"العاصفة الحمراء" التي ضربت دولا عربية.. هل هي خطيرة؟    ما حقيقة زيارة وفد إيراني إلى السودان سرًا؟    الرابطة السليم تكتسح بركيه بخماسية اعداديا    ساردية تختتم التحضيرات لمواجهة الموسياب    يكررون الأخطاء.. وينتظرون نتيجة مختلفة..!!    الدولار يتراجع مع تصاعد توقعات التهدئة في الشرق الأوسط    القبض على أمريكى هدد 8 مرات بقتل ترامب    إحالة رئيس الأركان السوداني للتقاعد بالمعاش    المذيعة تسابيح مبارك تعبر عن حزنها لإغتيال القيادي بحكومة تأسيس: (شاب هميم التقيته في نيروبي ويحمل جواز سفر أميركي ما يعني أن لديه فرصة أخرى في الحياة)    "يديعوت أحرونوت": واشنطن بدأت عملية إجلاء طارئة ل60 ألف أمريكي من مصر    بالصورة.. أبعدوه حتى لا يرى قبرها ويقوم بنبشه.. قصة مؤثرة تدمي القلوب لشاب سوداني معاق ذهنياً في يوم وفاة والدته التي كان متعلق بها ومداوم على مسك "ثوبها"    المغرب يثبت نفسه بين الكبار ويواصل الهيمنة عربيا في تصنيف فيفا    شاهد بالفيديو.. "ماما كوكي" تتحدث عن قضية الساعة.. مطربة شهيرة تقيم علاقة عاطفية مع "البرنس" بعد طلاقها من زوجها وردة فعل أهلها جاءت صادمة لها    مفاجآت عمرو دياب لجمهوره التركى فى أول حفل له أغسطس المقبل    ريهام حجاج : كممثلة لا أهتم بالمظهر بقدر اهتمامى بصدق الشخصية    أدوية منسية في المنزل قد تهدد صحة العائلة.. تخلص منها فورا    نوع نادر من السرطان.. ما هو التليف النخاعى؟    5 نصائح للوقاية من جرثومة المعدة    سوداني يسأل: (أنا مغترب وحصلت مشكلة بين زوجتي وزجة أخي واخوي اتصل علي قال لي طلقتها ليك هل الطلاق واقع؟)    اللجنة الإقتصادية العليا تصدر عدداً من القرارات المهمة لتحقيق استقرار سعر الصرف    الصحفية عائشة الماجدي: (لاحظت في الخرطوم مجموعة من الناس نشطة عايزة تبيع بيوتها وفي كمية عرض بيوت للبيع ما طبيعية)    بالفيديو.. شاهد ماذا قالت الفنانة توتة عذاب عن أغنيتها التي تصدرت "الترند" في الوطن العربي؟ وتوجه رسالة للمطربة بلقيس فتحي والممثلة إيمي سمير    وزير التربية يدشن استلام الدفعة الثانية من كتب الصف الاول الثانوي للولايات    "معاناة 5 سنوات".. برشلونة يتلقى نبأ سارا من رابطة الليجا    شاهد بالفيديو.. علاء الدين نقد يدخل في حالة بكاء هستيري في سرادق عزاء القيادي بحكومة "تأسيس" أسامة حسن    الأمم المتحدة تفتتح مقرها بالخرطوم    شبكة أطباء السودان .. قوة تتبع للدعم السريع اقتحمت مستشفى الأسرة بمدينة نيالا واعتدت علي الكوادر الطبية    السودان.. وفاة لاعب كرة قدم    محمد عبدالقادر يكتب: شهادة البوشي.. و"فضيحة صمود "    وزير المعادن ونائب المدير العام المفتش العام للشرطة يدشنان مركبات لتعزيز مكافحة تهريب المعادن وتأمين مواقع التعدين    السودان.. وزير يشرع في تكوين قوّة عسكرية ضاربة..ماذا هناك؟    ارتفاع وارد واسعار الذرة والسمسم بسوق القضارف    قالت إنّها خرجت من آلية تحديد أسعار الوقود..الطاقة تكشف تفاصيل 20 باخرة في محيط البحر الأحمر    عثمان ميرغني يكتب: فساد.. الفساد..    شراكة استراتيجية بين "الشباب والرياضة" و"الصناعة" لتمكين المبتكرين ودعم الإنتاج الشبابي    السيسي للرئيس ترامب: لا أحد يمكنه وقف الحرب في المنطقة إلا أنت    مصر.. الدولار يقترب من 54 جنيها لأول مرة    وجبة سمك تُنهي حياة 3 سودانيين بالقاهرة وتتسبب في إصابة 4 آخرين بحالة تسمم غذائى حاد    رئيس الوزراء يصدر قرارًا بشأن الرسوم الجديدة في المعابر    محمد عبد الباسط يكتب: لهذا تحركت باكستان الآن للوساطة بين أمريكا وإيران    الخليج الضحية الكبرى: إيران وجهت 83% من هجماتها إليه… و17% فقط إلى إسرائيل    مهلة أخيرة للمخالفين: خيارات متعددة لمعالجة أوضاع التأشيرات المنتهية في السعودية    ترامب يصدر أوامره ويكشف تطورات مثيرة مع إيران    الأمن يداهم مخزن يبيع الوقود المهرب لعصابات التنقيب عن الذهب    رئيس الأهلي مدني وابنه يتعرضان لحادث مروع    المباحث تنهي مغامرات شبكة إجرامية متخصصة في الإحتيال علي أصحاب المحلات التجارية عن طريق اشعارات تطبيق بنكك المزيفة    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    الشيخ بن زومة.. إلى جنة الخلد    قيم الهلال المتوارثة يجب أن تبقى أبد الدهر    في زمن الضجيج.. القرآن بوصلة المعنى والسكينة    د.مزمل أبو القاسم يكتب: دموع الباز.. وزاهر! (2)    السودان.. الدفاع المدني يستعين ب"التوك توك"    طفح جلدي في رقبة الرئيس ترمب يثير تساؤلات حول صحته    صوت لا يغيب.. محمد رفعت ورحلة الآذان الخالد في رمضان    أجهزة الأمن السودانية تنهي مغامرات لص الصيدليات في عطبرة    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    السودان.. فكّ طلاسم"تبيدي للمجوهرات" في الخرطوم والتحقيقيات تفجّر مفاجأة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



إطلالة على إسحق القاسم شداد وكتابه: "مشوار حياة" .. بقلم: بروفيسور / مهدي أمين التوم
نشر في سودانيل يوم 28 - 10 - 2018


بسم الله الرحمن الرحيم
عندما جلست لقراءة سِفْر الأستاذ إسحق القاسم شدّاد الموسوم ب (( مشوار حياة )) والصادر عن شركة مطابع السودان للعملة عام 2018 م في طبعة انيقة من 345 صفحة ، إستحضرت ذهنياً صوراً متداولة عن جيله ، جيل الستينيات الميلادية ، الذي إستكثرعليه البعض إحداثه لثورة أكتوبر الشعبية المجيدة ، كما إستكثروا عليه طغيانه على المشهد الثقافي السوداني عبر غابات وصحراء ، وتحت مظلة تجمعات ثقافية تركت بصمات لا تنكر في المجتمع السوداني منذ ذلك الحين وحتي يوم الناس هذا . لكن سياحتي المتأنية عبر صفحات الكتاب جعلتني أتساءل بصدقٍ هل نحن أمام مشوار حياة لواحد فاعل من ذلك الجيل ، أم نحن أمام سِجِلٍ حقيقي عن إرتباك ذلك الجيل الذي كان من المفترض أن يتسلم الراية من آباء الإستقلال المؤسسين لينطلق بالبلاد نحو آفاق المستقبل ولكنه لم يفعل فضاع الوطن ، أو كاد ، بين أطماع العسكريين و مماحكات المثقفين وعبث السياسيين .
لقد كتب إسحق مشوار حياته بصدقِ و أمانة ، و بتفاصيل تنم عن ذاكرة قوية ، وعن إعتماد على وثائق شخصية وعامة زادت من مصداقية روايات الكاتب و إستشهاداته . و تنوعت سياحته بين الخاص والعام في مراحل العمر المختلفة من الطفولة وحتى الكهولة و الشيخوخة . وليس من غرض هذه الإطلالة إعطاء ملخص للكتاب ، بل هى مجرد إشارات لقليل مما ورد في الكتاب بتفاصيل مذهلة و متعددة الجوانب ولذلك فهى لا تغني عن قراءة الكتاب بكامله .
لقد تعاصرنا في جامعة الخرطوم في النصف الاول من ستينيات القرن العشرين و لهذا فإن معظم ما ذكر من أحداث و شخصيات متعلقة بجامعة الخرطوم في ذلك الحين معروف لديّ و أثار في نفسي الكثير من الذكريات ، اللهم إلا ما يتعلق بكواليس عمل إتحاد طلاب جامعة الخرطوم الذي كان المؤلف نشطاً فيه ولكنني لم أك مهتماً بالعمل في مؤسساته ، غير أني ، كمعظم طلاب تلك الفترة ، لم أتقاعس عن المشاركة الجادة في كل نشاطاته الميدانية من إضرابات و إعتصامات و مظاهرات مطلبية و سياسية ، بما في ذلك ندوة الجنوب المشهورة وما أدت إليه من صدامات و إغتيالات ألهبت الشارع و أدت إلى إندلاع تورة أكتوبر المجيدة .
من أهم النقاط التي أبرزها الكاتب عن فترة الجامعة ، حديثه عن إتحاد الطلاب من حيث قوته و قوميته و تنظيمه و إلتفاف الطلاب حوله بقوة ، بالإضافة إلى نظرة المجتمع الإيجابية عن الإتحاد و عن موقعه في الساحة النضالية ضد الدكتاتورية العسكرية . و كان الإتحاد عندئذٍ يمارس نشاطاته في جامعة ذات حرم مقّدس لا تستطيع الأجهزة الأمنية تدنيسه بأقدامها ، عكس ما يحدث حالياً تحت حكم الإنقاذ التي جعلت للشرطة تواجداً دائماً في مداخل الجامعة وكافة نواحيها . كذلك يتضخ من سرد الوقائع المتعلقة بإتحاد طلاب جامعة الخرطوم ، أن نظام التمثيل النسبي ، الذي ظل يلتزمه الإتحاد منذ تأسيسه ، هو سر قوة الإتحاد و لغز تماسك كل شرائح الطلاب به و إلتزامهم الصارم بتنفيذ قراراته بقوة و صمود مهما كانت التضحيات الفردية أو الجماعية .
وبقى الإتحاد متلألئاً في سماء الوطن إلى أن تمّ إلغاء نظام التمثيل النسبي و أصبح التنافس فردياً بين مجموعات الطلاب السياسية في الجامعة ، فضاعت وحدة الطلاب ، وتدهورت صورة إتحادهم ، إلى أن وصلنا اليوم إلى مرحلة تلاشى فيها الإتحاد و أصبح ممنوعاً بحكم القانون و اللوائح ، بأمر الدكتاتورية الجاثمة على الصدور وبتنفيذ الإدارات السياسية المفروضة جبراً على الجامعات ، و بالذات على رأس الحية جامعة الخرطوم مولّدة الثورات .
لقد كانت جامعة الخرطوم منارة وكانت تُعتبر من أفضل جامعات العالم علماً ، و إدارة ، و تقاليداً ، وأعرافاً . وكنت حتى قبيل قراءة هذا الكتاب ، لم أسمع بأي تلاعب في نتائج طلابها و لا أي تدخل حكومي في لوائح إمتحاناتها في عهودها الزاهرة . ولكن صدمتني حادثة ذكرها مؤلف الكتاب ، تتعلق بشخصه الكريم ، أدت إلى تراجع الجامعة عن فصله من كلية القانون بفضل تدخل مباشر و تهديد شخصي قام به الأميرألاي المقبول الأمين الحاج ، أحد صقور مجلس قيادة ثورة 17 نوفمبر ، ضد عميد كلية القانون بريطاني الجنسية . لقد تمّ تهديد عميد الكلية بالفصل من الجامعة و الطرد من البلاد إذا أصر على معاقبة إسحق القاسم شداد بفصله من الكلية . و من المؤسف أن العميد خضع للتهديد و إستكان للأمر القادم من عضو مجلس قيادة الثورة و خفف العقوبة ليبقى إسحق طالباًبالجامعة ولو متأخراًعاماً واحداًعن دفعته . ويزيد الطين بللاً ، أن تدخل المقبول كان إستجابة لوساطة أسريةٍ من عائلة إسحق ، وما كنت أحسب أنها قد تٌمارس لتغويض شؤون جامعة الخرطوم الأكاديمية و الإدارية بهذا الشكل المفضوح .
أما خارج الجامعة و بعد التخرج و الولوج إلى الحياة العملية ، و إلى دنيا السياسة و المجتمع ، فلقد قدّم الأخ إسحق نفسه كنموذج لجيل الستينيات الميلادية الذي بدأت ربكة و تذبذب مواقفه السياسية و الفكرية منذ عهد الطلب بالجامعة ، بل وحتى من المرحلة الثانوية . ولقد بدأ إسحق أولى إنتماءاته ، في مدرسة وادي سيدنا الثانوية ، مع تنظيم الإخوان المسلمين الذى تركه بعد فترة وجيزة بدون توضيح مقنع لعمليتي الإنضمام والمفارقة . و جاءت فترة الجامعة ليمارس فيها التنقل بين التنظيمات السياسية ببساطة ملفتة وبدون منطق معقول . ولم يقتصر ذلك التذبذب على مرحلة الدراسة الثانوية و الجامعية بل إمتد حتى فترة الحياة العملية . ولقد وصل الإخفاق و عدم الثبات على المبادئ ، إلى درجة التعاون العلني و المستتر مع الأنظمة الديكتاتورية التي إبتٌلى بها السودان بخاصة نظامي مايو و الإنقاذ دعك مما فعله الأميرالي المقبول . لقد تعاون إسحق مع المايويين بحجة صداقته لبعض قياداتها ولقد إعترف أنه فد أُبلغ بالتخطيط لإنقلاب مايو لكنه رفض المشاركة مع إلتزامه بالصمت و عدم التبليغ عن ما يجري التحضير له لتغويض الدستور و النظام الديمقراطي الشرعي . كما علم أيضاً بالتخطيط لإنقلاب يعده البعثيون العراقيون بالتعاون مع الشريف حسين الهندي لكنه أيضاً آثر الصمت !!
أما تعاونه مع نظام الإنقاذ الجاثم فوق صدورنا منذ ثلاثة عقود ، فهو الآخر وطيد و متنوع و مستمر حتى يوم الناس هذا . ولقد وصل تعاونه مع ديكتاتورية الإنقاذ إلى درجة قبول عضوية مجلس شورى حزب المؤتمر الوطني بعد إعلان رسمي بإنضمامه لهذا الحزب الفاشيستي . ليس هذا فقط ، بل يتحدث الكاتب بأريحية عن عضويته لكثير من لجان و مؤسسات هذا النظام الباغي ذات الطبيعة السياسية و الدستورية و القانونية . ومضحك جداً إدعاء الكاتب بأن تعاونه الوثيق مع الإنقاذيين ينطلق من إستقلاليته في الفكر و السياسة بالإضافة إلى مهنيته ، بينما الكل يعرف أنه ليس للإستقلالية مكان من الإعراب في مثل هذه الانظمة الديكتاتورية . ويضاف إلى هذا الإدعاء ، إدعاء آخر وهو أنه ضعيف أمام أصدقائه و معارفه ولا يستطيع أن يرد لهم طلباً حتى و إن كان مناقضاً لأفكاره و مبادئه الخاصة . فالمجاملة حسب قوله ، هي التي تجعله يبدو متناقضاً مع نفسه و مرتبكاً في مواقفه العامة . و أنصع مثال هنا هو قبوله منصباً متقدماً جداً في حزب البعث ( العراقي ) ، رغم تكرار قوله في الكتاب أنه ليس بعثياً و لكنه عمل تحت مظلة البعث إستجابة و مجاملة لأشخاص يعزّهم و لا يستطيع أن يرد لهم طلباً . لكنه عموماً إعترف أنه عومل في العراق كقائد قومي بعثي !!.
إن تذبذب إنتماءات الأخ إسحق السياسية ، والتي لم يخف عنها شيئاً في كتابه ، تعبّر عن قلق جيل الستينيات الميلادية الذي أعقب جيل آباء الإستقلال ، بأحزابهم التقليدية و طوائفهم الدينية . لم يجد جيل إسحق مواقعاً تلبي طموحاتهم تحت مظلة الأحزاب التقليدية التي كانت تسيطر على الساحة السياسية ، كما لم يجد ذلك الجيل المقدرة على تكوين أحزاب بديلة وطنية تنافس الأحزاب التقليدية ، ولا الأحزاب العقائدية التي كانت تمثل اذرعاً لأنظمة و أحزاب عقائدية إقليمية أو دولية . ولهذا مارسوا الحياة السياسية خبط عشواء لدرجة القبول بالتعاون مع ديكتاتوريات باطشة و تنظيمات لا تعرف ولاءً لا للسودان و لا لأهله ، مدفوعين بطمع أو رهبة غير مبررة او مجاملات غير منطقية .
وفي حالة الأخ إسحق بالذات و علاقته بالإنقاذ فيمكن تفسيرها جزئياً بوقوعه مبكراً في حبائل بعض أساطين الإخوان المسلمين و بالذات الأستاذ محمد يوسف المحامي . إن عمل إسحق و علاقته المهنية الوطيدة مع الأستاذ محمد يوسف أتاحت له الإتصال المباشر و التقرٌب من قيادات هذه العصابة وعلى رأسهم علي عثمان محمد طه الذي يبدو أنه وجد في الأخ إسحق وكثيرين غيره من جيل الستينيات المضطرب ، وجد فيهم إستعداداً فطرياً أو مكتسباً للوقوف مع الأنظمة الديكتاتورية لأسباب قد تختلف من شخص إلى آخر و لكنها في النهاية تؤدي إلى تبني مواقف تتناقض مع الفطرة السليمة و تبتعد عن مطالب الشعب و تساهم في توطيد مواقع الأنظمة الديكتاتورية . ويبقى السؤال المحيّر كيف يمكن لرجال و نساء خرّجتهم جامعة الخرطوم في عهدها الزاهر ، يختارون التعاون مع نظام قاهر و يشاركون في لجان قانونية مشبوهة كتلك التي تناهض سعي المحكمة الجنائية الدولية للإقتصاص لضحايا مجازر دارفور و جبال النوبة و النيل الأزرق و السدود و ضحايا الإحتجاجات المدنية في سبتمبر وغيرها من هبات الغضب الشعبية .
لكن علي الرغم من هذه الجوانب المؤلمة و المحيّرة في مشوار حياة الأخ إسحق ، فإن الكتاب يحتوي على معلومات تاريخية و مجتمعية مهمة جداً بخاصة ما يتعلق منها بتاريخ و مساهمات آل شداد في مجتمع مدينة بارا بشكل خاص و السودان بشكل عام . إنها مساهمات إمتدت منذ ما قبل المهدية وأثناءها و بعدها حتى زمان الناس هذا . ولقد أعطت هذه الأسرة الكثير و لازالت تعطي على المستوى المحلي و القومي و العالمي مما يعتبر مساهمات إيجابية بكل المقاييس ، ولكنها كطبيعة البشر لا تخلو من إنكسارات أو سلبيات فردية ، ولو أنها محسوبة على الأسرة الممتدة ، ويأتي من بينها الهروب أو التهريب المخطط من معركة كرري , وما تلاه من تعاون وطيد مع الإستعمار في إطار الإدارة الأهليه وفي أروقة الأنظمة العسكرية التي حكمت السودان لما يزيد على نصف قرن .
أما في رحاب العمل المهني فإن الكتاب يمثل سجلاً ناصعاً لمساهمة الكاتب في تطوير و ممارسة مهنة المحاماة التي فضّل الإنتماء إليها منذ تخرجه من الجامعة . لقد تحدث بإسهاب عن تجاربه في دنيا المحاكم في شتى بقاع السودان مع التركيز على الجوانب المدنية و التجارية – لقد كان ولا يزال نجماً و مرجعاً في دنيا المنازعات التجارية و تنظيم الشئون القانونية للشركات و المؤسسات الإقتصادية الكبرى . لقد عمل دون كلل أو ملل في خدمة المظلومين بدوافع مهنية و إنسانية بحته ولهذا لم تكن المكاسب المادية تشغل باله أو تحول دون دفاعه عن المظلوم ، وكان دائماً يعف عند المغنم الذي يتكالب عليه الآخرون . لكن من المؤسف أنه يعترف بواقعتين تتناقضان مع مجمل مهنيته و نقائه . فلقد إعترف أنه قد توسط عن طريق الإتصال الشخصي لدى قضاة ينظرون في قضايا بعض موكليه مما جعل أولئك القضاة يغلّبون المجاملة على حكم القانون في قضية خطيرة تتعلق بالمتاجرة بالمخدرات . لقد كان ذلك تدخلاً لا يليق في سير العدالة من رجل قانون من جيل الستينيات .
كذلك إستفاد المؤلف شخصياً من مثل هذه التدخلات غير القانونية في سير العدالة بإعترافه بأن أحد أقربائه من كبار ضباط الشرطة سحب أو أخفى عن عين العدالة صوراً فوتوغرافية إلتقطت في المظاهرات التي خرجت مرحبة و مؤيدة لإنقلاب الشيوعيين بقيادة الرائد هاشم العطا . كانت الصور تظهره في قيادة المظاهرة بجانب الشفيع أحمد الشيخ وكانت بذلك تمثل إثباتاً كافياً لإرساله مع الآخرين إلى حبل المشنقة في تلك الهوجة النميرية . لكن سحب و إخفاء الصور في خزنة ذلك الضابط الكبير أنقذت إسحق من الإعدام فبقى في السجن لفترة وجيزة ثم أُطلق سراحه . الحمد لله على نجاته لكنها صورة أخرى من تدخلٍ في سير العدالة .
بجانب الصور التاريخية والقانونية و السياسية تمتلئ صفحات الكتاب بالعديد من الجوانب الإنسانية و العاطفية التي تدل على طبيعة بشرية راقية و على عواطف جياشة و حب جارف نحو الآخرين . ويبرز هذا الأمر بشكل واضح و كبير كلما جاء الأخ إسحق على ذكر إسم شقيقته بروفيسور فاطمة القاسم شداد رحمها الله . لقد ورد إسمها كثيراً في صفحات الكتاب . إختار الله بروفيسور فاطمة باكراً إلى جواره فذهبت مبكياً على شبابها و كأنها شهاب أضاء سماء جامعة أم درمان الإسلامية ثم تلاشى في لمح البصر . لقد كانت شعلة من النشاط و من الأدب و من الإجتهاد العلمي و من المقدرات الإدارية ، وكل ذلك تحيط به شخصية كاريزمية و ثقة عالية بالنفس ، جعلتني ، وأنا مدير لجامعة أم درمان الإسلامية في أواخر ثمانينيات القرن العشرين ، جعلتني أعهد لها بإدارة الجامعة خلال فترة غيابي خارج السودان في مهمة رسمية ، علماً بأنها كانت الأنثى الوحيدة بين عمداء كليات الجامعة . لقد كان ذلك التكليف بمثابة إنقلاب في سماء و دنيا جامعة متزمتة ، حاولت ، مع آخرين من أمثال البروفيسور فاطمة ، الخروج بها من التقليدية العمياء إلى آفاق العصرنة و التحديث . ولقد أدت البروفيسور فاطمة أمانة التكليف بفاعلية و كفاءة أذهلت كل مَن فَغَر فاهه مندهشاً من قرار وضع أنثى في قمة إدارة جامعة إسلامية !!- لكنها ، وأشهد الله على ذلك ، كانت نِعْم الممثل لشخصي الضعيف و نِعْم الواجهة المشرفة للجامعة . رحم الله بروفيسور فاطمة ، و من حق الأستاذ إسحق أن يبكي عليها مدى الدهر ، وأن تغلب العاطفة عليه كلما جاء ذكرها .
أما الجانب العاطفي الأساسي في الكتاب فهو المتعلق بالشيخ شدّاد الذي تمتلئ صفحات الكتاب بالإشارة إليه . إنه عم الكاتب و مربيه و أبوه الروحي الذي لعب أدواراً أساسية في تربية ونشأة مؤلف الكتاب و في رعايته هو و أخواته حتى بعد أن شبوا عن الطوق و أصبحوا رموزاً إجتماعية يشار إليها بالبنان . إن الحديث عن الشيخ شدّاد و دوره التاريخي و الإجتماعي و التربوي ، لا يجزيه إلا الإطلاع على كامل صفحات الكتاب، سطوراً وما بين السطور .
وأخيراً لابد من الإشارة إلى أن الكتاب قد صدر في طبعة أنيقة و بغلاف معبّر لكنه يحتوي على أخطاء طباعية ولغوية كثيرة يمكن مراجعتها في طبعات قادمة إن شاء الله . كذلك تمتلئ صفحات الكتاب بتنويهات و إشارات كثيرة لموضوعات يقول الكاتب أنه سيتحدث عنها لاحقاً ، ولكن بكل أسف نسبة كبيرة من تلك الموضوعات المؤجلة لم تظهر في الكتاب . كذلك فإن الكاتب يشير أحياناً إلى موضوعات يقول أنه قد تحدث عنها في صفحات سابقة و لكنها غير موجودة و كأنها سقطت في مراجعة لاحقة للمسودة قبل دفعها إلى المطبعة .
لكن عموماً يمثل الكتاب سِفراً مهماً كُتب بعناية وصدق و صراحة و يحتوي بين جنباته على ثروة من المعلومات و التفاصيل الجديرة بالتوثيق و النشر ، وكل ذلك مكتوب بأسلوب رصين و جاذب . إنه وثيقة تمثل جزءً من تاريخ جيل ، و تطور دولة نتشرف بالإنتماء إليها ، وتحيرنا مآلاتها !!!
إنه دون شك كتاب جدير بالإقتناء و التأمل بعقل مفتوح ، و من ثم التساؤل معي : هل هو مشوار حياة ، أم سِجِلٌ لإرتباك جيل !!!
**********
*******
****
بروفيسور / مهدي أمين التوم
هاتف : 0991198017
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.