أمجد فريد الطيب يكتب: حياة تجلت في وضوح المبادئ: وداعا فينك هايسوم    عثمان ميرغني يكتب: حرب السودان ومخطط شد الأطراف    الخليج الضحية الكبرى: إيران وجهت 83% من هجماتها إليه… و17% فقط إلى إسرائيل    بعثة المنتخب تصل بورتسودان وسط إهتمام كبير    منتخبنا يتدرب صباح الخميس بإستاد بورتسودان    قائمة صقور الجديان لوديتي السعودية    كواليس صادمة... كيف تعطلت صفقة تسليح الجيش السوداني في اللحظات الأخيرة؟    11 دقيقة إضافية من النوم ليلا تساعد فى الوقاية من النوبات القلبية    13 حزمة لغوية جديدة لترجمة محادثات "واتساب"    سناب شات" يحوّل الصور إلى فيديو بالذكاء الاصطناعي    بالصورة.. الصحفي السوداني الشهير حسين خوجلي يستعيد بصره وسط سعادة أصدقائه ومتابعيه: (عودة البصر لصاحب البصيرة والوان وحمدا لله على السلامة أبو ملاذ)    الباشا طبيق : السيطرة على الكرمك تعيد تشكيل الخريطة العسكرية في السودان    تعديل وزاري مرتقب في السودان يشمل ست حقائب وزارية    هل يكون محمد صلاح الصفقة الكبرى القادمة بالدوري الأمريكي بعد جريزمان؟    جلسة مع محمد صبحى في الزمالك.. اعرف السبب    استمرار محاولات الأهلي لإنهاء أزمة الشرط الجزائي مع توروب    يارا السكري تكشف لليوم السابع تفاصيل دورها فى فيلم صقر وكناريا    شاهد بالصورة.. فاتنة الإعلام السوداني تخطف الأضواء بأحدث إطلالة لها والجمهور يطيل الغزل في جمالها: (يا دووب كدة عيدنا)    باسم سمرة: الناس بقت تناديلى ب«زكى».. ونجاح عين سحرية توفيق من ربنا    ذكرى رحيل أحمد حلاوة.. ممثل جمع بين الهندسة والدكتوراه فى فلسفة الفنون    نصائح لوقاية مرضى حساسية الصدر من التقلبات الجوية والرياح    مشروبات تساعد على حرق الدهون بعد كحك العيد    اكتشاف مرض وراثي جديد يسبب الشيخوخة المبكرة والقصور الإدراكى    شاهد بالصور. الفنانة مروة الدولية تفاجئ الجميع وتعتزل الغناء وعازفها الشهير ينشر مراسلات واتساب بينهما أكدت فيها تمسكها بالقرار    بالصور.. مدارس أبو ذر الكودة تلزم أسرة طالب بدفع غرامة قدرها 100 ألف جنيه بسبب كسره مفتاح مروحة بالفصل ومتابعون يتصدون للدفاع عن المؤسسة    شاهد بالصورة والفيديو.. في تقليعة جديدة.. شباب سودانيون يلطخون صديقهم العريس ووزيره ب"ظهر الصابون" و"البودرة"    الهلال يواجه ضغط المباريات في رواندا    جبريل يلتقي المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة إلى السودان    مهلة أخيرة للمخالفين: خيارات متعددة لمعالجة أوضاع التأشيرات المنتهية في السعودية    كيف تفاعل النجوم مع خبر رحيل صلاح عن ليفربول؟    ضبط 2800 قندول بنقو بالجزيرة في عملية نوعية لمكافحة التهريب    ترامب يصدر أوامره ويكشف تطورات مثيرة مع إيران    طهران ترد على تهديدات ترمب    هل مخالفة ترامب خلل في الكون؟!    الأمن يداهم مخزن يبيع الوقود المهرب لعصابات التنقيب عن الذهب    تراجع معدّل التضخّم في السودان    بادي يصدر مرسوم تنظيم أعمال التعدين التقليدي وضبط آليات التعدين بالنيل الأزرق    رئيس الأهلي مدني وابنه يتعرضان لحادث مروع    المباحث تنهي مغامرات شبكة إجرامية متخصصة في الإحتيال علي أصحاب المحلات التجارية عن طريق اشعارات تطبيق بنكك المزيفة    شركة كهرباء السودان تحديث حول سير أعمال الصيانة الطارئة للشبكة القومية    توقّعات بارتفاع غير مسبوق في أسعار النفط    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    الشيخ بن زومة.. إلى جنة الخلد    أغلى علبة كعك في مصر تشعل مواقع التواصل    قيم الهلال المتوارثة يجب أن تبقى أبد الدهر    بنك السودان المركزي يصدر توجيهًا للمصارف    إبراهيم شقلاوي يكتب: الزراعة ما بعد اقتصاد الحرب    في زمن الضجيج.. القرآن بوصلة المعنى والسكينة    د.مزمل أبو القاسم يكتب: دموع الباز.. وزاهر! (2)    السودان.. الدفاع المدني يستعين ب"التوك توك"    طفح جلدي في رقبة الرئيس ترمب يثير تساؤلات حول صحته    ملتقي التحصين للعام 2025 ينعقد بحضور التحالف العالمي للقاحات والشركاء    صوت لا يغيب.. محمد رفعت ورحلة الآذان الخالد في رمضان    أجهزة الأمن السودانية تنهي مغامرات لص الصيدليات في عطبرة    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    السودان.. فكّ طلاسم"تبيدي للمجوهرات" في الخرطوم والتحقيقيات تفجّر مفاجأة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



عندما يستجدي الطبيب .. بقلم: شوقي بدري
نشر في سودانيل يوم 05 - 11 - 2017

في ربيع 1982 اخذني صديقي واستاذي وعمي محمد بدري لزيارة صديقة العميد ادريس فضل الله في مستشفي القوات المسلحة جنوب بانت . وكانت زوجة العميد خارج غرفته وتبدو منزعجة والطبيب وبعض الممرضين مع العميد . بعد ذهابهم ووجدنا العميد مبتسما لانه من الرجال الذين يتحملون الصعاب . وبدا العميد الدردشة مع محمد بدري طيب الله ثراه . وعرفت ان العميد قد تعرض لعملية ولكنه يتعرض لألم وانتفاخ في البطن والطبيب لا يريد ان يستمع لشكواه ويكتفي باعطاءه المضادات الحيوية وياخذ عينات للكشف . وعندما قال العميد ياخي كتلتوني بالمضادات ، كان رد الطبيب كما يتصرف الكثير من الاطباءالسودانيون ... انت دكتور ؟
في اثناء تواجدنا احضر الفطور للعميد ولدهشتي كان صحنا من الفول بالزيت ورغيفا يغطي صحن الطلس والصحن من صينية صغيرة من الالمنيون تزينها خطوط متعرجة على حافة الصينية ، وتغطي القذارة السوداء تلك التعرجات . وعندما استغربت على غياب النظافة وتواضع الطعام ضحك العميد وقال لى هذا هو المستوي الذي قد يتعرض له النميري اذا استضافه المستشفي العسكري . وبدأت افكر في ماهو الحال في قسم الجنود ؟
اشقاء ادريس هم حسن فضل الله من اول من درس الفندقة في المانيا وعمل في قصور الخليج . واحمد فضل الله من كبار الضباط والاثنان من زملاء الاحفاد . وشقيقتهم والدة فخر آل بدري الشاب وقتها بابكر احمد بدري . وعندما اقترح صديقي محمد بدري ذهاب ادريس للسويد للعلاج ، فرحت جدا ووافقت بدون تردد . وبما ان ادريس كان مدير امن المطارات والمواني لانه ضابط مطافي فقد كان في امكانه الحصول على تذكرة طيران مجانية . وبعدها بايام كان ادريس بضحكاته المتميزة ودعاباتة يعطر سماء مالمو وكوبنهاجن . وتحلق الجميع حولة وسمعنا القصص المشوقة والنكات . وعرفنا الكثير من اسرار الاطفائية واهمية المرفق وظروف العمل . ومن القصص التي كانت متداولة في السودان وهى ان جنرال الحريقة الرجل الذي حباة الله ببسطة في الجسم قد كلف من استفسر النميري عن عدم حصوله على رتبة الفريق وكان جنرال الصيد قد صار فريقا . وكان رد نميري ... فريق ليه ؟ هو طفا جهنم ؟
ذهبنا الي المستشفى الجامعي صاحب السمعة العالمية في مدينة لند . ووجدنا كل الاهتمام وحددت العملية بسرعة بعد استكمال الكشوفات والتحاليل . وفي يوم العملية قطعنا مسافة ال 20 كيلومتر في الصباح وسلمنا ادريس لمبضع الجراح بعد دفع الرسوم . ورجعنا للمكتب ونحن نتوقع الرجوع في المساء لزيارة ادريس في سرير المرض . ولكن بعد اكثر قليلا من ساعتين اتصلت المستشفى تلفونيا طالبين حضورنا . فانزعجنا جدا . وانا في الطريق مع حسين خضر رحمة الله الياس ابن الحاوي ، كنا نقلب الرأى في السبب . وذهبنا الى الاستقبال ونحن منزعجون ، ولدهشتنا وجدنا العميد يطالعنا من تحت قبعته ضاحكا . وحسبنا ان العملية قد تم تأجيلها . ولكن عرفنا انها قد اجريت . والمشكلة ان المستشفي العسكري في امدرمان قد نسى قطعة من الشاش في بطن ادريس . وقد تم استخراجها بسهولة تامة .
المشكلة كانت ان ادريس كان يطالب بتقرير طبي ، ويصر . البروفسر والاطباء يطالبونه بأدب ان نصرف النظر عن موضوع التقرير الطبي ويقولون . هذه غلطة الزملاء في السودان ونحن كاطباء في كل العالم لنا مسئولية لمعالجة هذه الغلطات . ولقد اخطرنا الادارة باسترجاع ما دفعتوة لانها ليست غلطتكم . والغلط موجود في كل نشاط بشري . وتحدثوا عن الغلطات الكثير احداها نسيان نظارة الطبيب في بطن المريض . والغريب انهم كانوا يرددون ... بليس ... بليس ... وي بق يو دو نوت ميك اي كيس اوت اوف ات . نرجوك نرجوك نستجديك لا تخلقوا منها قضية . ولكن ادريس كان غاضبا بسبب عنجهية الجراح في السودان . وهذا ما لم يفهمه الاطباء في السويد . وامام لطف السويديين ازعن ادريس .
تذكرت هذه القصة وانا اقرأ قبل ايام عن الطبيب الذي استخرج شريطا طبيا طوله متر كامل من بطن مريض في السودان .
في نهاية التسعينات تعرض اخي محمد محجوب عثمان لانهيار الرئة ,, انفزيميا ,, في اثناء زيارته لكريمته في براغ وهذا بعد حصوله على حق اللجوء . وارسل السويديون اسعافا طائرا بدكتور وممرضتين . وهذه الخدمة يقدمها السويد للمواطنين والمقيمين . وتقرر اجرائ عملية في نفس المستشفي الجامعي في لند . واتي البروفسر الشاب الذي كان في منتصف الثلاثينات معتذرا لمحمد طيب الله ثراه، لانه مجبر على السفر لاسطوكهولم بسبب موتمر،وسيقوم بالعملية بروفسر آخر . كان محمد قد صار في حالة تواصل مع البروفسر وبينها مودة ... فسأل محمد ... هل البرفسر بارع مثلك ؟ وكان الرد ... لا .. لا انه خير مني كثيرا . ومحمد كان يقول بالله شوف ده ؟ عندنا في السودان مافي دكتور بيقول في زول احسن منه .
في الساعة الخامسة في الغد حضر البروفسر لزيارة محمد على ظهر دراجته قبل ذهابه لمنزله ليطمئن عليه . وكل البروفسيرات يحضرون على دراجاتهم . التي تختلف عن دراجات الطلبة لانها تكون قديمة حائلة اللون وقد استخدمها بعضهم منذ ايام الدراسة .
بين يدي كتاب الاخ محجوب خليفة محجوب ... ابني صراع مع السرطان . ولقد تطرقت فناة العربية للكتاب ومن المفروض ان يطلع الاطباء وغير الاطباء هل هذا الكتاب . فبعد ان قرر بتر رجل كال نجيب الذي كان في الخامية عشر من عمره . قام الانجليز بتغير عظم الساق بعظام معدنية . ولقد اطلعت على الكتاب قبل طبعه وتناقشت مع نجيب وكان يشيد كثيرا بالاطباء والبروفسيرات والممرضات الذي قدموا له ولزوجته الكثير من الخدمات والدعم الانساني . ولقد وعدت بأن اكتب عن الكتاب . وساقوم بهذا لأن الامر كان ملحمة كاملة . ولقد اثر هذا على الاسرة كثيرا . ونجيب قد عمل كمسؤول كبير في الامم المتحدة في عدة دول مثل اندونيسيا كينيا الاردن الدنمارك وبريطانيا الخ .
عندما كان نجيب في مكتب الامم المتحدة في كوبنهاجن . قام بتطبيق ازالة الكلفة بين الرئيس والمرؤوس كما كان يحدث قديما في السودان . وكان الجميع يجتمعون في الطعام ويبتناقشون . ويستطيع الموظف ان يحدد زمن حضوره وانصرافه حسب ظروفه . وبعد حوالى السنة لم يظهر نبيل للطعام لدهشة البعض وعندما عرفوا انه لن يحضر لانه صائم ، اصيب الموظفون بالدهشة . وقالوا كيف يصوم هل هو مسلم ؟ وعندنا تأكدت لهم الحقيقة قالوا ... كيف يكون مسلما ؟ انه رجل معقول ومهذب !!!
و اقتبس لكم الجزء الذي يخص تعامل نجيب مع الاطباء في السودان عند مرض والدته . وساواصل في نقل ملحمة كمال نجيب فيما بعد .
اقتباس
تشرفنا انا واسرتي الصغيرة عندما كنا في نايروبي في عم 1995 يزيارة والدتنا الحاجة بتول كريمة الشيخ ابراهيم احمد مدني عضو هيئة القضاء الشرعي السابق في السودان . وكنت امني نفسي ان تقضي معنا الوالدة اكبر فترة . ولكنها بعد فترة وجيزة فضلت ان تعود لمنزلها او مملكتها الخاصة في السودان . كانت تعلل سبب رغبتها في العودة بحاجتها لسماع صوت الآذان في كل الاوقات .
بعد عام من تلك الزيارة بدأت الوالدة تشكو من بعض الآلام الباطنية واعتلت صحتها فعرضها شقيقي الاكبر كمال على احد اختصاصيي الباطنية في الخرطوم وبعد اجراء الفحوص في الخرطوم وبعد الفحوص التي اجراها اشار الطبيب الى عرضها على احد استشاري امراض القلب في السودان ز وبعد الفحوص التي اجراها اختصاصيي القلب الشهير اخطرهم بوجود ضعف او هبوط في القلب ,, هارت فيلير ,, ووصف لهم مجموعة من العقاقير لتنظيم عمل القلب واوصى بأن تستمر في تعاطي تلك العقاقير مكدى الحياة لتفادي توقف القلب من العمل .
كان الخبر مزعجا لنا ولكنا آلينا على انفسنا توفير تلك العقاقير في كل الاوقات .فكان شقيقي سامي يحكم انه طبيب في الكويت يرسل الدواء كلما تسنى له ذلك . وكذلك شخصي الضعيف من نايروبي . لاحقا شقيقي كمال . وكان كمال منظما بطبيعته ودقيقا جدا ولذلك كان يشرف بنفسه على الوالدة .
وبعد انتقالى لعمان مع اسرتي تمنيت ان تحضر الوالدة لتقيم معنا خاصة وان الاردن بلد مسلمين ويمكنها سماع الآذان حسب رغبتها .
حضرت للسودان مباشرة بعد استقرار اسرتي في عمان وحضر شقيقي سامي من الكويت وبدأنا تجهيز سفر الوالدة الى الاردن . فذهبت انا واخوتي سامي وكمال لمقابلة طبيب الوالدة واخطرناه بفكرة انتقالها معنا الى الاردن . ثم طلبنا منه تقريرا طبيا لكي نتمكن من متابعة حالتها هناك. لكن رده كان مقتضبا وسخيفا وفيه كثير من العنجهية والتعالى . وطلب منا بما يشبه الامر ان لا نرسلها الى الاردن لانه واثق تماما افضلية متابعة حالتها شخصيا . حسبنا انه لم يستوعي ما ذكرناه له بانها ذاهبة للاقامة وليس طلبا للعلاج فكرر له شقيقي سامي الذي عرفه بنفسه و بانه زميل مهنة ما قلناه له في بادئ الامر . ولكنه اصر على رأيه وبدأت العنجهية والاسلوب الفج دون اكتراث لوجود زميله الطبيب معنا . والذي يعتبر استاذه في الطب . واعطانا ذلك التصرف وللأسف انطباعا بأن الطبيب اطبائنا يعتقدون انهم خلقوا من طينة ليست نفس الطينة التي خلق منها بقية البشر ، والعياذ بالله .
بعد شد وجذب وافق الطبيب على طلبنا وكتب لنا تقريرا مقتضبا بخط يده فشكرناه وانصرفنا . علق شقيقي سامي على هذا التصرف الغريب وبطريقته الفكهة المعهودة ،بانه مندهش من تصرف ذلك الطبيب بل انه حتى لم يكلف نفسه عناء رد التحية بل اوما الينا بحاجبه الايسر في دلالة انه تعرف علينا وكل ما نستحقه هو تلك الايماءة السخيفة و ويا للعجب .
بعد ذلك الموقف رجعت بذاكرتي الى الوراء كيف كان كبار الاطباء في بريطاني والاردن يستقبلونك بكل بشاشة وترحاب ليس في غرفتهم الخاصة بل خارجها في غرفة استقبال المرضى . ويتحدثون اليك باهتمام بالغ وحميمية وكأنك احد افراد الاسرة او صديق . لا تستغرق تلك المحادثة سوى دقائق ولكنها تعمل عمل السحر ن اذا تبعث على الطمأنينة ، ويشعرك الطبيب بانسانيتك وانك اهم شخص بالنسبة له ، وليس مجرد مريض ومصدر دخل بالنسبة له . وكما ذكر الدكتور ابراهيم منعم منصور في تقديمة لهذا الكتاب كذلك لم نرى اى طبيب سوداني سواء في العيادات العامة او الخاصة كلف نفسه عناء استقبال مريض خارج غرفته المحصنة . وغم عاداتنا الأصيلة السودانية باستقبال الضيف في الحوش او في غرفة الاستقبال و قد يشعرك تصرف اطبائنا بلغطرسة والتعالى على المرضى .
عند وصولنا الى الاردن استفسرت عن افضل اطباء القلب في عمان ، فاخبرني عدد من الاصدقاء الاردنيين وزملاء العمل بالاضافة الى الطبيبين حامد رشوان وعمر سليمان الخبيرين في هيئة الصحة العالمية بأن افضل اطباء القلب وابرعهم هو الدكتور الفريق يوسف القسوس ,, الباشا يوسف القسوس ,, الذي كان قائد السلاح الطبي الملكي وطبيب الملك حسين الخاص وبعد وفاة الملك تفرغ للعمل الخاص . حيث اسس عيادة مجهزة باحدث المعدات الطبية وبعد جهد تمكنا من الحصول على رقم هاتفه وحجزت لنا مقابلة معه وبالفعل عرضنا الوالدة عليه .
وبعد اجراء الفحوص اللازمة خاصة الفحص بأجهزة الايكوقرام الحديثة والاجهزة التي تعمل بالموجات الصوتية ، اخطرنا الباشا وبكل ثقة ان قلب الوالدة سليم مئة في المئة ولا حاجة لها على الاطلاق لتناول تلك لادوية التي وصفها لها الطبيب في السودان ، لان الوالدة لا تعاني اصلا من اى معضلة في القلب . طبعا كانت تلك مفاجئة سارة ومذهلة في آن واحد . ولكننا لم نقتنع تماما بهذا الحديث لاننا ظللنا لسنوات عديدة نتعامل مع حالة الوالدة الصحية على انها ضعف في القلب ، وبالتالي تستدعي المتابعة الدقيقة والالتزام الصارم بالعقاقير الموصوفة لها .
لفت نظرنا ان كل تلك الفحوص المعقدة والاجهزة المتطورة تمت في عيادة الدكتور القسوس دون حاجة للتردد على المختبرات ومراكز التشخيص ودفع مبالغ طائلة لاطباء في كل زيارة . وكان الملفت للنظر أيضا ليس فقط الحصول على النتيجة خلال نفس الجلسة العلاجية ، بل قلة تكلفة العلاج . حيث تدفع فقط قيمة المقابلة وتخرج منها مباشرة بالنتيجة الكاملة . بينما يقوم الطبيب بكل هدوء ومهنية عالية بشرح الحالة المرضية والخيارات المتاحة للعلاج دون تعجرف او تعال سمج على المريض ومرافقيه كما حدث لنا في السودان . وفهمت حينها ما كان يعنيه المرضي السودانيين ، حيث ان تكلفة العلاج في الاردن اقل بكثير من السودان رغم ارتفع تكلفة المعيشة في الاردن عن السودن في ذلك الوقت .
بعد ذلك اللقاء مع الدكتور القسوس شعرنا بضرورة الحصول على رأي طبي آخر ,, سكند اوبينين ,, حتى لا نتسرع في اتخاذ اي قرار قد تكون عواقبه وخيمة وخصوصا وان ما قاله الطبيب في السودان كان في منتهى الخطورة ويستوجب الحذر .
الدكتور لاردني داؤود حنانية ، جراح القلب ومدير مستشفى القلب التخصصي في عمان ، هو الطبيب الاشهر صيتا في جراحة القلب ، ليس فقط في الاردن بل في كل منطقة الشرق الاوسط بكاملها . لم نكن في بادئ الامر نود استشارته لأن حالة الوالدة كما فهمنا , لم تكن تستدعي التدخل الجراحي . ولكن بعض الاخوة والاصدقاء نصحونا بعرض الوالدة عليه للحصول على وجهة النظر الاخرى ، خصوصا وان عيادته بها نعدات حديثة ويعمل معه فريق متكامل من اختصاصيي الباطنية والقلب من غير الجراحيين .
اخضع الدكتور حنانية والفريق العامل معه الوالدة لنفس الفحوصات التي اجراها الطبيب الباشا يوسف القسوس . استغرق الفحص ساعة كاملة بعد الكشف السريري . وفي هذه المرة ايضا توصل الدكتور حنانية لنفس ما توصل اليه الدكتور القسوس بأن الوالدة لا تشكو من اى مرض او علة بالقلب ، ولكنه تحدث معنا بلهجة اشد حدة من الدكتور القسوس متسائلا ,, مش حرم عليكم تعطوها كل هذه العقاقير والادوية وقلبها سليم ، ليبش منشفنها هيك ؟ ,, اي مجففنها بالادوية المدرة للسوائل . كان سؤالا استنكاريا من باب الشفقة علينا ولطفا بها وليس استعلاء منه . ثم اضاف قائلا ,, يا خي الكريم قلب الوالدة اقوى من قلبي وقلبك ايضا . علما بأني كنت في فترة الشباب . اوضحنا له اننا قد عرضناها على احسن اطباء القلب في السودان . فاجابني بأنه يعرف هذا الطبيب جيدا من خلال المؤتمرات الطبية . ويستنكر تماما ما توصل اليه من تشخيص خاطئ . تسائل قائلا انه لا يدري على ماذا ارتكز الدكتور في ذلك التشخيص رغم اعتقاده الراسخ انه من الاطباء المهرة في السودان . وتسائل الدكتور حنانية عن ما جرى للسودان ؟ اذا عرف عنه التطور في العلوم والطب وان الاطباء الاردنيين كانوا في الماضي يبعثون عينتهم المخبرية لفحصها في معامل استاك بالخرطوم ، نظرا لتطورها والسمعة الطيبة للأطباء العاملين بها .
بعد ذلك الاستنكار والتعجب طلبنا منه ان يوضح لنا الامر اكثر لاننا مازلنا في شك وحيرة من امرنا ن ومتخوفين ومتوجسين . تفهم الدكتور حنانية موقفنا واعاد تشغيل القرص المدمج لتسجيل اشارات جهاز الموجات وفي نفس الوقت اعاد تسجيل قرص مدمج لقلب سليم لشاب في مقتبل العمر ، وشرح لنا بأن نتائج تسجيل القلبين كانت واحدة تقريبا .
كان ذلك بالنسبة لنا الدليل العلمي القاطع الدامغ والمقنع . عندها حمدنا الله كثيرا وقلت في نفسي سامح الله ذلك الطبيب على خطأه الفادح ، راجيا ان يتعلم يوما ما ، ويحسن تصرفاته ومعاملاته مع مرضاه قبل ان يحسن علمه وذلك لفائدة مواطنيه البسطاء الذين حتى اذا ضحكوا استغفروا الله وقد دفعوا فاتورة تعليمه من عرقهم وكدهم ، وبلا امتنان .
في نهاية المقابلة أمرنا الدكتور حنانية وبصورة قاطعة بالتوقف الفوري عن استعمال العقاقير التي وصفها الطبيب في السودان وعدم العودة لها ابدا .
وقد اقترح علينا مراجعة اختصاصي في الغدد الصماء اذ انه يعتقد ان سبب المشكلة غالبا تكون اختلالا في الغدة الدرقية والذي يشبه اعراض مرض القلب مع الفارق بينهما ، لا، اختلال الغدة يمكن معالجته بسهولة .
ذهبنا لمراجعة استشاري في الغدد الصماء . وبعد الكشف تبين للطبيب مباشرة ان هنالك اختلال ونشاط رائد في عمل القدة الدرقية . وللتأكد من هذا طلب اجراء فحص للدم . وتأكد ما توقعه الدكتور حنانية . ووصف استشاري الغدد للوالدة جرعة مخففة من حبوب هرمون الثايروكسين .
وبدأت الوالدة في استعادة صحتها وعافيبتها وعادت تأكل بصورة طبيعية واذداد وزنها بعد ان زالت الآثار الجانبية لادوية القلب قوية المفعول . وقالت زوجتي في تعليق مازح عن صحة الوالدة بأن شلوخها قد عاد لها بريقها .
نهاية اقتباس
نجيب انسان نبيل ومؤدب وهذا من الاسباب لزواجه من احدى اجمل واقوى اخواتنا . ولهذا يسرح ويمرح الاطباء وغير الاطباء في السودان لانهم يعتمدون على طيبة ونبل السودانيين . ويرفض نجيب ذكر اسم الدكتور الغير مؤدب . المحاسبة مهمة جدا والشفافية فرض على كل انسان . سألني شخص عن امكانية الاستعانة بطبيبة اخصائية التي هي ابنه عمتي وزوجة شقيقي الشنقيطي . ونصحته بعدم الذهاب اليها لانها كسولة ومهملة وهي اخصائية معامل اشتهرت بأن كل نتائجها الملاريا حتى قال البعض .... التقول الباعوضة دي راكة في المجهر بتاعها . فتاة طلبت مني قبل فترة ان ابحث لها عن عريس فقلت لها يمكنك ان تبحثي بعيدا عني لانه اذ طلب مني شخص رايي في الزواج منك لمنعته . لانها عنيدة وتتدخل في كل ما لا يعنيها بالرغم من تعليمها وطيب منبتها . لماذ نجامل في حياة البشر .
الكثير من الناس اليوم تشتكي من تكبر وصلف وغرور الدكاترة السودانيين . ولقد صار الطب عبارة عن تجارة وذبح للبشر بدون تردد . يقولون ان سرير المريض مقدس في المستشفي ولكن سمعت عن الاخصائي الذي يضع حذاءة بكل غطرسه علي سرير المريض ويتحدث للطلاب وهذ في مستشفي سوبا التعليمي . اى تعليم هذا ؟ ولم يكن هنالك ابن مقنعة واحد ليقول له عيب يا دكتور .
في السويد تجد لوحات كبيرة مكتوب عليها من يعمل في المستشفي يرتدي هذا الزي . والجميع من عامل النظفة ومن يقدم لاكل والبروفسير يرتدون بنطلونل ابيضا وحذا المستشفى عبارة عن قبقاب . وقميص باكمام قصيرة . بدون خاتم ، ساعة منكير او اى اضافات . والعطر ممنوع في المستشفيات والاماكن العامة بلقنون مثل التدخين الخ . والبروفسر يقدم نفسه باندرش ، بيتر الخ ويستغرب عندما يقول له الاجانب بروفسر واذا تكرر الامر يلفتون نظر الانسان لاسمهم الاول فقط . طالب دكتوراة سوداني وصله ايميل من البروفسر يطلب منه الاكتفاء بالاسم الاول فقط .
الاخصائي مصطفي محمود في لندن قابلني بحراة في مؤتمر سياسي في 2010 وجلسنا سويا وتحدث من عقاراته واملاكه وافكاره . ولكن عندما قال بدون تردد والكثير من الفخر انه قد غطس حجر طبيب هندي متدرب ، لم اتمالك نفسي من وضع حد لصدقتنا القصيرة . وفي بريطانيا يدحرج الدكاترة المريض الاجنبي للزملاء في تخصصات متعددة ويرد الاطباء الخدمة . وفي اسكندنافية لا يستطيع فرد ان يغطس حجر اي انسان لان المسؤولية جماعية وليس هنالك نوع من الهرمية او ما يعرف بال ,, هاراركي ,, الجميع متساوون . ولقد اخذنا احد عادات البريطانيين الزميمة .
المريض في السودان يحلب ويطالب فحوصات وعدة انواع من التحاليل ، وظائف الكبد والكلى ،رنين مغناطيسي صور مقطعية ، ويصر الطبيب على معمل معين يتحصل منه على ,,كيك باك ,,او عمولات واكراميات الخ . وبالرغم من هذ لا يجد المريض الاحترام . بل يستجدي المريض الطبيب .كانما المريض شحاذ في باب الدكتور . والمفروض ان يحس المريض بانه يستحق الاحترام لانه من يدفع فاتورة مسكن الطبيب واكله ، تعليم ابناءه وسعر سيارته وكل متطلباته .وفي مستشفي لند الجامعي في السويد كان الاطباء يستجدون العميد ادريس فضل الله لكي لا يشكوا زملاءهم في السودن .
الاستاذ الابن الصحفي طارق الجزولي كان يحكي لي عن تردده على الاطباء بسبب مرض والدته طيب الله ثراها . وفي احد المرات قام احد كبار الاخصائيين بانتهارها قائلا ممكن تسكتي . وهي كانت تحكي له عن مرضها . طبيب آخر يعتبر نجما في السودان لم يكلف نفسه بوضع يده علياه واراد ان يكتب لها روشتة وعندما احتج الاستاذ طارق قال له من كنت اسمع عنه واعتبره فلتة في السودان بأن يسترد فلوسه ويذهب . وطارق يمارس النبل ولا يقبل ان تنشر اسماء الطبيبين .
رجل اخذ ابنته وعمرها 17 سنة قال له الطبيب بانها تحتاج لعملية ازالة اللوز وسيجهزون غرفة العملية بسرعة .الفتاة قد تعرضت لهذه العملية قبل 5 سنوات . تكفي قصة هداف الهلال والي الدين الذي دخل ماشيا بغرض اخراج مسطرة من رجله . واخرجوا روحه . اذ حدث هذا في بلد غير السودان لقام النادي برفع قضية على المستشفى . ولاقام اهل المريض الدنيا ، ولهم كل الحق .
قلت لاحد السودانيين الذي اشاد بالانقاذ وحالة السودان فقلت له ان السودان مع الكيزان قد صار يأسستان . فكل شئ يدعوا لليأس .
اقتباس
جمعية ,, اصدقاء المرضى السودانيين ,, بالاردن
انتشرت ظاهرة جديدة غريبة ، دخيلة علينا مزعجة للغاية للمرضى في الاردن ولنا جميعا ، الا وهي ظهور سماسرة من السودانيين يتصيدون المرضى عند وصولهم الى الاردن ويصحبونهم الى بعض الاطباء والمستشفيات التي قد لا تكون مؤهلة لعلاجهم وذلك بدعوى انها اقل تكلفة .
هذا للاسف كسب رخيص ومبتذل من اموال هؤلاء المرضى التي جمعوها بالكد والتعب منهم من باع ممتلكاته من اجل العلاج . وبالطبع سببت لنا تلك الظاهرة كثيرا من الازعاج والحسرة والحرج .
لاهمية اقامة الجمعية الخيرية اتصلت عديلة بعدد كبير من المسؤولين وعلى رأسهم احد افراد العائلة المالكة المرموقين وابنته وعرضت عليهم الفكرة ويبدو ن الاتصال قد اتى في الوقت المناسب . اذ ان هذه الشخصية المرموقة وابنته كانا اصلا يبحثان عن جهة ما تساعدهما في الامر لأن عددا من معارفهم من السودانيين كانوا يطلبون منهم المساعدة في علاج ذويهم بصورة شخصية . ولكن وضع الاسرة الحاكمة من الناحية البروتوكولية ولاسباب اخرى لم يكن يسمح لهم بالتدخل بصورة مباشرة .
كان مشروع الجمعية الخيرية عملا رائعا ونبيلا والقصد منه مساعدة المرضى ومرافقتهم دون اجر او رسوم . ولكن لسوء لحظ اصطدم المشروع بجهات قد يكون لها مأرب اخرى وكسب شخصي وتدخلت بعض الايادي الخفية لتجهض المشروع في مهده وتمنع تسجيل المنظمة رسميا الا ان الجمعية ظلت تعمل بالدفع الذاتي وبصورة غير رسمية بدون تسجيل وبفضل عون الخيرين والحادبين على هذ الامر الحيوي .
نهاية اقتباس .
نجيب كتب عن الشاب الذي حضر له في امدرمان عدة مرات الى ان قابله وصر على دعوته لعشاء فاخر في ارقى مطاعم الخرطوم وبدون معرفة . واخيرا عرف نبيل ان الشاب ابن مريض ، حضر للعلاج في الاردن ولم يستطع ان يأكل طعام المستشقي لمدة يومين وساء حاله وقال انه مكوفر فاحضرت له عديلة العلاج ...كسرة بي ملاح . وبعد الوجبة انتصب الرجل واقفا بعزم وقوة . واكتفي نجيب بوجبة فول مع الشاب في ود نوباوي .. لانه كان ,, مكوفر ,, وعاوز فول .
حكي لي الدكتور محمد محجوب عثمان . احد كبار الشيوعيين قد رفض الطعام لايام في المستشفي المخصص لكبار الزوار . واخيرا طلب ويكة بكسرة . وارسلوا سيارة ومسؤولين للسودانية ووجدوا كسرة وويكة عند الطالبات . وعندما حضرن بالويكة بعد طبخها ، كان الحرس في انتظارهم يتسائل .... اوكرا اوكرا ؟ وتعني بامية بالانجليزية . والمحامي الكبير لم يعجبه طعام المستشفي الفاخر . كان مكوفر . يقولون ان الانسان عندما تتعود بطنه على الكسرة لا يستطيع الاستغناء عنها فجأة . ولقد عشت انا ليالي من الم البطن بعد الحضور لامدرمان بعد فترة طويلة والاكثار فجأة من اكل الكسرة بالدكوة والطماطم . ثلاثة مرات في اليوم .
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.