وزارة الداخلية توضّح بشأن دوي انفجار هزّ منطقة شرق الخرطوم    الصفا الأبيض يهز شباك الرفاق... وانطلاقة قوية في الدورة الثانية    تطوّرات في ملف شكوى الهلال ونهضة بركان    بالصورة والفيديو.. شاهد لحظة القبض على أخطر شبكة تقوم بسرقة العربات و"اسبيراتها" بالخرطوم بعد كمين محكم    شاهد بالفيديو.. الممثل ذاكر سعيد في فاصل كوميدي : (لا أشجع فريق برشلونة ولا ريال مدريد أشجع الفريق البرهان "ضقل" بالمليشيا كورة مرقهم في الخلا)    شاهد بالصورة والفيديو.. ضحكات ومزاح بين الفنانة إيمان الشريف و "البرنس" في لقاء داخل سيارة الأخير    بالصورة والفيديو.. شاهد لحظة القبض على أخطر شبكة تقوم بسرقة العربات و"اسبيراتها" بالخرطوم بعد كمين محكم    شاهد بالفيديو.. الفريق أول ياسر العطا يحظي باستقبال تاريخي من جنود الجيش والمستفرين بعد ساعات من تعيينه رئيساً لهيئة الأركان    شاهد بالفيديو.. الفنانة إنصاف مدني تفاجئ الجميع وتقتحم بث مباشر لزميلتها ميادة قمر الدين: (أنا مفلسة أعملوا لي مبادرة)    يوم اليتيم.. نصائح لدعم اليتيم نفسيا في يومه السنوي    صمود يحذر من كارثة إنسانية مع استمرار العمليات العسكرية في النيل الأزرق    "تأسيس" و"صمود" يدينان استهداف أسامة حسن في غارة مسيّرة على نيالا    تطور جديد في جلسة محاكمة منيب عبد العزيز شمال السودان    ماجد المصرى: شخصية راغب الراعى مرهقة بسبب تعدد علاقته داخل الأحداث    محمد مهران يكشف أصعب مشهد فى كواليس مسلسل درش    ماذا يحدث لجسمك عند التوقف عن تناول منتجات الدقيق الأبيض لمدة أسبوعين؟    ما حقيقة زيارة وفد إيراني إلى السودان سرًا؟    "العاصفة الحمراء" التي ضربت دولا عربية.. هل هي خطيرة؟    الرابطة السليم تكتسح بركيه بخماسية اعداديا    ساردية تختتم التحضيرات لمواجهة الموسياب    "يديعوت أحرونوت": واشنطن بدأت عملية إجلاء طارئة ل60 ألف أمريكي من مصر    الدولار يتراجع مع تصاعد توقعات التهدئة في الشرق الأوسط    بالصورة.. أبعدوه حتى لا يرى قبرها ويقوم بنبشه.. قصة مؤثرة تدمي القلوب لشاب سوداني معاق ذهنياً في يوم وفاة والدته التي كان متعلق بها ومداوم على مسك "ثوبها"    شاهد بالفيديو.. "ماما كوكي" تتحدث عن قضية الساعة.. مطربة شهيرة تقيم علاقة عاطفية مع "البرنس" بعد طلاقها من زوجها وردة فعل أهلها جاءت صادمة لها    المغرب يثبت نفسه بين الكبار ويواصل الهيمنة عربيا في تصنيف فيفا    أدوية منسية في المنزل قد تهدد صحة العائلة.. تخلص منها فورا    نوع نادر من السرطان.. ما هو التليف النخاعى؟    سوداني يسأل: (أنا مغترب وحصلت مشكلة بين زوجتي وزجة أخي واخوي اتصل علي قال لي طلقتها ليك هل الطلاق واقع؟)    اللجنة الإقتصادية العليا تصدر عدداً من القرارات المهمة لتحقيق استقرار سعر الصرف    الفريق أول الركن ياسر عبدالرحمن حسن العطا رئيساً لهيئة أركان القوات المسلحة    السودان.. وفاة لاعب كرة قدم    وزير المعادن ونائب المدير العام المفتش العام للشرطة يدشنان مركبات لتعزيز مكافحة تهريب المعادن وتأمين مواقع التعدين    السودان.. وزير يشرع في تكوين قوّة عسكرية ضاربة..ماذا هناك؟    ارتفاع وارد واسعار الذرة والسمسم بسوق القضارف    قالت إنّها خرجت من آلية تحديد أسعار الوقود..الطاقة تكشف تفاصيل 20 باخرة في محيط البحر الأحمر    عثمان ميرغني يكتب: فساد.. الفساد..    شراكة استراتيجية بين "الشباب والرياضة" و"الصناعة" لتمكين المبتكرين ودعم الإنتاج الشبابي    السيسي للرئيس ترامب: لا أحد يمكنه وقف الحرب في المنطقة إلا أنت    مصر.. الدولار يقترب من 54 جنيها لأول مرة    وجبة سمك تُنهي حياة 3 سودانيين بالقاهرة وتتسبب في إصابة 4 آخرين بحالة تسمم غذائى حاد    رئيس الوزراء يصدر قرارًا بشأن الرسوم الجديدة في المعابر    محمد عبد الباسط يكتب: لهذا تحركت باكستان الآن للوساطة بين أمريكا وإيران    الخليج الضحية الكبرى: إيران وجهت 83% من هجماتها إليه… و17% فقط إلى إسرائيل    مهلة أخيرة للمخالفين: خيارات متعددة لمعالجة أوضاع التأشيرات المنتهية في السعودية    ترامب يصدر أوامره ويكشف تطورات مثيرة مع إيران    الأمن يداهم مخزن يبيع الوقود المهرب لعصابات التنقيب عن الذهب    رئيس الأهلي مدني وابنه يتعرضان لحادث مروع    المباحث تنهي مغامرات شبكة إجرامية متخصصة في الإحتيال علي أصحاب المحلات التجارية عن طريق اشعارات تطبيق بنكك المزيفة    الشيخ بن زومة.. إلى جنة الخلد    قيم الهلال المتوارثة يجب أن تبقى أبد الدهر    في زمن الضجيج.. القرآن بوصلة المعنى والسكينة    د.مزمل أبو القاسم يكتب: دموع الباز.. وزاهر! (2)    السودان.. الدفاع المدني يستعين ب"التوك توك"    طفح جلدي في رقبة الرئيس ترمب يثير تساؤلات حول صحته    صوت لا يغيب.. محمد رفعت ورحلة الآذان الخالد في رمضان    أجهزة الأمن السودانية تنهي مغامرات لص الصيدليات في عطبرة    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    السودان.. فكّ طلاسم"تبيدي للمجوهرات" في الخرطوم والتحقيقيات تفجّر مفاجأة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



مراجعات في سؤال الهوية والتنمية بين اثيوبيا والسودان .. بقلم: خالد موسي دفع الله
نشر في سودانيل يوم 03 - 08 - 2017

في كتابه ( الصراع القومي والطبقي في القرن الأفريقي) يناقش البروفيسور الاثيوبي جون ماركاكوس الاستاذ بجامعة اديس خارطة الصراع في منطقة القرن الأفريقي ويسلط ميسم البحث علي خصائص هذه الصراعات علي المستوي الطبقي، ورغم انه جعل مرتكز بحثه عن السودان في قضية الجنوب الا انه في المقابل قدم تحليلا متميزا في تكوينات الصراع الداخلي في اثيوبيا وجيبوتي واريتريا.
ولعل الباحث المدقق لا تكتمل أدوات بحثه في استخلاص الخصائص الثقافية والعوامل التاريخية لتكوينات الهوية في اثيوبيا والسودان الا بمراجعة كتاب القس ترمينغهام. ( الاسلام في اثيوبيا) وصنوه ( الاسلام في السودان) الذي
جعلت منه النخبة منفستو لتخليط الهوية والتدين في السودان ، بين دين شعبي يمثله التصوف وهو خليط من عقائد الدين والطقوس والعوائد الافريقية، ودين ارسذوكسي نقي لم يتطفل عليه التخليط . وجعل ترمينغهام ومعه بي. ام. هولت من النقاء العرقي والصفاء المذهبي في السودان أسطورة لا تقوم علي حقائق التاريخ.
كان مطعم ( ابسينيا الثقافي) وتعني الحبشة في اللغة القديمة ، في قلب العاصمة اديس ابابا كقلعة ألبرت هول في قلب لندن يعج بالزوار ، وما ان ينتظم إيقاع الموسيقي وتهتز اجساد الراقصين حتي تنساب روائح البهار الحار ، وأطباق الانجيرا ، لتجعل من كل هذا الخليط هوية جديدة لاثيوبيا في عالم الحداثة الكوني.
كان استاذ الموسيقي بكلية الموسيقي والمسرح يقود الكورال المشهور، وكانت أصابعه ترتاح علي الإيقاعات الصاخبة وهو يعد أنواعها خلسة، وعندما انتهي العرض قال لمضيفه انني عددت ثلاثة إيقاعات مختلفة فقط ولدينا في السودان عشرات الإيقاعات بما يعني اننا اكثر ثراءً في التنوع الموسيقي والإيقاعي. لكن السؤال الأهم ، كيف جعلت اثيوبيا من غنائها وموسيقاها وتراثها رغم محدوديته عنوانا لتاريخها و حضارتها وهويتها في جميع اصقاع العالم، ونحن رغم ثرائنا الثقافي والموسيقي فشلنا في ان نجعل من هذا التراث والموسيقي دالة حضارية علي وطن يسمي السودان؟
ما اجتمع نَفَر من اهل المعرفة والثقافة حتي جرت المقارنة بين نجاحات وإخفاقات تجربتي اثيوبيا والسودان في مجال النهضة والتقدم خلال العشرين سنة الماضية وسلط بعض اهل الفكر من المهمومين بسؤال النهضة أدوات بحثهم للإجابة علي سؤال افتراضي حول لماذا تتقدم اثيوبيا ويتقهقهر السودان؟ . ولعل الدراسة الأشهر هي ما اصدره الدكتور النور حمد بين غفوة مارد السهل وصحوة مارد الجبل ، ورد البعض ما ظنوه نجاحات اثيوبيا وإخفاقات السودان لعوامل الثقافة والتاريخ والديمغرافيا. ويجد هؤلاء امثلة حية لتبرير منطقهم اذ تجد الخطوط الاثيوبية تتسيد سماء افريقيا بأسطول يضم احداثٍ الطائرات وتقبع سودانير في خيبتها التاريخية بأسطول لا يتجاوز أصابع اليد الواحدة ، رغم إنهما تأسستا معا في النصف الثاني من أربعينيات القرن الماضي عام 1947.
يربط البعض بين صورة اثيوبيا الراهنة وعمقها التاريخي الذي جعلها مركزا لاعرق الحضارات في العالم القديم، وانها ظلت عصية علي المستعمر ، لذا فإنه رغم اثار الحداثة في اثيوبيا الان من حيث المعمار و أساليب الحياة و منتجات الحضارة الحديثة الا انها تحتفظ بهوية ثقافية عميقة وأصيلة لم تتبدل بمرور السنون وتقلبات الحوادث والعصور تجدها بائنة في المأكل والملبس والموسيقي والرقص وأسلوب الحياة. لذا تجد في كل عاصمة دولية سلسلة من المطاعم الاثيوبية تقدم الانجيرا والموسيقي والغناء وتبيع المنتجات اليدوية والتراثية. في المقابل من الصعب ان تجد مطعما سودانيا بالمعايير المقبولة في اي عاصمة عالمية هذا فضلا ان يقدم الموسيقي السودانية، وذلك بسبب جوهري وهي ان الشخصية السودانية في المغتربات والمهاجر لا تميل الي التجارة والأعمال لعدم احتمال عامل المغامرة والخسارة ، ولذلك فهي تميل للوظائف والعمالة بحثا عن الامن المالي والوظيفي دون التعرض لمخاطر ومغامرات لا يحتملها البناء الهش للشخصية السودانية. مقابل هذه الهوية الاثيوبية المتماسكة و العميقة وتطورها لتكون مصدر فخر وطني نجد ان الهوية السودانية رغم عمقها التاريخي وثرائها وتنوعها الحضاري الا انها تعرضت لحملة شرسة من التشويش والتجريف السياسي بفعل الصراع ، اذ جعل منها البعض هوية للوسط النيلي حاول ان يخلعها بقوة الجبر والاكراه لبوسا علي بقية أقاليم السودان الاخري. ولا تجد لمثل هذا القول مماثلا في خطاب النخبة الاثيوبية رغم تاريخ الصراع العنيف. فصراع السلطة والثروة في اثيوبيا قاد الي توتر وحروب بين القوميات الاثيوبية ، الا ان هذا الصراع لم يمس الهوية الاثيوبية الجامعة، علي عكس تجربة الصراع في السودان التي أفرزت خطابا جهويا رافضا لهوية السودان التاريخية لانها ترتكز علي بعض إرث الوسط النيلي. ولعل الفرق الجوهري هو قيام هذه الهوية علي قاعدة القوميات في اثيوبيا وقاعدة القبيلة في السودان.
ما الذي جعل (الانجيرا) طبقا عالميا في شارع 18 بواشنطون يطلبه الأمريكيون والاوربيون ، و (الكسرة) السودانية طبقا معزولا في مطعم ( الخرطوم) بناحية الشارع لا يغشاه الا من استبد به الشوق لرائحة ام درمان من اصحاب العيون العسلية؟
لعل اللحظة التي تعطل فيها محرك الطائرة الصغيرة التي كان يقودها الفاتح عروة وهي تحمل في جوفها الزعيم الاثيوبي الراحل مليس زناوي وهو في طريقه لتسلم مقاليد الحكم في اديس ابابا تختزل تعقيدات العلاقة التاريخية القائمة.
كان في معيته بالطائرة في تلك الرحلة التاريخية ايضا احد كبار قادة الثورة ( فسيحا) الذي عمل سفيرا لبلاده بعد حرب التحرير في واشنطون ونيويورك وبرلين.
كان فسيحا يتذكر تلك اللحظات ويضحك، اذ ساهمت تلك العلاقة بينه والفريق الفاتح عروة في تجاوز الصعوبات التي اكتنفت العلاقات و هو يعلن في الامم المتحدة عام 1997 ان اثيوبيا توافق علي إسقاط العقوبات الاممية علي السودان.
خرجت صحيفة ( الواشنطون بوست) في منتصف عقد الألفية الثانية بخبر في قسم الاقتصاد والأعمال يؤكد ان بنك التصدير والاستيراد الامريكي وافق علي منح الخطوط الجوية الاثيوبية قرضا طويل الأجل لتمويل صفقة طائرات. ( دريم لاينر) الجديدة التي أنتجتها شركة
بوينغ الامريكية. كان السفير فسيحا يوقع العقد وهو يبتسم لانها إشارة مؤكدة من واشنطون انها اختارت اثيوبيا لتكون الدولة الأولي بالرعاية ومركز الاستقرار والشريك الأساسي في منطقة القرن الأفريقي.
الزائر لمكتبات اثيوبيا علي قلتها يجدها فقيرة من مؤلفات النخبة مما يشير الي انه شعب يعتز بهويته و يعشق التراث والغناء ويجيد فنون الحرب والتضحية لكنه لا يهتم بقضايا الانتاج الفكري والثقافي، ولا يضيع وقته في النقاش السفسطائي حول الأيدلوجيا والديالكتيك وافق المشروع الحضاري. منذ ان قال مكي شبيكة مقولته الشهيرة حول صراع المثقفين منذ مؤتمر الخريجين وحديث البروفيسور محمد عمر بشير عندما وصف المثقف السوداني بالميل للسفسطة والرومانسية وحديث البروفيسور عبد الله الطيب عن تفشي الحسد وتكاثر الغرماء و نقد منصور خالد عن فشل النخبة واهتمامها بتكريس امتيازات الدولة لنفسها دون الاستثمار في المستقبل يوضح ان النخبة السودانية لم تخرج من غيبوبتها التاريخية بعد وانها فشلت في بناء دولة حديثة ومستقرة في السودان.
لخصت كلمة روبرت هاو اخر حاكم عام في السودان في حفل الوداع التي ترجمها ببراعة الدكتور الهاشمي اهم تحديات النخبة اذ قال: " أستطيع القول هنا إن هذه الاختلافات والفروقات هي مصدر تحدي كبير للبلاد وحيويتها، وستظل كذلك في ما يقبل من سنوات. تتطلب مواجهة هذه التحديات التزاما صارما ينبذ الأنانية من أجل تحقيق هدف مشترك هو التنمية الشاملة للأمة السودانية بكل مكوناتها واكرر هنا وأؤكد على "كل مكوناتها"و لابد من توفر أكبر قدر من المهنية والتجرد وسلامة المقصد عند الجهات الحكومية والإدارية عند مواجهة هذه الاختلافات بين شعوب السودان. يتطلب حل المشاكل المترتبة على هذه الاختلافات قدرا كبيرا من الحنكة والفهم والتسامح" .
مع براعة الشعب الاثيوبي في نشر ثقافته وتراثه وغنائه وطعامه بفعل الهجرة والانتشار في اصقاع المعمورة المختلفة الا ان السودان يتفوق عليه في درجة الوعي السياسي و الحراك الاجتماعي اذ يختزن المجتمع السوداني حيوية دافقة في نسيجه الاجتماعي وتنوعه الثقافي ، كما ان درجة الوعي السياسي في السودان ساهمت في إنجاز ثورتين شعبيتين لتغيير نظام الحكم بينما حسمت اثيوبيا طوال تاريخها الصراع علي السلطة بالحرب والدماء فقط. لكن في المقابل فان قدرة الشعب الاثيوبي علي التضحية وشكيمة الحرب أقوي كما اتضح في مقاومة نظام منقستو كما ان دور المرأة اكثر بروزا وأظهر اثرا في مظاهر الحياة العامة علي عكس تجربة السودان بفعل الثقافة والقيم الاجتماعية السائدة وطغيان الثقافة الذكورية هذا رغم ان تجربة السودان تعتبر متقدمة علي نظيرتها العربية في المنطقة.
في الوقت الذي تصدر فيه في الخرطوم ما يقارب من ثلاثين صحيفة يومية وتبث عدد من القنوات التلفزيونية برامجها وما يقارب من الثلاثين إذاعة، تصدر في اديس ابابا حوالي اربعة صحف يومية فقيرة الشكل والمحتوي ولا تجروء علي تقديم وجهة نظر مغايرة لأقوال الحكومة والحزب الحاكم. هذا يؤكد ان الحراك الاجتماعي وحيوية المجتمع في التعبير عن تطلعاته ومتاعبه يساندها في السودان تاريخ عريق من الممارسة الديمقراطية، والحس الليبرالي علي عكس الشعب الاثيوبي الذي عاش سنوات قهر اطول من السودان في تاريخه الحديث.
البنية السياسية والاجتماعية اكثر حداثة في السودان اذ تقوم الاحزاب السياسية في اثيوبيا علي أساس القوميات والجهويات لكنها تقوم في السودان في الغالب الاعم علي بنية الانتماءات الحديثة بما في ذلك الاحزاب الطائفية.
و حسب رأي النخبة السودانية فإن العقل الرعوي او البداوة التي لا تحترم النظام تعتبر اس إشكالات التطور السياسي والاجتماعي والاقتصادي في السودان، لكن في المقابل تجد معظم الشعب الاثيوبي من اهل الرعي والزراعة والاقتصاد الريفي اذ يعمل 80٪ من الشعب في قطاع الزراعة لكن قدرتهم علي تطبيق النظام واحترامه يعتبر اكثر تقدما من شعب السودان، اذ تجد صفوف متطاولة من البشر في ساعات الذروة نتنتظر دورها لصعود بصات المواصلات العامة دون تذمر او إخلال بالنظام او فهلوة او جهوية. يقابل ذلك فشل ذريع في السودان في تنظيم الحياة العامة في السودان.
لذا تجد ان الجاليات الاثيوبية في كل العالم هي الاكثر تنظيما وقدرة علي العمل الجماعي وتشغيل مواطنيها مقارنة بالجاليات السودانية التي ظلت تعاني من انقسامات حادة علي أسس اجتماعية وثقافية وسياسية. كما ان الفرد الاثيوبي اكثر قدرة علي الاندماج في المجتمعات التي هاجر اليها علي عكس الفرد السوداني الذي يعيش في مهاجر الغرب بجسده لكن روحه وذكرياته وأحلامه في السودان، فلا عاد الي البلاد ولا اندمج في المجتمع الجديد. يميل الفرد السوداني في الخارج للعمل الوظيفي ذي الدخل الثابت لخوفه من المخاطرة وتمسكه بالامن المالي والاجتماعي ولو علي حساب مستقبله. كما ان الفرد الاثيوبي لا يستنكف نوع العمل علي عكس السوداني الذي يظل يبحث عن عمل يناسب وضعه الاجتماعي خوفا من التعيير والوصم.
لذا تجد الجاليات الاثيوبية حققت نجاحات مقدرة في الخارج رغم ضعف التعليم مقارنة بالسودانية.
يتفوق الاقتصاد السوداني حتي الوقت الراهن عن الاثيوبي بنسبة تقارب 40٪ اذ ان نصيب الفرد في إثيوبي 706 دولار دولار مقابل 2000 دولار للفرد في السودان ربما لعامل الديمغرافيا لشعب يقارب عدد سكانه المائة مليون نسمة. الناتج القومي لاثيوبيا حوالي 73،مليار دولا بينما جملة الدخل القومي للسودان 120 مليار دولار ويعتبر السودان الدولة الثامنة في المساهمة في ميزانية الاتحاد الأفريقي بينما تحتل اثيوبيا الموقع العاشر. لكنها تعاني من اختلال مريع في تفاوت مستويات الدخل بين مواطنيها في العالم.
حسب تقرير البنك الدولي فان الاقتصاد الاثيوبي يحقق نسبة نمو تبلغ 8٪ في السنوات الماضية وتم تصنيفه بواسطة صندوق النقد بانه يحتل المرتبة الخامسة في قائمة الدول الأسرع نموا في العالم وذلك في ظل تطبيق خطة شاملة لتحسين البنية التحتية ومشروع اعادة البناء الذي سيحول اثيوبيا الي دولة ذات دخل متوسط منخفض بحلول عام 2025.
يقود البنك الدولي جهودا كبيرة في اثيوبيا لتسريع عجلة النمو بتأسيسه لمنبر تنسيق المانحين و مجموعة دعم التنمية
Development Assistance Group (DAG) واستطاعت هذه الجهود ان توفر أموال ضخمة لدعم مشروعات البنية التحتية والتنمية ، كما يقود بنك التصدير الصيني وكوريا الجنوبية مشروع دعم تسريع التنمية في اثيوبيا
Expressway Development Support Project
وصل الدعم الخارجي للاقتصاد الاثيوبي عام 2013 حوالي 3.5 مليار دولار، ويقدر الدعم الخارجي الراهن بستة مليار دولار هذا فصلا عن زيادة نسبة الاستثمار الأجنبي في البلاد وذلك وفق خطة ساعدت المؤسسات المالية الدولية والدول الكبري في تطويرها، لذا فإن مشروعات البنية التحتية التي تشمل شبكة الطرق والمترو و ومظاهر العمران والحداثة هي نتيجة للدعم السياسي الدولي والدعم الاقتصادي والتنموي . وضع البنك الدولي معايير لاستخدامات هذا الدعم منها الحكومة الرشيدة ومحاربة الفساد وتعزيز مشاركة المرأة.
نجحت اثيوبيا في محاربة الفساد بدرجة كبيرة وإقرار سياسة صفرية في التسامح مع الفساد وذلك بفضل سياسة الحكومة وكذلك ضغوط المانحين الذين يريدون تحقيق نموذج جديد في افريقيا يقوم علي التنمية ومحاربة الفساد.
الفرق بين خطة السودان الخمسية في الاقتصاد وخطة اثيوبيا الخمسية التي اطلق عليها خطة النمو والتحول
Growth and Transformation Plan (GTP II).
ان خطة السودان قائمة علي دعم قطاعات الانتاج وسحب الدعم عن السلع والخدمات مما سبب بعض الاضطرابات، ومحاربة التضخم وتطبيق سياسة تقشفية انكماشية فاقمت من البطالة ولم تكبح جماح التضخم، بينما تقوم خطة اثيوبيا علي تشييد البنية التحتية واعادة بناء القطاع الانتاجي الذي تتمتع فيه اثيوبيا بمزايا تفضيلية مثل انتاج الكهرباء وتصديرها، و الامن الغذائي وصناعة الجلود والنسيج وغيرها.
ما يزال الاقتصاد السوداني رغم العقوبات والحصار متفوقا من حيث الدخل القومي ونصيب الفرد علي اثيوبيا، لكن في المقابل تحقق اثيوبيا نسبة نمو مرتفعة ومستقرة مع تطبيق خطط تنموية طموح بدعم سياسي واقتصادي كبير من المجتمع الدولي والمانحين الدوليين، ومع اكتمال المرحلة الثانية من خطة التنمية سيتفوق الاقتصاد الاثيوبي علي السودان، وسيدعم هذا من أهداف الغرب في تمكين اثيوبيا اقتصاديا وسياسيا لتكون بوليس المنطقة الإقليمي وميزان الاستقرار في المنطقة بفضل استقرارها السياسي ونموها الاقتصادي وتعاونها مع الغرب والمجتمع الدولي في القضايا المشتركة وكذلك تفوقها الديمغرافي.
يعترف الخبير الاقتصادي المعروف عبدالرحيم حمدي بان الاقتصاد يعتبر اضعف حلقات الدولة في السودان بفعل سوء التخطيط. اذ يؤكد كما أوضح في برنامج ( الحد الأدني ) الذي بثته قناة الشروق ان الدولة قررت اتباع سياسة تقشفية انكماشية في وقت الازمة بهدف السيطرة علي التضخم وسعر الصرف، لكن أدت هذه السياسات الي زيادة التضخم وانفلات في سعر الصرف ومضاعفة معدلات البطالة. لان السياسات الانكماشية والتقشفية في وقت الأزمات يزيد من البطالة ويعوق النمو ولا يحقق أهدافه في كبح جماح التضخم.
تتفوق علينا اثيوبيا بتماسك وعمق الهوية، وحس احترام النظام العام، وقدرة الانسان الاثيوبي علي الاندماج في المجتمعات الاخري وحسن تسويق المنتجات الثقافية ، ونجحت في بناء دولة مؤسسات بفضل التخطيط ومحاربة الفساد و فرض هيبة الدولة. ويقول البعض ان هذه الإنجازات تمت بقوة الجبر والاكراه وخنق حرية التعبير والديمقراطية وضرب الخصوم. والاهم من ذلك كسب الدعم الدولي وتوظيف القروض والمنح من اجل التنمية. لا شك ان معدلات الفقر في اثيوبيا اعلي من السودان، و في المقابل نتفوق عليها بالموارد الطبيعية ، و حيوية الحراك الاجتماعي وتراكم الوعي السياسي، وبإنتاج النخبة السودانية السياسي والفكري والثقافي ومعدلات الدخل القومي في الاقتصاد. سيكون تفوقنا في الاقتصاد مؤقت في ظل تسارع معدلات التنمية التي يحققها الاقتصاد الاثيوبي.
يكاد يتفق المراقب الحصيف ان البلدين يكملان بعضهما في الموارد والخصائص ونقاط القوة والضعف، مما يفتح آفاق الخيار الوحيد وهو تقوية التعاون وتعزيز مبدأ الاعتماد المتبادل Interdependency
وقد ادرك صانع القرار السياسي ان التكامل لا التنافس هو الطريق الوحيد لحفظ الاستقرار ودعم التنمية في البلدين.
انها المرة الأولي في تاريخنا الحديث التي ينحاز فيها السودان الي بناء علاقة تحالف استراتيجي مع اثيوبيا لمصالحه العليا اذ ان تشييد سد النهضة حسب رؤية مُتَّخِذ القرار سيساعد السودان علي استخدام نصيبه الأتم في اتفاقية مياه النيل وتنظيم انسياب المياه و حمايته من الفيضانات، ورأت مصر ان السودان نفض يده بهذا الموقف من كل تحالفاته التاريخية معها ونبذ مبدأ وحدة المصير المشترك لذا سعدت لخلق تحالفات في محيط السودان الإقليمي مع جنوب السودان ويوغندا واريتريا.
نحن علي اعتاب مرحلة جديدة من نظام إقليمي جديد يتشكل
علي قاعدة المصالح المشتركة لا الأيدلوجيات والشعارات الطنانة، وبهذا ربما تتحول بوصلة العقيدة القتالية لجيش السودان التاريخية الموروثة من اتجاهات الهضبة الي السهل المنبسط.
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.