كواليس صادمة... كيف تعطلت صفقة تسليح الجيش السوداني في اللحظات الأخيرة؟    بالصورة.. الصحفي السوداني الشهير حسين خوجلي يستعيد بصره وسط سعادة أصدقائه ومتابعيه: (عودة البصر لصاحب البصيرة والوان وحمدا لله على السلامة أبو ملاذ)    الباشا طبيق : السيطرة على الكرمك تعيد تشكيل الخريطة العسكرية في السودان    تعديل وزاري مرتقب في السودان يشمل ست حقائب وزارية    11 دقيقة إضافية من النوم ليلا تساعد فى الوقاية من النوبات القلبية    13 حزمة لغوية جديدة لترجمة محادثات "واتساب"    سناب شات" يحوّل الصور إلى فيديو بالذكاء الاصطناعي    هل يكون محمد صلاح الصفقة الكبرى القادمة بالدوري الأمريكي بعد جريزمان؟    جلسة مع محمد صبحى في الزمالك.. اعرف السبب    استمرار محاولات الأهلي لإنهاء أزمة الشرط الجزائي مع توروب    يارا السكري تكشف لليوم السابع تفاصيل دورها فى فيلم صقر وكناريا    شاهد بالصورة.. فاتنة الإعلام السوداني تخطف الأضواء بأحدث إطلالة لها والجمهور يطيل الغزل في جمالها: (يا دووب كدة عيدنا)    باسم سمرة: الناس بقت تناديلى ب«زكى».. ونجاح عين سحرية توفيق من ربنا    ذكرى رحيل أحمد حلاوة.. ممثل جمع بين الهندسة والدكتوراه فى فلسفة الفنون    نصائح لوقاية مرضى حساسية الصدر من التقلبات الجوية والرياح    مشروبات تساعد على حرق الدهون بعد كحك العيد    اكتشاف مرض وراثي جديد يسبب الشيخوخة المبكرة والقصور الإدراكى    شاهد بالصور. الفنانة مروة الدولية تفاجئ الجميع وتعتزل الغناء وعازفها الشهير ينشر مراسلات واتساب بينهما أكدت فيها تمسكها بالقرار    بالصور.. مدارس أبو ذر الكودة تلزم أسرة طالب بدفع غرامة قدرها 100 ألف جنيه بسبب كسره مفتاح مروحة بالفصل ومتابعون يتصدون للدفاع عن المؤسسة    شاهد بالصورة والفيديو.. في تقليعة جديدة.. شباب سودانيون يلطخون صديقهم العريس ووزيره ب"ظهر الصابون" و"البودرة"    الهلال يواجه ضغط المباريات في رواندا    ((نار فلوران ولاجنة ريجيكامب؟؟))    جبريل يلتقي المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة إلى السودان    مهلة أخيرة للمخالفين: خيارات متعددة لمعالجة أوضاع التأشيرات المنتهية في السعودية    كيف تفاعل النجوم مع خبر رحيل صلاح عن ليفربول؟    ضبط 2800 قندول بنقو بالجزيرة في عملية نوعية لمكافحة التهريب    تعطيل الدراسة في الخرطوم    المريخ يكثف درجات إعداده ويتدرب بالصالة    النخبة بالخرطوم.. كيف؟    "تمبور" يكشف عن توجيهات صادرة جديدة    ترامب يصدر أوامره ويكشف تطورات مثيرة مع إيران    طهران ترد على تهديدات ترمب    هل مخالفة ترامب خلل في الكون؟!    هل تستطيع أمريكا احتلال جزيرة خارك الإيرانية؟    الأمن يداهم مخزن يبيع الوقود المهرب لعصابات التنقيب عن الذهب    تراجع معدّل التضخّم في السودان    بادي يصدر مرسوم تنظيم أعمال التعدين التقليدي وضبط آليات التعدين بالنيل الأزرق    رئيس الأهلي مدني وابنه يتعرضان لحادث مروع    المباحث تنهي مغامرات شبكة إجرامية متخصصة في الإحتيال علي أصحاب المحلات التجارية عن طريق اشعارات تطبيق بنكك المزيفة    شركة كهرباء السودان تحديث حول سير أعمال الصيانة الطارئة للشبكة القومية    توقّعات بارتفاع غير مسبوق في أسعار النفط    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    الشيخ بن زومة.. إلى جنة الخلد    أغلى علبة كعك في مصر تشعل مواقع التواصل    قيم الهلال المتوارثة يجب أن تبقى أبد الدهر    بنك السودان المركزي يصدر توجيهًا للمصارف    إبراهيم شقلاوي يكتب: الزراعة ما بعد اقتصاد الحرب    في زمن الضجيج.. القرآن بوصلة المعنى والسكينة    د.مزمل أبو القاسم يكتب: دموع الباز.. وزاهر! (2)    السودان.. الدفاع المدني يستعين ب"التوك توك"    طفح جلدي في رقبة الرئيس ترمب يثير تساؤلات حول صحته    ملتقي التحصين للعام 2025 ينعقد بحضور التحالف العالمي للقاحات والشركاء    صوت لا يغيب.. محمد رفعت ورحلة الآذان الخالد في رمضان    أجهزة الأمن السودانية تنهي مغامرات لص الصيدليات في عطبرة    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    السودان.. فكّ طلاسم"تبيدي للمجوهرات" في الخرطوم والتحقيقيات تفجّر مفاجأة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



الاحزاب السياسية السودانية : بين قصور الخيال السياسى و الضعف البنيوى وازمة التغيير (3 – 4 )
نشر في الراكوبة يوم 25 - 06 - 2013

جزء من ورقه تهدف لاستنطاق ومحاورة وفهم و معالجة بعض تعقيدات المسالة السياسية فى السودان.
بقلم : عبدالغفار محمد سعيد.
كاتب صحفى وباحث مقيم ببريطانيا.
الخيال السياسى و تاريخ الصراع السياسى و التغيير:
( الخيال أهم من المعرفة. فالمعرفة محدودة حول ما نعيه ونفهمه، بينما الخيال يشمل العالم وكل ما سيكون هناك لنعيه ونفهمه مستقبلا ) - آلبرت آينشتاين.
(الجنون هو أن تفعل الشيء نفسه مرة بعد مرة وتتوقع نتيجة مختلفة) آلبرت آينشتاين
(لا يمكننا حل المشاكل باستخدام نفس العقلية التي أنشأتها) آلبرت آينشتاين.
الخيال السياسى ، المفهوم و المصطلح:
الفرق بين الفنتازيا و الخيال:
تختلف الفانتازيا عن الخيال و تعمل فى حقل الابداع الادبى وتعتمد على خلق صور ذهنية خالصة تعمل فى حالات كثيره باستخدام الظواهر الطبيعية الخارقه والسحر ، وتختلف الفانتازيا ايضا عن الخيال العلمى ، حيث يقدم الخيال العلمى توجه واضح لمواضيع علمية .
أهمية الخيال هى فهم الواقع ، استيعابه ، تحريكه وتفعيله و الانطلاق به من الوضعيه الحادثه الماثله إلى واقع جديد طبيعى وقابل للازدهار يتخلق خلال تحقيق اهداف سياسية متقدمه ، هذا يعنى ان السياسى المبدع يجب ان يتمتع بالقدره على التوقع (الخيال)، حتى يستطيع الإسهام فى التقدم السياسى.
السياسة مثلها مثل باقى العلوم تطلب من ممارسيها قدرا من ملكة الابداع حتى تكون لهم بصماتهم المميزة لذلك اقامت لها الدول كليات متخصصة لدراسة علومها ، كما انشات لها معاهد الدراسات و البحوث المتخصصة فى فروعها العديده، الاستراتيجى منها وغير ذلك ، ومثل الهندسة المعمارية التى تتطلب الخيال كى يبدع المهندس ( الملتزم بقوانين الرياضيات ، الفيزياء و الكيمياء) فى هندسة المبانى المبتكره البديعه ، والعلوم التطبيقية التى تتطلب خيالا، (وليس غريبا على احد كيف مهد الخيال العلمى للكثير من الانجازات و الاكتشافات العلمية) ، وحتى الرياضيات تقتضى خيالا رياضيا خصبا خاصة فى جانب الرياضيات البحته. ذلك هو السبب الذى جعل البعض يقول ان العقلية الصحيحة لن يكون ممكنا وجودها بدون جرعه من الخيال ، ويتفق معظم المبدعين على انه لا وجود للابداع اطلاقا ( فى مختلف التخصصات) بدون خيال.
الخيال السياسى المبدع:
إن اعمال الخيال السياسي المبدع فى واقع السودان سيخلق أدوات تحليلية وإبداعية جديدة لرؤية واقع شعوب السودان رؤية خلاقة متجاوزة، وسوف يحرك واقع السياسة السودانية المصاب بجرثومة الجمود العقائدى و التصحر الفكرى ، العجز وفقدان القدرة على الاستشراف والمسكون بتوالى سيطرة الطائفية ، الانقلابات العسكرية ، والاسلام السياسى ، وثبات تمكن فئة من الوسط الجغرافى (نادى السلطة) على كل مقدرات البلاد، تناغم كل قوى الوسط السياسى المعارضه للسلطة الحاكمه فى تصورها للتغيير والذى ينتهى فى رؤاها ببرلمان يتصدره حزبى الامة و الاتحاد الديمقراطى ، ويوجد بجانبهما الاسلاموطفييلين ، ثم يقبع على هامشه اليسار السعيد بحرية صحافة ، عمل نقابى وندوات عامره تستمر لسنوات قليلة.
ديمقراطية شكلانية ومائعه مرتبطه بالطائفية مما يجعلها تخرج على شاكلتها، بجوهر فاسد لا معنى لها ولا تسمن أو تغني من جوع، ديمقراطية لا تأبه بالرعاة و المزارعين فى اطراف البلاد الاربعة ولا تعنيهم فى كثير او قليل، بل لاتعنى حتى اغلب فقراء المدن فى بلد امى يقبع منذ استقلاله تحت سلطة علاقات اقتصاد شبه اقطاعى ، فهل يوجد فقر خيال اكثر من فقر خيال الاحزاب السودانية؟
من اهم اسباب عجز خيال الساسة فى بلادنا هو اختلال معظم مؤسساتنا السياسيه فى بنيتيها الفكرية و التنظيمية ، فهى مؤسسات ، تفتقد لممارسة الديمقراطيه الداخليه ، تعتمد فى تراتبيتها التنظيمية ، على الاوامريه ، مؤسسات مغلقه اوشبه مغلقه ، اما الاحزاب الطائفيه فترتبيتها هى تراتبية الزعيم الروحى واسرته واقربائه باتباعهم.
مثل هذه التركيبة للمؤسسات الحزبيه البيروقراطية بطبيعتها تجنح نحو الروتين ونحو إيجاد أساليب عمل قياسية ثابتة تتبعها دون كثير من الحاجة للتغيير ، لذلك فان اغلب التنظيمات السياسية تعانى من ما يعرف فى حقل دراسة السلوك ب متلازمة ( لم يصنع هنا) ، فى إدارة علم الأمراض الكلاسيكية، والتي تتجلى فى رفض فريقا ما لاستخدام التكنولوجيا التي لم يصنعوها بانفسهم ، ويشير هذا التوصيف عموما إلى المؤسسات التى تقوم على رفض الافكار أو الحلول المقترحات التي تأتي من خارجها، وما لم تكن الفكرة وليدة داخل المؤسسة نفسها فإنها تعاديها ، حيث تتم معاداة الافكار التى تأتى من خارج المؤسسة او خارج ايدلوجية المؤسسة ، بهذه الكيفية ينضب خيال منتسبى هذه المؤسسات او يقمع، وتجهض افكارهم تحت سلطة البيروقراطيه وتسلط الاوامريه.
قادة اليمين السودانى يتمتعون بقدر من المكر، فهم اكثر حساسية وحسما تجاه مصالحهم الطبقية و الذاتيه مقارنة بقيادات اليسار السودانى، حيث لا يفرطون فيها مهما غلى الثمن ، لا كنهم لا يتمتعون بخيال سياسى خصيب اسوة باغلب قيادات العمل السياسى فى السودان يسارا ويمينا ، اوضح ملامح إفتقارهم للخيال السياسى تتجلى فى عدم استشراف المستقبل و التضحية بمصالحهم الطبقيه الانية الذاتية مقابل الخلود فى تاريخ البلاد كرموز عملت وضحت من اجل القطاعات الواسعة للشعب السودانى ، حيث يتوقع ان هم انحازوا لمصالح الشعب ان ينصب لهم الشعب فى المستقبل التماثيل عرفانا لما قدموه بدلا ان يلعنهم احتقارا على مايفعلوه به الآن ، لو انحازوا لمصالح الوطن سيعمد الشعب الى تدريس تاريخهم فى المدارس للاجيال الصاعده بكل الفخر المقرون بعرفان على تضحياتهم من اجل الشعب ، لكنهم لا يملكون قدرا كافيا من الخيال السياسى يدفعهم للرهان على المستقبل . التمظهر الثانى لفقر خيالهم السياسى يكمن فى عدم ادراكهم انهم لن يستطيعون ايقاف الثورة التى اشتعلت ، ولا يستطيعون اعادة السيطرة على ثوار الريف بعد ان خاضوا النضال الضارى من اجل حقوقهم وامتلكوا فى خضم النضال الشرس الوعى الذى يؤهلهم لاقتلاع حقوقهم.
هم لايدركون ان قواهم الطبقية او اوهامهم العرقية لن تستطيع ايقاف الثورة ،والتى اصبحت فعلا فى إتجاه التحقق ، جدلية فى طريق الفعل، تفاعلات تعتمل فى ظاهر وباطن حركة التاريخ المتحقق و الذى فى طريقه للتحقق ولا مهرب و لامفر من التغيير الكبير، التغيير الجزرى ، الذى سيقلب معادلة السلطة و يعمل على هيكلة الدولة واعادة ترتيب الوطن .
حول تجربتى الانتقال السلمى الديمقراطى للسلطه فى السودان ، أكتوبر 1964 نموزجا
في عام 1881 ثار رجُل الدين السوداني/ محمد أحمد عبدالله، وأعلن نفسه مهدياً وقاد ثورة وطنية/دينية ضد الحُكم التُركي/المصري وفي خلال أربعة أعوام تمكن من الإستيلاء على الخرطوم في يناير 1885
وقد استمر حُكم المهدية بقيادة الخليفة/ عبد الله التعايشي، لمُدة ثلاثة عشر عاماً، حتى سقوط الخرطوم في معركة كرري الشهيرة عام 1898 (علماً بأن المهدي توفي بعد ستة أشهُرٍ فقط من تحرير الخرطوم)، وبسقوط الخرطوم اكتملت عملية إعادة فتح السودان بقيادة اللورد البريطاني/ كتشنر، وخضعت البلاد للحُكم الثُنائي (الإنجليزي/المصري) حتى إعلان الإستقلال في الأول من يناير 1956 بعد نضال سلمي قادته النُخب المتعلمة التي انتظمت في ما يُعرف بمؤتمر الخريجين، وقد انتهى المطاف بالخريجين إلى التوزع بين أحزاب الطائفتين الدينيتين– أحزاب الأشقاء العديدة برعاية زعيم الطائفة الختمية، السيد/ علي الميرغني، وحزب الأمة برعاية إمام طائفة الأنصار، السيد/ عبد الرحمن المهدي- بينما انتظمت القوى اليسارية والديمقراطية في حركة التحرر الوطني (حستو) والنقابات العُمالية والمهنية.
انعقد مؤتمر جوبا فى خريف 1947 ، واشترك فيه بعض السلاطين وصغار الموظفين، وضباط صف البوليس ممن كانوا يعتبرون طليعه الزعامه المثقفه و التقليدية فى الجنوب حينذاك ولقد اقترحوا انشاء هيئة تمثيلية بالجنوب، ترسل فى المستقبل ممثلين لها الى الخرطوم لينالوا مايحتاجون اليه من خبرة، ويناقشوا الامور التى تهم الجنوب والشمال. واكدوا ان الجنوب يحتاج الى ضمانات توفر له اسباب التقدم، والحفاظ على ذاتيته فى فى سودان المستقبل الموحد.
أما الاعضاء الشماليون ، بقيادة القاضى محمد صالح الشنقيطى، فقد عددوا الطيبات التى تنتظر الجنوب فى السودان الموحد. واشاروا فى هذا الصدد الى المرتبات والاجور لتى يمكن مساواتها، والوظائف الكبرى التى يمكن ان يتقلدها ابناء الجنوب.
اسفرت المفاوضات السياسية بين الزعماء السياسين الشماليين والحكومة المصرية حول مقترح الحكم الذاتى عن اتفاق فى ياناير عام 1953 منح السودان بموجبه حق تقرير المصيرن ولم يشرك فى هذه المفاوضات اى شخص من الجنوب، ولم يخص الجنوب باى ضمانات، فى 12 فبراير 1953 وقعت فى القاهرة اتفاقية بين الحكومتين البيرطانية والمصرية بشأن الحكم الذاتى وتقرير المصير للسودان.
وبالنظر إلى خصوصية وضع الجنوب، وما تعرض له من عزله إبان الحكم البريطانى، طالب الجنوبيون قبل إعلان الاستقلال بالحكم الفيدرالى، والذى وعدوا بأن يتم النظر فيه عند وضع الدستور الدائم للسودان، الا أن اللجنة القومية للدستور التى مارست عملها فى الفترة 1956- 1958، رفضت مطلب " الحكم الفيدرالى" ، وتعللت بتخوفها من أن يشكل ذلك المطلب خطوة نحو انفصال الجنوب عن الشمال.
فى اول ياناير 1954 حصل الحزب الاتحادى على اغلبيه 51 مقعدا من مجموع المقاعد وقدرها 97 ، بينما حصل منافسه حزب الامة على 22 مقعدا ، وانتخب السيد اسماعيل الازهرى رئيسا لاول وزارة سودانية وهو السكرتير والرئيس السابق لمؤتمر الخرجيين لعدة سنوات، وهو مؤسس حزب الاشقاء ورئيس الحزب الوطنى الاتحادى.
وشكلت فى 9 ياناير 1954 اول وزارة سودانية من اعضاء الحزب الوطنى الاتحادى.
فى اغسطس 1955 انهت لجنة السودنة أداء مهامها وفى نفس الشهر وافق البرلمان على تقريرها النهائى، نال الجنوب بموجبها ست وظائف فقط مقابل ثمانمائية وظيفة للشمال وفى نقس الشهر حدث التمرد الاول فى الجنوب فى 18 اغسطس 1955 ، تفجرت على إثره حرب أهلية استمرت لسبعة عشر عاماً 1955-1972، ولم تتوقف إلا بعد حصول الجنوب على الحُكم الذاتي إتفاقية أديس أبابا- 1972.
اجتمع البرلمان فى التاسع عشر من ديسمبر 1955 ليتناول اقتراحا يرمى لاعلان الاستقلال، فتقدم الاعضاء الجنوبيون بشرط يلزم تحقيقه ثمنا لموافقتهم على الاقتراح، هو قيام نظام فدرالى للحكم، يساير روح مؤتمر جوبا، ولقد قبل الزعماء الشماليين هذا المطلب ، لكنهم كما اتضح بعد ذلك لم يكونوا جادين فى ذلك، ولقد قبل طلب الجنوبيين عند نظر اقتراح الاستفلال، كما قال زعيم المعارضه آنذاك السيد محمد احمد محجوب، لارضاء الجنوبيين، وحملهم على تاييد قرار الاستقلال
فاز حزب الأُمة بقيادة عبدالله خليل، بأغلبية مقاعد البرلمان وتحالف مع حزب الشعب الديمقراطي (حزب الختمية) وشكل حكومة إئتلافية فى يونيو 1957 سلمت السُلطة للعسكر بقيادة المجلس الأعلى للقوات المُسلحة برئاسة الفريق إبراهيم عبود في نوفمبر 1958 .
اطلق نظام عبود "مثلما يفعل غالبا قادة الانقلابات العسكرية " الوعود للشعب السودانى بالنماء و الرخاء و السلام ، لكنه مالبس ان زاد اوار الحرب الاهلية اشتعالا بحجة حسمها ، وعمل على قمع الشعب فانتفض ضده فى اكتوبر 1964 .
إنتفاضة اكتوبر 1964 ، مالها وما عليها:
اخذت انتفاضه اكتوبر 1964 زخمها وبريقها كما نرى من كونها حدثت فى وقت لم تعرف فيه افريقيا و الشرق الاوسط هذا النوع من الانتفاضات السلمية التى تنتهى باستسلام العسكر و قبولهم بتسليم السلطة للقادة المدنيين، وانعتقد ان جل قيمتها كفعل ثورى سودانى و كمنجز تاريخى انسانى تكمن فى انها قد قد اكدت على مسالتين اولهما اهمية الديمقراطية كممارسة شعبية ، وثانيهما قدرة اداوات النضال السلمى " وفق شروط محددة " على قيادة عملية التحول الديمقراطي
اهم القضايا التى طرحهتا انتفاضه اكتوبر 1964 هى ابرازها قضية الوحده الوطنية ممثلة فى قضية جنوب السودان
حيث تحول شعار مشكلة جنوب السودان الى برنامج تجلى فى مداولات و مقررات مؤتمر المائدة المستديره ، وفى برنامج لجنة الاثنى عشر و التى اصبحت نقطة مرجعيه ارتكز عليها اتفاق اديس ابابا فى مارس 1973 .
وبعيدا عن الشعارات البراقه التى طرحت على وقع الانتفاضه وبعد استسلام العسكر وتسليمهم السلطة ،فى زخم الانتفاضه ، فى ظل حرية الصحافة ،وبتفهم كامل وموضوعى لمسألة هامة هى ان الاحزاب الطائفية ، التقليديه ومنذ الاستقلال ، كما كتب احد قادتها ومفكريها وهو محمد احمد محجوب: (لم تكن لديها برامج محدده ومفصله لمعالجة النمو الاقتصادى و الاجتماعى ). ذلك انها لم تكن تجتزب اليها العضوية عن طريق الاقناع العقلانى ، بل كان اساس انضمام العضوية لها يعتمد على الانتماء غالبا للطائفة الدينية او الاعجاب الشخصى بالزعيم او بنسب الزعيم او طمعا فى بركات الزعيم الدينية او الدنيوية ، بينما كان لليسار خلفياته الفكريه التى يستند عليها عموما و برامجه السياسيه التى كان يطرحها كحل لمشاكل السودان على وجه الخصوص ، "بوضحونا حول هذه الحقائق التاريخية الهامة وفق ما نرى" ، وبحثا فى العوامل والاسباب الموضوعيه التى يستند عليها الباحث فى اطار الظرف التاريخى المستهدف، فى توصيف الفعل والحدث التاريخى وفق ظروفه، معطياته ، صناعه ادواته ، ونتائجه ، وبوعينا الكامل بان عملية التغيير الاجتماعى فى جدليتها تبدأ بتصور فكرى ، تتم ترجمته بواسطة حامليه الى برنامج سياسى ، يتم التعبير عنه فى علاقه الحامل بالمحمول من خلال الشعارات التى تعكسه وتنادى بتطبيقه، سنستعرض هنا ميثاق انتفاضه اكتوبر باعتباره الاطار النظرى الذى توافق عليه المنتفضون على المستوى و السقف النظرى (الفكرى) ،للفعل السياسى فى اقصى مداه العملى المراد لانتفاضه اكتوبر 1964 انجازه :
ميثاق انتفاضة اكتوبر 1964 :
1 - قيام حكومة مدنية انتقالية تتولى الحكم وفق دستور 1956 المعدل. 2 - اجراء الانتخابات في فترة لا تتعدى شهر مارس 1965 لجمعية تأسيسية تمارس السلطة التشريعية وتضع الدستور
3 - اطلاق الحريات العامة، والغاء القوانين المقيدة لها. 4 - تأمين استقلال القضاء وجامعة الخرطوم . 5 - اطلاق سراح المعتقلين السياسيين. 6 - وانتهاج سياسة خارجية في فترة الانتقال ضد الاستعمار والاحلاف.
هذا الميثاق اعلاه و الذى اجمعت عليه القوى السياسية فى السودان " الاحزاب الشمالية" و اعلنه سر الختم الخليفه فى الثالثين من اكتوبر 1964 ، لا يحمل فى مضمونه اى اجندة اصلاح اجتماعى اقتصادى سياسى حقيقيه تؤثر ايجابا فى حياة السواد الاعظم للشعب السودانى ، ناهيك عن اجندة (ثورة ) ، تسعى للتغيير الجزرى للواقع الاقتصادى الاجتماعى السياسى السودانى ، بتغيير علاقات الانتاج ، معادلة السلطة ، هيكل الدولة ، كرامة الانسان السودانى ، محاربة الجهل و الفقر و المرض ، تهدف لارساء دعائم العدالة الاجتماعية.
فى الواقع عبر ميثاق اكتوبر بشكل واضح واساسى عن هموم مهنية ، مصلحية لشرائح من الطبقة الوسطى السودانية فى شمال السودان، الطلاب و المهنيين من (أطباء ومهندسين ومحامين وأساتذة جامعيين وموظفين). وعلى الرغم من ان العمال قد شاركوا فى انتفاضه اكتوبر 1964 ، خاصة عمال السكه حديد إلى ان الميثاق لم يعبر عنهم باى حال.
كانت انتفاضه اكتوبر انتفاضه القوى الحديثة ( الحضر ) ، وقد عبرت عن هذه القوى فى الميثاق وعن مطامحها ورغبتها المشروعه فى بناء مجتمع عصرى جديد تحقق ذاتها فى إطاره ، لكن مشكلة القوى التى قادت الانتفاضه تكمن فى عجزها عن القبض على اللحظة التاريخية الحاسمة التى اتاحتها الانتفاضه بتسخير المد الثورى الجارف بالضغط على القوى السياسية فى اليمين من اجل توافق تاريخى حول قضايا السياسة السودانية ( قضايا المواطن و الوطن فى كل انحاء البلاد ريفها و حضرها ) ، الاساسية بتشكيل اطار تنظيمى لجبهة وطنية تقدمية تستوعب كل قوى الحداثة ، القوى السودانية ذات المصلحة فى الانعتاق من الواقع المتخلف الاقصائى المازوم .
[email protected]


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.