تطوّرات في ملف شكوى الهلال ونهضة بركان    بالصورة والفيديو.. شاهد لحظة القبض على أخطر شبكة تقوم بسرقة العربات و"اسبيراتها" بالخرطوم بعد كمين محكم    شاهد بالفيديو.. الممثل ذاكر سعيد في فاصل كوميدي : (لا أشجع فريق برشلونة ولا ريال مدريد أشجع الفريق البرهان "ضقل" بالمليشيا كورة مرقهم في الخلا)    شاهد بالصورة والفيديو.. ضحكات ومزاح بين الفنانة إيمان الشريف و "البرنس" في لقاء داخل سيارة الأخير    بالصورة والفيديو.. شاهد لحظة القبض على أخطر شبكة تقوم بسرقة العربات و"اسبيراتها" بالخرطوم بعد كمين محكم    شاهد بالفيديو.. الفريق أول ياسر العطا يحظي باستقبال تاريخي من جنود الجيش والمستفرين بعد ساعات من تعيينه رئيساً لهيئة الأركان    شاهد بالفيديو.. الفنانة إنصاف مدني تفاجئ الجميع وتقتحم بث مباشر لزميلتها ميادة قمر الدين: (أنا مفلسة أعملوا لي مبادرة)    تطور جديد في جلسة محاكمة منيب عبد العزيز شمال السودان    يوم اليتيم.. نصائح لدعم اليتيم نفسيا في يومه السنوي    صمود يحذر من كارثة إنسانية مع استمرار العمليات العسكرية في النيل الأزرق    "تأسيس" و"صمود" يدينان استهداف أسامة حسن في غارة مسيّرة على نيالا    ماجد المصرى: شخصية راغب الراعى مرهقة بسبب تعدد علاقته داخل الأحداث    محمد مهران يكشف أصعب مشهد فى كواليس مسلسل درش    ماذا يحدث لجسمك عند التوقف عن تناول منتجات الدقيق الأبيض لمدة أسبوعين؟    "العاصفة الحمراء" التي ضربت دولا عربية.. هل هي خطيرة؟    ما حقيقة زيارة وفد إيراني إلى السودان سرًا؟    جاهزية فنية متكاملة تسبق انطلاق "عربية القوى" في تونس    الرابطة السليم تكتسح بركيه بخماسية اعداديا    ساردية تختتم التحضيرات لمواجهة الموسياب    "يديعوت أحرونوت": واشنطن بدأت عملية إجلاء طارئة ل60 ألف أمريكي من مصر    الدولار يتراجع مع تصاعد توقعات التهدئة في الشرق الأوسط    بالصورة.. أبعدوه حتى لا يرى قبرها ويقوم بنبشه.. قصة مؤثرة تدمي القلوب لشاب سوداني معاق ذهنياً في يوم وفاة والدته التي كان متعلق بها ومداوم على مسك "ثوبها"    شاهد بالفيديو.. "ماما كوكي" تتحدث عن قضية الساعة.. مطربة شهيرة تقيم علاقة عاطفية مع "البرنس" بعد طلاقها من زوجها وردة فعل أهلها جاءت صادمة لها    المغرب يثبت نفسه بين الكبار ويواصل الهيمنة عربيا في تصنيف فيفا    أدوية منسية في المنزل قد تهدد صحة العائلة.. تخلص منها فورا    نوع نادر من السرطان.. ما هو التليف النخاعى؟    سوداني يسأل: (أنا مغترب وحصلت مشكلة بين زوجتي وزجة أخي واخوي اتصل علي قال لي طلقتها ليك هل الطلاق واقع؟)    اللجنة الإقتصادية العليا تصدر عدداً من القرارات المهمة لتحقيق استقرار سعر الصرف    وزير التربية يدشن استلام الدفعة الثانية من كتب الصف الاول الثانوي للولايات    تغيير كبير في هيكلة الجيش السوداني والعطا رئيسا لهيئة الأركان    السودان.. وفاة لاعب كرة قدم    وزير المعادن ونائب المدير العام المفتش العام للشرطة يدشنان مركبات لتعزيز مكافحة تهريب المعادن وتأمين مواقع التعدين    السودان.. وزير يشرع في تكوين قوّة عسكرية ضاربة..ماذا هناك؟    ارتفاع وارد واسعار الذرة والسمسم بسوق القضارف    قالت إنّها خرجت من آلية تحديد أسعار الوقود..الطاقة تكشف تفاصيل 20 باخرة في محيط البحر الأحمر    عثمان ميرغني يكتب: فساد.. الفساد..    شراكة استراتيجية بين "الشباب والرياضة" و"الصناعة" لتمكين المبتكرين ودعم الإنتاج الشبابي    السيسي للرئيس ترامب: لا أحد يمكنه وقف الحرب في المنطقة إلا أنت    مصر.. الدولار يقترب من 54 جنيها لأول مرة    وجبة سمك تُنهي حياة 3 سودانيين بالقاهرة وتتسبب في إصابة 4 آخرين بحالة تسمم غذائى حاد    رئيس الوزراء يصدر قرارًا بشأن الرسوم الجديدة في المعابر    محمد عبد الباسط يكتب: لهذا تحركت باكستان الآن للوساطة بين أمريكا وإيران    الخليج الضحية الكبرى: إيران وجهت 83% من هجماتها إليه… و17% فقط إلى إسرائيل    مهلة أخيرة للمخالفين: خيارات متعددة لمعالجة أوضاع التأشيرات المنتهية في السعودية    ترامب يصدر أوامره ويكشف تطورات مثيرة مع إيران    الأمن يداهم مخزن يبيع الوقود المهرب لعصابات التنقيب عن الذهب    رئيس الأهلي مدني وابنه يتعرضان لحادث مروع    المباحث تنهي مغامرات شبكة إجرامية متخصصة في الإحتيال علي أصحاب المحلات التجارية عن طريق اشعارات تطبيق بنكك المزيفة    الشيخ بن زومة.. إلى جنة الخلد    قيم الهلال المتوارثة يجب أن تبقى أبد الدهر    في زمن الضجيج.. القرآن بوصلة المعنى والسكينة    د.مزمل أبو القاسم يكتب: دموع الباز.. وزاهر! (2)    السودان.. الدفاع المدني يستعين ب"التوك توك"    طفح جلدي في رقبة الرئيس ترمب يثير تساؤلات حول صحته    صوت لا يغيب.. محمد رفعت ورحلة الآذان الخالد في رمضان    أجهزة الأمن السودانية تنهي مغامرات لص الصيدليات في عطبرة    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    السودان.. فكّ طلاسم"تبيدي للمجوهرات" في الخرطوم والتحقيقيات تفجّر مفاجأة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



من عجائب الحالة المصرية .. هبوط ( ثلاثي عمرو ) إلى ( الدرجة الثالثة )!


أبو البشر أبكر حسب النبي
يبدو أن ضغط الأحداث في أرض الكنانة يجبر المرء ، كائناً من يكون ، على أن يرنو تلقائها مرغما ، و يدير بصره لا ظهره ، مؤقتا على الأقل ، عن الأحداث الجسام التي تمور بها أرض السودان .. بعضها ناجم عن غضبات الطبيعة بآثارها المدمرة .. وأخرى من أفعال السلطة والمعارضة في مناكفاتهما العقيمة و المزمنة، التي لم تفرز غير حروب عشائرية مهلكة وأوضاع معيشية مزرية.
ففي الحالة المصرية، فضلا عن الفظائع والجرائم التي تفطر لها القلوب من قتل وسحل، ثمة هنالك عجائب ومفارقات تثير الحيرة والدهشة.. لقد قمت بتعيين بعضها من خلال متابعتي الحثيثة لأحداث الجارية، حيث لفت نظري ظاهرة جد غربية؛ تتمثل في انقلاب الاتجاه التحليلي لعدد كبير من المحللين المصريين ( المرموقين ) ، وانحدارهم وهبوطهم من علياء الموضوعية إلى قاع الغلو والإسفاف ، وبلوغهم دركا يقترب من مرتبة السفلة و الرعاع .. وقد انحطت قامات كان يُشار لها بالبنان في عالم التحليل السياسي إلى الحضيض، وبدت لنا كأنها محض أقزام من الآحاد الذين لا يكادون يفقهون قولا.. لقد طمست الغبينة عقولهم و غلفت الضغينة افئدتهم ودفعتهم إلى ركوب قارب هستيريا تخوين جماعة ( الأخوان ) وشيطنتها .. وعلى رأس هؤلاء ثلاثة ، كلهم يحملون اسم (عمرو) ، أعنى : (عمرو حمزاوي) و(عمرو هاشم ربيع ) و(عمرو الشوبكي ) فهؤلاء الثلاثة من كبار المحللين المصريين .. قلَّ مَن لا يعرفهم .. فالأول هو الباحث الشهير في مؤسسة كارنيجي للأبحاث الذي ارتد سياسيا بعد قيام الثورة المصرية .. أما الآخران فهما من أساطين مركز الأهرام للدراسات الاستراتيجية .. فهؤلاء الثلاثة - ضمن آخرين - قد ظلوا بمثابة أبطال شاشة الفضائيات العربية في تحليل الشئون العربية خلال السنوات العشر الماضية.. وجزء من هذه الشهرة يعزى إلى قدرتهم الفائقة على السرد/ الحكي بلغة (صحفية )؛ أي لغة لا هي دارجة ممعنة في محليها ولا هي فصحى متقعرة .. فعمرو الأول كان لديه قدرة عجيبة على إضفاء مسحة (ميلودرامية) على تحليلاته باستخدام لغة مبسطة ومشوقة وسليمة وتسلسل منطقي ومنظم ومتقن للأفكار مع استرسال سلس وجذاب غير ممل ..
ولكن فجأة انقلبوا جميعا على أعقابهم .. وتجردوا تماما من دثار التحليل الموضوعي وكفروا بالمنهج العلمي الذي كانوا يبهروننا به..فكانت النتيجة أن تحورت لغتهم السلسة إلى أخرى خشبية جافة ، وتحول الدفاق السلس للسرد إلى تلعثم وطأطأة .. وانفرط عقد الأفكار المنظمة ولم نجد إلا إصدار أحكام قاسية تتناص مع مقولات العصابات المقنعة مثل (بلاك بلوك ) وأخواتها .
مفارقة مذهلة ! .. كيف نضب معين هؤلاء بهذه الطريقة الدراماتيكية ؟ .. بالأمس استمعت لعمرو الثاني (هاشم ربيع ) ، في الحقيقة لم أصدق نفسي بأنني استمع إليه، حيث ظل يلف ويدور ويلعن الأخوان وأمريكا ويردد العبارة المدلسة " نريد دولة مدنية.. لا دينية ولا عسكرية " (!!) حتى انتهت المقابلة ..نقول هذه العبارة مدلسة لأن الدولة التي كانت يرأسها "مرسي" لم تكن " دينية " كما أن الدولة التي يقودها " السيسي " الآن لا ينكر إلا الجاحد بأنها "عسكرية " !.
وكان قبل ذلك بيوم أو يومين استمعت لعمرو الثالث ( الشوبكي ) يقول :" على الشرطة أن تطلق الرصاص الحي على رؤوس وصدور الأخوان " ! أعوذ بالله ما دهاه ؟.. ثلاثتهم اليوم يؤمنون بسياسة "أقضوا عليهم " .. و" اجتثوا شجرة الأخوان من قرارها " وهو منطق ذاته الذي يردده بعض الجنرالات المتقاعدين الذين أسس لهم نظام مبارك مراكز للبحوث والدراسات ليعيشوا عليها بتسول المعونات والمعينات من أبواب المؤسسات الغربية ، مثل الجنرال ( سويلم ) و(سيف اليزل) و(محمد على ) وغيرهم ممن ينهض عماد تحليلاتهم للوضع الحالي على الكذب والنفاق والمبالغة والتطرف في محاربة ما يسمونه بالتطرف الديني ..
إن النقطة المركزية التي يحاول هؤلاء المحللون الثلاثة تصويرها لنا بالتزوير هي أن تحليلاتهم تتوافق مع الاتجاه العام الذي تعبر عنه (جماعة الوطنية ) أو (الكتلة التاريخية ) في مصر.. وهو عين الزعم الذي كان حزب مبارك (الحزب الوطني الديمقراطي ) يتسربل به لحكم مصر بالحديد والنار.
إنني لا أقلل من الاتجاه العام المعادي للإخوان.. وهو يشمل قطاع غير يسير من الشعب المصري وهي من الظواهر (المنفلتة)؛ أي تلك التي تنعدم فيها أشراط العقلانية والمعقولية ، لماذا أصيب قطاع من الناس في مصر بجنون بُغض الأخوان إلى هذا الحد ؟ في الحقيقة نحن نحتاج إلى تحليل أعمق للإجابة على هذا السؤال بعيدا عن الإجابات المتسرعة مثل القول بأن السنة التي قضوها في الحكم كانت كافية لحكم الناس عليهم ..ولا كافيا القول بأن بث الكراهية المفرطة والدعاية الفجة ضدهم من الإعلام الرسمي قد شيطنتهم.
و عن طريق الاستقراء يمكن للمرء أن يرسم خريطة جغرافية حقيقية ( وليست صورة ذهنية) لترسيم تخوم و تجليات موجة (بُغض الأخوان) أو هوجة العداء للتيار الديني عموما بحيث نرى أن بؤرة هذه الكراهية تتمركز في محافظات الوجه البحري خاصة في (الغربية والمنوفية والدقهلية والقليوبية ) وبدرجة أقل حدة في (الشرقية وكفر الشيخ والبحيرة ) فمعظم هذه المحافظات لم تشملها قرار حظر التجوال من السابعة مساء إلى السادسة صباحا نسبة لهدوء الأحوال فيها ، و في الحقيقة ليس لدي أي تفسير لهذه الظاهرة اللهم إلا القول بأن الكتل البشرية في هذه المحافظات غير راضية أصلا عن ( الثورة المصرية ) وإنها ضد التغيير الذي حصل .. ودليلي على ذلك أن الجنرال أحمد شفيق(آخر رئيس وزراء في عهد مبارك) عندما نافس الرئيس المعزول مرسي على معقد الرئاسة وجد تأييداً كاسحاً في هذه المحافظات..
وبضد من ذلك نجد أن محافظات الصعيد الأدنى ( بني سويف والمنيا والفيوم وأسيوط ) و المحافظات الملحقة بالقاهرة الكبرى( الجيزة وحلوان و 6 أكتوبر ) تأيد بشكل كاسح التيار الإسلامي بينما الساكنة في الصعيد (الجواني) ( سوهاج وقنا والأقصر وأسوان ) أما هي غير مبالية أو مؤيدة للتيار الإسلامي .كما تتدرج نسبة تأييد التيار الإسلامي في محافظات إقليم القناة ( السويس والإسماعيلية وبورسعيد ) من أعلى إلى متوسط ثم منخفض على التوالي بينما يتقاسم سلطة العسكر والأخوان النفوذ في المحافظات الساحلية (دمياط والإسكندرية والبحر الأحمر) أما محافظتي شمال وجنوب سيناء و مرسي مطروح فهي (متشنجة ) ضد الانقلاب في معظم الأحوال لدواعي عشائرية وليس تأييدا للتيار الإسلامي .. في الوقت الذي ظلت محافظة واحدة هي (الوادي الجديد ) شبه محايدة حتى أن المحافظ اجتمع بجميع الأحزاب السياسية بما فيها حزب (الحرية والعدالة) وطلب ورجا منهم التزام الهدوء لمصلحة المحافظة !.
البعض يفسر الظاهرة على سياقات الفقر والغنى أي أنه كلما كانت الاوضاع الاقتصادية للناس مواتية بغضوا الأخوان ، وكلما كانت أحوالهم مزرية والوا الأخوان ، ولكن هذا التفسير غير منتج بالنظر إلى حالة القاهرة الأم حيث نجد أن الأحياء شبه البرجوازية هي المنتفضة تأييدا للإخوان مثل مصر الجديدة والمعادي والقاهرة الجديدة ومدينة نصر والمهندسين ..الخ بينما يلف السكون الأحياء الفقيرة .
لا توجد في سوق الأفكار فكرة خيالية أكثر من فكرة إمكانية اجتثاث الأخوان التي تجد لها رواجا في الفضاء المصري .. جميع حكام مصر خلال التسعين عاما الماضية - أي من لدن ملك فؤاد إلى رئيس حسني مبارك .. قد أقروا باستحالة اقتلاع الجذر الأخواني من أديم مصر فرضوا بالتكيف والتعامل مع هذا التيار .. على هذا الأساس كان (مباركاً) يتقي ( شر) جماهيرية الأخوان عن طريق ال( تنفيس ) أي عن طريق غض الطرف عن نشاطاتهم الاقتصادية والاجتماعية والثقافية وكلما يحل موعد الاستحقاقات السياسية يقوم ب(تقطيرهم ) بعض المقاعد النيابية شريطة أن لا يتجاوز عديدها عن ربع عدد مقاعد مجلس الشعب .. وكلما شعر باكتساحهم أي ميدان من ميادين العمل العام قام ب( تعويق ) نشاطهم باستخدام أسلحة من جنس سلاحهم مثل تكليف جهاز (مباحث أمن الدولة) باختراع (التيار السلفي) المهادن للسلطة والمساير لتيار المعادي للإسلام السياسي.. ففي الأزمة الأخيرة لعب التيار السلفي دور( المربك) مما وفر المزيد من الذرائع لحملة القضاء على الأخوان.
لقد وعى نظام مبارك بأن العنف لا يولد إلا العنف لذلك بذل جهودا جبارة للتصالح مع الجماعات الإسلامية في إطار ما سمي ببرنامج (الاستتابة) لأعضاء (تنظيم الجهاد) و(الجماعة الإسلامية) و(الناجون من النار) .. الخ بتوظيف المؤسسات الدينية الرسمية مثل (وزارة الأوقاف) و(مشيخة الأزهر) و(دار الإفتاء ) وبعض الشيوخ الذين يدورون في فلك السلطة مثل( أحمد عمر هاشم ) ما ذلك إلا لإدراك النظام أنه من العسير إيصال هذه الجماعات إلى ( نقطة الإعياء التام ) ومن ثم الانقضاض والقضاء عليها في هبة واحدة مثلما تبشرنا به هذه التحليلات المهلهلة الآن .
إذا كانت هذه الخلاصة من البديهيات لماذا يعتقد هؤلاء المحللون (المرموقون ) بأنه يمكن التخلص من جماعة الأخوان المسلمين دون النظر حتى إلى الثمن المدفوع في فترة أقل من شهرين ؟ هل هم سذج إلى هذا الحد ؟ كلا للأمر أبعاد أخرى .. ففي اعتقادي المتواضع أن السبب يعود إلى "بورصة تداول التحليلات السياسية " وهي البورصة حقيقية وليست متخيلة ، أي أن هذه التحليلات مدفوعة الثمن بالمعنى الحرفي ، لا غضاضة من العمل بمبدأ بيع الأفكار استنادا لقاعدة (حقوق الملكية الفكرية ) ولكن التي تروج لها الآن هي الأفكار المغشوشة (المضروبة ) وليست الأصلية.
مرة عدت إلى شقتي متأخرا ولم أجد المفتاح فهرعت إلى أحد محلات نسخ المفاتيح وطلبت من العامل النجدة وجاء معي وانفتح الباب بمجرد أن وضع مفكه عليه.. وطلب مني مبلغا (خرافيا) قلت له إنك لم تفعل شيئاً ؟ ابتسم و سألني في أي مجال تعمل ؟ قلت : في (التدريس) فقال إذا أنت تبيع الأفكار لا الأفعال (!) وأنا الآن أبيعك فكرة وليس فعلا .. منطق سليم لم يسعني إلا أن أدفع له المبلغ المطلوب!.
لقد اعترف الملياردير المصري القبطي نجيب ساويرس لمجلة (دير شيبغل) الألمانية بأنه هو الذي موَّل حركة التمرد حتى دون علمها .. في الحقيقة كان الاستغراب يحيط بكثير من المراقبين حول سر نشاط غير العادي للشبان المسيحيين ضمن حركة التمرد والمشاركة الكثيفة لأفراد الطائفة القطبية في الحملة حتى أن بعض التقارير تقول بأن جميع قبط مصر ، وعددهم عشرة ملايين ، ملئوا استمارات حملة التمرد. وهذا يفسر لنا أيضا لماذا أفرغ كثير من الناس جام غضبهم على الكنائس والأديرة والمحلات التي يملكها الأقباط في اليوم التالي لفض اعتصامي رابعة والنهضة .
قياسا على ذلك لدي فرضية غير قابلة للنقض مؤداها أن هؤلاء المحللين يقبضون أموالا من رجال الأعمال الناقمين على الأخوان من أمثال نجيب ساويرس أو من أشخاص مصابين بحالة عصابية من ( فوبيا ) الأخوان مثل ضاحي خلفان (في دبي ) أو من أجهزة مخابرات أجنبية تبحث عن أية وسيلة ل(فركشة ) الربيع العربي مثل المخابرات الإيرانية ( لاحظ أن أغلب المحللين يرددون لازمة " أمريكا تريد أن تفرقنا شيعة وسنة" ) بحيث يستدعي أحدهم محللا ويعطيه شيكا ب(خمسين ألف دولار) ويطلب منه أن يظهر في الفضائيات ويلعن الأخوان لمدة خمسين يوما ويتم الاتفاق على قيمة العقد الثاني للمرحلة الثانية طبقا لنتائج المرحلة الأولى ..هكذا عالم (بورصة التحليلات والمقالات ) .. فلا تسألني وتقول لي ما دليلك على ذلك فيكفي إعمال قاعدتي الاستنباط والاستقراء للوصول إلى نتائج مذهلة لمثل هذه الفرضيات .
فمثلا السوداني المتشيع الذي اسمه (شوقي عثمان ) الذي يقيم في (ميونخ) ويكتب مقالا يوميا لسب (أهل السنة ) إذا لم يقبض مرتبا راتباً من الوكالات الإيرانية كيف يعيش ؟ .. وفي هذا السياق إن الباحث لا يعدم حتى الأدلة المادية لإثبات مثل هذه الفرضيات ، أذكر هنا أن أحد الشعراء العراقيين كان مقيما في جنيف ( وهي من أغلى المدن في العالم ) فظهر بعد سقوط نظام صدام حسين وعرض نفسه باعتباره معارض ومناضل عريق قاسى ويلات المنافي وملاحقات زبانية صدام مما أغضب أحد غرمائه من العالمين ببواطن الأمور و في أيديهم الوثائق فكشف أمره وأثبت أن الشاعر الهمام كان يقبض أموالا طائلة من الحكومة العراقية عن طريق (كوبونات النفط ) نظير كتابة مقالات وأشعار في تجميد صدام ونظامه ولكن باسم مستعار منذ ذلك الحين ابتلعت به الأرض ولم يره أحد .
في عالم تجارة التحليلات وبيع الأفكار لا يحتاج الأمر إلى ذكاء لكشف تلك الممارسات فقد يلاحظها أي شخص فمثلا يكتب أحدهم مقالا تافها في إحدى الصحف أو المواقع الإلكترونية ويوعز لبعض شيعته بأن يعلقوا ويعقبوا إيجابياً وبكثافة وهو ما أصطلح عليه ب(الجيش الإلكتروني ).
فمن مفارقات المحللين المصريين هذه الأيام "موضة سب أمريكا " فكثير من النخب اللبرالية المصرية تبدو كأنها فقدت عقلها عندما لم تجد أمريكا في صفها.. لأن الزعم بأن أمريكا متحالفة مع الأخوان من الغباء بحيث لا يمكن أن ينطلي حتى على الأطفال .. خاصة عندما يصدر مثل هذا الكلام من بعض أخلص عملائها من أمثال الباحث المعروف (وحيد عبد المجيد ) الذي كان يطبل ويزمر لغزو الأمريكي للعراقي ، فقد سمعته بالأمس يقول: " أمريكا دمرت الجيش العراقي و تريد الآن تدمير الجيش المصري )! .. سبحان مغير الأحوال !.
أما عموم الناس - من بينهم (إخواننا السودانيين) بالطبع - حيال الوضع المصري فهم صنفان إما سطحي ساذج إلى حد لا يحيرك فقط وإنما يجعلك تشعر بالغضب كيف يكون لشخص يزعم أن قد ترقي في المعارج التعليم أن يكون سطحيا إلى هذا الحد ؟ –كذلك السوداني الذي جاء يبارك لي العيد الماضي عندما تطرق الحديث إلى الحالة المصرية قال :(ولله عجبني ليك من موقف الجيش دا .. أنا الأخوان ديل ما بريدهم ) ! في الحقيقة إذا كان الشخص بسيطا إلى هذا الحد لا يمكنك مناقشته .. فمن الأفضل تحويل اتجاه الحديث إلى موضوع آخر من مشاغل حياة العامة لكي يهرف ويرغي فيها كما فعلت مع (معيدي ) .فمعظم المقالات التي نشرت في موقع (سودانيز أون لاين) على الأقل حول المسألة المصرية من قبل (إخواننا السودانيين ) فهي من هذا الصنف أي من عينة ( " أنا الأخوان ديل ما بريدهم" )!
أما صنف الآخر فهم ضحايا الإعلام المصري الرسمي كذلك القصاب المصري الذي أشتري منه اللحم كلما أمر عليه يقول ( أنا سمعت أن جد " حسن البنا " يهودي مغربي )! فأضطر أن أقول له :"أين الخطأ إذا كان جده يهودي و أسلم "!.
والآن ، يجب الإقرار بأن حركة الأخوان قد تلقت ضربة موجعة ولكنها غير قاتلة .. قد نشهد بعض الهدوء في مصر في الفترة القادمة ولكنها لن تطول فهي بمثابة (استراحة المحارب ) ريثما ترتب الحركة أوضاعها بعد هذه الضربة .. ولكن المأزق الحقيقي هو استحالة قيام "الدولة المدنية لا دينية ولا العسكرية " من سوء المنقلب سوف نرى دولة بوليسية تديرها قوات المسلحة والأجهزة الأمنية مع هامش حريات مضللة تسمح بالقوى اللبرالية واليسارية والتحالفات الشبابية أن تحافظ على ماء وجهها .. أي بالجملة ( إعادة إنتاج نظام حسني مبارك) الذي سوف يطلق سراحه اليوم !.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.