وصول الفوج الرابع من اللاجئين السودانيين بيوغندا    مصادر تكشف تفاهمات سرية لوقف استهداف مطاري الخرطوم ونيالا    المملكة مركز ثقل في حركة التجارة الدولية    مصر.. الدولار يقترب من 54 جنيها لأول مرة    البنزين الأوروبي والأميركي يتجه إلى آسيا    دراسة تحذر: الذكاء الاصطناعي يميل إلى "مجاملة" المستخدمين على حساب الدقة    رئيس الوزراء الباكستاني: نعرب عن تضامننا الكامل مع الشعب الإيراني الشجاع في هذه الظروف الصعبة    نتفليكس تزيل الستار عن أول صورة لشخصية جو كينيدى الأب فى مسلسلها الجديد    الأهلي يرفض قطع إعارة كامويش وعودته للدوري النرويجى.. اعرف التفاصيل    حقيقة مفاوضات بيراميدز مع أحمد القندوسى لضمه فى الصيف    سارة بركة: أحمد العوضى مجتهد بشكل كبير وبيحب شغله جدا    دار الأوبرا تحتفى بذكرى رحيل عبد الحليم حافظ بحفلين اليوم وغداً    لوك غريب ل فتحى عبد الوهاب والجمهور يرد: هتعمل دور الملك رمسيس ولا إيه؟    وجبة سمك تُنهي حياة 3 سودانيين بالقاهرة وتتسبب في إصابة 4 آخرين بحالة تسمم غذائى حاد    7 عناصر غذائية يحتاجها الطفل فى سن المدرسة لدعم نمو وتطور الدماغ    مناوي : ناقشت بسويسرا تطورات الأوضاع في السودان وسبل دعم السلام    اختيار غير متوقع لمستقبل "الملك المصري"    والي الخرطوم يعلن تركيب كاميرات رقابة حديثة في المعابر الحدودية التي تربط الولاية بالولايات الاخرى    جاهزية متكاملة واعتماد حكام دوليين لبطولة العرب للشباب في ألعاب القوى بتونس    حل لجنة المنطقة الشمالية بكوستي وتشكيل لجنة جديدة لإدارة مباريات الدرجة الثالثة    صبري محمد علي (العيكورة) يكتب: المنصوري يا مكنة    شاهد بالصورة والفيديو.. رجل سوداني يُدخل نفسه داخل "برميل" تفاعلاً مع أغنيات "الطمبور" والحاضرون يحملونه ويطوفون به ساحة الحفل    شاهد بالفيديو.. بفستان مثير المودل آية أفرو تنصح النساء بطريقة ساخرة: (الرجل مثل العصفور إذا مسكتي شديد بموت ولو فكيتي بطير والحل الوحيد تنتفي ريشه)    عاجل..بيان مهم للجيش في السودان    شاهد بالصورة والفيديو.. ظهور علم السودان على ظهر سيارة بأحد شوارع مدينة "غلاسكو" الأسكتلندية    وفاة داعية سوداني بارز    وزير الشباب ووالي الخرطوم يشرفان ختام الفعاليات الرياضية بالشقيلاب    هل يمكن علاج الكبد الدهنى؟.. دراسة جديدة تربط الوقاية بفيتامين ب3    شاهد بالصورة والفيديو.. مشجعة الهلال الحسناء "سماحة" تطالب إدارة ناديها بتقديم "رشاوي" للحكام من أجل الفوز بالبطولة الأفريقية وتشكر "أبو عشرين"    بسبب ضعف الراتب.. وزير الثروة الحيوانية بالسودان يبحث عن عمل إضافي    رئيس الوزراء يصدر قرارًا بشأن الرسوم الجديدة في المعابر    محمد عبد الباسط يكتب: لهذا تحركت باكستان الآن للوساطة بين أمريكا وإيران    السكوت على هذا الأمر لا يرضي الله ولا رسوله!!    ارتفاع أسعار الذهب في السودان    الخليج الضحية الكبرى: إيران وجهت 83% من هجماتها إليه… و17% فقط إلى إسرائيل    مهلة أخيرة للمخالفين: خيارات متعددة لمعالجة أوضاع التأشيرات المنتهية في السعودية    ضبط 2800 قندول بنقو بالجزيرة في عملية نوعية لمكافحة التهريب    ترامب يصدر أوامره ويكشف تطورات مثيرة مع إيران    هل مخالفة ترامب خلل في الكون؟!    الأمن يداهم مخزن يبيع الوقود المهرب لعصابات التنقيب عن الذهب    تراجع معدّل التضخّم في السودان    بادي يصدر مرسوم تنظيم أعمال التعدين التقليدي وضبط آليات التعدين بالنيل الأزرق    رئيس الأهلي مدني وابنه يتعرضان لحادث مروع    المباحث تنهي مغامرات شبكة إجرامية متخصصة في الإحتيال علي أصحاب المحلات التجارية عن طريق اشعارات تطبيق بنكك المزيفة    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    الشيخ بن زومة.. إلى جنة الخلد    قيم الهلال المتوارثة يجب أن تبقى أبد الدهر    في زمن الضجيج.. القرآن بوصلة المعنى والسكينة    د.مزمل أبو القاسم يكتب: دموع الباز.. وزاهر! (2)    السودان.. الدفاع المدني يستعين ب"التوك توك"    طفح جلدي في رقبة الرئيس ترمب يثير تساؤلات حول صحته    ملتقي التحصين للعام 2025 ينعقد بحضور التحالف العالمي للقاحات والشركاء    صوت لا يغيب.. محمد رفعت ورحلة الآذان الخالد في رمضان    أجهزة الأمن السودانية تنهي مغامرات لص الصيدليات في عطبرة    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    السودان.. فكّ طلاسم"تبيدي للمجوهرات" في الخرطوم والتحقيقيات تفجّر مفاجأة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



منشورات حزب الحكمة: أنواع التفكير والحالة السودانية: الحلقة الخامسة .. بقلم: د. عبدالمنعم عبدالباقي على
نشر في سودانيل يوم 10 - 03 - 2019


بسم الله الرحمن الرحيم
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
"عجبت لغافلٍ والموت حثيث خلفه"
الإمام علي بن أبي طالب كرم الله وجهه
التفكير التجريدي يسعى وراء المعنى تفسيراً أو استنباطاً أو استقراءً أو تأويلاً. واستنباطه يطلب المعنى الخفي وهو أكثر عمقاً وارتباطاً بالأفكار لا بالمحسوسات، فهو يستنتج فكرة ثالثة من فكرتين كأن تقول: (هطلت الأمطار في الخرطوم وامتلأت الشوارع بالمياه) والفكرة المستنبطة هي (عدم وجود تصريف للمياه)، بينما تأويله هو ما وراء المعنى، وهو ينتج معنىً جديداً لا يبدو مباشرة من عملية الاستنباط كأن تقول: (انعدام الكفاءة أدّى إلى غرق الخرطوم) أو (انعدام التفكير الاستراتيجي كان وراء المشكلة).
وهذان النوعان من التفكير يؤثّران على قدرة الشخص أو الشعب على التصرّف في المآزق وفي حلِّ المشاكل والتقدّم.
ومن الأمثلة السابقة لاختلاف طبيعة الناس باستخدام التفكير الصلب، وهو الاعتماد على المعني الظاهر، أو استخدام التفكير التجريدي، وهو النظر إلى مقصد الكلام أو معناه الخفي، ما حدث في هذا الحديث الصحيح:
" نادى فِينا رَسولُ اللهِ ﷺ يَومَ انْصَرَفَ عَنِ الأحْزابِ أَنْ لا يُصَلِّيَنَّ أَحَدٌ الظُّهْرَ إلّا في بَنِي قُرَيْظَةَ، فَتَخَوَّفَ ناسٌ فَوْتَ الوَقْتِ، فَصَلَّوْا دُونَ بَنِي قُرَيْظَةَ، وَقالَ آخَرُونَ: لا نُصَلِّي إلّا حَيْثُ أَمَرَنا رَسولُ اللهِ ﷺ، وإنْ فاتَنا الوَقْتُ، قالَ: فَما عَنَّفَ واحِدًا مِنَ الفَرِيقَيْنِ".
والمصطفي صلّى الله عليه وسلّم لم يُعنِّف طرفاً منهم لأنَّه يدرك طبيعة البشر ويعرف أن نية الفريقين كانت صحيحة ولكن لولا شكّ الناس في أي فهم كان الأجدر بهم أن يتَّبعوا لما عرضوا الأمر على الرسول ﷺ.
فكلّما كان الإنسان قادراً على استنباط المعاني أو تأويلها كانت قدرته التجريدية أعلى، وحسّه الفكاهي أرقى، وقدرته على حلّ المشاكل أكبر. فنحن في السودان مثلاًّ قد تقدّمنا من مرحلة نكات (ود نفّاش) إلى مرحلةٍ نكات القبائل ثم أخيراً النكات التي تعتمد على المفارقة الذكية، وإن كان هناك من يستمتع بالنكات البدائية إلى الآن حسب مرحلة تطّوره الثقافي.
فالإنسان بطبيعته بدائي يميل للشيء الموجود المحسوس، ويجد صعوبة في تقبّل الأفكار المجرّدة ولذا فقد كانت الأمم السابقة تتّخذ أصناماً تلجأ لها كوسيط بينها وبين الله سبحانه وتعالى الذي لا تستطيع أن تراه. وفكرة الله هي أكثر فكرة امتحاناً لقدرات الناس العقلية. وبرغم تكرار الرسل لتنقية العقيدة ورفع المستوى الفكري من المادي للتجريدي، حتى تؤمن بالله الذي لا تراه، كرّرت هذه الأمم ديدنها واتّخذت أرباباً من دون الله.
فأرسل الله سبحانه وتعالى المعجزات كشيء مرئي ومحسوس كبرهان على وجوده، ولكن حتى ذلك لم يؤثّر في تغيير أفكار الناس المجبولة على التعلّق بمادية الأشياء، فاتّهموا الرسل بالسحر وأشياء أخرى حتى إذا ثبت لهم بالدليل العقلي بعد التجربة ضحالة أفكارهم وضلالها مثل موقف سيدنا إبراهيم عليه السلام بعد أن حطم الأصنام الصغيرة وترك كبيرها:
" فَرَجَعُواْ إِلَى أَنفُسِهِمْ فَقَالُواْ إِنَّكُمْ أَنتُمُ اْلظَّالِمُونَ"، وهذه تسمي صحوة الظالم ولكن سرعان ما تتبعها النكسة عندما يدرك أنّ ثمن التمسك بالرأي الجديد كبير وهو السلطة الزمنية والجاه:
" ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُءُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلَاءِ يَنطِقُونَ؟
ونحن نذكر صحوة المشير عمر البشير عندما بكي وقال إنَّهم سفكوا دماء المسلمين لأتفه الأسباب وها هو يسفكها اليوم بنفس الأسباب التي حكم عليها بأنَّها تافهة، فهي لا تختلف عن الخوف من الفوضى وانعدام الأمن وتفكيك الوطن.
وكلّما ازداد التفكير الصلب أو المادي في أمّة، سعت هذه الأمّة لعمارة الأرض لإثبات قوّتها ووجودها. وكلّما كانت أقل قدرة على الرقىّ الفكري، والتجريد للمفاهيم من المعلومات أو المحسوسات كلّما ازدادت دلائل قوّتها المادية. واليوم نرى آثار الأهرامات وإرم ذات العماد والبتراء والرومان وناطحات السحاب ولا نرى من إرثهم الفكري إلا مبدأ القوّة. ولذلك فقد نبّهنا المولى عزّ وجل إلى قلب مفاهيمهم بقوله:
‫"أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۚ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً ‫وَأَثَارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا". ‬ ‬ ‬‬‬‬
وعندما طغوا وتساءلوا تساؤل واثق: "
‫"فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً؟‬‬‬
ذكّرهم الله سبحانه وتعالي بأنّه الذي خلقهم "أشدّ منهم قوة"، فانظر إلى البلاغة في إضافة أشدّ إلى القوّة، إذ ذاك يدلّ على القوةّ اللانهائية التي لا تحدّها حدود، فكلما ازدادت قوّتهم كانت قوة الله سبحانه وتعالى أشدّ وأعلى، وهي دليل على القوة الحاضرة والديمومة والاستمرارية المستقبلية.
وينطبق عليهم قوله سبحانه وتعالي ساعة زوال الغفلة:
" ‫حَتَّى إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ إِمَّا الْعَذَابَ وَإِمَّا السَّاعَةَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَّكَانًا وَأَضْعَفُ جُندًا‬"‬‬
وسيعلمون أيضاً أنَّ قوتهم المادية بعتادها ورجالها لن تنصرهم وهي أقل عدداً من الشعوب التي تثور من أجل حقوقها الإنسانية:
" ‫حَتَّى إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ أَضْعَفُ نَاصِرًا وَأَقَلُّ عَدَدًا‬"‬‬
وسبب غفلة أصحاب التفكير الصلب هو تغليب القوة المادية الخشنة على القوة الروحية الإنسانية الناعمة قلباً للأولويات التي ذكرها المولي عزَّ وجل عندما أمر المسلمين بإعداد القوة:
" ‫وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ ‬"‬‬
ونري في هذه الآية الكريمة الأمر بالإعداد لما يستطيعه المسلمون من قوَّة وقد تركها مُبهمة، ثمَّ عطف عليها مثال القوة المادية وضرب مثلها برباط الخيل التي يمكن أن تمثل الدبابات أو الطائرات، ووضَّح السبب وهو إدخال الرهبة في قلوب الأعداء.
‫"وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ ‫أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ ‫قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ على شفا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأنْقذَكُم مِنْها"، وهذه هي أعظم قوَّة ممكنة، وهي ما نسميه بمفاهيمنا الحديثة "توحيد الصف الداخلي"، ثمَّ هناك قوَّة العلم التي يمكن أن تستخدم في الحرب النفسية أو في صناعة الأسلحة الرادعة المتطورة لا شرائها من العدو لتقاتلها به، فلن تستطيع أمَّة أن تهزم عدوَّها أو تتفوّق عليه وهي تعتمد على السلاح الذي صنعه.‬‬‬‬‬‬
وأيضاً هناك قوَّة العدل، وقوَّة الحب والكثير من القوي الناعمة الأشد فتكاً لأنَّها تلين القلوب، وتفتح نوافذها للنور فتدحر الظلام. ولكن ماذا نفعل مع أصحاب التفكير الصلب المادي الذين ما إن سمعوا بسورة التوبة إلا وفسروها بما يروق لهم خارج سياقها، وأعلنوا موت كلِّ أنواع القوي الناعمة التي جاء بها الإسلام بنسخها، وغفلوا عن أنَّ القوة المادية لا تقيم ممالك لله على الأرض فهي تملك القوالب ولا تملك القلوب وتنشر النفاق والفساد، والله سبحانه وتعالي عندما أعطي الإنسان حرية الإرادة وحرية الاختيار كان يريد عبودية عن محبَّة لا عبودية عن قهر:
؟" ‫وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَن فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا ۚ أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ‬. ‬‬‬
ومن رحمة الله سبحانه وتعالى بخلقه، وهو أدرى بهم، علمه أنّ بهم ضعفاً، وأشدّ أنواع الضعف هو الضعف الفكري، وهل الحياة وما فيها نتاج شيء غير الفكر؟ يؤمن النّاس بفكرة ما، ثمّ يلتفّون حولها ويقيمون لها الشعائر والطقوس ويبنون تجسيداً لها ويحاربون من أجلها ومع مرور الزمن يغفلون عن روح الفكرة ويصنعون منها أو من الجماعة التي تحميها صنماً يعبدونه.
تأمّل حال الجماعة الإسلامية في السودان التي تركت اتّباع الحق وراء ظهرها وتمسَّكت بجسد الجماعة ممثلاً في الحزب والحكومة تري في المحافظة عليهما الأولوية الأعلى حتى وإن كان هذا الحزب أو هذه الحكومة سبب خراب البلاد وفساد العباد وعندما تسألهم أن يحاسبوا أنفسهم بخراب ضمائرهم وضمور أخلاقهم يدافعون عن نجاحهم وماذا يستخدمون في إثبات هذا النجاح؟ تراهم يتحدثون عن الإنجازات المادية مثل الطرق والجسور والبترول فهذا هو تفكير أصحاب التفكير الصلب الذي يري القوّة في المادّة ويصنع صنماً يعبده مثل عجل السامري.
وهذا سيد التفكير التجريدي الإمام علي بن أبي طالب كرَّم الله وجهه يقول في نفس المعني:
" إن الحق لا يعرف بالرجال، اعرف الحق . . . تعرف أهله"
أذكر أنّي سألت أفراداً من الجماعة الإسلامية وقيادات المؤتمر الوطني وقت انتخابات 2010 عن البديل للمشير عمر البشير إذا وقع الأجل ومات؟ فكان ردَّهم الأوَّل: هل هو مريض؟ وهل تعلم شيئاً لا نعلمه؟ سألوا ذلك لأنّي طبيب. فقلت لهم أنا أتحدث عن الموت وليس عن المرض والأجل لا يريد سبباً. فقالوا: إن شاء الله سيكون بخير وسيعيش عمراً مديداً وسيفوز في الانتخابات. هذا تفكير جماعة تدَّعي أنَّها ممثلة الإسلام وروحانيته وتغفل عن الموت والمولي عزّ وجل يقول:
" ‫"إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ‬‬‬
وفي حديث عبدالله بن عمر رضي الله عنه قال:
"كنْتُ عاشِرَ عشرةٍ في مسجِدِ رسولِ اللهِ ﷺ، فقام فتًى من الأنصارِ، فقال: يا رسولَ اللهِ، أيُّ المؤمنينَ أفضَلُ؟ قال: أحسَنُهم خُلقًا. قال: فأيُّ المُؤمنينَ أكيسُ؟ قال: أكثرُهم للموتِ ذِكْرًا وأحسَنُهم استعدادًا قبلَ أنْ ينزِلَ به، أولئك الأكياسُ".
فها هي الأيام تثبت أنَّهم ليسوا الأفضل ولا الأكيس وهم يحصدون الحصرم الآن نتيجة ما غرسوا. وقد كان سيدنا عبدالله بن مسعود رضي الله عنه يقول إذا قعد:
" إنَّكم في ممرِّ اللَّيلِ والنَّهارِ في آجالٍ منقوضةٍ وأعمالٍ محفوظةٍ، والموتُ يأتي بغتةً فمن زرعَ خيرًا يوشِكُ أن يحصدَ رغبةً، ومن زرعَ شرًّا يوشكُ أن يحصدَ ندامةً، ولكلِّ زارعٍ ما زرعَ لا يسبقُ بطيءٌ بحظِّهِ، ولا يدركُ حريصٌ بحرصهِ ما لم يقدَّر لهُ، فمن أعطيَ خيرًا فاللَّهُ أعطاهُ ومن وُقيَ شرًّا فاللَّهُ وقاهُ".
فالقلب القاسي يتبع تفكيراً صلباً ماديَّاً قاسياً مُجرَّداً من الأخلاق والرحمة ونحن نشهد في هذه الأيام مصداق ذلك في معاملة حكومة المشير عمر البشير للمواطنين العُزَّل الذين لا يطلبون شيئاً سوي ما أمر الله سبحانه وتعالي به وهو الحرية والعدالة والإحسان والكرامة، فأيٍّ من هذه المبادئ الإلهية السامية قدمتها حكومته؟ وليحدثنا ماذا يميزه عنَّا حتى يكون له السمع والطاعة وكلّ تاريخه يثبت فشله في كلِّ شيء وفقره من كلِّ شيء إن كان علماً أو مهارة أو خبرة أو رؤية أو فكراً أو أخلاقاً أو حكمة؟
ويظنَّ الناس أنَّ المشير عمر البشير استبدل حزبه المدني بالجيش وهذا فهم خطأ فحزب المؤتمر الوطني وقيادته من الحركة الإسلامية مدنية المظهر وعسكرية الجوهر ولكنَّه ابتعد من العسكرية الخفية للعسكرية الظاهرة لأنّ حس الغريزة للبقاء لا تثق إلا في قاعدته الآمنة وهي الجيش وحتى في الجيش القليل منهم ولذلك نسمع عن إحالة الكثيرين للمعاش.
وهذا يمثل تفكير المجموعة والذي حتماً، كما توقعت من قبل، أن يصير تفكير شخص واحد بعد أن يتخلّص من بطانته إذا ضاقت عليه السبل. هذا تفكير من يفهم قتل المتظاهرين على أنَّه قصاص!
وأصحاب التفكير الصلب المادي يؤمنون بثلاثة مفاهيم وهي إرهاب الآخرين، والتمكين والهيمنة والمناورة وهي كلَّها مفاهيم عسكرية. وسأفرد لها مقالاً في وقت لاحق إن شاء الله، ولكن يجب أن نفهم أنّ هذه المفاهيم لا يمارسها إلا من زكَّي نفسه ووضعها فوق العالمين، وآمن أنَّه أحق من الناس بقيادتهم وتدبير شئونهم، فلذلك فهي مفاهيم منبثقة من جذع النرجسية النفسية الصنميّة التي قال فيها المصطفى ﷺ "أعْدى أعداءِكَ نفسُكَ التي بينَ جنبيكَ"، فالعدو داخلي وليس خارجياً وفي ذلك يقول الإمام علي بن أبي طالب كرّم الله وجهه:
" حقٌ على الملك أن يسوس نفسه قبل جنده"، وقوله: من كرُمت عليه نفسه هانت عليه شهواته.
ونسمع من الجهلاء من يقولون إنّ المشير عمر البشير هو الضامن الوحيد لمخرجات الحوار الوطني فماذا سيحدث لأهل وطن إن مات المشير عمر البشير؟ وكيف يكون هو الضامن الوحيد وهو سبب الورطة السياسية في البلاد كأنَّ القوم يقولون ما قاله سفيه الشعراء أبو نواس: "وداوني بالتي كانت هي الداء".
ومن علامات فشل القائد أن يكون هو الوحيد الذي يكون في قدرته قيادة البلاد بعد ثلاثين عاماً من الحكم فهو إمَّا أنَّه تعمَّد ألا ينافسه أحد ولذلك لم يدرِّب قيادة جديدة أو أنَّه لا يملك المهارة ليفعل ذلك وفي الحالتين فهو فاشل لا يحقّ له أن يقود أمَّة. ويقول أهل حزب المؤتمر الوطني، بعد أن لفظهم المشير عمر البشير وضحي بهم قرباناً لعرشه وسيضحي بالوطن كلّه من أجل ذلك، إنّ في حزبهم قيادات كثيرة فإن كانت هناك قيادات فأين هي طوال ثلاثة عقود؟ أو كيف يكون المشير عمر البشير هو الضامن الوحيد لسلامة الوطن إذن؟
آن للجماعة الإسلامية أن تترك الغفلة، وعبادة الأصنام، وزئبقية المواقف التي توجَّهها مصالح الدنيا، وليعرفوا أنَّما يقودهم جهلاء قساة القلوب عميان، لا فكر لهم ولا علم لهم ولا رشد لهم ولا رؤية ولا مهارة، وأنَّهم ليسوا خير البشر ولا يمثلون المسلمين.
حقّاً إنّ أوحش الوحشة العجب.
وسنواصل إن أذن الله سبحانه وتعالي


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.