اتفاق بين السيادي والمخابرات على لجنة موسعة للبحث عن مفقودي (فض الاعتصام)    ملف الأجهزة العدلية وانعكاساته على الفترة الانتقالية .. بقلم: عبد القادر محمد أحمد/المحامي    حجز كل ممتلكات زوجة المخلوع و36 آخرين    السعودية تعلن توقف 50% من إنتاج "أرامكو"    حسنك أمر يا "إبن البادية" .. بقلم: د. عبدالمنعم عبدالمحمود العربي    أنتَ أغلى .. بقلم: صلاح الباشا    دعوة لحضور احتفال السودانيين بالدمام بانتصار الثورة السودانية    أبوالغيط: جهود لمؤتمر دولي للمانحين لدعم السودان    رئيس الوزراء السوداني يتوجه إلى القاهرة وتأجيل مفاجئ لرحلة باريس    توقعات بصدور قرار بإقالة مديري الجامعات خلال يومين    جولة جديدة لاجتماعات سد النهضة بالخرطوم نهاية سبتمبر    قيس سعيّد يتصدر سباق "الرئاسة" التونسية    إجراءات عاجلة لحل مشكلة دقيق الخبز والمواصلات    جنوب السودان يوقع عقدا لاستكشاف المعادن مع شركات أميركية وكندية    الدعم السريع يضبط شبكة إجرامية تقوم بتهديد وإبتزاز المواطنين بالخرطوم    إتحاد المخابز: مساع لإيجاد حلول لمشكلة نقص الغاز بالمخابز    انفراج أزمة شح الوقود والسلع بنهر النيل    إتحاد المصارف: قادرون على تلبية إحتياجات العملاء من الكاش    24 قتيلاً بتفجير قرب مجمع انتخابي بأفغانستان    شرطة القضارف تمنع عملية تهريب أسلحة لدولة مجاورة    أمر بتوقيف مأمون حميدة    الصالحية رئة الملتقي السياسي وكشف القناع! (4- 10) .. بقلم: نجيب عبدالرحيم    حركة العدل و المساواة السودانية تنعي الفنان الأستاذ/ صلاح بن البادية    بين غندور وساطع و(بني قحتان)!    تفاصيل مثيرة في محاكمة لاعب المريخ سيف تيري    التكت يخضع للعلاج بالامارات    الكشف عن (424) شركة تعدين تتبع للنظام المباد    لجنة الشركات: سنسترد المبالغ المُهدرة حتى وإن كانت خارج البلاد    نتنياهو: مستعدون للاستفزازات الإيرانية المحتملة    فرنسا تقدم مساعدات للسودان بقيمة 60 مليون يورو    روحاني: عندما يعود الأمن إلى اليمن سيكون إنتاج النفط في المنطقة آمنا    "المالية": تحويل نقدي مباشر للمواطنين عبر "البطاقة"    المنتخب الوطني على بعد خطوة من المجد    مدرب الهلال تعرضنا لظلم كبير ضد انيمبا    "المريخ" يفعِّل "اللائحة" لمواجهة إضراب اللاعبين    جان لودريان: فرنسا تدعم السودان في هذه المرحلةالحساسة    ابن البادية في ذمة الله    المتهمون في أحداث مجزرة الأبيض تسعة أشخاص    القبض على لصين يسرقان معدات كهربائية في السوق العربي    المفهوم الخاطئ للثورة والتغيير!    في أول حوار له .. عيساوي: ظلموني وأنا ما (كوز) ولستُ بقايا دولة عميقة    الهلال السوداني يعود بتعادلٍ ثمين من نيجيريا    مطالبات بتفعيل قرار منع عبور (القلابات) للكباري    الصورة التي عذبت الأهلة .. بقلم: كمال الهِدي    إعفاء المدير العام للهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون    "الصناعة": لم نصدر موجهات بإيقاف استيراد بعض السلع    سينتصر حمدوك لا محالة بإذن الله .. بقلم: د. عبد الحكم عبد الهادي أحمد العجب    إعفاء المدير العام للهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون    الدّين و الدولة ما بين السُلطة والتّسلط: الأجماع الشعبي وشرعية الإمام (1) .. بقلم: عبدالرحمن صالح احمد (ابو عفيف)    وفاة وإصابة (11) شخصاً في حادث مروري بكوبري الفتيحاب    أعظم قوة متاحة للبشرية، من يحاول مصادرتها؟ ؟؟ بقلم: الريح عبد القادر محمد عثمان    العلم يقول كلمته في "زيت الحبة السوداء"            3 دول إفريقية بمجلس الأمن تدعو لرفع العقوبات عن السودان بما في ذلك سحبها من قائمة الدول الداعمة للإرهاب    إنجاز طبي كبير.. أول عملية قلب بالروبوت "عن بُعد"    اختراق علمي.. علاج جديد يشفى مرضى من "سرطان الدم"    وزير الأوقاف الجديد يدعو اليهود السودانيين للعودة إلى البلاد    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





حيوان سياسي .. ارسطوا .. بقلم: د. يوسف نبيل
نشر في سودانيل يوم 24 - 08 - 2019

إن الصدق السياسي فضيلة لن تتحقق ابدا وليس لجهل السياسي بكيفية تحقيقها أو لعدم موهبته في الحصول على تلك الفضيلة بل لرعبه إذ انكشف المستور وبُيّنَ بشاعة نتائج الصدق لدى العامة ، فإن البشاعة ليست في الصدق بل في اذا ما عُرِفت الحقيقة البشعة التي يتستر عليها الساسة دائما.
إن كيفية إدارة البشر في مكان محدد ومعلوم جغرافيا مرتبط بتاريخ نشوء وتطوّر وامتزاج تلك المجموعة مع عوامل حراكها الاجتماعي الذي ينشئ ارتباطا وثيقا فيه تنجلي اهمية التسلسل الزمني للأحداث والوقائع التي لا ُيتكتم عليها إلا وبعدها تظهر البينات وتنكشف جليا فيما بعد وحينها يكون الزمن قد فات وولى ولن تجدينا اجترار المرارة نفعا سوى أن ُتسبب لنا الكآبة والهم مع ضياع الحقوق وجلاء المنفعة وشرود اهلها واغترابهم الكامل عن الوعي والحقيقة.
ان مصطلح الصواب السياسي يُستخدم لوصف الاجراءات التي تهدف إلى تحسين أنماط القيم العامة في المجتمع وتجنب الإساءة او حرمان المجموعات من حقوقهم التي عينها لهم القانون المجتمعي الضابط للأطر العليا للبلاد ، والتي سُهّلت ويسِّر أمرها عن طريق العمل السياسي الجامع.
لكن ماذا إن كان ما يحدث عبارة عن خديعة شاملة وتامة لكل الشعب ؟ إليكم المعطيات ..
لقد كان معلوما تماما لدى البشير بسقوط حكومة الإنقاذ قبل أن يتم إعلان حالة الطوارئ في كل أنحاء البلاد وربما من قبل ذلك أيضا.
في الخطاب الذي ألقاه البشير مساء يوم الجمعة 22 فبراير 2019 وحينها شدد على ضرورة المضي قدما في مسيرة الحوار الوطني وبأنه يقف على مسافة واحدة من جميع القوى السياسية وشرع في حل حكومة الوفاق الوطني. فإن تكوين حكومة الوفاق الوطني ليست بدعة أخرجها البشير ونفذتها القوى الحزبية بالتراضي فيما بينهم ، بعد مسلسل مسيرة الحوار الوطني الشامل الذي جرى في البلاد منذ 2014 إلى 2016 ، ففي ثورة اكتوبر في 28 من ذات الشهر عام 1964 ، وبعد اندلاع الاحتجاجات بعد مضي أسبوع واحد فقط من استشهاد القرشي في 21 اكتوبر دعى عبود إلى حوار وطني وتشكيل حكومة انتقالية يكون هو جزءا فيها كرأس للدولة تداركا منه للموقف و للحفاظ على منصبه وحكومته العسكرية ، لكن الأمر لم يجدي نفعا وسقطت جميع مساعي عبود ، وقامت حكومة أكتوبر الإنتقالية الثانية في 23 فبراير 1965 ، ولقد حدث نفس الشئ مع البشير بعد مرور 54 عاما حين حل حكومة الوفاق الوطني في 22 فبراير 2019 وإجراء تعديلات بدأت حيز التنفيذ في 23 فبراير 2019 على حكومات الولايات وصف ترقيات رتب الضباط ، التي اتخذ منها البشير حماية له حين يجيء موعد سقوط نظامه المعلوم تماما له ، إنها السياسة يا سادة ، لا يوجد حدث يحصل بالصدفة ، كل شئ مرتب له من قبل أن يحدث.
فإن حل حكومة الوفاق الوطني في 22 فبراير 2019 يعتبر سذاجة في هذا التوقيت لكن الإنقاذ قرأوا التاريخ جيدا فما قام به البشير لم يكن تغيرا للحفاظ على كرسيه بل للحفاظ على سلامته من الضرر البالغ الذي قد يصيبه بعد سقوط النظام ، وحين حل الحكومة لم تكن أكثر من إجراءات تحسبا لكسب المزيد من الوقت لتأمين نفسه واتباعه جيدا وهذا ما قد حدث فعلا وسيستمر ...
وإليكم المزيد من المعطيات الهامة جدا والمؤثرة في تسلسل الحدث السياسي الذي لا يحدث بالصدفة أبدا: حينما قام البشير بتعيين العسكر في سلطات الولايات قام بترقية الكثير منهم برتب لم يكن يحلموا بها مهما أدوا من تضحية وبسالة وشرف في خدمة البلاد (في تلك الفترة الوجيزة) ولكن البشير أكرم بها هؤلاء لانه حين يأتي موعد زوال النظام تماما ، يكون النص الدستوري هو الكفيل الذي يحمي البشير لان سلطة البلاد ستكون في يد العسكر لحين إتمام توفيق وتوليف الحكومة الانتقالية وقيام الإنتخابات وتسليم السلطة للحكومة التالية التي شاركت في الجرم سواسية مع صف الضباط الذي نال مكافئته مسبقا بالترقيات بينما ستنال حكومة التغيير جزءا من ثروات البلاد لاحقا انظروا ماذا فعل البشير:
اولا في 23 فبراير 2019: تم تعيين ابن عوف نائبا أول مع الاحتفاظ بمنصبه وزيرا للدفاع .. الخيار رقم واحد ، ففي حال رفض القائمين على أعمال الثورة إبن عوف يتنحى ويقوم بديل عسكري آخر ، مرتب له ومعلوم دوره جيدا وهذا بالفعل ما قد تم.
ثانيا .. 26 فبراير 2019 رُقّي البرهان (الرجل الثاني) من رتبة فريق ركن إلى فريق أول وتولى منصب المفتش العام للقوات المسلحة وهذه الخطة (ب) او البديل العسكري إذا رُفِض إبن عوف ، وهذا البديل سيأتي وقت أدائه لدوره المعلوم تماما في تولي مهام البلاد وسيأتي الدور الأبرز والأكثر جموحا حين يسافر البرهان الي إثيوبيا بحجة الزيارات الخارجية للأشقاء.
الرجل الثالت حميدتي ، حين أتى به البشير في العام 2010 ليكون القائد العام لقوات الدعم السريع ولقد أضفى البشير شرعية على هذه المليشيات وفق مرسوم رئاسي أصدره في العام 2013 لتكون قوة موازية للجيش السوداني ! لماذا ؟ لأنه في حال تمت خيانة البشير من قبل صف عسكره وتخليهم عنه ، تقوم قوات الدعم السريع للتصدى للجيش السوداني او لا يدخل الاثنان في صراع لا يحمد عقباه وهذا ما قد حدث بالفعل. وكان ويشاع بان حميدتي لم يشارك في قمع ثورة 19 ديسمبر 2019 حتى سقوط نظام البشير في 11 أبريل وهي معلومة صحيحة لحدما ، لكن ليس تفضلا منه بل لأن الأوامر أتت إليه كذلك: بان لا يعادي قوى التغيير وبأن يكون ظاهريا موالي للثورة حتى اذا ما أُتيَّ به اولا في المجلس العسكري الانتقالي وثانيا لمجلس السيادة لا يلقى رفضا من قوى التغيير وهذا ما قد حصل فعلا.
وما يثبت صحة هذا الحديث لقد أعتذر حميدتي عن المشاركة في المجلس العسكري الانتقالي لابن عوف لانه أُمِر بذلك ، لانه كان معلوما مسبقا بأن حكم ابن عوف لن يستمر طويلا ، كي لا تحرق ورقة من اهمة الأوراق في خلق التوازن السيادي الذي سيجنيه العسكر ، وبالفعل في 13 أبريل أي بعد يوم واحد من رفضه المشاركة مع ابن عوف تم ترقيته الي فريق وأختير نائب رئيس المجلس العسكري الانتقالي ، سبحان مغير الأحوال !
الرجل الرابع الفريق شمس الدين الكباشي الذي عُيّن في 26 فبراير 2019 بمنصب رئيسا لهيئة العمليات المشتركة وبعد نجاح الثورة عُيّن عضوا في المجلس العسكري والناطق الرسمي ومن ثم اختير ضمن مجلس السيادة الذي سيحكم السودان خلال المرحلة الانتقالية التى بدأت بتاريخ 21 أغسطس 2019.
وتم ترقية خمسة ضباط برتبة لواء الى رتبة فريق وإعادة لوائين متقاعدين الى الخدمة و ترقيتهم إلى رتبة فريق ومن ثم أحيلا مجددا الى التقاعد. ما كل هذا الكرم الذي نزل على البشير فجأة ؟إنه الصدق السياسي الذي لن يُعرف ولن يُكشف لدى العامة أبدا.
نأتي لدور البرهان ، سافر البرهان بتاريخ 28 مايو 2019 الى إثيوبيا بغرض زيارة الاشقاء ، وبعد ذلك جاءت ((مبادرة)) أبي أحمد في 7 يونيو 2019 ما بين المجلس العسكري وقوى التغيير ، لكن العجيب في الأمر لم يُفطن أحدا من قوى التغيير لذلك الحدث بالرغم من سابق علمهم بذلك ! لقد سافر البرهان بأمر من [اللجنة السياسية العليا] أو القائمين على حكم البلاد وهم في داخل السجون او سمها ما شئت ! لكي ينقل لأبي أحمد أهمية دعمه لتخليص البشير من شرك وشر عدل المدنيين ان تحقق سلطانهم على البلاد لكن العجيب في الأمر لم يُفطن أحدا من قوى التغيير لذلك ! لكن السؤال: لماذا لم يطرح احدا من قوى التغيير المتمرسين بالعمل السياسي بجميع اطيافها سؤالا بسيطا عن سبب زيارة البرهان لأثيوبيا ؟ و من بعد زيارته ب تسعة أيام جاءت اثيوبيا بالمبادرة الخارقة التي لم يفكر أحدا بها من قبل قوى التغيير ؟؟ إنها الفضيحة السياسية التي يخاف الساسة من معرفتها وانكشاف أمرهم من قبل العامة.
لقد كتبت رويترز مقالا بعد سقوط نظام البشير تتهمه بأنه (تلميذ ضعيف في التاريخ) لأنه لم يتيقن لموعد لسقوط نظامه حتى بعد سقوط أنظمة حكم شمولية في بلدان عربية او مجاورة للسودان (بن علي تونس) (القذافي ليبيا) (مبارك مصر) (صالح اليمن) لكن أخطأت رويترز وأصاب البشير او من يفكرون له ، غالبا السيد علي عثمان ومن معه، فقد كان مفكروا نظام البشير أذكى من كُتّاب رويترز ، فان الوساطة الإثيوبية أُخرجت لنا مجلس سيادة صوري من المدنين لن ينتفع بها الشعب شيئا والأدهى والأمر قبول التغيير هذه المبادرة مع تمام علمهم بمخرجاتها. هل أدركتم الآن أن قوى التغيير التي وقفت حدادا دقيقة واحدة فقط على شهداء الثورة بأنهم مشاركين العسكر في التستر على البشير ؟ انها فواعل الإنسان ذلك الحيوان السياسي كما وصفه أرسطو بانه متمرس فطريا على السياسة.
أما الآن: النصيحة الذهبية التى يجب ان لا تفارق أذهان العامة: لا تصدق السياسيين ولا تسمع خطبهم تحت تأثير الموسيقى التصويرية لأنك لن تعي ما يقال جيدا من صدق او حقيقة تلك الكلمات الملقاة علي مسامعكم ، إنها خدعة قديمة جدا ، إنه حين تُثمّن احدى الحواس ترهق الحاسة الأخرى ، فحين تفعّل وتجيش العاطفة يغيب العقل ، وهذا بالضبط ما حدث حينما ألقى بعض قيادي التغيير خطبهم على مسامع العامة منقولا على إحدى إذاعات راديو اف ام ، جاشت المشاعر لكن من دون دراية.
د. يوسف نبيل
#ملكية
23 أغسطس 2019
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.