شاهد بالصورة والفيديو.. الفنانة إنصاف مدني تفاجئ الجميع وتقتحم عالم التمثيل بالمشاركة في عمل درامي خلال شهر رمضان    شاهد بالصورة والفيديو.. الفنانة إنصاف مدني تفاجئ الجميع وتقتحم عالم التمثيل بالمشاركة في عمل درامي خلال شهر رمضان    بنك الخرطوم يصدر توضيحا مهما    ليفربول يحسم أمره ويقرر عرض محمد صلاح للبيع    وزير الصحة يؤكد دعم غرب كردفان واستمرار الخدمات الصحية رغم التحديات    السلطانة هدى عربي توجه رسالة لخصومها بصور ملفتة: (اصلوا ما تحاولوا تشوهوا صورتنا لي ناس الدنيا ضيقة)    شاهد.. سيدة الأعمال ونجمة السوشيال ميديا ثريا عبد القادر تحتفل بنجاح "بازارها" بصورة رومانسية مع زوجها    تبادل إطلاق نار في الخرطوم    إطلاق سراح 100 من نزلاء السجون الغارمين بكسلا    تفاصيل بشأن خطة تأهيل جسري شمبات والحلفايا    عثمان ميرغني يكتب: "إن جِئْتُم للحق.. أفريقيا على حق".    "Jackpotting".. كيف يستولي قراصنة على الصراف الآلي وأين بدأت هذه الهجمات؟    الإمدادات الطبية: وصول أول دعم دوائي مركزي لجنوب كردفان بعد فك الحصار    3 ميزات متوقعة في آيفون 18 برو بفضل شريحة " C2″ الجديدة    "ميتا" تعزز فيسبوك بميزة الصور الشخصية المتحركة    الأردني التعمري يقود رين إلى هزيمة باريس سان جيرمان بثلاثية    الأمم المتحدة تطلق التحذير تجاه أزمة السودان    الشرطة في الخرطوم تنهي مغامرة متهم المستشفيات الخطير    د. سلمى سجلت نقطة لصالحها، إن تم قبول استقالتها ستخرج وقد رفعت الحرج عن نفسها    الهلال يصارع لوبوبو لخطف بطاقة ربع النهائي    (سبتكم أخضر ياأسياد)    من سلوى عثمان لهند صبري .. مشادات "اللوكيشن" تهدد دراما رمضان    نصائح صحية للاستعداد المبكر لرمضان    "الصحة العالمية": اعتماد لقاح فموي جديد لشلل الأطفال    علم النفس يوضح.. هكذا يتخذ أصحاب التفكير المفرط قراراتهم    أئمة يدعون إلى النار    بالصورة.. لأول مرة منذ 23 عام.. الأمل يودع الدوري السوداني الممتاز والحزن يخيم على عشاق كرة القدم بعطبرة    إتحاد جبل أولياء يكون اللجان العدلية    في مباراة مثيرة شهدت ضربتي جزاء وحالة طرد الأهلي يخسر أمام مويس بثنائية نظيفة في دوري شندي    شاهد بالصورة.. ظهرت بشعار أتلتيكو مدريد وهي تلوح بالرقم 4!! هل قصدت المذيعة السودانية سهام عمر السخرية من برشلونة بعد الهزيمة المذلة؟    ترتيبات لإعادة تشغيل مصنع ألبان بركات وإنشاء مزرعة لتربية الماشية    إبراهيم شقلاوي يكتب: مسرح ما بعد الحرب لدى يوسف عيدابي    وزارة المالية توقع إتفاق مع بنك التضامن الإسلامي لتقديم خدمة إيصالي    شاهد بالفيديو.. فتاة سودانية تبهر راغب علامة وأنغام بعد ترديدها أغنية هدى عربي في برنامج مسابقات والسلطانة تدعمها وتحتفي بها    ارتفاع في اسعار محصول الذرة واستقرار سعر السمسم بالقضارف أمس    إلغاء رحلة قطار إلى الخرطوم..إليكم تفاصيل    انطلاق دورة متخصصة لتطوير الأداء الرقمي برعاية وزير الشباب والرياضة    الإدارة العامة لشرطة تأمين التعدين تنفذ حملة منعية وكشفية لمكافحة التعدين العشوائي بولاية البحرالاحمر    الإدارة العامة لشرطة تأمين التعدين تنفذ حملة منعية وكشفية لمكافحة التعدين العشوائي بولاية البحرالاحمر    هيئة مياه الخرطوم: تحصيل فاتورة المياه لا يشمل القطاع السكني حتى الآن    ارتفاع طفيف لأرباح زين السعودية إلى 604 ملايين في 2025    السودان.. وزير الشباب والرياضة يصدر قرارًا    أفراد من الشرطة يلقون القبض على السائق الخاص بالقائد الميداني لمليشيا الدعم السريع "جلحة" داخل "ركشة" بحي بري    هلال كوستي يدشن برامجه الثقافية بليلة ثقافية كبرى وتكريم رموز النادي والمجتمع    شاهد بالفيديو.. سرقة محل مجوهرات بشارع الوادي بأم درمان وقيمة المسروقات تقدر ب(ترليون) جنيه    محاولة أوكرانية جديدة لإفشال مفاوضات السلام بعيداً عن ارض المعركة    رفض الزوج شراء سجائر لها فقتلته.. جريمة زوجة مصرية تثير الجدل    حريق كبير في سوق شرق تشاد    ترامب يحذر إيران: الوقت ينفد والهجوم القادم سيكون أشد    تلفزيون السودان يستأنف البث المباشر من مقرّه الرئيسي    وزير الصحة: التبغ عدو الحاضر والمستقبل و فاتورته الصحية تفوق عائداته الضريبية    هل قتل السحر الأسود الإسرائيلي عبد الناصر؟.. كتاب جديد يكشف خفايا خطيرة في مصر    سباق اختراق الضاحية باكورة بطولات الاتحاد العربي لألعاب القوى    شركة اتصالات في السودان تعلن عن توقف خدمات    "مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ"!    أحمد الشاكر: انا أعجز عن شكر جميع الإخوة الأشقاء في المملكة العربية السعودية    السودان..حصيلة صادمة بمرض شهير في ولايتين    إسحق أحمد فضل الله يكتب: (حديث نفس...)    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



التدخل الأجنبي ليس مطلبا شعبيا بقلم نقولا ناصر

(يكاد التدخل الأجنبي، وبخاصة الأميركي، يتحول، أو يريدون تحويله، إلى مطلب "شعبي" عربي بينما كان التحرر الوطني من الهيمنة الأجنبية هو المطلب الشعبي العربي الرئيسي طوال عقود عديدة من الزمن، وكان سببا في الهوة الواسعة بين المحكوم والحاكم)
بقلم نقولا ناصر*
لقد كان تمديد حلف شمال الأطلسي "ناتو" لمهمته في ليبيا لمدة ثلاثة أشهر أخرى في الأسبوع الماضي إعلانا صريحا بتغيير من جانب واحد لتفويض مجلس أمن الأمم المتحدة للحلف من "حماية المدنيين" إلى "تغيير النظام" بالقوة المسلحة الأجنبية، ، وهو ما توقعه كثير من المحللين العرب المقتنعين بأن الناتو والدول الرئيسية الأعضاء فيه غير معنيين لا بحماية المدنيين ولا بالحريات الديموقراطية التي أخرج فقدانها ملايين العرب إلى الشوارع، في تكرار للسابقة العراقية يختلف عنها فقط في عدم اللجوء إلى الغزو البري الذي لا يستطيع أحد أن يجزم بعد بأنه ليس على جدول الأعمال، مما يستوقف المراقب عند المحطة الأولى من محطات عديدة لا بد من التوقف عندها في مسلسل "الربيع العربي" الذي يكاد يحول مناخ العواصم العربية التي اجتاحها حتى الآن إلى خريف، بحيث يكاد المرء يتوجه إلى الله بالدعاء كي لا يصل هذا الربيع إلى العواصم التي لم يصلها بعد بالرغم من أنها ربما تكون بحاجة ماسة إلى نسمات الحرية الربيعية أكثر ممن استنشقها الآن حتى تكاد تقطع أنفاسه.
والمحطة الأولى هي أن الأجندات الأجنبية قد اختطفت "الربيع العربي"، أو تكاد تختطفه، وحولته من ربيع سلمي إلى ربيع حربي، وكأنما لتوصل الرسالة ذاتها التي حاول الغزو الأميركي للعراق ايصالها للعرب عام 2003 بأن خلاصهم الديموقراطي يجب أن يمر عبر بوابة الاستقواء بالتدخل العسكري الأجنبي وأن إرادة الشعوب عاجزة لوحدها عن تحقيق هذا الخلاص، خصوصا بعد أن أسقطت الإرادة الشعبية العربية هذه الرسالة وبالدليل القاطع في تونس ثم في مصر، لا بل إنها أثبتت بأن التدخل الأجنبي وهيمنته على القرار الوطني كان دافعا لهذه الإرادة كي تتحرك من أجل التخلص من هذه الهيمنة على وجه التحديد، مما يذكر الآن بأن وزير خارجية العربية السعودية الأمير سعود الفيصل كان على حق عندما حذر الرئيس الأميركي السابق جورج دبليو. بوش من أن تغيير النظام في العراق بالغزو العسكري عام 2003 قد "يحل مشكلة واحدة لكنه يخلق خمسا غيرها" (الواشنطن بوست في 29/11/2006).
إن الأجندة الأميركية في ليبيا يحجبها ساتر الصراع الداخلي بين نظام متشبث بال"لانظام" الذي أبقاه في الحكم حتى الآن وبين شعب قرر بأن الوقت قد حان لإقامة دولة المؤسسات والقانون والنظام. لكن وزير الدفاع الأميركي روبرت غيتس في الخامس والعشرين من الشهر الماضي كشف في فيرجينيا أن "الإطاحة بحكم" القذافي أقدم من ذلك بكثير عندما تذكر "بأنني عندما كنت نائبا لمدير الاستخبارات الوطنية في ثمانينيات القرن العشرين عرض علي ملخص خطة لإطلاق بالونات في ليبيا" تسقط فوقها "منشورات" تحث الليبيين على الاطاحة بحكم القذافي، مضيفا أنه رفض الخطة خشية أن لا يكون الرئيس المصري السابق حسني مبارك مسرورا إذا ما حملت الريح بعض البالونات إلى داخل مصر.
إن الطلبات المتكررة من المجلس الوطني الانتقالي في ليبيا كي يكثف حلف الناتو غاراته، والإحراج الذي سببه للمجلس مهندس الاعتراف الفرنسي بالمجلس، اليهودي الفرنسي برنارد – هنري ليفي وزياراته المتكررة لبنغازي ومصراته المحاصرة، وتصريحاته في القدس المحتلة عن استعداد المجلس للاعتراف بدولة الاحتلال الإسرائيلي بعد حسم الصراع مع نظام العقيد معمر القذافي والتي سارع المجلس إلى نفيها نفيا قاطعا بلسان العديد من الناطقين باسمه، أو تأييد نائب الرئيس السوري السابق المنشق على النظام عبد الحليم خدام ل"توجيه ضربات عسكرية دولية" (مقابلة مع الشرق الأوسط اللندنية في 16/5/2011) لبلاده للتخلص من نظام كان هو نفسه عنوانا رئيسيا له طوال أكثر من ثلاثين عاما بينما يلاحقة هذا النظام قبل الاحتجاجات الشعبية السورية بفترة طويلة قضائيا بتهم المسؤولية عن الكثير من سلبياته ومفاسده، أو ما ذكره عضو الكنيست الإسرائيلي ونائب وزير تطوير النقب والجليل في حكومة دولة الاحتلال، أيوب قرة، في بئر السبع في الثامن والعشرين من الشهر الماضي بأن ناشطين في الاحتجاجات السورية قد اتصلوا به شخصيا طالبين مساعدته لدى الحكومة الإسرائيلية كي تطلب من "الأمم المتحدة والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي" العمل ضد الرئيس بشار الأسد (اسرائيل اليوم في 29/5/2011)، أو الطلبات المماثلة التي تبثها أهم الفضائيات الناطقة بالعربية بلسان قيادات شبابية وتشمل أيضا تدخل محكمة الجنايات الدولية التي أصبح رئيسان عربيان على قائمة المطلوبين لها والحبل على الجرار كما يبدو، ...
إن هذه الطلبات تقتدي كما يبدو بورقة توت أو تين جامعة الدول العربية التي ستر بها التدخل العسكري الأجنبي في ليبيا عورته، بحيث يكاد التدخل الأجنبي، وبخاصة الأميركي، يتحول، أو يريدون تحويله، إلى مطلب "شعبي" عربي، وهو لم يكن أبدا مطلبا شعبيا، بل كان دائما مطلبا للأنظمة العربية التي تستقوي به على شعوبها، بينما كان التحرر الوطني من الهيمنة الأجنبية هو المطلب الشعبي العربي الرئيسي طوال عقود عديدة من الزمن، وكان سببا في الهوة الواسعة بين المحكوم والحاكم الذي ضخم أجهزة الأمن الداخلي لاحتواء هذا المطلب بحيث وضعت الجيوش الوطنية على هامش الأمن الوطني، وبينما الاحتلال الأجنبي في فلسطين والعراق والهيمنة الأجنبية في غيرهما هما حماة الوضع العربي الراهن الذي تثور شعوب الأمة من أجل تغييره، أو إصلاحه كأضعف الايمان!
والمحطة الثانية التي لا بد من التوقف عندها سلط الأضواء عليها قرار قمة الدول الثمانية الكبار التي انعقدت في دوفيل بفرنسا مؤخرا، في بيان منفصل عن البيان الرئيسي للقمة، بالتعهد بتمويل الدول "الديموقراطية حديثا" في "شمال إفريقيا والشرق الأوسط" بعشرين مليار دولار أميركي، تمول جماعيا عن طريق مؤسسات دولية مثل صندوق النقد والبنك الدوليين، إضافة إلى عشرة مليارات دولار تتعهد الدول الثمانية بها "ثنائيا" ومثلها عرضت التعهد به ثلاث دول عربية خليجية كما قال الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي.
ولا بد من التوقف عند هذه المحطة لأنها تنطوي على تناقضين رئيسيين، أولهما أن الوفاء بهذه التعهدات مشروط سياسيا بتطبيق ذات الإصلاحات الاقتصادية والسياسية التي كان صندوق النقد والبنك الدوليين يشترطها طوال العقود الماضية والتي قاد تطبيقها إلى الهوة السياسية بين الحاكم وبين المحكوم العربي، وإلى الهوة المتسعة بين الغنى الفاحش والفقر المدقع الذي يهدد تناميها بانهيار الطبقات الاجتماعية الوسطى عماد البيروقراطية الحكومية، وإلى الفساد المستشري، وجميعها وغيرها من العوامل الرئيسية لانفجار الاحتجاجات الشعبية العربية المستمرة.
أما التناقض الثاني فيكمن في أن هذه المساهمة العربية في هذه التعهدات لا علاقة لها بحكم الأمر الواقع بأي حراك شعبي يستهدف التغيير والاصلاح الديموقراطي، وهذا تناقض يثير أسئلة عن أسباب تصريف مثل هذه المساهمة عبر قنوات دولية ترعى التدخل الأجنبي وتمارسه في الدول العربية وأسئلة عن الأسباب التي حالت دون مساهمات عربية كهذه قبل اندلاع الاحتجاجات وعن الأسباب التي تجعل تقديم مثل هذه المساهمات إلى الدول العربية المعنية مباشرة وثنائيا أمرا مستحيلا أو صعبا، ناهيك عن حقيقة أن التعهدات المالية الموعودة تمثل مبلغا زهيدا لا يسمن ولا يغني عن جوع في ضوء التحذير الذي أطلقه صندوق النقد الدولي عشية انعقاد قمة قادة الدول الثمانية الكبار من أن "شمال إفريقيا والشرق الأوسط" بحاجة إلى ما لايقل عن (160) مليار دولار أميركي خلال السنوات الثلاث المقبلة، مما يثير أسئلة مشروعة عما إذا كان جزءا في الأقل من التعهدات الزهيدة الموعودة سوف يجد طريقه إلى جيوب "المعارضات" التي تنفخ في رماد الاحتجاجات الراهنة كلما تكاد نارها أن تنطفئ، في ضوء الأموال المماثلة التي وجدت طريقها إلى جيوب "المعارضة العراقية" التي مهدت للغزو ثم عززت الاحتلال الأميركي.
وفي افتتاحية لها في السابع والعشرين من الشهر الماضي شككت "لوموند" الفرنسية في صدقية الدول الثمانية الكبار في دعم التحول الديموقراطي في الوطن العربي عندما قالت إن "المساعدات التي طلبتها تونس (من قمة الثمانية) ثمثل شهرين فقط من قيمة ما ينفقه الأميركيون حاليا في بغداد". كما تساءل محللون أجانب عما إذا كان نقص الأموال هو العائق الوحيد أو الرئيسي أمام التحول الديموقراطي في الوطن العربي، ليقتبسوا من إدارة معلومات الطاقة بوزارة الطاقة الأميركية توقعها بأن يبلغ دخل منظمة "أوبيك"، وعمادها الدول العربية طبعا، حوالي (833) مليار دولار أميركي خلال عام 2011 الجاري، بزيادة (200) مليار دولار على العام السابق.
إن العجز الذي تشعر به الإرادة الشعبية العربية أمام جبروت قوى الأمن الداخلي المتضخمة التي مولتها ودربتها دول التدخل الأجنبي في الدول العربية يتخذه الكثيرون اليوم حجة للاستقواء بهذه الدول الأجنبية ذاتها، وتضخم هذه القوى هو الذي اضفى على كثير من الدول العربية التي تشهد احتجاجات شعبية الآن صفة "الدولة البوليسية". وهذه محطة ثالثة لا يمكن عدم التوقف عندها في "الربيع العربي". على سبيل المثال، في السابع من نيسان / أبريل الماضي نشرت مؤسسة جيمس تاون الأميركية تقريرا حذرت فيه من "اضطرابات أكبر" إذا حاولت السلطات المصرية الجديدة تقليص الحجم المتضخم لوزارة الداخلية في عهد الرئيس حسني مبارك و"المقدر الآن أنها توظف ما يزيد على 1.7 مليون موظف مما يجعل عديدها أكبر من القوات المسلحة يأكثر من ثلاثة أضعاف". وتحدث التقرير عن مباحث أمن الدولة كأحد أجهزة الوزارة الذي تطور منذ فرض حالة الطوارئ عام 1981 لتتحول "حماية النظام" إلى التفويض غير الرسمي له، وفي وصف التقرير لنشاطاته جاء أن مباحث أمن الدولة كانت تتدخل في الأحزاب السياسية وجماعات حقوق الانسان والنقابات وتوافق عل تعيين رؤساء تحرير الصحف وحتى تعيين أئمة المساجد، وكانت "تتمتع بعلاقات وثيقة مع مكتب التحقيقات الفدرالي ... ووكالة المخابرات المركزية" الأميركيين. وقد حلت مباحث أمن الدولة المصرية في منتصف آذار / مارس الماضي وحل "الأمن الوطني" محلها.
ووزارة الداخلية المصرية وأجهزتها مستنسخة بهذا القدر أو ذاك، وبهذا الحجم أو ذاك، وبهذا الاسم أو ذاك، في غير مصر من الدول العربية. وإذا كانت القواسم مشتركة في آليات الأمن الداخلي بين الدول العربية، وبخاصة في عدم الفصل بين "الأمن الوطني" وبين "أمن النظام"، بغض النظر عن نظام الحكم وعلاقاته الخارجية، فإن هناك فارقا لا يمكن إغفاله في الوقوف عند محطة الأمن الداخلي ودوره في "الربيع العربي"، وهو أن الدول العربية منقسمة إلى فئتين الأولى تعتمد على ضمانات خارجية لأمن النظام والأمن الوطني باعتبارهما شيئا واحدا والثانية تعتمد على ذاتها في ضمان الأمنين وبالتالي فإنها أكثر تركيزا على الأمن الداخلي مما يستتبع أن تكون أجهزة أمنها أكثر تغولا على المجتمع المدني من ناحية ويستتبع أيضا من ناحية أخرى أن يكون التدخل الخارجي أشرس عداء في محاولة ضمها إلى الفئة الأولى، ومن هنا التداخل بين العاملين الخارجي والداخلي الذي يشوش الحراك الشعبي وأهدافه في سوريا على سبيل المثال.
والمفارقة اللافتة للنظر في هذه المحطة تكمن في الفشل الذريع لأجهزة الأمن الداخلي المتضخمة والمتغولة في توقع أو في كشف الاحتجاجات الشعبية قبل اندلاعها، وإلا على سبيل المثال كيف يمكن تفسير العصابات المسلحة بهذا الحجم الذي اضطر الحكومة السورية إلى التدخل بالجيش للتصدي لها بثمن فادح من شهداء القوات المسلحة والشرطة والأجهزة الأمنية والمدنيين الأبرياء الذي استشهدوا في هذه المواجهة الجارية حاليا على حساب خطة الإصلاح التي بدأها النظام فعلا وعلى حساب الإصلاح الأكثر طموحا الذي يطالب به الحراك الشعبي السلمي في الشوارع.
والمحطة الرابعة تتعلق بآلية التغيير والإصلاح. فالدول الغربية التي تعترف بأنها كانت طوال العقود الماضية من الزمن تتحالف مع الاستبداد كآلية للاستقرار على حساب التحول الديموقراطي للحفاظ على مصالحها "الحيوية" في الوطن العربي والعالم الإسلامي، والتي لجأت زعيمتها الأميركية مع بداية القرن الحادي والعشرين إلى الغزو العسكري والاحتلال المباشر للحفاظ على هذه المصالح، كان من المتوقع استنادا إلى تاريخها هذا أن تتخلى عن رطانتها الديموقراطية في الدعوة إلى الشرعية الدستورية ودولة القانون كآلية لتداول السلطة عبر الانتخابات لصالح الانحياز إلى "الثورة الشعبية" كآلية للتغيير والإصلاح وتدوال السلطة كما أعلن الرئيس الأميركي باراك أوباما وكما أعلنت قمة الثمانية في دوفيل الفرسنية مؤخرا باعتبار "الفوضى الخلاقة" الناجمة عن هذه الآلية الجديدة هي الطريق الأفضل للتدخل المباشر بغطاء شعبي، أو لفرض الأجندة الأميركية – الإسرائيلية الإقليمية، وربما، مثلا، لا تجادل إلا قلة في أن "العصابات المسلحة" سوف تختفي بسرعة كما ظهرت فجأة إذا ما تخلى النظام السوري عن تحالفه مع إيران وأوقف دعمه لحركات المقاومة العربية لهذه الأجندة، ولتذهب كل طموحات "الربيع العربي" الديموقراطية إلى الجحيم بعد ذلك كما هو الحال في غير سوريا.
لقد وعد الرئيس السوري بشار الأسد عندما تولى السلطة بتداول السلطة، وقال إن الاحتلال الأميركي للعراق في الشرق ثم اغتيال رئيس وزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري في الغرب قد فرضا عليه أولويات خارجية تهدد أمن بلاده الوطني دفعت أولوية الاصلاح في الداخل إلى مرتبة أدنى. واليوم يتذرع الرئيس اليمني علي عبد الله صالح ب"الشرعية الدستورية" كآلية لتداول السلطة كي يظل فيها. وقد دعا صالح إلى انتخابات مبكرة، بينما مشروع قانون جديد للانتخابات العامة ينشر في كل وسيلة نشر سورية قبل إقراره. وفي أقصى الغرب العربي اقترح الملك محمد السادس نسخة جديدة معدلة من الدستور سوف تعرض على استفتاء شعبي ثم تجري انتخابات سابقة لأوانها على أساسه. وفي تونس يستعدون لانتخابات في تموز / يوليو المقبل ربما تتأجل ثلاثة اشهر لكنها ستجري. وهكذا من اليمن في الجنوب وسوريا في الشمال إلى المغرب في الغرب يتجهون نحو الآليات ذاتها المسخدمة في الدول الغربية لتداول السلطة، فلماذا تختار هذه الدول الغربية الآن دعم آلية "الثورة الشعبية" بدلا منها للتغيير والإصلاح؟ وربما يكون الجواب في أن هذه الآلية قد أثبتت بأنها مجرد ديكور ديموقراطي لامتصاص النقمة الشعبية في الداخل والنقد في الخارج ومجرد ظاهر حق يراد به باطل بقاء النخب الحاكمة في مواقعها.
في الثاني من شباط الماضي كتب وزير الخارجية الأردني الأسبق مروان المعشر في الواشنطن بوست يقول إن العالم العربي يعاني من نخب سياسية متحصنة بقوة في مواقعها، وإن نخبة كهذه أجهضت خطة إصلاح سياسي تمتد لعشر سنوات كان أعدها عندما كان نائبا لرئيس الوزراء، ليخلص إلى القول إن الوضع العربي الراهن لا يمكن ان يدوم. وربما من الفضول أن يحاول المراقب معرفة رأيه الان وهو يرى الدول الغربية تستبدل الآلية الغربية التي تبنى هو نفسه آلياتها للاصلاح السياسي ب"الثورة الشعبية" كآلية للاصلاح والتغيير، بصورة انتقائية طبعا حسب موقع كل دولة عربية في الخريطة السياسية الأميركية – الغربية للمنطقة.
* كاتب عربي من فلسطين


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.