كواليس صادمة... كيف تعطلت صفقة تسليح الجيش السوداني في اللحظات الأخيرة؟    بالصورة.. الصحفي السوداني الشهير حسين خوجلي يستعيد بصره وسط سعادة أصدقائه ومتابعيه: (عودة البصر لصاحب البصيرة والوان وحمدا لله على السلامة أبو ملاذ)    الباشا طبيق : السيطرة على الكرمك تعيد تشكيل الخريطة العسكرية في السودان    تعديل وزاري مرتقب في السودان يشمل ست حقائب وزارية    11 دقيقة إضافية من النوم ليلا تساعد فى الوقاية من النوبات القلبية    13 حزمة لغوية جديدة لترجمة محادثات "واتساب"    سناب شات" يحوّل الصور إلى فيديو بالذكاء الاصطناعي    هل يكون محمد صلاح الصفقة الكبرى القادمة بالدوري الأمريكي بعد جريزمان؟    جلسة مع محمد صبحى في الزمالك.. اعرف السبب    استمرار محاولات الأهلي لإنهاء أزمة الشرط الجزائي مع توروب    يارا السكري تكشف لليوم السابع تفاصيل دورها فى فيلم صقر وكناريا    شاهد بالصورة.. فاتنة الإعلام السوداني تخطف الأضواء بأحدث إطلالة لها والجمهور يطيل الغزل في جمالها: (يا دووب كدة عيدنا)    باسم سمرة: الناس بقت تناديلى ب«زكى».. ونجاح عين سحرية توفيق من ربنا    ذكرى رحيل أحمد حلاوة.. ممثل جمع بين الهندسة والدكتوراه فى فلسفة الفنون    نصائح لوقاية مرضى حساسية الصدر من التقلبات الجوية والرياح    مشروبات تساعد على حرق الدهون بعد كحك العيد    اكتشاف مرض وراثي جديد يسبب الشيخوخة المبكرة والقصور الإدراكى    شاهد بالصور. الفنانة مروة الدولية تفاجئ الجميع وتعتزل الغناء وعازفها الشهير ينشر مراسلات واتساب بينهما أكدت فيها تمسكها بالقرار    بالصور.. مدارس أبو ذر الكودة تلزم أسرة طالب بدفع غرامة قدرها 100 ألف جنيه بسبب كسره مفتاح مروحة بالفصل ومتابعون يتصدون للدفاع عن المؤسسة    شاهد بالصورة والفيديو.. في تقليعة جديدة.. شباب سودانيون يلطخون صديقهم العريس ووزيره ب"ظهر الصابون" و"البودرة"    الهلال يواجه ضغط المباريات في رواندا    ((نار فلوران ولاجنة ريجيكامب؟؟))    جبريل يلتقي المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة إلى السودان    مهلة أخيرة للمخالفين: خيارات متعددة لمعالجة أوضاع التأشيرات المنتهية في السعودية    كيف تفاعل النجوم مع خبر رحيل صلاح عن ليفربول؟    ضبط 2800 قندول بنقو بالجزيرة في عملية نوعية لمكافحة التهريب    تعطيل الدراسة في الخرطوم    المريخ يكثف درجات إعداده ويتدرب بالصالة    النخبة بالخرطوم.. كيف؟    "تمبور" يكشف عن توجيهات صادرة جديدة    ترامب يصدر أوامره ويكشف تطورات مثيرة مع إيران    طهران ترد على تهديدات ترمب    هل مخالفة ترامب خلل في الكون؟!    هل تستطيع أمريكا احتلال جزيرة خارك الإيرانية؟    الأمن يداهم مخزن يبيع الوقود المهرب لعصابات التنقيب عن الذهب    تراجع معدّل التضخّم في السودان    بادي يصدر مرسوم تنظيم أعمال التعدين التقليدي وضبط آليات التعدين بالنيل الأزرق    رئيس الأهلي مدني وابنه يتعرضان لحادث مروع    المباحث تنهي مغامرات شبكة إجرامية متخصصة في الإحتيال علي أصحاب المحلات التجارية عن طريق اشعارات تطبيق بنكك المزيفة    شركة كهرباء السودان تحديث حول سير أعمال الصيانة الطارئة للشبكة القومية    توقّعات بارتفاع غير مسبوق في أسعار النفط    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    الشيخ بن زومة.. إلى جنة الخلد    أغلى علبة كعك في مصر تشعل مواقع التواصل    قيم الهلال المتوارثة يجب أن تبقى أبد الدهر    بنك السودان المركزي يصدر توجيهًا للمصارف    إبراهيم شقلاوي يكتب: الزراعة ما بعد اقتصاد الحرب    في زمن الضجيج.. القرآن بوصلة المعنى والسكينة    د.مزمل أبو القاسم يكتب: دموع الباز.. وزاهر! (2)    السودان.. الدفاع المدني يستعين ب"التوك توك"    طفح جلدي في رقبة الرئيس ترمب يثير تساؤلات حول صحته    ملتقي التحصين للعام 2025 ينعقد بحضور التحالف العالمي للقاحات والشركاء    صوت لا يغيب.. محمد رفعت ورحلة الآذان الخالد في رمضان    أجهزة الأمن السودانية تنهي مغامرات لص الصيدليات في عطبرة    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    السودان.. فكّ طلاسم"تبيدي للمجوهرات" في الخرطوم والتحقيقيات تفجّر مفاجأة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



الحركة الاسلامية، دائرة الضوء وخيوط الظلام (1-3) .. بقلم: مصطفى عبد العزيز البطل
نشر في سودانيل يوم 10 - 02 - 2010

المسيح المصلوب فى لوح المحبوب: الحركة الاسلامية، دائرة الضوء وخيوط الظلام
(1-3)
[email protected]
(1)
رفدت دار مدارك بالقاهرة، قبيل أسابيع معدودات، المكتبة السياسية السودانية بكتابٍ ثمينٍ دهين، دفع به الى سوح الفكر والسياسة في السودان، وفي العالمين العربي والإسلامي القيادي الرفيع ذي السهم المقدّر والكسب المذكّر في مسارات الإسلام السياسي الحركي المنظم في السودان، الأستاذ المحبوب عبد السلام. يحمل الكتاب العنوان الرئيس: (الحركة الإسلامية السودانية، دائرة الضوء - خيوط الظلام)، والعنوان الفرعي: (تأملات في العشرية الأولى لعهد الإنقاذ).
وإطلالة المحبوب، بعد طول احتجاب، وخروجه الى الهواء الطلق ليوافي عشيرته الأقربين من البجدة الإسلاموية، وأقوامه الأبعدين من جماع أهل السودان على اختلاف مللهم الفكرية ونحلهم السياسية بشهادته على أحداثٍ جسيمةٍ قارعة، ووقائع عظيمةٍ فارعة، وسمت بميسمها عشرية الإنقاذ الأولى، هي مما يُحمد لهذا الفتى من فتيان الجيل الإسلاموى الثالث حمداً كثيراً، ويستمطر على اسمه الوديع الطيب ثناءً وفيراً. ولئن كان عميد الأدب العربي طه حسين قد أفادنا بأن (حاجة من عاش لا تنقضي)، فقد علمنا حال بلدنا الكئيب الممحون، الذي يختلط فيه حابل التاريخ بنابله، حتى وإن ظلت وقائعه شاخصة وشواهده ماثلة لم يرثّ ثوبها بعد، أن حاجتنا تظل شديدة الى شهادات الشهود العدول ممن عجنوا دقيق ذلك التاريخ وخبزوه، والمطلعين على دقائقه وخفاياه ممن عاشوا بمقربة من صناعه المباشرين وهم يقودون خطى السودان من أفقٍ الى أفق، أو قل من نفقٍ الى نفق، كيفما اتفقت رؤاك ومواقفك.
(2)
أول ما لفت نظرى وشدّ انتباهي وأنا أعبر الفقرات في مقدمة الكتاب توسل المحبوب الى تقعيد خاطراته وتثبيت تداعياته باستدعاء مفكرين وأدباء وشعراء ومغنيين من قبائل ماركسية وعلمانية وليبرالية، أوغل في الاستشهاد بآثارها الإبداعية على نحو لا تخطئه العين. وافتني لفوري الحكمة الشعبية (تعيش كتير تشوف كتير) فقلت لنفسي: من يعش من تجربة الإسلامويين داخل مقطورة الحكم وخارجها عشرين رجباً، يرى من التحولات الذهنية الجذرية عند الكيزان، من أمثال المحبوب، عجباً. من يا ترى كان يصدق أنه سيظلنا زمان يكتب فيه عتاة الإسلامويين، أهل السيخ والعصي والشعارات المجلجلة المزلزلة، التي لا تقبل القسمة على اثنين، كتباً وأسفاراً فلا يجدون من بين كل مبدعي المعمورة من يستأنسون بعطاءاتهم غير لينين وميشيل عفلق ومنصور خالد وبدر شاكر السياب ومحمود درويش ومحجوب شريف وهاشم صديق وأبوعركي البخيت وفرقة عقد الجلاد، كما استأنس المحبوب في مقدمته الجزلة؟! هل كنت تصدق – أعزك الله - لو انه قيل لك، قبل نيفٍ وعشرين عاماً، أن رجلاً يوصف بأنه يد الشيخ الترابي اليُمنى سيكتب كتاباً تجد بين دفتيه شعراً يمجد شهداء الشيوعيين في يوليو 1971م: (جابوا معاوية يشهد/ شوف معاوية وغدرو/ لوّح خنجرو وطعن الشفيع في صدرو)؟! أو أنه يستعذب فينتخب في مقدمته أبياتاً من شاكلة: (منو العمّق جذور العزّة جوّة الطين/ وما همّاهو ساعة الرحلة للمجهول/ منو السلّم صغارو الغُول/ وكان اتغشّة لم يتأمل العيش الملا القندول). ووجه المفارقة الداعية للتأمل هنا هي أن شاعر الأبيات المختارة المُستشهد بها، ومغنيها، استقرت عقيدتهما معاً، كما استقرت عقيدة لفيفٌ كثيف في طول الوطن وعرضه، على أن "الغول" المعني، آكل الأطفال، إنما هو في الأصل إسلاموي المولد والمنشأ والهوية، ذو نسب في الإسلاموية عريق. قرأت وتأملت وتعجبت، ثم لم أجد بين شفتي ما أهتف به في وجه المحبوب غير قول الفرنجة: Welcome to the club !!
(3)
يختلط عليك الأمر أحياناً، وأنت تُمعن النظر في لوح المحبوب، هل كتب اللوح بعماره حقاً قيادي إسلاموي ممن قام نظام الإنقاذ على أكتافهم فشادوا بنيانه، مدماكاً مدماكاً، ومكّنوا لحكمه في البر والبحر، وأمحضوه بذلهم في المشهد والمغيب؟ ولعلك تعلم يا رعاك الله أن صاحبنا كان قد قطع غداة الانقلاب بعثته للدراسات العليا بفرنسا، ونحر بيده اللقب الدالي الرفيع، الذي تتقطع دونه الأعناق، وضحَّى به بنفسٍ مطمئنة وروحٍ طيبة رضية، وتركه وراءه معلقاً على أعمدة برج إيفل في قلب باريس، ثم قفل راجعاً الى دار الجهاد الأكبر ليقف غداة الانقلاب على ثغرة من أجلِّ الثغور: أميناً للإعلام الخارجي لحكومة الثورة المنقذة. نقول يختلط عليك الأمر فما تدري هل الكاتب هو المحبوب عينه، أم واحدٌ من عتاة المعارضين الذين جبهوا الإنقاذ عند بزوغ فجرها باللسان، ثم لاقوها عند ضحى يومها بالسنان. ويُحيّرنا أن المحبوب لا يستبرئ لنفسه من معرَّة التآمر للإجهاز على الديمقراطية الوليدة والإطاحة بالشرعية المنتخبة في العام 1989م، بل يصدر في كل مواقفه من ذات المنطلق الوصائي الحركي الإسلاموي التقليدي الذي يفرض رعايته الأبوية على المجتمع كله (إنما الخير أردت والإصلاح قصدت)، وعين المنطق الاستعلائى الفرعوني القرآني التالد: (وما أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد). وسنأتيك – أيها الأعز الأكرم – فنفصل لك تفصيلاً ما بدا لنا من جوانب الخلاف مع مواقف وأسانيد صاحبنا المحبوب كما بسطها عبر صفحات الكتاب.
(4)
لم يكن مستغرباً عندي مسعى المؤلف لتجلية وتلطيف صورة شيخه الدكتور حسن الترابي ومواقفه السياسية خلال فترة وجوده في مواقع السلطة خلال العهد المايوي الى جانب الرئيس الراحل جعفر نميري. وكان الشيخ نفسه، بمعونةٍ من الآلة الإعلامية الإسلاموية الضاربة خلال ربع القرن الماضي، قد سعى لتثبيت بعض الخزعبلات والأوهام في أذهان العامة حول مواقف معارضة يزعمها ضد الرئيس نميري. وحقيقة الأمر أن جميع الادعاءات التي جرى ترويجها ترويجاً مكثفاً برعاية الآلة الإسلاموية خلال ربع القرن الماضي لا سند لها من الواقع ولا حظّ لها من الصدقية. ليس صحيحاً قط أن الشيخ الترابي درج على انتقاد النميري والهجوم عليه وعلى سياساته وممارساته في ندوات مختلفة وأن الأجهزة الأمنية كانت تترصده وتبلغ الرئيس بذلك، كما جرت المزاعم وكما كرّس المحبوب في لوحه. في مرة وحيدة خلال العام 1982 كان الشيخ الترابي، الذي شَغَل وقتها منصب النائب العام، قد تحدث في ندوة مفتوحة للطلاب بجامعة الخرطوم ودعاهم علانيةً للالتحاق بتنظيم الاتحاد الاشتراكي والتعبير عن مواقفهم الناقدة للنظام من داخله. وقد حملت صحيفة (آخر لحظة) الحائطية الناطقة بلسان الاتجاه الإسلامي في صبيحة اليوم الثاني المانشيت العريض: (الترابي للطلاب: باسم النظام أدعوكم لممارسة النقد البناء). وبعد حوالى خمسة أسابيع من تلك الندوة ذهب الترابي الى الجامعة مرة أخرى حيث خاطب الطلاب منتقداً حملات تفريغ العاصمة التي كانت قد بلغت ذروتها في النصف الأول من الثمانينات، وعُرفت في اللسان الشعبي باسم (الكشات). وقد كانت جل ملاحظات الترابي الناقدة تدور حول فذلكات واستشكالات قانونية محضة، حيث استخدم الرجل كلمات وعبارات محسوبة وحذرة للغاية في وصف الإجراءات الشرطية لتفريغ العاصمة، ومن ذلك أنه وصف الحملات بأنها (سخيفة). ولكن المصطلحات ذات الفاعلية السياسية والحقوقية الأصيلة في مثل هذه المواقف مثل (حقوق الإنسان) و(الحقوق الدستورية) لم ترد قط على لسان الترابي. والغريب أنه عندما نُقلت هذه الواقعة وأبلغت الى الرئيس الذي واجه بها الدكتور حسن الترابي علناً فإن الأخير دافع عن نفسه دفاعاً مستميتاً في اجتماع مهيب بقاعة الصداقة ونفى الكلام المنسوب اليه، واتهم بعض المسئولين بالتآمر ضده والاساءة اليه وترويج الذائعات المغرضة عنه! والغريب أن حاكم إقليم دارفور أثناء العهد المايوي أحمد إبراهيم دريج الذي كان غاضباً على حملات تفريغ العاصمة أثار ذات القضية أثناء جلسة لمجلس الوزراء في وقت لاحق، بحضور الرئيس نميري، واتهم حملات تفريغ العاصمة بأنها تعبر عن سياسة عنصرية من قبل الحكومة تجاه أبناء أقاليم بعينها مما أغضب الرئيس. ولم يفتح الله على النائب العام الدكتور حسن الترابي الذي كان حاضراً بكلمة واحدة عند مناقشة حاكم دارفور لذلك الموضوع، رغم أن الحاكم تعرض لتقريع شديد من الرئيس بسبب جرأته وتجاوزه للخطوط الحمراء.
والواقع أن المرة الوحيدة التي طرح فيها الدكتور الترابي رأياً يمكن أن يوصف بأنه مخالف لموقف معلن للرئيس نميري خلال سنوات مشاركته في الحكومة الممتدة من 1980م وحتى 1985م، جرت عندما طرح النميري على مجلس الوزراء قراره بإرسال قوات سودانية الى العراق لدعم الرئيس السابق صدام حسين في حربه القائمة آنذاك مع إيران، وفتح الباب للمتطوعين السودانيين بالتسجيل للسفر الى مواقع القتال. وكان من رأي الترابي أن المعلومات المتوفرة حول الموقف العسكري بين البلدين المتحاربين في أغلبها معلومات مضللة تروجها مصادر غربية تحاول أن توحي بأن إيران على مشارف النصر وأن جيشها ربما اكتسح أجزاءً من العراق في المستقبل المنظور. وأشار الترابي على الرئيس أن يجنح الى شئ من التأنى حتى يتأتى له التثبت من الحقائق على أرض الواقع قبل إنفاذ القرار بإرسال قوات سودانية للمشاركة في القتال. وغنيٌّ عن البيان أن النميري لم يحفل بنُصح وزيره وأمضى قراره وأنفذه في ذات يومه بغير تردد.
(5)
وإذ يثبّت لنا المحبوب، ما أبانه قبله آخرون من أهل الذكر أن قرار الانقلاب الانقاذوي وخطته اجتمعت عليهما جماعة الجبهة الإسلامية القومية، شيخاً وأتباعاً، وتواثقت يداً واحدة وقلباً واحدا؛ وأن العناصر المنوط بها قيادة الانقلاب أدت القسم وبايعت بيعة الرضوان تحت شجرة شيخها الترابى أن تراعي أمانتها وتحفظ عهدها، فإنه لا يتركنا منذ الوهلة الاولى دون أن يلقي في أذهاننا بجرثومة الخيانة. وخيانة العهد والميثاق تبدأ منذ صياغة البيان رقم واحد الذي تلاه على الشعب صبيحة الثلاثين من يونيو العميد عمر حسن أحمد البشير. وقد عرفت للمرة الأولى من لوح المحبوب أن كاتب ذلك البيان هو الأستاذ علي عثمان محمد طه. وأنه تم الإتفاق على الأفكار والخطوط الأساسية للبيان الأول ليطرق القضايا المتعارف عليها في سنن الانقلابات، وبحسب صاحبنا فإنه كان من جوانب الاتفاق حول مضمون البيان أن يصاغ بحيث (يبشر بالإنقاذ وتسليم السلطة للشعب ريثما تستقر الأوضاع). المعنى المراد هو أن يتضمن البيان الأول فقرة تشير الى نية المنقذين الاستيلاء على السلطة لفترة زمنية مقدرة بقدرها تؤمن خلالها أحوال البلاد فتثوب الى شئ من الاستقرار، ثم تتم بعد ذلك إعادة السلطة للشعب، تماماً كما كان الحال مع انقلاب الفريق عبد الرحمن سوار الذهب في أبريل 1986م. ثم يضيف المحبوب، وأريدك هنا أن تعيرني كامل انتباهك أيها الأعز الأكرم: (ولكن هذه النقطة بالتحديد لم ترد في البيان الذي تلاه رئيس الثورة فجر الإنقلاب، كما لم يناقش المكتب القائد سقوطها عن النص الأول، فضلاً عن أن يحاسب على غيابها). إذن فقد كانت لكاتب البيان أجندته الخاصة التي لا تخفى، ولذلك فقد التوى على جماعته، برغم القسم والعهد، وتنصَّل من إضافة الفقرة التي تنص على تسليم السلطة للشعب في أعقابِ الفترة الانتقالية المتفق عليها، فكان ذلك البيان الأول المبتور، المنزوع الدسم، الذى تلاه على شعبه، فى فاتحة الانقلاب، العميد (آنذاك) عمر البشير. يا ألطاف الله! كدة يا شيخ علي.. تبدا الخيانات من قولة تيت؟! والله إنى لأكاد أرى بعينىّ رأسى داهية المسلمين عمرو بن العاص يجلس عند قدميك متأدباً متتلمذاً ينشد العلم! ولكن السؤال مع ذلك ما يلبث ان يطرح نفسه على وجه العجلة: ما الذى حال بين المكتب القائد وبين مناقشة سقوط (او بالاحرى اسقاط) الفقرة من صلب البيان، ولماذا لم يُحاسب المُسقط على تغييبها؟!
(6)
تنقسم الشخصيات من قيادة الحركة الإسلاموية فوق صفحات الكتاب انقسامات مفصلية بين محاور متقابلة تقع عليها تصنيفات قطعية: أبيض وأسود، ضحايا ومتآمرين، أبطال وخونة، أهل وفاء وأهل غدر، خبثاء أشقياء وأصفياء أنقياء، متشبثون بأعنة الحكم وأرائكه وطنافسه، وزُهّاد عُبّاد لا يرون في السلطة إلا الابتلاء والفتنة. وفي إبحاره المتصل بين الجماعتين المصنّفتين لم يبخل المحبوب علينا بآراء حسمية مُفلقة وأحكام قيمية مطلقة في شأن غالب برامج الإنقاذ ومشروعاتها وأعمالها الكبرى التي انكبت عليها منذ فواتح أسابيعها الأولى في السلطة المنتزعة وحتى خواتم العشرية الاولى.
أدان صاحبنا بكلماتٍ متينةٍ صلدة تشريد عشرات الآلاف من العاملين بأجهزة الدولة تحت شعار الصالح العام، كما استنكر قرارات تصفية كبار ضباط القوات المسلحة والقوات النظامية الأخرى بغرض فسح المجال أمام (عربدة صغار الضباط) الإسلامويين. ووصف فصل العاملين بالدولة مدنيين وعسكريين بأنها (مجزرة عشوائية). وأكد أن فصل الكثير من هؤلاء لم يكن له علاقة بالعمل أو تأمين الثورة، وإنما كان دافعه الموجدة الشخصية والدوافع الذاتية من لدن بعض عناصر التنظيم، وآخرين من الوصوليين الذين رغبوا في التخلص من زملائهم في الأجهزة والوزارات الحكومية. كما أدان على ذات الصراط تمدد الاعتقالات العشوائية في المراكز التي عرفت باسم بيوت الأشباح، حيث جرى أخذ الناس بالشبهات بلا تحقيق أو محاكمة. وأفاد أن سدنة بيوت الأشباح حصلوا على فتاوى دينية تجيز التعذيب في سابقةٍ دمغها بأنها (مأساة فكرية تضاف للمأساة الأخلاقية)، وقرر المحبوب أن التعذيب في بيوت الأشباح مارسته عناصر من فرع الاستخبارات العسكرية بمشاركة عناصر من عضوية التنظيم، وأن بعض ممارساته جرت أمام أعين بعض قادة الحركة.
استبشع صاحبنا (المجزرة المتعجلة التي ارتكبتها قيادة الثورة وقيادة الحركة، المتمثلة في نائب الأمين العام، في ثمانية وعشرين من الضباط، وأضعاف العدد من ضباط الصف، بعد محاولة انقلابية فاشلة). لم يلفت نظري كثيراً أن المؤلف ترحَّم على الضحايا أجمعين وعبَّر عن أسفه لفقدانهم، فالمحبوب إنسان رفيع ومسلم أصيل، بيد أن الذي شدّ انتباهي حقاً هو أنه أسبغ عليهم صفة (الشهداء)، وكونه شدد النكير على رجال الإنقاذ ووضع المسؤولية فوق أعناقهم فكتب: (وبقيت المسؤولية في عنق الإنقاذ الى اليوم، أن تخطر ذوي الشهداء كيف تمت المحاكمة، وبأي قانون، وأين دفنوا وماذا تركوا من وصايا ومتعلقات شخصية).
استهجن المحبوب ما وصفه ب (الجرأة البالغة) التي تجلَّت في حماسة بعض قادة التنظيم لإعدام كبار الأطباء الذين ائتمروا على الإضراب في أيام الإنقلاب الأولى، كما استنكر إعدام رجل الأعمال المرحوم مجدي محجوب محمد أحمد الذي نفذ فيه حكم الإعدام برغم الشبهة الشرعية المتمثلة في ثبوت حصوله على المال موضوع المحاكمة ورثاً لا تصرفاً وبيعاً. وأضاف الى ذلك إعدام (أبناء لرموز في الديانة المسيحية كانت الثورة تحتاج أن تحفظ معهم عهداً ودوداً ينفعها في عمرها الوليد).
ثم أدان المحبوب بعبارات ساطعة برنامج تطوير وتثوير الخدمة العامة والإصلاح الإدارى، الذي وقف عليه منذ الاسبوع الأول للانقلاب وعلى مدى سنتين الوزير المتألق الطيب إبراهيم محمد خير (سيخة)، المولع الى حد الوله بأضواء كاميرات التلفزيون، كما سخر من ممارسات الوزير الاستعراضية التي ما قطعت أرضاً ولا أبقت ظهراً. وسخّف المحبوب السياسات الإعلامية التي صادرت الحريات منذ اليوم الأول لعهد الإنقاذ وأنتجت صحافة هزيلة، وأحالت الإذاعة والتلفزيون الى أجهزة عجفاء عديمة القيمة لم تزد شعبها إلا خبالاً، مشيراً الى تسابق كادرات التنظيم الإعلامية المؤهلة نحو وزارة الخارجية، وقد سُحرت وانخلب لبّها ببريق الوظائف الدبلوماسية والياقات المنشاه وربطات العنق، تاركة ساحات العمل الإعلامي القومى لأنصاف الموهوبين.
(7)
وسلسلة الإدانات الفورية الجزمية التي تُطرِّز لوح المحبوب تتعدد وتتصل وتستطرد، فما من سوأة من سوءات الإنقاذ إلا وأماط عنها خمارها وهتك سترها ففضحها فى العالمين بغير مناورةٍ او مداورة. غير أنه تبقى من ذلك كله معضلة واحدة، أرجو أن نتواثق، أيها الأعز الأكرم، أنا وأنت، على أن نبذل كل ما فى مقدورنا من جهد لتذليلها والقفز من فوقها ألا وهي: كيف يمكن أن نوفق بين منهج الشجب والاستنكار وفضح الستور وحرق الجسور من ناحية، وبين الحقيقة الشاملة التى تُغرق دنيانا بنورها لكأنها القمر فى كبد السماء، ومؤداها أن الوقائع المشمولة بسيل الإدانة جرى معظمها في سني الاستهلال من صدر العشرية الاولى، بل ان بعضها وقع في أيامها وأسابيعها وشهورها الفواتح، والحركة الإسلاموية حينئذٍ هيكلٌ متسقٌ وكيانٌ متحدّ كالبنيان المرصوص، يشدّ بعضه بعضاً، ويرمى عن قوسٍ واحدة. والمحبوب عهدئذٍ فارس من فرسان التنظيم ورائد من رواد الإنقاذ، عهدت إليه الثورة بحراسة بوابة الإعلام الخارجي، فنهض الى عهده في بسالةٍ وحماسةٍ وتجردٍ وإيثار؛ فأدى أمانته كأفضل ما تؤدى الأمانات، يميط الأذى عن سكة الانقاذ ويمسح العرق عن جبينها، ويجمّل وجهها المُستنصب المستكرب بمستحضرات المكياج الحديث، ثم يبيع صورها البهيجة الملونة للميديا العالمية. كما خرج شيخه الترابي نفسه الى قارعة الطريق شاهراً سيف البلاغة، يردّ عن الانقاذ الغوائل في الداخل، ثم ينزلق الى بطون الطائرات فيصدُّ عنها العاديات في الخارج. قيل ان رجلاً من بنى وطننا اذاقته العصبة المنقذة، مع آخرين من اصحابه، فى بيوت الاشباح سيئة السمعة ألواناً من العذاب - المُجاز شرعاً عند بعض فقهائها - حتى تلفت قدمه اليمنى تلفاً لا رجاء بعده، مما اضطر الاطباء لبترها، قيل أنه وقف على قدم واحدة، فى قلب مؤتمر صحفى عقده الشيخ بلندن، ليُشهد الناس على ظلم الانسان لاخيه الانسان، ولكن الشيخ رسم على فمه ابتسامته الثعلبيه الشهيرة وقال للحاضرين من كادرات الصحافة والاعلام العالمى بلغةٍ انجليزيةٍ رصينة: (الرجل كاذب، فليس عندنا بيوت أشباح ولا من يعذب الناس، وانما هى الدعاية المغرضة. بل قطع الاطباء قدمه لأنه مُعتل بداء السكر)!
ويبدو لي أننا لو رجعنا الى ألواح التسعينات الأولى، لنتقصَّى ورق الشيخ الملهم وألواح الحُوار المستلهم لوجدنا فوقها عَمَاراً كثيفاً لا يشبه العمار الذي كتب به المحبوب لوحه الجديد. مع أن الثابت الذى عليه جمهور المؤرخين أنه عند كتابة التاريخ وتوثيقه لا يجوز إعادة تحرير نفس الوقائع فوق الواح جديدة باستخدام عمار جديد. تماماً مثلما لا يجوز إعادة تسويق التاريخ القديم المستند الى تراث حسن البنا وسيد قطب وعبد الرحمن السندي، بتدوين روايات جديدة تمجِّد صفحاتها شعر محمود درويش وتحتفى بأبيات محجوب شريف وتفتح قلبها لقصائد هاشم صديق، وترقص طرباً مع غناء أبوعركي البخيت، وتتمايل وجداً مع موسيقى عقد الجلاد. أما إذا ركب المحبوب رأسه وأصرّ على السير قدماً في نهجه هذا، فليس أمامه غير طريقٍ واحد وهو أن يحْلِق لحيته تماماً، على الأقل من قبيل اظهار الاحترام الواجب للحكمة الشعبية السودانية التى تقرر بغير مواربة أن الرقص وإطلاق اللحى لا يجتمعان!
عن صحيفة "الأحداث" - 10 فبراير 2010
مقالات سابقة:
http://sacdo.com/web/forum/forum_topics_author.asp?fid=1&sacdoname=%E3%D5%D8%DD%EC%20%DA%C8%CF%C7%E1%DA%D2%ED%D2%20%C7%E1%C8%D8%E1&sacdoid=mustafa.batal


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.