتي الاستنباط والاستقراء للوصول إلى نتائج مذهلة لمثل هذه الفرضيات .
فمثلا السوداني المتشيع الذي اسمه (شوقي عثمان ) الذي يقيم في (ميونخ) ويكتب مقالا يوميا لسب (أهل السنة ) إذا لم يقبض مرتبا راتباً من الوكالات الإيرانية كيف يعيش ؟ .. وفي هذا السياق إن الباحث لا يعدم حتى الأدلة المادية لإثبات مثل هذه الفرضيات ، أذكر هنا أن أحد الشعراء العراقيين كان مقيما في جنيف ( وهي من أغلى المدن في العالم ) فظهر بعد سقوط نظام صدام حسين وعرض نفسه باعتباره معارض ومناضل عريق قاسى ويلات المنافي وملاحقات زبانية صدام مما أغضب أحد غرمائه من العالمين ببواطن الأمور و في أيديهم الوثائق فكشف أمره وأثبت أن الشاعر الهمام كان يقبض أموالا طائلة من الحكومة العراقية عن طريق (كوبونات النفط ) نظير كتابة مقالات وأشعار في تجميد صدام ونظامه ولكن باسم مستعار منذ ذلك الحين ابتلعت به الأرض ولم يره أحد .
في عالم تجارة التحليلات وبيع الأفكار لا يحتاج الأمر إلى ذكاء لكشف تلك الممارسات فقد يلاحظها أي شخص فمثلا يكتب أحدهم مقالا تافها في إحدى الصحف أو المواقع الإلكترونية ويوعز لبعض شيعته بأن يعلقوا ويعقبوا إيجابياً وبكثافة وهو ما أصطلح عليه ب(الجيش الإلكتروني ).
فمن مفارقات المحللين المصريين هذه الأيام "موضة سب أمريكا " فكثير من النخب اللبرالية المصرية تبدو كأنها فقدت عقلها عندما لم تجد أمريكا في صفها.. لأن الزعم بأن أمريكا متحالفة مع الأخوان من الغباء بحيث لا يمكن أن ينطلي حتى على الأطفال .. خاصة عندما يصدر مثل هذا الكلام من بعض أخلص عملائها من أمثال الباحث المعروف (وحيد عبد المجيد ) الذي كان يطبل ويزمر لغزو الأمريكي للعراقي ، فقد سمعته بالأمس يقول: " أمريكا دمرت الجيش العراقي و تريد الآن تدمير الجيش المصري )! .. سبحان مغير الأحوال !.
أما عموم الناس - من بينهم (إخواننا السودانيين) بالطبع - حيال الوضع المصري فهم صنفان إما سطحي ساذج إلى حد لا يحيرك فقط وإنما يجعلك تشعر بالغضب كيف يكون لشخص يزعم أن قد ترقي في المعارج التعليم أن يكون سطحيا إلى هذا الحد ؟ –كذلك السوداني الذي جاء يبارك لي العيد الماضي عندما تطرق الحديث إلى الحالة المصرية قال :(ولله عجبني ليك من موقف الجيش دا .. أنا الأخوان ديل ما بريدهم ) ! في الحقيقة إذا كان الشخص بسيطا إلى هذا الحد لا يمكنك مناقشته .. فمن الأفضل تحويل اتجاه الحديث إلى موضوع آخر من مشاغل حياة العامة لكي يهرف ويرغي فيها كما فعلت مع (معيدي ) .فمعظم المقالات التي نشرت في موقع (سودانيز أون لاين) على الأقل حول المسألة المصرية من قبل (إخواننا السودانيين ) فهي من هذا الصنف أي من عينة ( " أنا الأخوان ديل ما بريدهم" )!
أما صنف الآخر فهم ضحايا الإعلام المصري الرسمي كذلك القصاب المصري الذي أشتري منه اللحم كلما أمر عليه يقول ( أنا سمعت أن جد " حسن البنا " يهودي مغربي )! فأضطر أن أقول له :"أين الخطأ إذا كان جده يهودي و أسلم "!.
والآن ، يجب الإقرار بأن حركة الأخوان قد تلقت ضربة موجعة ولكنها غير قاتلة .. قد نشهد بعض الهدوء في مصر في الفترة القادمة ولكنها لن تطول فهي بمثابة (استراحة المحارب ) ريثما ترتب الحركة أوضاعها بعد هذه الضربة .. ولكن المأزق الحقيقي هو استحالة قيام "الدولة المدنية لا دينية ولا العسكرية " من سوء المنقلب سوف نرى دولة بوليسية تديرها قوات المسلحة والأجهزة الأمنية مع هامش حريات مضللة تسمح بالقوى اللبرالية واليسارية والتحالفات الشبابية أن تحافظ على ماء وجهها .. أي بالجملة ( إعادة إنتاج نظام حسني مبارك) الذي سوف يطلق سراحه اليوم !.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.