يكررون الأخطاء.. وينتظرون نتيجة مختلفة..!!    العراق ثامن المنتخبات العربية في المونديال    5 تصرفات تتسبب فى تدمير العلاقة العاطفية.. أخطرها سؤال أنت فين دلوقتى؟    "يديعوت أحرونوت": واشنطن بدأت عملية إجلاء طارئة ل60 ألف أمريكي من مصر    الدولار يتراجع مع تصاعد توقعات التهدئة في الشرق الأوسط    القبض على أمريكى هدد 8 مرات بقتل ترامب    إحالة رئيس الأركان السوداني للتقاعد بالمعاش    المذيعة تسابيح مبارك تعبر عن حزنها لإغتيال القيادي بحكومة تأسيس: (شاب هميم التقيته في نيروبي ويحمل جواز سفر أميركي ما يعني أن لديه فرصة أخرى في الحياة)    بالصورة.. أبعدوه حتى لا يرى قبرها ويقوم بنبشه.. قصة مؤثرة تدمي القلوب لشاب سوداني معاق ذهنياً في يوم وفاة والدته التي كان متعلق بها ومداوم على مسك "ثوبها"    ميسي ورونالدو على رأس أساطير التهديف في الدوري الإسباني    شاهد بالفيديو.. "ماما كوكي" تتحدث عن قضية الساعة.. مطربة شهيرة تقيم علاقة عاطفية مع "البرنس" بعد طلاقها من زوجها وردة فعل أهلها جاءت صادمة لها    مفاجآت عمرو دياب لجمهوره التركى فى أول حفل له أغسطس المقبل    ريهام حجاج : كممثلة لا أهتم بالمظهر بقدر اهتمامى بصدق الشخصية    أدوية منسية في المنزل قد تهدد صحة العائلة.. تخلص منها فورا    نوع نادر من السرطان.. ما هو التليف النخاعى؟    5 نصائح للوقاية من جرثومة المعدة    سوداني يسأل: (أنا مغترب وحصلت مشكلة بين زوجتي وزجة أخي واخوي اتصل علي قال لي طلقتها ليك هل الطلاق واقع؟)    اللجنة الإقتصادية العليا تصدر عدداً من القرارات المهمة لتحقيق استقرار سعر الصرف    الصحفية عائشة الماجدي: (لاحظت في الخرطوم مجموعة من الناس نشطة عايزة تبيع بيوتها وفي كمية عرض بيوت للبيع ما طبيعية)    بالفيديو.. شاهد ماذا قالت الفنانة توتة عذاب عن أغنيتها التي تصدرت "الترند" في الوطن العربي؟ وتوجه رسالة للمطربة بلقيس فتحي والممثلة إيمي سمير    وزير التربية يدشن استلام الدفعة الثانية من كتب الصف الاول الثانوي للولايات    "معاناة 5 سنوات".. برشلونة يتلقى نبأ سارا من رابطة الليجا    شاهد بالفيديو.. علاء الدين نقد يدخل في حالة بكاء هستيري في سرادق عزاء القيادي بحكومة "تأسيس" أسامة حسن    الأمم المتحدة تفتتح مقرها بالخرطوم    شبكة أطباء السودان .. قوة تتبع للدعم السريع اقتحمت مستشفى الأسرة بمدينة نيالا واعتدت علي الكوادر الطبية    كانتي.. منذ أن كان حلمًا في أعين الهلالاب    السودان.. وفاة لاعب كرة قدم    محمد عبدالقادر يكتب: شهادة البوشي.. و"فضيحة صمود "    وزير المعادن ونائب المدير العام المفتش العام للشرطة يدشنان مركبات لتعزيز مكافحة تهريب المعادن وتأمين مواقع التعدين    السودان.. زيادة مخيفة للإصابة بالضنك في 7 ولايات    السودان.. وزير يشرع في تكوين قوّة عسكرية ضاربة..ماذا هناك؟    ارتفاع وارد واسعار الذرة والسمسم بسوق القضارف    قالت إنّها خرجت من آلية تحديد أسعار الوقود..الطاقة تكشف تفاصيل 20 باخرة في محيط البحر الأحمر    عثمان ميرغني يكتب: فساد.. الفساد..    شراكة استراتيجية بين "الشباب والرياضة" و"الصناعة" لتمكين المبتكرين ودعم الإنتاج الشبابي    السيسي للرئيس ترامب: لا أحد يمكنه وقف الحرب في المنطقة إلا أنت    مصر.. الدولار يقترب من 54 جنيها لأول مرة    وجبة سمك تُنهي حياة 3 سودانيين بالقاهرة وتتسبب في إصابة 4 آخرين بحالة تسمم غذائى حاد    رئيس الوزراء يصدر قرارًا بشأن الرسوم الجديدة في المعابر    محمد عبد الباسط يكتب: لهذا تحركت باكستان الآن للوساطة بين أمريكا وإيران    الخليج الضحية الكبرى: إيران وجهت 83% من هجماتها إليه… و17% فقط إلى إسرائيل    مهلة أخيرة للمخالفين: خيارات متعددة لمعالجة أوضاع التأشيرات المنتهية في السعودية    ترامب يصدر أوامره ويكشف تطورات مثيرة مع إيران    الأمن يداهم مخزن يبيع الوقود المهرب لعصابات التنقيب عن الذهب    رئيس الأهلي مدني وابنه يتعرضان لحادث مروع    المباحث تنهي مغامرات شبكة إجرامية متخصصة في الإحتيال علي أصحاب المحلات التجارية عن طريق اشعارات تطبيق بنكك المزيفة    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    الشيخ بن زومة.. إلى جنة الخلد    قيم الهلال المتوارثة يجب أن تبقى أبد الدهر    في زمن الضجيج.. القرآن بوصلة المعنى والسكينة    د.مزمل أبو القاسم يكتب: دموع الباز.. وزاهر! (2)    السودان.. الدفاع المدني يستعين ب"التوك توك"    طفح جلدي في رقبة الرئيس ترمب يثير تساؤلات حول صحته    صوت لا يغيب.. محمد رفعت ورحلة الآذان الخالد في رمضان    أجهزة الأمن السودانية تنهي مغامرات لص الصيدليات في عطبرة    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    السودان.. فكّ طلاسم"تبيدي للمجوهرات" في الخرطوم والتحقيقيات تفجّر مفاجأة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



غياب المشروع الوطنى والازمة المستحكمة ، التنمية السياسية والثورة (12 -4) .. بقلم: عبدالغفار سعيد
نشر في سودانيل يوم 28 - 09 - 2018

- إنقلاب 17نوفمبر1958 صنيعة القيادات (الطائفية - الليبرالية).
- ميثاق انتفاضة اكتوبر 1964 أوضح دليل على غياب المشروع الوطنى.
فاز حزب الأُمة بقيادة عبدالله خليل(رئيس وزراء) ، بأغلبية مقاعد البرلمان وتحالف مع حزب الشعب الديمقراطي (حزب الختمية) وشكل حكومة إئتلافية فى يونيو 1957 سلمت السُلطة للعسكر بقيادة المجلس الأعلى للقوات المُسلحة برئاسة الفريق إبراهيم عبود في نوفمبر1958 .
من المعروف و المؤكد ان السيد عبدالله خليل رئيس الوزراء لثانى وزارة سودانية بعد الاستقلال قد سلم السلطة للجيش السودانى بقيادة ابراهيم عبود ( تسليم وتسلم ).
عبدالله خليل من أبرز المؤسسين ل حزب الأمة 1945 وقد انتخب كأول سكرتير عام للحزب. وفي حكومة إسماعيل الأزهري الائتلافية التي شكلت في فبراير عام 1956 عين وزيراً للدفاع والأشغال العامة. بعد سقوط وزارة الأزهري في يوليو 1956 تولى رئاسة الوزارة لأول مرة. شكل عبد الله خليل الوزارة التى ضمت بالإضافة إلى حزب الأمة ، وزراء من حزب الشعب الديمقراطي الذي يرأسه علي عبد الرحيم الأمين رئيس الحزب ووزير التجارة ، بينما كان فى المعارضة يوجد الحزب الوطني الإتحادي الذي يرأسه إسماعيل الأزهري زعيم الحزب.
وبحسب افادة الفريق إبراهيم عبود امام لجنة التحقيق التي شكلت للتقصي في وقوع انفلاب 17 نوفمبر قال(قبل أيام من استئناف البرلمان لأعماله، اتصل بي رئيس الوزراء عبدالله خليل…وأخبرني أن الوضع السياسي يسير من سيئ إلى أسوأ، وأن أحداثاً خطيرة ومهمة قد تنشأ نتيجة لهذا الوضع، ولا يوجد مخرج غير استلام الجيش للسلطة).
بينما قال خليل ( انه، لم يكن فقط يعرف، بل كان اتفق مسبقا، وسرا، وشفاهة، مع عبود ليستولى على الحكم, وكان سبب ذلك خوف خليل من تحالف المصريين والاتحاديين لاسقاط حكومته. خاصة بعد سلسلة اجتماعات بين الرئيس المصري جمال عبد الناصر، واسماعيل الازهري، زعيم الحزب الوطني الاتحاي. واخبار عن امول كثيرة ارسلها المصريون الى السودان.
وقال خليل انه اتفق مع عبود على اعادة الحكم الى المدنيين بعد ستة شهور. وان يعين عبود السيد عبد الرحمن المهدي رئيسا للجمهورية، واسماعيل الازهري رئيسا للوزراء
لكن، بعد مضى الستة شهور، ورفض عبود ترك الحكم، (هدد خليل بكشف الاتفاق السري معه).
وجاء فى الوثائق الامريكية المترجمة ان موس، السفير الامريكي في الخرطوم استغرب : "كيف ان رجلا في عمر عبد الله خليل، وتجاربه، ورئيس وزراء وطنه، يتفق اتفاقا غير مكتوب حول مصيره، ومصير حكومته، ومصير وطنه؟"
و اخيرا أكد نائب رئيس حزب الأمة اللواء (م) "فضل الله برمة ناصر"، لجريدة المجهر عام 2013 أن انقلاب 17 نوفمبر (1958) لم يكن انقلاباً حقيقياً بمعناه المتعارف عليه وإنما كان عملية (تسليم وتسلم ) قام بها رئيس الوزراء "عبد الله خليل".
وتكتمل الصورة بان نذكر حقيقة انه في صباح 17 نوفمبر 1958م وهو اليوم المقرر لانعقاد البرلمان أذاع الفريق إبراهيم عبود بيانه الأول وأعلن استلام الجيش للسلطة، أوقف العمل بالدستور، وألغى البرلمان، وقضى على نشاط الأحزاب السياسية، وبارك انقلابه القادة الدينيون زعماء اكبر طائفتين دينيتين : السيد عبد الرحمن المهدي زعيم الأنصار، والسيد علي الميرغني زعيم طائفة الختمية.
اى ان استلام الفريق عبود للسلطة تم فى اليوم المقرر لافتتاح الدورة البرلمانية ،وإنه بمجرد اعلان استلامه للسلطة تلقى تأييد الزعماء الذين انقلب عليهم، زعماء الطائفتين اصحاب اكبر حزبين نالا اصوات اتباعهم السودانيين فى الانتخابات الديمقراطية !! الامر الذى يؤكد بالاضافة الى ممارسات اخرى كثيرة بما لا يدع مجالا للشك بان السياسيين السودانيين من طائفيين ومتعلمين متحالفين معهم ( آباء الاستقلال) ، لم يكنوا يقدرون المسئولية الوطنية و الاخلاقية التى تحتم الحفاظ على النظام الديمقراطى و ضرورة صيانة الديمقراطية من الاهواء و المصالح الشخصية ، الطائفية والحزبية. لقد كانت مصالحهم الطائفية اكبر فى نفوسهم من الوطن و الديمقراطية ، اذا فأن الطائفية الحاملة لبنية التخلف قد احتوت المتعلمين السودانيين الذين كانوا قد كونوا مؤتمر الخريجين وهى التى قامت بممارسة (الديمقراطية الليبرالية ) فى السودان ، لذلك فإن نموزج الديمقراطية الذى مورس فى السودان كان يعكس بنية التخلف المحمولة بواسطة الطائفية المسيطرة ، لذلك كان من السهل ان يسلم السيد عبدالله خليل السلطة الديمقراطية للجيش ، رغم عن انف الانتخابات ، اصوات الشعب ، ممثلى الشعب ، البرلمان بسلطتيه التشريعية و التنفيذية ، القضاء ،الصحافة وكان السبب الكامن خلف هذا السلوك المتخلف ( التسليم و التسلم ) هو المنافسة السياسية مع الاتحاديين ، اليس ذلك هو (العذر الاقبح من الذنب) فى انصع صوره !!
اطلق نظام عبود "مثلما يفعل غالبا قادة الانقلابات العسكرية " الوعود للشعب السودانى بالنماء و الرخاء و السلام ، لكنه ما لبث أن زاد اوار الحرب الاهلية اشتعالا بحجة حسمها ، وعمل على قمع الشعب فانتفض ضده فى اكتوبر 1964 .
إنتفاضة اكتوبر المجيدة 1964:
أخذت انتفاضه اكتوبر 1964 زخمها وبريقها كما نرى من كونها حدثت فى وقت لم تعرف فيه افريقيا و الشرق الاوسط هذا النوع من الانتفاضات السلمية التى تنتهى باستسلام العسكر و قبولهم بتسليم السلطة للقادة المدنيين، واعتقد ان جل قيمتها كفعل ثورى سودانى و كمنجز تاريخى انسانى يكمن فى انها قد قد اكدت على مسالتين اولهما اهمية الديمقراطية كممارسة شعبية ، وثانيهما قدرة اداوات النضال السلمى " وفق شروط محددة " على قيادة عملية التحول الديمقراطي.
اهم القضايا التى طرحهتا انتفاضه اكتوبر 1964 هى ابرازها (نظريا) ، قضية الوحده الوطنية ممثلة فى قضية جنوب السودان ، لان مؤتمر المائدة المستديرة فشل عمليا فى حل مشكلة السودان فى الجنوب.
صحيح ان شعار مشكلة جنوب السودان تحول الى برنامج تجلى فى مداولات و مقررات مؤتمر المائدة المستديره ، وفى برنامج لجنة الاثنى عشر و التى اصبحت نقطة مرجعيه ارتكز عليها اتفاقية اديس ابابا و التى تم التوقيع عليها في 3 مارس 1972، وذلك بعد أن وضعت في صيغة قانونية سميت (قانون الحكم الذاتي الاقليمي 1972)، التى انهت الحرب الاهلية (1955 – 1972) ، ولكن زعماء الاحزاب التقليدية الشمالية ابان انعقاد مؤتمر المائدة المستديرة لم يكونوا يرون ابعد من انوفهم.
مؤتمر المائدة المستديرة 1965
استجاب الساسة الجنوبيين لدعوة حكومة أكتوبر بالجلوس على طاولة المفاوضات، بعد أن أقر رئيس الوزراء سر الختم الخليفة في نوفمبر 1964 بأن القوة ليست حلا لمشكلة الجنوب. فانعقد في مارس 1965م مؤتمر المائدة المستديرة الذي ضم 18 ممثلا عن الأحزاب الشمالية و24 من السياسيين الجنوبيين بحضور مراقبين من غانا وكينيا وأوغندا ونيجيريا ومصر والجزائر. وكان ذلك المؤتمر أول محاولة سودانية جادة للبحث عن السلام.
واتفقت هذه الأطراف على تقديم ثلاثة خيارات للمؤتمر تمثلت في ( الفدرالية ، الوحدة غير المشروطة مع الشمال والانفصال)، وأبدى الجنوبيون رغبة في أن يكون البت في الخيارات الثلاثة عبر استفتاء عام، لكن الأحزاب الشمالية جميعها وقفت ضد تلك الرغبة، وأوضحت أن (أقصى ما يمكن أن تمنحه للجنوب) هو وضع خاص يشمل قيام مجلس تشريعي للإقليم ومجلس وزراء محدود تنحصر صلاحياته في أمور التعليم والصحة والزراعة. وبالطبع رفض الجنوبيون ذلك العرض وردوا بالمطالبة بالفدرالية.
بعد نهاية حكومة سر الختم الخليفة الانتقالية تشكلت حكومات ائتلافية تارة برئاسة محمد أحمد المحجوب وتارة أخرى برئاسة الصادق المهدي ، لم تر تلك الحكومات (الديمقراطية) في المشكل السودانى الجنوبي أكثر مما رأى الفريق عبود، السيطرة على قلة من المتمردين والقضاء عليهم ومن ثم فتح الباب للسلام.
هذا التبسيط المخل بحقيقة قضية جنوب السودان يؤكد على عدم إختلاف عقلية الساسة السودانيين فى الاحزاب الطائفية التقليدية ، التى تدعى انتهاج ( الديمقراطية الليبرالية ) ،عن عقلية العسكريين في نظام عبود، ومن المفارقات الغريبة عند الساسة السودانيين ان حكومة ديمقراطية على رأسها السياسي المحنك والقانوني الضليع ، والمثقف الكبير و الشاعر الفحل محمد أحمد محجوب ، تنتهج نفس السياسة التى اعتمدها حكم عبود العسكرى تجاه جنوب السودان ، فكانت النتيجة تصاعد العمليات العسكرية والتجاوزات وارتكبت المجازر من قبل هذه الحكومات المنتخبة بما فاق ما ارتكبه نظام عبود العسكري من عنف.
لم تول حكومات الائتلاف المختلفة بين الحزبين الكبيرين الاتحادي والأمة اى اهتماما من اجل حل قضية الجنوب وايقاف الحرب بل كان جل اهتمامها بالصراع على كراسي الحكم بين الحزبين. وقد دفع هذا الصراع أطرافه للاستعانة بالإخوان المسلمين القوة التى كانت تنافسهم على الارضية الدينية آنذاك، والتي كانت تطالب بالشريعة الإسلامية والدستور الإسلامي، حيث عمل كل منهما على الاستقواء بها في مواجهة الآخر ، وبذلك انعقدت سوق للمزايدة حول الدستور الإسلامي انتقلت إلى أروقة البرلمان وهناك نشب سجال بين دعاة الدستور الإسلامي من جهة والنواب الجنوبيين و اليساريين المنادين بالعلمانية من جهة اخرى.
المناداة بالدستور الإسلامي كان من أدوات الصراع التي حاولت بها الاحزاب الطائفية القضاء على المعارضة اليسارية وتحجيم الرفض الجنوبي ( إستغلال الدين لاجل اغراض الدنيا). هذه القوى التقليدية تناست مشكلة السودان الأولى الحرب في الجنوب ووجهت الضربة القاضية لتوصيات مؤتمر المائدة المستديرة، وقامت بالاعتداء على الدستور.
كارثة حل الحزب الشيوعى وطرد نوابه و تمزيق الدستور:
ضاقت الاحزاب الطائفية و الاخوان المسلمين بتنامى نفوذ الحزب الشيوعى بعد انتفاضة اكتوبر حيث فاز 11 نائب منه في إنتخابات الخريجين من 16 دائرة
نفذ الأخوان المسلمون و الاحزاب الطائفية في 19 نوفمبر 1965 مؤامرة طالب معهد المعلمين العالي شوقي محمد علي الذي تحدث في ندوة معهد المعلمين العالي، واساء فيها إلي الدين الإسلامي، الجدير بالذكر ان شوقى قد صرح فى لقاء مع جريدة المهجر بتاريخ 31 مايو 2018 بانه عند حدوث حادثة معهد المعلمين 1965، لم تكن له علاقة بالحزب الشيوعى السودانى بل كان عضوا بالحزب الشيوعي القيادة الثورية الذي يدعو للكفاح المسلح.
ثم تقدم محمد أحمد محجوب زعيم الجمعية ورئيس الوزراء بطلب إلي رئيس الجمعية برفع المادة 25 ( من اللائحة الداخلية لمناقشة أمر عاجل). تم إتخاذ قرار في الجمعية التأسيسية في جلستها بتاريخ 25 نوفمبر 1965، بحل الحزب الشيوعي. وتعديل الدستور لطرد نوابه من البرلمان.
وبعد سنة كاملة تقريبا، ومع نهاية سنة 1966، أعلن صلاح حسن، قاضي المحكمة العليا، أن الحريات في المادة الخامسة في الدستور لا يجوز تعديلها. وان كل ما حدث كأن لم يحدث. لكن عارض قادة الاحزاب الثلاثة، الامة والاتحادي والاخوان المسلمين قرار المحكمة العليا . وقال الصادق المهدى رئيس الوزراء ورئيس حزب الأمة ( أن حكم المحكمة العليا تقريرى).
وكان من نتائج ذلك استقالة رئيس القضاء، بابكر عوض الله. وكتب في خطاب استقالته الى الرئيس الازهري: (عملت مافي وسعي لصيانة إستقلال القضاء منذ أن كان لي شرف تضمين ذلك المبدأ في ميثاق أكتوبر. ولا أريد لنفسي أن أبقي علي رأس الجهاز القضائي لآشهد عملية تصفيته، وتقطيع أوصاله، وكتابة الفصل المحزن الأخير من فصول تأريخه). الجدير بالذكر هنا ان من قادة الاحزاب الذين رفضوا حل الحزب الشيوعي وتعديل الدستور وايدوا قرار المحكمة العليا، الاستاذ الشهيد محمود محمد طه.
بذلك قوض تحالف الاحزاب الطائفية و الاخوان المسلمين التبادل السلمى للسلطة وصفوا الدستور و ضربوا النظام الديمقراطى فى مقتل رغم عن انف القضاء و القانون .ما أدى إلى توتر سياسي واحتقان في الجنوب هيأ الأوضاع لاستيلاء الجيش على السلطة في 25 مايو 1969 بانقلاب جعفر محمد النميري الذى عرف بانقلاب مايو.
من تناقضات السيد محمد احمد محجوب السياسى البارز و المثقف الكبير و الشاعر النحرير الرهيبة انه لم يورد فى كتابه الهام (الديمقراطية فى الميزان ) ، اى تقييم لكارثة حل الحزب الشيوعى و الاعتداء على الدستور و على الديمقراطية و على القضاء السودانيين وعلى الناخبين الذين انتخبوا 11 عضوا من الحزب الشيوعى للبرلمان ، على الرغم من انه كان وقتها (رئيس الوزراء وزعيم الجمعية التاسيسة ) ، وقد تقدم شخصيا بطلب إلي رئيس الجمعية برفع المادة 25 ( من اللائحة الداخلية لمناقشة أمر عاجل).اى تقدم السيد محمد احمد المحجوب شخصيا بطلب مناقشة حل الحزب الشيوعى !!
واعتقد ان عدم ايراد السيد المحجوب حادثة حل الحزب الشيوعى السودانى الكارثية والتى اثرت على مجمل تاريخ التطور السياسى فى السودان فى كتابه الشهير والذى قيم تاريخ و تطور الديمقراطية فى السودان ( الديمقراطية فى الميزان) ، قد ادى الى مسألتين هامتين الاولى هى ضعف مصداقية الكتاب ، الثانية يقدح ذلك فى مدى امانته وايمانه بالديمقراطية الليبرالية و التبادل السلمى للسلطة .
من هو محمد احمد المحجوب القائد السياسى ؟
ترشح المحجوب في انتخابات عام 1953م، وأصبح زعيماً للمعارضة في أول دورة لمجلس النواب. وحتى ذلك الوقت لم ينضم المحجوب لأي حزب من الأحزاب السياسية. قال في صفحة (42، 52) من مذكراته: (انتخبت كمرشح مستقل عن دائرة الخريجين، لم انضم حتى ذلك الحين إلى أيّ حزب سياسي،... فقد شعرت بأن أي انقسام في صفوف المفكرين، خلال الصراع في سبيل التحرر القومي، يؤذي القضية العامة كثيراً. لذلك قررت ألا انضم إلى أي حزب أو جماعة...). وفي عام 1954م أصبح زعيماً للمعارضة، وكان السيد إسماعيل الأزهري رئيساً للوزراء. انضم المحجوب لحزب الأمة عام 1956م، كتب في مذكراته صفحة (190) قائلاً: (وقد انضممت إلى حزب الأمة خلال مهرجان سياسي في كانون الأول (شهر ديسمبر) 1956م وسببه الرئيسي هو أنني كنت قد تعاونت مع الحزب عندما كنت أميناً للجبهة الاستقلالية وكان حزب الأمة آنذاك الوحيد الذي تتوافق سياسته مع قناعاتي السياسية). لأسرة الهاشماب التي ينتمي إليها المحجوب صلة قديمة وقوية بحزب الأمة، تعود جذورها إلى بداية الثورة المهدية. فقد عمل أجداد المحجوب في ديوان المهدية.
يبين المحجوب فى تبريره الانضمام لحزب الامة بان حزب الامة (الطائفى ) هو الوحيد الذى تتوافق سياساته مع قناعاته ، وبالنظر الى الانتماء الاسرى للمحجوب ، يتضح انه ( فى العلاقة بين المثقف و السلطة)، غلب فى اختياره الانتماء الاسرى الطائفى ، حينها غاب المثقف تماما وتوارى امام اغراءات التميز الطائفى بالسلطة السهلة و المكانة الرفيعة ، اختار المحجوب ان يكون مثقف الصالونات ، الذى يمارس المثاقفة مع (النخبة) ثم يخرج الى الشارع ، الى (الناخبين) طائفيا مدججا بانتخابات الاشارة وبركة خليفة المهدى، و انتهاك الدستور و عدم احترام الديمقراطية و اختيار الشعب ، هكذا لم يختر كما اختار اخرون دور المثقف النقدى التنويرى الذى يصارع فى شجاعة و اقدام من اجل تقدم ورفعة شعبعه و وطنه.
إنتفاضة اكتوبر 1964
بعيدا عن الشعارات البراقه التى طرحت على وقع الانتفاضه وبعد استسلام العسكر وتسليمهم السلطة ،فى زخم الانتفاضه ، فى ظل حرية الصحافة ،وبتفهم كامل وموضوعى لمسألة هامة هى ان الاحزاب الطائفية ، التقليديه ومنذ الاستقلال لم يكن لها برامج حقيقة تعنى بتثبيت اركان الدولة و تعمل على التخطيط و التنمية ، ذلك انها لم تكن تجتزب اليها العضوية عن طريق الاقناع العقلانى ، بل كان اساس انضمام العضوية لها يعتمد على الانتماء غالبا للطائفة الدينية او الاعجاب الشخصى بالزعيم او بنسب الزعيم او طمعا فى بركات الزعيم الدينية او الدنيوية ، بينما كان لليسار خلفياته الفكريه التى يستند عليها عموما و برامجه السياسيه التى كان يطرحها كحل لمشاكل السودان على وجه الخصوص .
وبما ان عملية التغيير الاجتماعى فى جدليتها تبدأ بتصور فكرى ، تتم ترجمته بواسطة حامليه الى برنامج سياسى ، يتم التعبير عنه فى علاقه الحامل بالمحمول من خلال الشعارات التى تعكسه وتنادى بتطبيقه، سنستعرض هنا ميثاق انتفاضه اكتوبر ، الذى توافق عليه المنتفضون بمختلف تياراتهم وتوجهاتهم و مشاربهم باعتباره الاطار النظرى ، الذى يحدد المستوى و السقف النظرى (الفكرى) ،للفعل السياسى فى اقصى مداه العملى المراد لانتفاضه اكتوبر 1964 انجازه.
ميثاق انتفاضة اكتوبر 1964
1 - قيام حكومة مدنية انتقالية تتولى الحكم وفق دستور 1956 المعدل.
2 - اجراء الانتخابات في فترة لا تتعدى شهر مارس 1965 لجمعية تأسيسية تمارس السلطة التشريعية وتضع الدستور
3 - اطلاق الحريات العامة، والغاء القوانين المقيدة لها. 4 - تأمين استقلال القضاء
وجامعة الخرطوم .
5 - اطلاق سراح المعتقلين السياسيين.
6 - وانتهاج سياسة خارجية في فترة الانتقال ضد الاستعمار والاحلاف.
هذا الميثاق اعلاه و الذى اجمعت عليه القوى السياسية فى السودان مجتمعة ، و اعلنه سر الختم الخليفه فى الثالثين من اكتوبر 1964 ، لا يحمل فى مضمونه اى اجندة اصلاح اجتماعى اقتصادى سياسى حقيقيه تؤثر ايجابا فى حياة السواد الاعظم للشعب السودانى ،ولا يحتوى على اهم اساسيات عناصر التنمية السياسية المطلوبة لتاسيس عملية اصلاح ونهضة وطنية، ناهيك عن اجندة (ثورة ) ،مشروع وطنى يتضمن كل عناصر التنمية السياسية، يسعى للتغيير الجزرى للواقع الاقتصادى الاجتماعى السياسى السودانى ، بتغيير علاقات الانتاج ، معادلة السلطة ، هيكل الدولة ، كرامة الانسان السودانى ، محاربة الجهل و الفقر و المرض ، تهدف لارساء دعائم العدالة الاجتماعية.
فى الواقع عبر ميثاق اكتوبر بشكل واضح واساسى عن هموم مهنية ، مصلحية لشرائح من الطبقة الوسطى السودانية فى شمال السودان، الطلاب و المهنيين من (أطباء ومهندسين ومحامين وأساتذة جامعيين وموظفين). وعلى الرغم من ان العمال قد شاركوا فى انتفاضه اكتوبر 1964 ، خاصة عمال السكه حديد إلى ان الميثاق لم يعبر عنهم باى حال وبالضرورة لم يعبر عن الفلاحين والرعاة.
اهتم ميثاق انتفاضه اكتوبر بشرائح من القوى الحديثة ( الحضر ) ، وقد عبر عن هذه القوى فى الميثاق وعن مطامحها ورغبتها المشروعه فى بناء مجتمع عصرى جديد تحقق ذاتها فى إطاره ، لكن مشكلة القوى التى قادت الانتفاضه تكمن فى عجزها عن القبض على اللحظة التاريخية الحاسمة التى اتاحتها الانتفاضه بتسخير المد الثورى الجارف بالضغط على القوى السياسية فى اليمين من اجل توافق تاريخى حول مشروع وطنى لحل كل قضايا السياسة السودانية ( قضايا المواطن و الوطن فى كل انحاء البلاد ريفها و حضرها ) .
*صحفى وباحث سودانى
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.