مجلس الوزراء يعلن ترحيبه بالبعثة الأممية للسودان    القوات المسلحة تؤكد حل الدفاع الشعبي    كَيْفَ نَحْمي السُّودان من أخطار سد النهضة ؟! .. بقلم: د. فيصل عوض حسن    مسامرات زمن حظر التجوال .. بقلم: عثمان أحمد حسن    المراية .. بقلم: حسن عباس    قون المريخ والعنصرية .. بقلم: إسماعيل عبدالله    تكامل الأدوار في محاربة مافيا الفساد .. بقلم: نورالدين مدني    "أحمد شاويش." ذلك العبقري المتواضع ... بقلم: مهدي يوسف إبراهيم    وزارة العمل والتنمية الاجتماعيّة تسلّم كروت الدعم النقديّ لعدد من الجمعيّات النسائيّة    المباحث تلقي القبض على قاتل ضابط الشرطة بولاية شمال كردفان    نحو صياغة برنامج اقتصادي وطني يراعي خصوصية الواقع السوداني .. بقلم: د. محمد محمود الطيب    أنا والفنان حمد الريح .. شافاه الله !! .. بقلم: حمد مدنى حمد    حول نقد الإمام الصادق للفكرة الجمهورية (2-4) .. بقلم: بدر موسى    أخطاء الترجمة: Bible تعني الكتاب المقدس لا الإنجيل .. بقلم: عبد المنعم عجب الفَيا    ترامب يتشبه بالرؤساء العرب .. بقلم: طه مدثر عبدالمولى    ذكريات وأسرار الحركة البيئية العالمية ومصائر الدول النامية .. بقلم: بروفيسور عبدالرحمن إبراهيم محمد    باتافيزيقيا السّاحة الخضراء (1) .. بقلم: عوض شيخ إدريس حسن /ولاية أريزونا أمريكا    الدولة في الاسلام مدنيه السلطة دينيه اصول التشريع متجاوزه للعلمانية والثيوقراطية والكهنوت .. بقلم: د. صبري محمد خليل    قانون لحماية الأطباء فمن يحمى المرضى ؟ .. بقلم: د. زاهد زيد    الفقر الضكر .. فقر ناس أكرت .. بقلم: د سيد حلالي موسي    التعليم بالمصاحبة ( education by association ) .. بقلم: حمدالنيل فضل المولي عبد الرحمن قرشي    إحباط تهريب مصابين بكورونا من البحر الأحمر    الشرطة تنفذ حملة لمواجهة مخالفات الحظر الصحي ومعتادي الاجرام    كل ما هو مُتاح: مناعة القطيع .. مناعة المُراح .. بقلم: د. بشير إدريس محمد زين    موسى محمد الدود جبارة : مداخل ونقرشات علي حواف بيان اللجنة الاقتصادية للحزب الشيوعي السوداني    حملة لتوزيع غاز الطبخ في الميادين العامّة بولاية الخرطوم    خالد التيجاني النور يكتب :السلام المختطف    إحالة ملف متهم بقتل وكيل نيابة إلى الجنائية ببحري    اعتراف قضائي للمتهم الأول بقتل شاب    الغرامة لشاب ادين بتعاطي المخدرات    ترامب يهدد بتعليق عمل الكونغرس لإقرار التعيينات التي يريدها    كورونا في ألمانيا.. 2866 إصابة جديدة والعدد الكلي يتجاوز 130 ألف إصابة    حمد بن جاسم يكشف "الدروس المستفادة" من الوباء الذي يجتاح العالم    مدثر خيري:الاتحاد العام ليس الجهة التي تحدد بطلان جمعية المريخ    الكاردينال ينصح (الكوارتي) بخدمة اهله واسرته    الاتحاد السوداني يطبق الحظر الكلي    لجان مقاومة القطاع الاقتصادي تتمسك باقالة وزير المالية    تحديد (7) ساعات لتحرك المواطنين أثناء أيام حظر التجوال بالخرطوم    عبد الباري عطوان :ترامب يعيش أسوَأ أيّامه.. وجشعه الاقتصاديّ حوّله إلى مُهرِّجٍ    البدوي: زيادة الأجور للعاملين بنسبة (569%)    مشاركة المطرب...!    الناطق باسم الحكومة الفلسطينية: تسجيل 10 إصابات جديدة بكورونا    مجمع الفقة: لا تمنع صلاة الجماعة والجمعة إلا بوقف التجمعات    توتنهام يتدرب رغم الحظر    نصر الدين مفرح :نحن نتابع كل التّطوُّرات ولن نتوانى في منع إقامة صلوات الجماعة    أمير تاج السر:أيام العزلة    ردود أفعال قرار كاس تتواصل.. إشادات حمراء وحسرة زرقاء    «كاس» توجه ضربة ثانية للهلال وترفض شكواه حول النقاط المخصومة بأمر الفيفا    البرهان يتلقى برقية شكر من ملك البحرين    البرهان يعزي أسرة الراحل فضل الله محمد    5 ملايين درهم جائزة "الأول" في مسابقة "شاعر المليون"    ميناء بورتسودان يستقبل كميات من الجازولين    وزير الري يتعهد بتأهيل مشاريع الأيلولة بالشمالية    لجنة التحقيق في أحداث "الجنينة" تتلقى شكاوى المواطنين    برلمان العراق يصوت على إنهاء تواجد القوات الأجنبية    إيران تهدد بالرد على مقتل سليماني    الإعدام شنقاً ل (27) شخصاً في قضية المعلم أحمد الخير    حريق محدود بمبني قيادة القوات البرية للجيش    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





غياب المشروع الوطنى والازمة المستحكمة ، التنمية السياسية والثورة (12 -4) .. بقلم: عبدالغفار سعيد
نشر في سودانيل يوم 28 - 09 - 2018

- إنقلاب 17نوفمبر1958 صنيعة القيادات (الطائفية - الليبرالية).
- ميثاق انتفاضة اكتوبر 1964 أوضح دليل على غياب المشروع الوطنى.
فاز حزب الأُمة بقيادة عبدالله خليل(رئيس وزراء) ، بأغلبية مقاعد البرلمان وتحالف مع حزب الشعب الديمقراطي (حزب الختمية) وشكل حكومة إئتلافية فى يونيو 1957 سلمت السُلطة للعسكر بقيادة المجلس الأعلى للقوات المُسلحة برئاسة الفريق إبراهيم عبود في نوفمبر1958 .
من المعروف و المؤكد ان السيد عبدالله خليل رئيس الوزراء لثانى وزارة سودانية بعد الاستقلال قد سلم السلطة للجيش السودانى بقيادة ابراهيم عبود ( تسليم وتسلم ).
عبدالله خليل من أبرز المؤسسين ل حزب الأمة 1945 وقد انتخب كأول سكرتير عام للحزب. وفي حكومة إسماعيل الأزهري الائتلافية التي شكلت في فبراير عام 1956 عين وزيراً للدفاع والأشغال العامة. بعد سقوط وزارة الأزهري في يوليو 1956 تولى رئاسة الوزارة لأول مرة. شكل عبد الله خليل الوزارة التى ضمت بالإضافة إلى حزب الأمة ، وزراء من حزب الشعب الديمقراطي الذي يرأسه علي عبد الرحيم الأمين رئيس الحزب ووزير التجارة ، بينما كان فى المعارضة يوجد الحزب الوطني الإتحادي الذي يرأسه إسماعيل الأزهري زعيم الحزب.
وبحسب افادة الفريق إبراهيم عبود امام لجنة التحقيق التي شكلت للتقصي في وقوع انفلاب 17 نوفمبر قال(قبل أيام من استئناف البرلمان لأعماله، اتصل بي رئيس الوزراء عبدالله خليل…وأخبرني أن الوضع السياسي يسير من سيئ إلى أسوأ، وأن أحداثاً خطيرة ومهمة قد تنشأ نتيجة لهذا الوضع، ولا يوجد مخرج غير استلام الجيش للسلطة).
بينما قال خليل ( انه، لم يكن فقط يعرف، بل كان اتفق مسبقا، وسرا، وشفاهة، مع عبود ليستولى على الحكم, وكان سبب ذلك خوف خليل من تحالف المصريين والاتحاديين لاسقاط حكومته. خاصة بعد سلسلة اجتماعات بين الرئيس المصري جمال عبد الناصر، واسماعيل الازهري، زعيم الحزب الوطني الاتحاي. واخبار عن امول كثيرة ارسلها المصريون الى السودان.
وقال خليل انه اتفق مع عبود على اعادة الحكم الى المدنيين بعد ستة شهور. وان يعين عبود السيد عبد الرحمن المهدي رئيسا للجمهورية، واسماعيل الازهري رئيسا للوزراء
لكن، بعد مضى الستة شهور، ورفض عبود ترك الحكم، (هدد خليل بكشف الاتفاق السري معه).
وجاء فى الوثائق الامريكية المترجمة ان موس، السفير الامريكي في الخرطوم استغرب : "كيف ان رجلا في عمر عبد الله خليل، وتجاربه، ورئيس وزراء وطنه، يتفق اتفاقا غير مكتوب حول مصيره، ومصير حكومته، ومصير وطنه؟"
و اخيرا أكد نائب رئيس حزب الأمة اللواء (م) "فضل الله برمة ناصر"، لجريدة المجهر عام 2013 أن انقلاب 17 نوفمبر (1958) لم يكن انقلاباً حقيقياً بمعناه المتعارف عليه وإنما كان عملية (تسليم وتسلم ) قام بها رئيس الوزراء "عبد الله خليل".
وتكتمل الصورة بان نذكر حقيقة انه في صباح 17 نوفمبر 1958م وهو اليوم المقرر لانعقاد البرلمان أذاع الفريق إبراهيم عبود بيانه الأول وأعلن استلام الجيش للسلطة، أوقف العمل بالدستور، وألغى البرلمان، وقضى على نشاط الأحزاب السياسية، وبارك انقلابه القادة الدينيون زعماء اكبر طائفتين دينيتين : السيد عبد الرحمن المهدي زعيم الأنصار، والسيد علي الميرغني زعيم طائفة الختمية.
اى ان استلام الفريق عبود للسلطة تم فى اليوم المقرر لافتتاح الدورة البرلمانية ،وإنه بمجرد اعلان استلامه للسلطة تلقى تأييد الزعماء الذين انقلب عليهم، زعماء الطائفتين اصحاب اكبر حزبين نالا اصوات اتباعهم السودانيين فى الانتخابات الديمقراطية !! الامر الذى يؤكد بالاضافة الى ممارسات اخرى كثيرة بما لا يدع مجالا للشك بان السياسيين السودانيين من طائفيين ومتعلمين متحالفين معهم ( آباء الاستقلال) ، لم يكنوا يقدرون المسئولية الوطنية و الاخلاقية التى تحتم الحفاظ على النظام الديمقراطى و ضرورة صيانة الديمقراطية من الاهواء و المصالح الشخصية ، الطائفية والحزبية. لقد كانت مصالحهم الطائفية اكبر فى نفوسهم من الوطن و الديمقراطية ، اذا فأن الطائفية الحاملة لبنية التخلف قد احتوت المتعلمين السودانيين الذين كانوا قد كونوا مؤتمر الخريجين وهى التى قامت بممارسة (الديمقراطية الليبرالية ) فى السودان ، لذلك فإن نموزج الديمقراطية الذى مورس فى السودان كان يعكس بنية التخلف المحمولة بواسطة الطائفية المسيطرة ، لذلك كان من السهل ان يسلم السيد عبدالله خليل السلطة الديمقراطية للجيش ، رغم عن انف الانتخابات ، اصوات الشعب ، ممثلى الشعب ، البرلمان بسلطتيه التشريعية و التنفيذية ، القضاء ،الصحافة وكان السبب الكامن خلف هذا السلوك المتخلف ( التسليم و التسلم ) هو المنافسة السياسية مع الاتحاديين ، اليس ذلك هو (العذر الاقبح من الذنب) فى انصع صوره !!
اطلق نظام عبود "مثلما يفعل غالبا قادة الانقلابات العسكرية " الوعود للشعب السودانى بالنماء و الرخاء و السلام ، لكنه ما لبث أن زاد اوار الحرب الاهلية اشتعالا بحجة حسمها ، وعمل على قمع الشعب فانتفض ضده فى اكتوبر 1964 .
إنتفاضة اكتوبر المجيدة 1964:
أخذت انتفاضه اكتوبر 1964 زخمها وبريقها كما نرى من كونها حدثت فى وقت لم تعرف فيه افريقيا و الشرق الاوسط هذا النوع من الانتفاضات السلمية التى تنتهى باستسلام العسكر و قبولهم بتسليم السلطة للقادة المدنيين، واعتقد ان جل قيمتها كفعل ثورى سودانى و كمنجز تاريخى انسانى يكمن فى انها قد قد اكدت على مسالتين اولهما اهمية الديمقراطية كممارسة شعبية ، وثانيهما قدرة اداوات النضال السلمى " وفق شروط محددة " على قيادة عملية التحول الديمقراطي.
اهم القضايا التى طرحهتا انتفاضه اكتوبر 1964 هى ابرازها (نظريا) ، قضية الوحده الوطنية ممثلة فى قضية جنوب السودان ، لان مؤتمر المائدة المستديرة فشل عمليا فى حل مشكلة السودان فى الجنوب.
صحيح ان شعار مشكلة جنوب السودان تحول الى برنامج تجلى فى مداولات و مقررات مؤتمر المائدة المستديره ، وفى برنامج لجنة الاثنى عشر و التى اصبحت نقطة مرجعيه ارتكز عليها اتفاقية اديس ابابا و التى تم التوقيع عليها في 3 مارس 1972، وذلك بعد أن وضعت في صيغة قانونية سميت (قانون الحكم الذاتي الاقليمي 1972)، التى انهت الحرب الاهلية (1955 – 1972) ، ولكن زعماء الاحزاب التقليدية الشمالية ابان انعقاد مؤتمر المائدة المستديرة لم يكونوا يرون ابعد من انوفهم.
مؤتمر المائدة المستديرة 1965
استجاب الساسة الجنوبيين لدعوة حكومة أكتوبر بالجلوس على طاولة المفاوضات، بعد أن أقر رئيس الوزراء سر الختم الخليفة في نوفمبر 1964 بأن القوة ليست حلا لمشكلة الجنوب. فانعقد في مارس 1965م مؤتمر المائدة المستديرة الذي ضم 18 ممثلا عن الأحزاب الشمالية و24 من السياسيين الجنوبيين بحضور مراقبين من غانا وكينيا وأوغندا ونيجيريا ومصر والجزائر. وكان ذلك المؤتمر أول محاولة سودانية جادة للبحث عن السلام.
واتفقت هذه الأطراف على تقديم ثلاثة خيارات للمؤتمر تمثلت في ( الفدرالية ، الوحدة غير المشروطة مع الشمال والانفصال)، وأبدى الجنوبيون رغبة في أن يكون البت في الخيارات الثلاثة عبر استفتاء عام، لكن الأحزاب الشمالية جميعها وقفت ضد تلك الرغبة، وأوضحت أن (أقصى ما يمكن أن تمنحه للجنوب) هو وضع خاص يشمل قيام مجلس تشريعي للإقليم ومجلس وزراء محدود تنحصر صلاحياته في أمور التعليم والصحة والزراعة. وبالطبع رفض الجنوبيون ذلك العرض وردوا بالمطالبة بالفدرالية.
بعد نهاية حكومة سر الختم الخليفة الانتقالية تشكلت حكومات ائتلافية تارة برئاسة محمد أحمد المحجوب وتارة أخرى برئاسة الصادق المهدي ، لم تر تلك الحكومات (الديمقراطية) في المشكل السودانى الجنوبي أكثر مما رأى الفريق عبود، السيطرة على قلة من المتمردين والقضاء عليهم ومن ثم فتح الباب للسلام.
هذا التبسيط المخل بحقيقة قضية جنوب السودان يؤكد على عدم إختلاف عقلية الساسة السودانيين فى الاحزاب الطائفية التقليدية ، التى تدعى انتهاج ( الديمقراطية الليبرالية ) ،عن عقلية العسكريين في نظام عبود، ومن المفارقات الغريبة عند الساسة السودانيين ان حكومة ديمقراطية على رأسها السياسي المحنك والقانوني الضليع ، والمثقف الكبير و الشاعر الفحل محمد أحمد محجوب ، تنتهج نفس السياسة التى اعتمدها حكم عبود العسكرى تجاه جنوب السودان ، فكانت النتيجة تصاعد العمليات العسكرية والتجاوزات وارتكبت المجازر من قبل هذه الحكومات المنتخبة بما فاق ما ارتكبه نظام عبود العسكري من عنف.
لم تول حكومات الائتلاف المختلفة بين الحزبين الكبيرين الاتحادي والأمة اى اهتماما من اجل حل قضية الجنوب وايقاف الحرب بل كان جل اهتمامها بالصراع على كراسي الحكم بين الحزبين. وقد دفع هذا الصراع أطرافه للاستعانة بالإخوان المسلمين القوة التى كانت تنافسهم على الارضية الدينية آنذاك، والتي كانت تطالب بالشريعة الإسلامية والدستور الإسلامي، حيث عمل كل منهما على الاستقواء بها في مواجهة الآخر ، وبذلك انعقدت سوق للمزايدة حول الدستور الإسلامي انتقلت إلى أروقة البرلمان وهناك نشب سجال بين دعاة الدستور الإسلامي من جهة والنواب الجنوبيين و اليساريين المنادين بالعلمانية من جهة اخرى.
المناداة بالدستور الإسلامي كان من أدوات الصراع التي حاولت بها الاحزاب الطائفية القضاء على المعارضة اليسارية وتحجيم الرفض الجنوبي ( إستغلال الدين لاجل اغراض الدنيا). هذه القوى التقليدية تناست مشكلة السودان الأولى الحرب في الجنوب ووجهت الضربة القاضية لتوصيات مؤتمر المائدة المستديرة، وقامت بالاعتداء على الدستور.
كارثة حل الحزب الشيوعى وطرد نوابه و تمزيق الدستور:
ضاقت الاحزاب الطائفية و الاخوان المسلمين بتنامى نفوذ الحزب الشيوعى بعد انتفاضة اكتوبر حيث فاز 11 نائب منه في إنتخابات الخريجين من 16 دائرة
نفذ الأخوان المسلمون و الاحزاب الطائفية في 19 نوفمبر 1965 مؤامرة طالب معهد المعلمين العالي شوقي محمد علي الذي تحدث في ندوة معهد المعلمين العالي، واساء فيها إلي الدين الإسلامي، الجدير بالذكر ان شوقى قد صرح فى لقاء مع جريدة المهجر بتاريخ 31 مايو 2018 بانه عند حدوث حادثة معهد المعلمين 1965، لم تكن له علاقة بالحزب الشيوعى السودانى بل كان عضوا بالحزب الشيوعي القيادة الثورية الذي يدعو للكفاح المسلح.
ثم تقدم محمد أحمد محجوب زعيم الجمعية ورئيس الوزراء بطلب إلي رئيس الجمعية برفع المادة 25 ( من اللائحة الداخلية لمناقشة أمر عاجل). تم إتخاذ قرار في الجمعية التأسيسية في جلستها بتاريخ 25 نوفمبر 1965، بحل الحزب الشيوعي. وتعديل الدستور لطرد نوابه من البرلمان.
وبعد سنة كاملة تقريبا، ومع نهاية سنة 1966، أعلن صلاح حسن، قاضي المحكمة العليا، أن الحريات في المادة الخامسة في الدستور لا يجوز تعديلها. وان كل ما حدث كأن لم يحدث. لكن عارض قادة الاحزاب الثلاثة، الامة والاتحادي والاخوان المسلمين قرار المحكمة العليا . وقال الصادق المهدى رئيس الوزراء ورئيس حزب الأمة ( أن حكم المحكمة العليا تقريرى).
وكان من نتائج ذلك استقالة رئيس القضاء، بابكر عوض الله. وكتب في خطاب استقالته الى الرئيس الازهري: (عملت مافي وسعي لصيانة إستقلال القضاء منذ أن كان لي شرف تضمين ذلك المبدأ في ميثاق أكتوبر. ولا أريد لنفسي أن أبقي علي رأس الجهاز القضائي لآشهد عملية تصفيته، وتقطيع أوصاله، وكتابة الفصل المحزن الأخير من فصول تأريخه). الجدير بالذكر هنا ان من قادة الاحزاب الذين رفضوا حل الحزب الشيوعي وتعديل الدستور وايدوا قرار المحكمة العليا، الاستاذ الشهيد محمود محمد طه.
بذلك قوض تحالف الاحزاب الطائفية و الاخوان المسلمين التبادل السلمى للسلطة وصفوا الدستور و ضربوا النظام الديمقراطى فى مقتل رغم عن انف القضاء و القانون .ما أدى إلى توتر سياسي واحتقان في الجنوب هيأ الأوضاع لاستيلاء الجيش على السلطة في 25 مايو 1969 بانقلاب جعفر محمد النميري الذى عرف بانقلاب مايو.
من تناقضات السيد محمد احمد محجوب السياسى البارز و المثقف الكبير و الشاعر النحرير الرهيبة انه لم يورد فى كتابه الهام (الديمقراطية فى الميزان ) ، اى تقييم لكارثة حل الحزب الشيوعى و الاعتداء على الدستور و على الديمقراطية و على القضاء السودانيين وعلى الناخبين الذين انتخبوا 11 عضوا من الحزب الشيوعى للبرلمان ، على الرغم من انه كان وقتها (رئيس الوزراء وزعيم الجمعية التاسيسة ) ، وقد تقدم شخصيا بطلب إلي رئيس الجمعية برفع المادة 25 ( من اللائحة الداخلية لمناقشة أمر عاجل).اى تقدم السيد محمد احمد المحجوب شخصيا بطلب مناقشة حل الحزب الشيوعى !!
واعتقد ان عدم ايراد السيد المحجوب حادثة حل الحزب الشيوعى السودانى الكارثية والتى اثرت على مجمل تاريخ التطور السياسى فى السودان فى كتابه الشهير والذى قيم تاريخ و تطور الديمقراطية فى السودان ( الديمقراطية فى الميزان) ، قد ادى الى مسألتين هامتين الاولى هى ضعف مصداقية الكتاب ، الثانية يقدح ذلك فى مدى امانته وايمانه بالديمقراطية الليبرالية و التبادل السلمى للسلطة .
من هو محمد احمد المحجوب القائد السياسى ؟
ترشح المحجوب في انتخابات عام 1953م، وأصبح زعيماً للمعارضة في أول دورة لمجلس النواب. وحتى ذلك الوقت لم ينضم المحجوب لأي حزب من الأحزاب السياسية. قال في صفحة (42، 52) من مذكراته: (انتخبت كمرشح مستقل عن دائرة الخريجين، لم انضم حتى ذلك الحين إلى أيّ حزب سياسي،... فقد شعرت بأن أي انقسام في صفوف المفكرين، خلال الصراع في سبيل التحرر القومي، يؤذي القضية العامة كثيراً. لذلك قررت ألا انضم إلى أي حزب أو جماعة...). وفي عام 1954م أصبح زعيماً للمعارضة، وكان السيد إسماعيل الأزهري رئيساً للوزراء. انضم المحجوب لحزب الأمة عام 1956م، كتب في مذكراته صفحة (190) قائلاً: (وقد انضممت إلى حزب الأمة خلال مهرجان سياسي في كانون الأول (شهر ديسمبر) 1956م وسببه الرئيسي هو أنني كنت قد تعاونت مع الحزب عندما كنت أميناً للجبهة الاستقلالية وكان حزب الأمة آنذاك الوحيد الذي تتوافق سياسته مع قناعاتي السياسية). لأسرة الهاشماب التي ينتمي إليها المحجوب صلة قديمة وقوية بحزب الأمة، تعود جذورها إلى بداية الثورة المهدية. فقد عمل أجداد المحجوب في ديوان المهدية.
يبين المحجوب فى تبريره الانضمام لحزب الامة بان حزب الامة (الطائفى ) هو الوحيد الذى تتوافق سياساته مع قناعاته ، وبالنظر الى الانتماء الاسرى للمحجوب ، يتضح انه ( فى العلاقة بين المثقف و السلطة)، غلب فى اختياره الانتماء الاسرى الطائفى ، حينها غاب المثقف تماما وتوارى امام اغراءات التميز الطائفى بالسلطة السهلة و المكانة الرفيعة ، اختار المحجوب ان يكون مثقف الصالونات ، الذى يمارس المثاقفة مع (النخبة) ثم يخرج الى الشارع ، الى (الناخبين) طائفيا مدججا بانتخابات الاشارة وبركة خليفة المهدى، و انتهاك الدستور و عدم احترام الديمقراطية و اختيار الشعب ، هكذا لم يختر كما اختار اخرون دور المثقف النقدى التنويرى الذى يصارع فى شجاعة و اقدام من اجل تقدم ورفعة شعبعه و وطنه.
إنتفاضة اكتوبر 1964
بعيدا عن الشعارات البراقه التى طرحت على وقع الانتفاضه وبعد استسلام العسكر وتسليمهم السلطة ،فى زخم الانتفاضه ، فى ظل حرية الصحافة ،وبتفهم كامل وموضوعى لمسألة هامة هى ان الاحزاب الطائفية ، التقليديه ومنذ الاستقلال لم يكن لها برامج حقيقة تعنى بتثبيت اركان الدولة و تعمل على التخطيط و التنمية ، ذلك انها لم تكن تجتزب اليها العضوية عن طريق الاقناع العقلانى ، بل كان اساس انضمام العضوية لها يعتمد على الانتماء غالبا للطائفة الدينية او الاعجاب الشخصى بالزعيم او بنسب الزعيم او طمعا فى بركات الزعيم الدينية او الدنيوية ، بينما كان لليسار خلفياته الفكريه التى يستند عليها عموما و برامجه السياسيه التى كان يطرحها كحل لمشاكل السودان على وجه الخصوص .
وبما ان عملية التغيير الاجتماعى فى جدليتها تبدأ بتصور فكرى ، تتم ترجمته بواسطة حامليه الى برنامج سياسى ، يتم التعبير عنه فى علاقه الحامل بالمحمول من خلال الشعارات التى تعكسه وتنادى بتطبيقه، سنستعرض هنا ميثاق انتفاضه اكتوبر ، الذى توافق عليه المنتفضون بمختلف تياراتهم وتوجهاتهم و مشاربهم باعتباره الاطار النظرى ، الذى يحدد المستوى و السقف النظرى (الفكرى) ،للفعل السياسى فى اقصى مداه العملى المراد لانتفاضه اكتوبر 1964 انجازه.
ميثاق انتفاضة اكتوبر 1964
1 - قيام حكومة مدنية انتقالية تتولى الحكم وفق دستور 1956 المعدل.
2 - اجراء الانتخابات في فترة لا تتعدى شهر مارس 1965 لجمعية تأسيسية تمارس السلطة التشريعية وتضع الدستور
3 - اطلاق الحريات العامة، والغاء القوانين المقيدة لها. 4 - تأمين استقلال القضاء
وجامعة الخرطوم .
5 - اطلاق سراح المعتقلين السياسيين.
6 - وانتهاج سياسة خارجية في فترة الانتقال ضد الاستعمار والاحلاف.
هذا الميثاق اعلاه و الذى اجمعت عليه القوى السياسية فى السودان مجتمعة ، و اعلنه سر الختم الخليفه فى الثالثين من اكتوبر 1964 ، لا يحمل فى مضمونه اى اجندة اصلاح اجتماعى اقتصادى سياسى حقيقيه تؤثر ايجابا فى حياة السواد الاعظم للشعب السودانى ،ولا يحتوى على اهم اساسيات عناصر التنمية السياسية المطلوبة لتاسيس عملية اصلاح ونهضة وطنية، ناهيك عن اجندة (ثورة ) ،مشروع وطنى يتضمن كل عناصر التنمية السياسية، يسعى للتغيير الجزرى للواقع الاقتصادى الاجتماعى السياسى السودانى ، بتغيير علاقات الانتاج ، معادلة السلطة ، هيكل الدولة ، كرامة الانسان السودانى ، محاربة الجهل و الفقر و المرض ، تهدف لارساء دعائم العدالة الاجتماعية.
فى الواقع عبر ميثاق اكتوبر بشكل واضح واساسى عن هموم مهنية ، مصلحية لشرائح من الطبقة الوسطى السودانية فى شمال السودان، الطلاب و المهنيين من (أطباء ومهندسين ومحامين وأساتذة جامعيين وموظفين). وعلى الرغم من ان العمال قد شاركوا فى انتفاضه اكتوبر 1964 ، خاصة عمال السكه حديد إلى ان الميثاق لم يعبر عنهم باى حال وبالضرورة لم يعبر عن الفلاحين والرعاة.
اهتم ميثاق انتفاضه اكتوبر بشرائح من القوى الحديثة ( الحضر ) ، وقد عبر عن هذه القوى فى الميثاق وعن مطامحها ورغبتها المشروعه فى بناء مجتمع عصرى جديد تحقق ذاتها فى إطاره ، لكن مشكلة القوى التى قادت الانتفاضه تكمن فى عجزها عن القبض على اللحظة التاريخية الحاسمة التى اتاحتها الانتفاضه بتسخير المد الثورى الجارف بالضغط على القوى السياسية فى اليمين من اجل توافق تاريخى حول مشروع وطنى لحل كل قضايا السياسة السودانية ( قضايا المواطن و الوطن فى كل انحاء البلاد ريفها و حضرها ) .
*صحفى وباحث سودانى
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.