طاش ماطاش والزول المحامي حلقات طاش ما طاش التي يقوم ببطولتها الممثل السعودي خفيف الظل "ناصر القصبي" بمشاركة مواطنه "عبد الله السدحان" .............. لاشك أنها تحظى بالكثير من الإعجاب والزخم الجماهيري القومي ، الذي يحرص على متابعتها طوال شهر رمضان الكريم من خلال شاشة أل mbc الفضائية .... وفي الحلقة رقم (2) من هذا العام 2011م قدم الممثل شخصية المحامي السوداني الذي يعمل في السعودية مع تجاهل التقيد ببعض التفاصيل الدقيقة للقيود واللوائح التي تقيد عمل الأجانب في السعودية وتلك المتعلقة بتنظيم مهنة المحاماة فيها ... وبالطبع تظل مثل هذه التجاوزات مقبولة في العمل الكوميدي على علاته لأن الغرض منه في النهاية إيصال الفكرة على نسق كاريكاتوري يتخطى الكثير من المطبات الواقعية. قدم الممثل "ناصر القصبي" شخصية محامي سوداني بمسمى "جعفر تاج السر قمر الأنبياء" خريج كلية القانون جامعة الخرطوم ، مع الحرص على إظهاره بمظهر الأخوان المسلمين في السودان سواء من خلال الملبس عامة أو اللحية ولغة وأدبيات الحوار . بل وبدى في ملامحه التي طورها المكياج وكأنه الشيخ البروفيسور حسن الترابي في صغره ؛ والذي هو في الأصل أستاذ بكلية القانون جامعة الخرطوم. وقد أشتهر خلال فترة ما من فترات سيطرته على مقاليد الحكم في السودان بتنصيبه لنفسه ظلا لله في أرضه عبر التحايل على أحكام الشريعة الإسلامية ؛ وإستنباطه لفتاوى واهية بالتحليل والتحريم ، منها على سبيل المثال تلك الحزمة الشهيرة من التصرفات الميكافيلية التي استحدثها لأتباعه وأطلق عليها مسمى "فقه الضرورة" ... وبتنا في ظلالها نسمع ما بين كل يوم وآخر بضرورات تبيح المحظورات حتى امتد الأمر ببعض تلاميذه من ترزية الفتاوي إلى تحليل الربا وغسل الأموال وإستغلال النفوذ وسرقة المال العام ، طالما كانت بيد منسوبي الحزب من "المؤمنين" بدرجة "صحابة"...... صحابة آخر زمن. تستند حبكة الحلقة على فكرة أن هذا المحامي "الزول" يتم إكتشاف مواهبه وقدراته بواسطة تاجر عقارات سعودي نصاب (عبد الله السدحان) فيساعده هذا المحامي (لقاء نسبة مئوية) في الخروج ببغيته وتثبيت مزاعمه والحصول على التعويضات الفاحشة من خصومه والمتعاملين معه أمام الجهات القضائية السعودية . في نهاية المطاف يكتشف المحامي السوداني (جعفر تاج السر) أن موكله السعودي هذا يمتلك هو الآخر مواهب نادرة في تقديم الحجج والبراهين أمام القضاة والتحايل على القانون وتوظيفه لمصلحته. فيعرض عليه أن يترك مجال العقارات ويتفرغ للعمل معه في مجال المحاماة . ويفلح السوداني في إقناع السعودي بفكرته فيفتحان مكتبا لمزاولة مهنة المحاماة سرعان ما يجد شهرة واسعة في عالم رجال الأعمال . إلى أن يلجأ إليهم وكيل وزارة متورط في قبض عمولات (إسم الدلع للرشاوي) من شركات لقاء منحه إياهم عقودات بطرق تخالف اللوائح والقوانين. فيوافقان على مساعدته بالحصول على البراءة نظير قبض 50% من مبلغ العمولة (الرشوة) التي تقاضاها وكانت 20 مليون. الواضح أن هذه الحلقة من طاش ما طاش لم تكن تقتصر في إنتقادها على المجتمع السعودي وحده ، أو على إستغلال بعض المهنيين من المقيمين لقدراتهم في جانبها السلبي ؛ بقدر ما كانت ترمي أيضا إلى إنتقاد لمجريات الأحوال في السودان وما يكتنفها من شائعات بتفشي ظاهرة الفساد . وهو ما يمكن ملاحظته من خلال الجزء الأخير من هذه الحلقة حين يدخل مسئول حكومي سعودي آخر مرموق ، متورط في قضية قبض رشاوي وإستلام عمولات مقدارها 50 مليون هذه المرة. فيسأله المحامي السوداني عن طبيعة قضيته قبل أن يبتدره بالقول: - نحنا هنا ناس فساد وبس. ثم إمتدت أيدي الثلاثة لتتصافح ؛ المحامي والمرتشي والنصاب. رغم أنني لست مقيما في السعودية ولا أدري بالتالي ماذا يفعل المحامون السودانيون هناك ، وماذا يفعلون بهم . إلا أنه يمكن القول بأن الممثل "ناصر القصبي" قد أجاد إلى حد كبير تقمص الصفات الإنسانية الجوهرية لدى الشخصية السودانية من قبيل البساطة والعاطفة الجياشة وحسن الظن بالآخرين والتسامح ؛ رغم ما يعتريها بين حين وآخر من هياج يتجاوز الحد عند إحساسها بالظلم ؛ أو عند إعتقادها بأن هناك من يستغل عفويتها وبراءتها .... هذا إلى جانب صفات وتصرفات أخرى ثانوية قد لا نلحظها نحن كسودانيين في أنفسنا بسبب أننا نشأنا على ذلك وبالتالي لا نستغربها. وبالجملة ؛ فإن من بين ما يحسب للإخوة في الإعلام والدراما السعودية أنهم بفهمون الشخصية السودانية جيدا نتيجة تعاملهم مع نوعيات وأنماط مختلفة من السودانيين المقيمين معهم . وكانوا ولا يزالون حتى تاريخه شرفاء وأمناء في منح الشخصية السودانية حقها الطبيعي من التقدير الإيجابي وكذلك النقد البناء على حد سواء ، بعكس الإعلام المصري عامة والدراما المصرية خاصة التي حاولت ولا تزال تعمل (لأمر في نفس يعقوب) غير صادقة ولا أمينة على الحط من قدرات ومواهب وثقافة الإنسان السوداني ، عبر تقديمه في صورة إنسان أحمق غير متعلم لا يفهم في الفكر والثقافة ، لا يتكيء على حضارة . ولا يصلح سوى لمهنة الحارس البواب. وهو ما أدى في نهاية المطاف إلى نشأة جدار راسخ شاهق من عدم الثقة بين الشعبين . وإمتد ليرسم الملامح الرئيسية للعلاقة الرسمية بين البلدين في كثير من جوانبها الإستراتيجية والتكتيكية على حدٍ سواء.