مجلس الوزراء يعلن ترحيبه بالبعثة الأممية للسودان    القوات المسلحة تؤكد حل الدفاع الشعبي    كَيْفَ نَحْمي السُّودان من أخطار سد النهضة ؟! .. بقلم: د. فيصل عوض حسن    مسامرات زمن حظر التجوال .. بقلم: عثمان أحمد حسن    المراية .. بقلم: حسن عباس    قون المريخ والعنصرية .. بقلم: إسماعيل عبدالله    تكامل الأدوار في محاربة مافيا الفساد .. بقلم: نورالدين مدني    "أحمد شاويش." ذلك العبقري المتواضع ... بقلم: مهدي يوسف إبراهيم    وزارة العمل والتنمية الاجتماعيّة تسلّم كروت الدعم النقديّ لعدد من الجمعيّات النسائيّة    المباحث تلقي القبض على قاتل ضابط الشرطة بولاية شمال كردفان    نحو صياغة برنامج اقتصادي وطني يراعي خصوصية الواقع السوداني .. بقلم: د. محمد محمود الطيب    أنا والفنان حمد الريح .. شافاه الله !! .. بقلم: حمد مدنى حمد    حول نقد الإمام الصادق للفكرة الجمهورية (2-4) .. بقلم: بدر موسى    أخطاء الترجمة: Bible تعني الكتاب المقدس لا الإنجيل .. بقلم: عبد المنعم عجب الفَيا    ترامب يتشبه بالرؤساء العرب .. بقلم: طه مدثر عبدالمولى    ذكريات وأسرار الحركة البيئية العالمية ومصائر الدول النامية .. بقلم: بروفيسور عبدالرحمن إبراهيم محمد    باتافيزيقيا السّاحة الخضراء (1) .. بقلم: عوض شيخ إدريس حسن /ولاية أريزونا أمريكا    الدولة في الاسلام مدنيه السلطة دينيه اصول التشريع متجاوزه للعلمانية والثيوقراطية والكهنوت .. بقلم: د. صبري محمد خليل    قانون لحماية الأطباء فمن يحمى المرضى ؟ .. بقلم: د. زاهد زيد    الفقر الضكر .. فقر ناس أكرت .. بقلم: د سيد حلالي موسي    التعليم بالمصاحبة ( education by association ) .. بقلم: حمدالنيل فضل المولي عبد الرحمن قرشي    إحباط تهريب مصابين بكورونا من البحر الأحمر    الشرطة تنفذ حملة لمواجهة مخالفات الحظر الصحي ومعتادي الاجرام    كل ما هو مُتاح: مناعة القطيع .. مناعة المُراح .. بقلم: د. بشير إدريس محمد زين    موسى محمد الدود جبارة : مداخل ونقرشات علي حواف بيان اللجنة الاقتصادية للحزب الشيوعي السوداني    حملة لتوزيع غاز الطبخ في الميادين العامّة بولاية الخرطوم    خالد التيجاني النور يكتب :السلام المختطف    إحالة ملف متهم بقتل وكيل نيابة إلى الجنائية ببحري    اعتراف قضائي للمتهم الأول بقتل شاب    الغرامة لشاب ادين بتعاطي المخدرات    ترامب يهدد بتعليق عمل الكونغرس لإقرار التعيينات التي يريدها    كورونا في ألمانيا.. 2866 إصابة جديدة والعدد الكلي يتجاوز 130 ألف إصابة    حمد بن جاسم يكشف "الدروس المستفادة" من الوباء الذي يجتاح العالم    مدثر خيري:الاتحاد العام ليس الجهة التي تحدد بطلان جمعية المريخ    الكاردينال ينصح (الكوارتي) بخدمة اهله واسرته    الاتحاد السوداني يطبق الحظر الكلي    لجان مقاومة القطاع الاقتصادي تتمسك باقالة وزير المالية    تحديد (7) ساعات لتحرك المواطنين أثناء أيام حظر التجوال بالخرطوم    عبد الباري عطوان :ترامب يعيش أسوَأ أيّامه.. وجشعه الاقتصاديّ حوّله إلى مُهرِّجٍ    البدوي: زيادة الأجور للعاملين بنسبة (569%)    مشاركة المطرب...!    الناطق باسم الحكومة الفلسطينية: تسجيل 10 إصابات جديدة بكورونا    مجمع الفقة: لا تمنع صلاة الجماعة والجمعة إلا بوقف التجمعات    توتنهام يتدرب رغم الحظر    نصر الدين مفرح :نحن نتابع كل التّطوُّرات ولن نتوانى في منع إقامة صلوات الجماعة    أمير تاج السر:أيام العزلة    ردود أفعال قرار كاس تتواصل.. إشادات حمراء وحسرة زرقاء    «كاس» توجه ضربة ثانية للهلال وترفض شكواه حول النقاط المخصومة بأمر الفيفا    البرهان يتلقى برقية شكر من ملك البحرين    البرهان يعزي أسرة الراحل فضل الله محمد    5 ملايين درهم جائزة "الأول" في مسابقة "شاعر المليون"    ميناء بورتسودان يستقبل كميات من الجازولين    وزير الري يتعهد بتأهيل مشاريع الأيلولة بالشمالية    لجنة التحقيق في أحداث "الجنينة" تتلقى شكاوى المواطنين    برلمان العراق يصوت على إنهاء تواجد القوات الأجنبية    إيران تهدد بالرد على مقتل سليماني    الإعدام شنقاً ل (27) شخصاً في قضية المعلم أحمد الخير    حريق محدود بمبني قيادة القوات البرية للجيش    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





دائرة الطباشير السودانية ومسألة الحصانة .. بقلم: عثمان جعفر النصيري
نشر في سودانيل يوم 24 - 09 - 2019

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
* الاعتصام ومدلول فضه. *بين جرائم النازي وجرائم عسكر المؤتمر الوطني وميليشياته. *الحصانة بأي حق وضد من؟ *الحصانة السيادية وما عليها. *دائرة الطباشير السودانية. *كيف تُطاح الأنظمة بلا دموع ؟
+ مقدمة
+ الإعتصام ومدلول فضه
+ بين جرائم النازي وجرائم عسكر المؤتمر الوطني ومليشياته
+ الحصانة بأي حق وضد من ؟
+ الحصانة السيادية وما عليها
+ دائرة الطباشير السودانية
+ كيف تُطاح الأنظمة بلا دموع ؟
أصبو الى أن أبدأ باشارة الى الإعتصام وجريمة فضه. ثم أنظر في الحصانة السيادية التي ظلت كما اسلفت النص المضمر المسكوت عنه طيلة معظم الأشهر الأخيرة. وفي صدد العقاب بعد الجريمة أوميء هذه المرة الى عقد مقاربة قد تبدو للقاريئ مغالاً فيها بين جرائم المؤتمر الوطني ومليشياته وجرائم النازي.
كنت اشرت في مقال سابق الى درس تعلمته من طفلة يانعة مفاده أن على من يفاوض أن يكون له ما يقايض به .. و" التفاوض" هو اللغة التي ستظل مستخدمة خلال الفترة الإنتقالية. إن ما التمس الذهاب اليه هو إن ما يقايض به أهل الحرية والتغيير والمهنيون هو النص المضمر المتمثل في إطاحة النظام -إن لزم - إذ ان الأنظمة، كما يقول تروتسكي ، لا تسقط وانما يتم اسقاطها. لذلك رأيت الإشارة الى بعض اساليب جديرة بإطاحة أنظمة قمعية دون لجوء الى القوة العسكرية.
لا للنسيان أو التناسي
خلال الاعوام الثلاثين الماضية لم ينفرد نظام البشير بالسلطة كما أراه حتى الثلاثين من أغسطس.
عند مجيئهم، وعلى سبيل التمويه جعلوا ابوزيد محمد صالح لأيام وزيراً في حكومتهم رغم أنفه. جيء بعده بوجوه أخرى ساهمت في إنفاذ مشروع الإنقاذ دون أن تكون لها سابق علاقة معلومة بالإسلام السياسي في قطاع العدل والنيابة العامة مثلاً بينهم محمد زيادة حمور وعبد السميع علي عمر. وعبد الباسط سبدرات وآخرون. هناك الشراكة التي تمت بعد نيفاشا ومشاركات بعض العناصر الإتحادية وانخراط ممثلين لبيت الصادق المهدي في مشروع حكومة المؤتمر الوطني.
خلال الأشهر الأخيرة إنفرد نظام المؤتمر الوطني بالسلطة وحده لا شريك له بفضل المجلس العسكري والدولة العميقة..
جرت جهود عظمى لتأمين ثروات عناصر النظام المنهوبة ولصون أشخاصهم والإنكباب على طمس أو إخفاء آثار جرائمهم فضلاً عن إثارة كل ما قد يؤدي الى الإنشغال عن تذكر تلك الجرائم وبالإعداد للشراكة الجديدة مع ممثلي الثورة مستعينين في ذلك بالإختراقات وبجهود محمومة لنشر دعاية مناهضة للحزب الشيوعي بمناسبة وبغير مناسبة. هدفها التشويش ولكنها لحسن الحظ لا تفضي إلا الى ترسيخ صدقية الحزب الشيوعي واحترام موقفه مع الثورة.
+ الإعتصام ومدلول فضه
كنت قد أشرت الى ما أورده كارل ماركس عن كميونة باريس التي رأيت ملامحها في ساحة الإعتصام: كيف أن عمال باريس في 18 مارس اقتحموا عنان السماء بانتفاضتهم التي ما دامت أكثر من 72 يوماً وكيف أن 18 مارس هو فجر الثورة الإجتماعية التي ستحرر البشرية من النظام الطبقي الى الأبد. قلت إن الإعتصام كتجربة سودانية علامة فارقة في مثار الثورة السودانية وهو يتوج تراكماً صبوراً ظل مئات الألوف يساهمون في بذله عبر السنين.
وقلت أيضاً إن الذين كتبوا عن كميونة باريس كانوا مأخوذين بتفجر شلالات الإبداع والخلق في المدينة. الشلالات ذاتها تفجرت في ساحة الإعتصام: الشعر والموسيقى والجداريات والحوارات الذكية وقبل ذلك كله روح التكافل الرفاقي المرح السوريالي وفوق كل ذلك أيضاً كان الإعتصام تجسيداً مهرجانيأ للتحرر من الخوف وهذا ما يخيف عسكر المؤتمر الوطني حقاً.
في ختام عمرها البالغ القصر جاءوا بثوار الكميون وثائراته صفاً صفا. أعدموا 30 الفًا وسجنوا 38 الفاً كما قاموا بتهجير 6 آلاف من رجال الكميون ونسائه.
+ عن الشهداء
قلت عنهم بدماءهم قاموا بعتقنا وكتبوا لنا بأيديهم حياة جديدة وماتوا نيابة عنا. أعدت الى الذكرى كلمات الأمريكي والت ويتمان:
الشهداء يحيون في شباب آخرين في اشقياء مستعدين لتحديكم ثانية أيها الملوك
وكنت كتبت في "تداعيات بذكر سعاد" كيف أن قتلانا تعود الحياة اليهم في مولد شباب آخرين يحملون الراية ذاتها وقد كتبوا عليها الكتاب بأيديهم.
ولذوي الشهداء أقول نحن أولياء دم الشهداء مثلكم تماماً وكنت كتبت أنهم غرسوا النبتة وتعهدوها لتكون ذخراً لهم ولنا فاقتطفت حياتهم الغضة الأيدي الدموية الدنيئة القذرة فماتوا نيابة ًعنا .
وفي العيد الكبير كان ذوو الشهداء، كما الحلاج : تُهدى الأضاحي وأُهدي مقلتي ودمي.
والعازة محمد عبد الله زوجة علي عبد اللطيف، لا أرملته قالت لهم: "نحن ضحينا بدمنا تاني نرجع نتدنى؟"
أكثر من مائة شهيد راحوا ضحية غدر المجلس العسكري وجهاز أمنه وأمن المؤتمر الوطني. واصيب بالأذى الجسيم نحو أربعمئة من المعتصمين والمعتصمات وهناك حالات اغتصاب موثقة لعشرات الفتيات المعتصمات أو اللأئي كن يقمن برعاية المصابين من المعتصمين.
أما تقرير لجنة التحقيق الساذج الركيك المكتظ بالأكاذيب فهو تأكيد على أن المجلس العسكري لا يستحي قط، كما أن حكم القانون لا يكون في أيد أمينة إن كانت للعسكر غلبة.
كنت قد أشرت في "الجريمة والعقاب" الى صنوف العقاب التي تنتظر الجناة فوق المحاكمة الجنائية من مفردات نماذج العدالة الإنتقالية الموطنة.
في التلهف على السلطة هناك من يشتهي اعفاء المجلس العسكري والمؤتمر الوطني بمليشياته من العقاب جزاء ثلاثين عاماً من الجرائم ضد الأنفس والأموال والأعراض وبين تلك ما تم خلال فض الإعتصام وبعد ذلك وقبله في انحاء الوطن.
الأستاذ أحمد سعد عمر حكى لي في مناسبة أجتماعية عن كيف أن المقاتلين فيما سماه نميري لاحقاً بالغزو الليبي، تلقوا مبالغ مالية أجوراً مستحقة وهم بصدد التحرك صوب الأراضي السودانية. الشريف حسين الهندي كان هناك وأصدر التوجيه بزيادة المستحقات المالية للمقاتلين قائلا : " زيدوها ليهم. يمكن تكون دي آخر قروش يستلموها".
والذين صالحوا نميري من وراء ظهر المعارضة والفقيد الهندي في بورتسودان وتلقوا التعويضات الأريحية السخية ما تذكروا حتى اسماء قتلاهم الذين قام نظام نميري بدفن الآلاف منهم لا بالكوريق وانما بالجرارات في قبور جماهيرية بلا شواهد.
نحن نذكر شهداء ساحات الإعتصام وشهداء ديسمبرالآخرين، نذكرهم بالأسامي إذ أن القتلة أرتكبوا جرائمهم في دائرة الضوء النسبي.
يلزمنا أن نذكر أن ما حدث في ساحة الإعتصام ظل يحدث على نحو راتب في دارفور وجبال النوبة جنوب النيل الأزرق. القتلة هم القتلة ذاتهم والشهداء أهلنا أيضاً. دمهم مثل دم شهداء ديسمبر في رقبة العسكر والجنجويد والمؤتمر الوطني فرادى أو بالتضامن.
إن جريمة فض الإعتصام لن تمر بلا عقاب
+ بين جرائم النازي وعسكر المؤتمر الوطني ومليشياته
انعقدت 13 محكمة عسكرية في نورمبيرغ - المانيا بين عامي 1945 و1949 لمحاكمة المتهمين بارتكاب جرائم الإبادة الجماعية وجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية التي ارتكبها النازي.
ستالين اقترح اعدام ما بين 50 الف و100 الف كما اقترح تشرشل ان يتم الإعدام ايجازياً بلا محاكمة. أما الامريكان فقد آثروا محاكمات جنائية بتهم محددة وبينات محددة .
من بين عسكر المؤتمر الوطني مؤهلون لمواجهة تهم بتلك الجرائم ذاتها. ولا يمكن لهم إدعاء أنهم "رايحين" ففي العام 2009 ضمنّت حكومة البشير تعديلات للقانون الجنائي للعام 1991 تشمل نصوصاً بتحريم:
الجرائم ضد الإنسانية (المادة 186)
الإبادة الجماعية (المادة 187)
جرائم الحرب ضد الأشخاص (المادة 188)
جرائم الحرب ضد الأشخاص والممتلكات والحقوق الأخرى (المادة 189)
جرائم الحرب ضد العمليات الإنسانية (المادة 190)
جرائم الحرب المتصلة باساليب القتال المحظورة – (المادة 191)
جرأئم الحرب المتصلة باستخدام اسلحة ووسائل محظورة (192)
جاء تضمين هذه التعديلات في محاولة ساذجة للإلتفاف على الجهود الرامية الى تقديم البشير وبعض اعوانه للمحاكمة امام محكمة الجنايات الدولية. المفارقة هي ان تلك التهم المرجح ارتكاب نظام البشير لها لا تحتاج الى تضمين في القانون القطري للدول كي تتم محاكمات دولية بصددها إذ أنها جرائم دولية تنطبق حتى في حالات غيابها من قوانين الدول أو الوثائق والإعلانات الدستورية إذ أنها جرائم منصوص عليها في القانون الجنائي الإنساني وهي بذلك جرائم ضد البشرية جمعاء.
إذا كان بوسع الحكومة الجديدة، التي اتمنى لها كل توفيق أن تنهض بمنظومة السودان العدلية من حالة العطب البنيوي الجسيم بحيث يتم التقديم الى المحاكمة لأمثال البشير وهارون وابو قردة والعسكر وقادة المليشيات الذين ضلعوا في محاربة شعبهم في دارفور وجبال النوبة وجنوب النيل الأزرق وغيرها.
ارجو ألا يحسب القاريء أنني اغالي حين أقارب بين جرائم النازي وجرائم المؤتمر الوطني بعسكره ومليشياته. الأعداد الهائلة من ضحايا النازي التي بلغت عدة ملايين يجب ألا ينسينا أن مقتل مواطن سوداني واحد على أيدي البشير بعسكره ومليشياته هو – بحساب إحصاء الجثث – يمثل بالحساب القرآني مقتل الناس جميعا: "من قتل نفساً بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعاً".
إن مقتل مئات الألوف من أهلنا في تلك المناطق لا يقل فداحة عن مقتل الملايين على أيدي النازي .. بيد انه يبدو جديراً بالنظر ان النازي كان يقوم بجرائمه ضد قوم يختلفون عنه دينياً ويساق معظمهم الى معسكرات الإعتقال من بلاد يحتلها النازي مثل بولندا والدنمارك وبلجيكا وفرنسا وغيرها بينما كان عسكر البشير ومليشياتهم يتولون تقتيل أبناء وبنات شعبهم وغالبهم الأعظم يدين بدين الإسلام الذي يؤمن به القتلة والمغتصبون ذاتهم ويتربحون باسمه .
وإن كنا بصدد الأرقام المنهوبات من المال العام التي تبلغ عشرات المليارات من الدولارات أفضت بالتالي الى إفقار الملايين من أبناء شعبنا وبالتالي الى مقتل مئات الآلاف إن لم نقل بضعة ملايين من أهلنا جوعاً ومرضاً. هؤلاء دمهم دمنا ونحن في الحسبة أولياء دم.
يبدو مسيئاً لذكاء القاريء أن نورد إشارات الى حق البشر – وبينهم أهل السودان – في الحياة: فالمادة 3 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والمادة 6 من اتفاقية الحقوق المدنية والسياسية والمادة 4 من الميثاق الأفريقي لحقوق الإنسان والشعوب وكذلك المواد 5 - 8 من الميثاق العربي لحقوق الإنسان كلها تؤكد ضرورة ان يحمي القانون هذا الحق.
وهناك المادة 28 من وثيقة الحقوق في دستور السودان الإنتقالي للعام 2005 والتي تنص على ان كل انسان له "حق اصيل في الحياة والكرامة والسلامة الشخصية ويحمي القانون هذا الحق ولا يجوز حرمان اي انسان من الحياة تعسفاً"
مدمنو الدناءة تلقوا التعويضات في الماضي نيابة عن الشهداء الضحايا وناموا بها وما تذكروا ذويهم. هم الآن على استعداد لتناسي مبدأ المحاسبة والترويج للحصانة السيادية في انتظار تعويضات لهم تمثل صم الخشم.
+ الحصانة بأي حق وضد من؟
كنت قلت إن الحصانة هي النص المضمر في التفاوض والتعامل مع العسكر.
عجبت أنهم لا يستحون من استخدام هذا الجذر "حصن" ورغم أن "الحصانة" تعني المنع وحالة العفة. الجذر إذن يتصل بالعفة. وإمرأة حصان، عند ابن منظور، تعني امرأة عفيفة. محصنة بفتح الصاد أو كسرها. حسان بن ثابت شاعر النبي وصف عائشة بأنها "حصان رزان". إنها بجاحة وقلة حياء أن يردد مشتق من هذا الجذر أولئك الذين ظلوا يتفرجون على انتهاك عفاف فتياتنا في معرض فض الإعتصام كما ظلوا مسؤولين بالتواطوء على الأقل من استخدام الإغتصاب سلاحاً في الحرب على شعبهم في دارفور وجبال النوبة وجنوب النيل الأزرق .
القاريء يدرك أن مفهوم "الحصانة " لم يكن مألوفاً في الآثار والمرويات: هناك الأمان مثل قول الرسول (ص) "من دخل دار ابي سفيان فهو آمن" أو العفو بطريقة: " أذهبوا فانتم الطلقاء" على أن الحصانة التي يتوق اليها عسكر المؤتمر الوطني ومليشياته هي من نوع "العفو عما تقدم وما تأخر" ومنعاً للإلتباس يريدون صكوك غفران يحتكرون توزيعها. ذلك يعني تحديداً "العصمة المطلقة" والتي لا يفوز بها حتى الأنبياء: أحد الفقهاء يعرف العصمة بأنها: لطف من الله تعالى يحمل النبي على فعل الخير ويزجره عن الشر مع بقاء الإختيار تحقيقا للإبتلاء .. وأبن تيمية لا يحسب أن الأنبياء لديهم العصمة المطلقة التي يعتقد أمثال حميدتي والبرهان وكباشي وامثالهم أنهم أهل لها: ذلك ان عصمة الأنبياء عن الكبائر لا عن الصغائر إلا ما أُستقبح منها.
القاريء يدرك أن المرجعية الإسلامية التي يتخذها المؤتمر الوطني مطية ودثاراً لأهوائهم ومخازيهم لا تسند نزوعهم الملحاح للإفلات من التبعة ومن العقاب. القاريء عليم بأبي بكر وهو يقول: "وليت عليكم ولست بخيركم" ثم يسعى وراء رزقه في السوق كما كان عهده حتى ربطوا له أجراً سنوياً يتمثل في 250 ديناراً وجزءاً من شاة (رأس وأحشاء وكوارع( وكيف أنه سرعان ما قال لهم: "لا حاجة لي في إمارتكم. رزقتموني ما لا يكفيني ولا يكفي عيالى" وطالب بزيادة الأجر الى 300 دينار سنوياً وأن تكون الشاة كاملة لا منقوصة. كما يدرك ما قاله عمر من انه لو عثرت بغلة في العراق لسألني الله لم لم تمهد لها الطريق يا عمر؟ وكيف انه اهتدى بفتوى علي بن ابي طالب بان عليه باعتباره الخليفة تبعة دية الجنين الذي أجهضته مغنية فزعاً حين جاءها أمر الإستدعاء من الخليفة.
بأي حق يسعى المؤتمر الوطني بعسكره ومليشياته للتنصل من المسؤولية عن الإبادة الجماعية وجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية في دارفور وغيرها وقد شملت الإغتصابات ومواراة الأحياء والأموات وكذلك التغافل عن جرائم ساحة الإعتصام وامتداداتها - وهم مهما تباروا في بلادة الحس قد سمعوا بمسؤولية الآمرعن المأمور والمتبوع عن التابع دون اسقاط تبعة التابع او المأمور؟. قال عمر (رض) "إني لم آمرهم بالتعدي فهم اثناء عملهم يعملون لأنفسهم لا لي" . لكنه بشهادة البغلة التي قد تعثر في العراق يدرك مسؤولية الآمر والمتبوع.
قلت إن مفهوم حصانة الملوك والسلاطين والسادة ليس مالوفاً في الثقافة السائدة وفي المرويات، فهم في حالات عديدة محل شك وزراية وكراهية.
فرح ود تكتوك كتب:
يا واقفاً عند أبواب السلاطين ارفق بنفسك من هم وتحزين
تأتي بنفسك في ذل ومسكنة وكسر نفس وتخفيض وتهوين
حتى الخلفاء الراشدين وجدوا من يشق عليهم عصا الطاعة:
ابو بكر قيل إنه مات مسموماً
عمر قتله ابو لؤلؤة وهو يؤم الصلاة، عثمان قتل في الفتنة وهو يتلو كتاب الله، علي قتله عبد الرحمن بن ملجم.
وابو العلاء المعري يقول عن تلك الفئة المتسيدة: "ولا تطيعن قوماً ما ديانتهم إلا الاحتيال على أخذ الأتاوات وعنهم يقول: " تسمت رجال بالملوك سفاهة ولا ملك إلا للذي خلق الملك" وكذلك:
يسوسون الأمور بغير عقل فينفذ أمرهم ويقال ساسة
فإف من الحياة وإف مني ومن زمن سياسته خساسة
وابن خلدون لاحظ في مقدمته ما عاشه بالتجربة اهلنا زمن البشير من ان "السلطان والأمراء لا يتركون غنياً في البلاد إلا زاحموه في ماله وفي أملاكه مستظلين بحكم سلطاني جائر من صنعتهم كما لاحظ ايضاً "أن الظلم لا يقع إلا من أهل القدرة والسلطان"
وهكذا فان السادة ليسوا أهلاً لحصانة سيادية ضربة لازب.
وبين ملوك الإنكليز لم ينج فيهم من قتل الرعية له إلا من رحم ربي:
الملك ادموند ايارنسايد الثاني قتل العام 1016 وهو يقطع الجمار: القاتل انتظره متحلياً بصبر ومثابرة متوارياً داخل حفرة المرحاض. لدى ظهور مؤخرة الملك أولج القاتل السكين في إسته فارداه قتيلاً .
وهناك الملك ادوارد الثاني قتلوه في سبتمبر العام 1322 في بيركلي كاسيل - في ما يشاع - بايلاج قضيب ناري ملتهب في إسته.
هناك ملوك آخرون وملكات اخريات في انجلترا لاقوا الحتف - رغم الحصانة السيادية او بسببها - على نحو اقل درامية: هنري السادس ذبحوه في برج لندن العام 1471 من الوريد للوريد وهناك زوجات هنري الثامن والملكة جين غراي التي قطعوا رأسها ورأسي زوجها وابيها في العام 1554. وهناك أيضاُ تشارلز الأول الذي جرى قتله بالمقصلة في العام 1649 وهلم جرا.
الحصانة السيادية في القانون الدولي
هي في القانون الدولي مبدأ يتيح للمتهم تفادي المحاكمة عن الجنايات. وهو حصانتان الأولى وظيفية والثانية شخصية. بيد أن أكاديميين وفقهاء قانون دولي كتبوا الكثير في ذم مفهوم الحصانة السيادية:
كتب قاض اسمه "بلابيرن" في دورية هارفارد لو ريفيو العدد 10 للعام 1897 : إن أقوى مبررات الحصانة السيادية يتمثل في أنها تمثل إرثاً وتقليداً عتيدا وانها تستند الى القانون الإنكليزي (من أين ورث الكيزان مفهوم الحصانة السيادية يا ترى؟)
" إنه مما يبعث الى الإشمئزاز ألا نجد سبباً أفضل يبرر بقاء قاعدة قانونية خلاف قولنا إنها تعود الى زمن هنري الرابع".
كما كتب بروفسور أيروين شيميرينسكي في استانفورد لو ريفيو أن الحصانة السيادية "مفهوم بال مستمد من تقليد طالما فقد صدقيته يتمثل في حقوق الملك المطلقة كما انه مجاف للمباديء الأساسية لمنظومة العدالة الأمريكية، أي انها لا تجد ما يبررها تاريخياً ولا تتسق مع المطلوبات الدستورية الأساسية مثل حاكمية الدستور ومقتضيات العدالة". ويضيف البرفسور أن أي مبدأ مستند الى افتراض يقول "إن الملك لا يمكنه إقتراف الخطأ" لا مكان له في القانون الأمريكي (.....) "إن الحصانة السيادية لا تتسق مع مبدأ مركزي من نظام الحكم الأمريكي: ليس هناك من أحد يعلو على القانون والحصانة السيادية تعني أن بعض المضارين بأذي جسيم لا قدرة لهم على تلقي الإنتصاف بصدد ما بلغهم من ضرر. والى ذلك فانها تنال من المبدأ الرئيس القائل إن أُس الحرية المدنية وجوهرها يشمل بكل تأكيد حق كل مواطن في التماس حماية القانون حيثما أصابه أذى."
وفي "ادمينستارتيف لو ريفيو" الرقم 3 في ابريل 1970، كتب دينيس كولد ديفيز بروفسور القانون في جامعة شيكاغو إن على الحصانة السيادية أن تذهب أو إنها في طريقها الى ان تذهب بالفعل فهي كثيراً ما تسبب ظلماً بالغاً كما تفضي الى نتائج نهائية تفتقر الى الضمانات اللازمة للإجراءات العادلة . وهي كثيراً ما تسبب ظلماً بالغاً من جهة حرمان المحاكم من حل نزاعات هي أهل لها.
كما حكم القاضي في " قضية مارتينيوك ضد ولاية بنسيلفانيا" ان الحصانة السيادية اما أنها تستند الى مبدأ يزعم أن الولايات المتحدة هي السليل المؤسسي للتاج البريطاني أم الى مبدأ يزعم أنه لا حق قانوني ضد السلطة التي تسن القوانين" (أي العندو القلم ما بيكتب نفسه شقي.)
إن الحصانة تفضي الى إرتكاب المزيد من الإنتهاكات. ذلك أدى بلجنة الأمم المتحدة الخاصة بحقوق الإنسان وبالمفوضية الإفريقية الخاصة بحقوق الإنسان والشعوب وبهيئات دولية أخرى فضلاً عن لجنة الإتحاد الإفريقي السامية حول دارفور الى مطالبة السودان بالغاء الحصانة.
ولكن الحصانة ظلت باقية في قانون القوات المسلحة للعام 2007 (المادة 42 "2" وقانون الشرطة العام للعام 2008 (المادة 45 "1" وقانون الأمن القومي للعام 2010 (المادة 52) والتي تنص على أنه لا يجوز تحريك أي دعوى مدنية او جنائية ضد أي من عاملي أو منسوبي الوكالة إلا لدى موافقة المدير والذي يتعين عليه منح تلك الموافقة رهناً بألا تكون المحاسبة متصلة بالعمل الرسمي وشريطة ان تكون محاكمة أي فرد أو منتسب في محكمة جنائية مغلقة.
هذه الحصانات لا تسبب سلاماً أهلياً مستداماً وانما تفضي الى احتقانات تؤدي الى عنف يتجدد. وعلى اي حال فإن الحصانات القطرية لا تعني شيئاً في القانون الدولي حين يتصل الأمر بتهم تحت القانون الدولي الإنساني. في الرابع والعشرين من مارس العام 1999 قضى مجلس اللوردات البريطاني بأغلبية ستة أصوات مقابل صوت واحد بأن الحصانة التي منحتها حكومة تشيلي للرئيس السابق بينوشيه لا معنى لها أمام المحاكم البريطانية ولا يحق له المطالبة بها، ووصفت افتتاحية نيويورك تايمز هذا الحكم بانه اليوم الأسود للحصانة السيادية خلال التاريخ الذي تختزنه الذاكرة.
ورغم أن المحكمة العليا في نيويورك قد قضت في فبراير العام 2001 ان روبرت موغابي لديه حصانة سيادية في وجه دعوى مدنية حركها مواطنون من زيمبابوي مقيمون في امريكا لأنه ما زال رئيساً للدولة الا أن كون البشير رئيساً للدولة لم ينجيه من اصدار محكمة الجنايات الدولية لمذكرتي اعتقال ضده في عامي 2009 و 2010 ليكون بذلك اول رئيس دولة يتم استدعاؤه امام المحكمة الدولية وهو ما زال في المنصب علاوة على كونه أول متهم بالإبادة الجماعية يواجه العدالة الدولية.
ذلك في حد ذاته لا يكفي لتلبية الطموح الشعبي المشروع في أن يكون القصاص ناجزاً أمام العيان:
في رواندا بلغ عدد المتهمين بارتكاب الإبادة الجماعية في العام 2000 مائة وثلاثين الف متهم. لم تكن للتسهيلات العدلية طاقة لمحاكمة هؤلاء فنشأت محاكم غاكاكا الأهلية المدعومة وبلغ عددها نحو 11 الف محكمة. وبنهاية العام 2007 مثل نحو مليون راوندي امام المحاكم بصدد تهم متصلة بالابادة الجماعية.
لا احسب ان هناك ضرورة لمحاكمة مثل هذا العدد من مجرمي المؤتمر الوطني وعسكره ومليشياته. في محاكمات نوريمبيرغ بين نوفمبر 1945 واكتوبر 1946 . بلغ عدد المتهمين 24 متهماً. ولكن كان بينهم 6 منظمات نازية بكاملها مثل الغوستابو. أحد المتهمين لم تكن لدية لياقة بدنية وعقلية تكفي لمواجهة المحاكمة. متهم آخر انتحر ليلحق بهتلر وهيملار وغوبلز الذين كانوا قد انتحروا في ربيع العام 1945 . 12 نازياً صدر الحكم باعدامهم وجرى شنقهم في 16 اكتوبر 46 - أما هيرمان غورينغ قائد القوات الجوية فقد انتحر ليلة الإعدام بحبة سم ساينايد كان قد دسها في مدهون لتحسين البشرة.
وفي محاكات نوريمبيرغ الإضافية بين ديسمبر 46 و ابريل 49 جرت محاكمة 23 طبيباً و16 قاض ومحام بجرئم ضد الإنسانية (والعاقبة عندنا).
على ان ملاحقة النازيين استمرت عبر الأعوام. ومركز سايمون وايزينثال لعب دوراً معلومأ في هذا الصدد، وهكذا تم اختطاف إيخمان ومحاكمته وإعدامه في إسرائيل في العام 1962. في العام 2005 اصدر المركز قائمة باسماء عناصر نازية ما زالت بمنأى عن العدالة والقائمة التي تجددت في العام 2018 حوت نحو خمسين اسم لا يقل عمر اي أحد بينهم عن التسعين عاماً. الدرس هنا هو أن التقادم لا يبطل محاكمة الجنايات الدولية وان الذي يفوت لا يموت والنسيان ضرب من الغفران.
إن تسليم البشير وأعوانه المتهمين الى العدالة الدولية مطلوب بالحاح ما لم تقم حكومتنا الجديدة باعادة بناء تام للمنظومة العدلية في البلاد بحيث تتولى محاكمتة على تلك الإتهامات
+ دائرة الطباشير السودانية
انوي التعرض هنا الى التعارض بين مفهوم الحصانة ومبدأ المحاسبة.
اخترت نموذجاً مسرحية الألماني بيرتولد بريخت (1898 -1956) المسماة "دائرة الطباشير القوزاقية".
في المسرحية "غروشا" تعمل خادمة في بيت محافظ الولاية التي تشهد انتفاضة تؤدي الى مقتل الزوج. ناتيلا، الزوجة الأنانية الجشعة تهرب بجلدها تاركة طفلها وراءها بلا ادنى محاولة لانقاذه واستصحابه معها .. الخادمة "غروشا" هي التي تحتضنه وتنقذه وتهرب به مشياً الى منطقة نائية آمنة في جبال القوقاز مدعية انها أمه.
الإنتفاضة تنتكس ويعود نظام الحكم السابق فتهرع ناتيلا لإستعادة ولدها الذي كانت قد نبذته لأنه الآن موعود بوراثة اموال والده القتيل وثرواته الطائلة..
وعلى ذلك ينشب النزاع أمام "إزداك" القاضي البالغ البساطة على غرابة أطواره بطريقة مسرح بريخت.
يرسم القاضي على الأرض دائرة طباشير حول الطفل المتنازع عليه. خارج الدائرة تمسك كل إمرأة بإحدى يدي الطفل. يتنازعاه بحيث تفوز به المرأة القادرة على جره اليها من خارج دائرة الطباشير. ورغم ان هذه الحبكة - ترمز على مستوى واقعي شبه حرفي الى نزاع بين ام بيولوجية لمولود من جهة وحاضنة للمولود تتولى بالفعل رعايته. بيد ان بريخت أرادها رمزاً للصراع بين الملكية والحيازة: يعني: الأرض لمن؟ للذي يملكها وحسب فقط أم لمن يفلحها؟.
أردت لدائرة الطباشير ان تكون الحلبة بين أهل الإفلات والحصانة من جهة وأهل المحاسبة من الجهة الأخرى.
هناك من يحسب أن تهديد الحكام بالمحاسبة والمقاضاة لا يؤدي بالحكام الأدنياء الفسقة الى أكثر من الكنكشة الدموية في السلطة وفي خلال ذلك يعدون لهبوط ناعم يتمثل في أن يخلفهم الإبن الجذاب (مبارك والقذافي مثلاً) أو تسليم السلطة الى أيدي آمنة تخرج الى الناس بدعوة الى التمهل
أن المجتمعات الخارجة لتوها من حروب أهلية وعسف واستبداد لا تحتمل الهزة الناتجة من اقتلاع النظام من جذوره وكيف أن التركيز يتعين أن يكون على النظر في الحاضر والآجل لا في ما مضى.
أما الآخرون فهم مدركون المحاسبة هي الضمان الأفضل لعدم تكرار مخازي الماضي وجرائمه. إنهم يتذكرون قول المسرحي وولي شوينكا: "هل علينا مثلاً تصور بول بوت وقد تاب واستغفر الله يمشي في الطرقات مثله مثل أي رجل آخر - بعد أن فك أسره غفران اولئك الذين لم يتمكن من قتلهم؟ " كما يذكرون قوله "إن الغفران - كقيمة انسانية أثقل وطأة على النفس من الإنتقام ولكن لا يجوز العفو عن مرتكبي الإستبداد على نحو يتيح لهم المنزلة الأخلاقية والمواطنية التي ينعم بها اولئك الخالي سجلهم من الإجرام. "ويضيف المسرحي الشاعر الحائز على جائزة نوبل ان "المعافاة والتئام الجراح يتمثل في انتقام يستأصل الورم السرطاني برمته."
في مسرحية بريخت تتجاذب الإمرأتان الطفل وهما خارج دائرة الطباشير. حين يحمي وطيس جر الحبل ترخي غروشا قبضتها لأنها لا تريد للطفل أن تتمزق أوصاله. أما ناتيلا الأنانية الجشعة فتجر الطفل اليها من خارج الدائرة.
كانت غروشا قد شتمت القاضي، "ازداك" لأنه يستولي على غرامات المحكمة كمصاريف نثريات خاصة به وينفقها في شراء المشروبات الروحية ليحتسيها جمهور المحكمة.
ولكنه يصدر حكمه قائلاً لغروشا الخادمة:
خذي طفلك وانصرفي.
انصحك بعدم إبقائه في المدينة
ومخاطباً ناتيلا زوجة المحافظ الدنيئة قال ازداك:
غوري من هنا قبل أن أفرض عليك الغرامة جزاء النصب والإحتيال. أموال زوجك المتوفي وممتلكاته تؤول الى المدينة لإقامة تسهيلات للأطفال هم في أمس الحاجة لها وقد قررت أن أطلق عليها اسمي.
المغني يختتم المسرحية:
بعد تلك اختفي زادك ولم تقع عليه عين بعدها
أهل القرية لم ينسوه ودائماً يذكرون
عهد توليه القضاء كعهد ذهبي وجيز
عهد عدالة على وجه التقريب"
ولكن هذه النهاية لا تخارجنا: غروشا التي ترمز الي المحاسبة تخضع للإبتزاز فتتخلى عن الطفل اشفاقاً عليه من أن تتمزق أوصاله. لم يكن ممكناً إدعاء توقعها لحكم القاض غريب الأطوار، كيف يتأتى لأي أحد انتظار العدالة التقريبية المزعومة.
ماهو الثمن الذي دفعته ناتيلا؟
حتى في أفلام الكاوبوي على الخائن أن يدفع الثمن. كما ذكرت في "الجريمة والعقاب" إنه حين قالوا لأيرلندي ضحية ظلم موجع من رجل انكليزي عليك أن تغفر له والرب سوف ينتقم لك وهو شديد العقاب رد قائلاً:
"لماذا يكون هو وحده الذي يتلذذ بالإنتقام؟"
إن كظم الغيظ ثقيل الوطأة على الأفراد ولكنه ممكن. أما بالنسبة الى الشعوب فانه لا يفضي إلا الى الإحتقان.
لا اعتراض لي على عدالة زادك التقريبية. النازيون واجهوا المحاكم العسكرية التي حكمت على معظمهم بالإعدام وتم وضع منظمات نازية بكاملها في قفص الإتهام. لا يمكن لضابط في الغيستابو الإدعاء بأنه يعمل في مجال العلاقات العامة. لو تمت محاكمتهم في محاكم مدنية تفسر الشك لصالح المتهم لبقي زعماء النازي أحياء يرزقون في ملاجيء العجزة على أسوأ تقدير. والذي يعمل في جهاز قوش الأمني هل يعمل هناك في مجال العلاقات العامة؟
عدالة "آزداك" التقريبية شبيهة بعدالة الشاعر المبدع ود الرضي: "من تعاطى المكروه عمداً غير شك يتعاطى الحرام".
هذا هو عبء الإثبات الذي يتعين تطبيقه على مسؤولي نظام البشير.
وحيث أن دائرة الطباشير البريختية لا تفي بكامل الغرض فلا مفر لي من الإستعانة بمسرحيتي "الرمة وحراسه": في المسرحية المكتوبة أصلاً بطلب من محجوب شريف. يمكن لحارس الرمة أن يكون نحيفاً خفيف اللحية بينما المهاجمين الثلاثة ملتحون بالغي البدانة يلبسون حفاظات ضخمة ويقلبون الهوبة ويحبون على أربع للتسخين قبل البدء بمهاجمة الرمة قائلين:
عروسكم أم عصب بمبر القصب
عروسكم شينة وابوها اضينة
عروسكم أم لغود فرخة للوقود
النهاية التي تختلف عن نهاية "دائرة الطباشير" هي ان الرمة بعد أن ضاق أمرها تنتفض وتقوم بجلد المهاجمين والحارس بلا هوادة وهي تقول :
أصبح الصباح غورو يا قباح
(البشير نال قصب السبق من جهة انه رئيس الدولة الوحيد في العالم الذي صدرت ضدة مذكرة اعتقال للمثول امام محكمة الجنايات الدولية وهو ما زال في منصبه. في حالته هناك مذكرتان في عامي 2019 و2010 ).
كيف تطاح الأنظمة بلا دموع؟
لا احد ينتظر من زعيم شيوعي سوداني أن يطل على الجموع الغفيرة ممتطياً صهوة جمل ابيض فارع - كما فعل المهدي ، وان يرتفع صوته مجللاً: بايعوني على قص الرقبة لترد عليه الجموع: بايعناك على قص الرقبة.
ورغم أن البيان الشيوعي يقول في خاتمته ان الشيوعيين ينادون علانية بأن لا سبيل الى بلوغ اهدافهم إلا بإسقاط النظام المجتمعي القائم بالعنف إلا أن ماركس، بعد نحو ربع قرن من نشر البيان الشيوعي في مقدمة الطبعة الألمانية الجديدة له "إن برنامج البيان الشيوعي قد شاخ اليوم في بعض جوانبه".
وهكذا فان ماركس لم يكن يتعامل مع البيان الشيوعي باعتباره كتاباً مقدساً
وبالفعل فقد خاطب ماركس مؤتمراً للثوريين في امستردام في الثامن من سبتمبر العام 1872 قائلاً: "كما تعلمون فانه يتعين أن نضع في الإعتبار التقاليد والمؤسسات والأعراف الخاصة بمختلف البلدان. إننا لا ننكر أن هناك بلاداً مثل أمريكا وانكلترا، وإذا كنت أكثر دراية بمؤسساتكم فقد اضيف الى القائمة هولندا، بلاد يمكن فيها للعمال تحقيق أهدافهم بالطرق السلمية" في "النظرية الماركسية والثورة والعنف" Adam Schaff وكتب المفكر الماركسي البولندي آدم سكاف " ان ماركس وانغلز - لينين لاحقاً اشاروا الى ثورة سلمية أي ثورة تتحقق عبر الصراع الطبقي ولكن من دون عنف"
في "تداعيات بذكر سعاد" ذكرت أن مارك توين استخدم مفارقة كابوسية تتمثل في مقتل أحد العسكر الطغاة بعد انتصاره في حرب أهلية، نتيجة وطأة جثث القتلى المهزومين التي تراكمت من فوقه.
نظام فرانكو في اسبانيا وبينوشيه في تشيلي - وكنت اشرت اليهما في "الجريمة والعقاب" إضمحلا بوطأة جثامين الشهداء التي تكومت فوق نظاميهما فضلا عن تراكمات العمل اليومي المثابر والممل أحياًناً من أجل "حرية سلام وعدالة".
في مكان آخر أشرت الى مسرحية يوجين اونيل "الإمبراطور جونز" حيث يتسلل الشعب برمته شيئاً فشيئاً من البلد الى الجبال والغابة هرباً من حاكمها المحتال اللئيم فيلحق بهم وحيدا ليلاقي حتفه.
وهناك الصيغة التي اعتمدتها في مسرحيتي "الرمة وحراسه" والتي ذاع صيتها بفض إشاراتي التي لا تنقطع اليها: الرمة تتجرد من كفنها وتنتفض واقفة على قدميها لتتولى جلد مهاجميها وحارسها بلا هوادة وتودعهم قائلة:
اصبح الصباح غورو ياقباح
هناك تجربة تونس وثورة الحرية والكرامة: 28 يوما من المقاومة المدنية السلمية في يناير العام 2011 وافضت الى هروب زين العابدين بن على واشاعة الديمقراطية مما ادى الى انعقاد اننتحابات نيابية عامة. كانت فاتحة الربيع العربي: تفجرت البهجة العارمة بهروب بن علي والكهل الذي ردد في حرقة: لقد هرمنا. الشهداء 338 والجرحى 510. لا علم لي بمدى التحول في جهاز الدولة.
لم أذكر اكتوبرنا باضرابها السياسي العام وبمتاريسها وبالتظاهرات واعمال التحدي المتراكمة عبر السنين. لم اذكرها بسبب الدور الإيجابي الذي لعبه ضباط وطنيون ديمقراطيون في حسم تسليم الشرطة وتسلمها، كما لم أذكر ثورتنا الديسمبرية التي قطع عسكر المؤتمر الوطني ومليشياته الطريق اليها وما زال الشق الوطني في الحكومة وقبل ذلك الشارع العريض عاكفاً على مواصلة المشوار وازاحة العسكر ومليشياتهم عن الدرب.
تجربة إيران
في 12 ديسمبر78 ملأ مليونا ايراني ساحة أزادي شاهيناز مطالبين برحيل الشاه. وكانت المظاهرات العارمة والمقاومة المدنية والإضراب السياسي العام التي قادها اليسار وجماعات إسلامية بين أغسطس وديسمبر قد شلت البلاد تماماً. وراح ضحيتها 78 قتيلا.
وفي اول فبراير عاد الخميني من منفاه الذي امتد 14 عاما فصار مركزاً ملهماً لحتمية التغيير. عشرة أيام بعد وصوله انهار نظام الشاه مثقلاً بركام سنوات وسنوات من أعمال العصيان والإحتجاج.
قيل أن نحو 22781 إيراني قتلوا في المظاهرات خلال عامي 78و79 . نحو 400 منهم راحوا ضحية حريق سينما ريكس في طهران.
ولدت دولة الخميني وجمهوريته الإسلامية.
على نحو ما فان الثورة بالخواتيم. فيديل كاسترو كان يعتقد ان المحتوى اللاهوتي لثورة الخميني ليس اكثر من لكنة لا تنفي لغتها ومفرداتها الثورية. على ان التاريخ يرجح نظرة شوان لاي حين سألوه عن تحليله للثورة الفرنسية فأجاب بأن الوقت لم يحن بعد للحكم في ذلك.
بشاعة الجمهورية الإسلامية بدت جلية ً حين أفرغت المخابرات البريطانية ضابط كي جي بي كان يعمل في طهران من مخزون معلوماته في العام 1982 . النتيجة كانت كشف ذلك العميل المسمى فلادمير كوزيشيكن بيانات بأبرز أعضاء حزب تودة. سلمت المخابرات البريطانية ام آي 6 القائمة التفصيلية الى مخابرات الخميني. 10 الاف من أعضاء الحزب زج بهم نظام الخميني في السجن. تاجي كيماناش سكرتير الحزب و13 من اعضاء اللجنة المركزية جرى قتلهم خلال التحقيق .
و بين مايو 1983 ومايو 84 ظهر جميع قادة الحزب تقريباً في تسجيلات على تليفزيون ايران فرادى ثم مجتمعين في مائدة مستديرة يعلنون توبتهم يشهدون على أنفسهم بالخيانة وجرائم التخريب والإلحاد.
في مايو 94 ظهر على تليفزيون طهران - متنكراً لتاريخه وكتاباته، احسان طبري منظر الحزب والمفكر الماركسي ذو تجربة نحو نصف قرن في الكتابات الفلسفية والثقافية عموما. بعد الحبس الإنفرادي والتعذيب قال إنه يدرك الآن أن كتاباته وكتبه مفسدة ومعيبة. وخلال إعلانه لتوبته أشاد مراراً بالأئمة الثانية عشرة كما اعلن أن الجمهورية الإسلامية تعلو على الماركسية اللينية.
في عام 88 جرى إعدام مئات من أعضاء الحزب في سياق مجزرة السجناء السياسيين..
الصنداي تايمز كانت أول مصدر كشف مخزى المخابرات البريطانية الي سلمت رؤوس الوف من اعضاء حزب تودة الى مخابرات الخميني في طهران.
هناك تدرب امثال قطبي المهدي ونافع على كيفية جعل شرفاء الناس في بلادنا يتنكرون لتاريخهم وفكرهم تحت التعذيب والبطش. خاب مسعاهم وبقي متن المقاومة السودانية عصياً على الإنكسار.
"الثورة الإسلامية" كان لها بطلها. الجماهير كانت تتعشق صوته وصورته لا يلقون بالاً لما يتم في السجون وفي ساحات الإعدام
لم يكن ذلك حال ثورة ديسمبر. كتبت في "المظاهرة وما اليها" ان هناك عاملاً هاماً يتصل بان شباب الثورة لم يوكلوا امرهم الى حزب سياسي ينوب عنهم . وهكذا نمت بينهم روح المسؤولية الذاتية تجاه المستقبل وتجاه السودان. وقلت إن هذا قد يفسر روح المبادرة والإبداع التي تخنقها ظروف العمل السري وصرامة الشكال التنظيمية الجامدة.
في ديسمبر كما في كميونة باريس كما صورها المسرحي الألماني بريخت ليس هناك بطل اوحد أو صمد . البطل هو الكميونة ذاتها كما أن الشارع الحدادي مدادي كان البطل في ديسمبر. (ولمناسبة كميونة باريس والتي أحكي عنها كما لو أنني كنت من الذين "صابينها" هناك كتب ماركس انها من جهة "أبرزت نساء باريس الحقيقيات ببطولتهن ونبلهن وتفانينهن كنساء الملاحم الكلاسيكية " ذلك كما كان الحال في ديسمبر وخلال الإعتصام .
ويبدو أن اهم دروس الكميونة هو أنه لا يكفي مجرد استلام جهاز الدولة القائم وتسييره لتحقيق اهداف الثورة وإنما يتعين تفكيك بنية هذا الجهاز القائم ليحل محله جهاز دولة جديدة.
حكيت مراراً عن الشيخ المحتضر الذي جمع ابناءه ليوصيهم بوحدة الصف وهو يتوق ليلقي عليهم بيت شعره المفضل : تأبى الرماح إذا اجتمعن تفرقاً وإذا افترقن تكسرت آحادا.
امر باحضار العصي. يمسك ابنان بالعصى ليحاول أحد الأبناء وهو متين بدين (غليد) كسر العصى. وكان الغليد يكسر العصي مهما تكاثرت. أصيب الشيخ بالغم والأسى: هذا الغليد يكسر العصي مهما اجتمعن، لا فائدة ولا فرصة لترديد بيت الشعر الأثير.. فقال محنقاً غوروا معاكم أب فقهة دا ما في خوف عليكم.
قلت ليس في مسرح السياسة السودانية "فقهة" مهما تفنن البعض في خضب اللحية بالحناء. ذكرت مراراً ما قاله "أندرية" الصبي ابن بائعة اللبن لغاليلو غاليلي في مسرحية بريخت التي تحمل ذلك الأسم: "تعيسة البلد بلا أبطال" وكان رد غاليليو : تعيسة البلد التي تحتاج الى ابطال".
والبطل في ديسمبر كان هو الشارع العميق الحدادي مدادي المكتظ بوجوه بلا أسماء ظلت تكتب بالأيدي عبر السنين مفردات زمن جديد قادم لا ريب فيه.
بروكسل – لندن


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.