ذكريات وأسرار الحركة البيئية العالمية ومصائر الدول النامية .. بقلم: بروفيسور عبدالرحمن إبراهيم محمد    ترامب يتشبه بالرؤساء العرب .. بقلم: طه مدثر عبدالمولى    باتافيزيقيا السّاحة الخضراء (1) .. بقلم: عوض شيخ إدريس حسن /ولاية أريزونا أمريكا    مُؤانسات الجمعة .. بقلم: د. محمد حسن فرج الله    كلِّم قليبي .. بقلم: عبدالماجد موسى    لجان مقاومة البراري تعتزم تسيير مليونية 30 يونيو    حزب البجا المعارض يرحب بالبعثة الأممية    تجمع المهنيين ينفي دعوته لمؤتمر صحفي    لغم خطير: من يجرؤ على تفكيكه؟ .. بقلم: ياسين حسن ياسين    العالم يحتفل باليوم العالمي للبيئة .. بقلم: د. فراج الشيخ الفزاري    "أنْتِيفا" التي يَتّهِمها دونالد ترامب.. ما لها وما عليها، وما هي؟ .. بقلم: د. عصام محجوب الماحي    الدولة في الاسلام مدنيه السلطة دينيه اصول التشريع متجاوزه للعلمانية والثيوقراطية والكهنوت .. بقلم: د. صبري محمد خليل    كيف واجهت مؤسسة الطب السوداني اول وباء لمرض الايبولا (1976) الموت تحت ظلال الغابات الاستوائية .. ترجمة واعداد/ بروفيسور عوض محمد احمد    مسألة في البلاغة: تجري الرياحُ بما لا تشتهي السّفُنُ .. بقلم: عبد المنعم عجب الفَيا    سر اللاهوت والناسوت في النفس البشرية (دكتور علي بلدو نموذجا) .. بقلم: د. فراج الشيخ الفزاري    قرارت مرتقبة لتنظيم عمل المخابز بالخرطوم تتضمن عقوبات صارمة    قانون لحماية الأطباء فمن يحمى المرضى ؟ .. بقلم: د. زاهد زيد    الفقر الضكر .. فقر ناس أكرت .. بقلم: د سيد حلالي موسي    التعليم بالمصاحبة ( education by association ) .. بقلم: حمدالنيل فضل المولي عبد الرحمن قرشي    إحباط تهريب مصابين بكورونا من البحر الأحمر    الشرطة تنفذ حملة لمواجهة مخالفات الحظر الصحي ومعتادي الاجرام    سر المطالبة بتسريع التحقيقات ومحاكمات رموز النظام البائد والمتهمين/الجناة .. بقلم: دكتور يس محمد يس    كل ما هو مُتاح: مناعة القطيع .. مناعة المُراح .. بقلم: د. بشير إدريس محمد زين    قراءة متأنيَة في أحوال (شرف النّساء) الحاجة دار السّلام .. بقلم: عوض شيخ إدريس حسن/ولاية أريزونا/أمريكا    موسى محمد الدود جبارة : مداخل ونقرشات علي حواف بيان اللجنة الاقتصادية للحزب الشيوعي السوداني    حملة لتوزيع غاز الطبخ في الميادين العامّة بولاية الخرطوم    خالد التيجاني النور يكتب :السلام المختطف    إحالة ملف متهم بقتل وكيل نيابة إلى الجنائية ببحري    اعتراف قضائي للمتهم الأول بقتل شاب    الغرامة لشاب ادين بتعاطي المخدرات    ترامب يهدد بتعليق عمل الكونغرس لإقرار التعيينات التي يريدها    كورونا في ألمانيا.. 2866 إصابة جديدة والعدد الكلي يتجاوز 130 ألف إصابة    حمد بن جاسم يكشف "الدروس المستفادة" من الوباء الذي يجتاح العالم    مدثر خيري:الاتحاد العام ليس الجهة التي تحدد بطلان جمعية المريخ    الكاردينال ينصح (الكوارتي) بخدمة اهله واسرته    الاتحاد السوداني يطبق الحظر الكلي    لجان مقاومة القطاع الاقتصادي تتمسك باقالة وزير المالية    تحديد (7) ساعات لتحرك المواطنين أثناء أيام حظر التجوال بالخرطوم    عبد الباري عطوان :ترامب يعيش أسوَأ أيّامه.. وجشعه الاقتصاديّ حوّله إلى مُهرِّجٍ    البدوي: زيادة الأجور للعاملين بنسبة (569%)    مشاركة المطرب...!    الناطق باسم الحكومة الفلسطينية: تسجيل 10 إصابات جديدة بكورونا    مجمع الفقة: لا تمنع صلاة الجماعة والجمعة إلا بوقف التجمعات    توتنهام يتدرب رغم الحظر    نصر الدين مفرح :نحن نتابع كل التّطوُّرات ولن نتوانى في منع إقامة صلوات الجماعة    أمير تاج السر:أيام العزلة    ردود أفعال قرار كاس تتواصل.. إشادات حمراء وحسرة زرقاء    «كاس» توجه ضربة ثانية للهلال وترفض شكواه حول النقاط المخصومة بأمر الفيفا    البرهان يتلقى برقية شكر من ملك البحرين    البرهان يعزي أسرة الراحل فضل الله محمد    5 ملايين درهم جائزة "الأول" في مسابقة "شاعر المليون"    ميناء بورتسودان يستقبل كميات من الجازولين    وزير الري يتعهد بتأهيل مشاريع الأيلولة بالشمالية    لجنة التحقيق في أحداث "الجنينة" تتلقى شكاوى المواطنين    برلمان العراق يصوت على إنهاء تواجد القوات الأجنبية    إيران تهدد بالرد على مقتل سليماني    الإعدام شنقاً ل (27) شخصاً في قضية المعلم أحمد الخير    حريق محدود بمبني قيادة القوات البرية للجيش    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





رسالة مفتوحة للسيد / عبد الله حمدوك حول مخاطر سد "النهضة" على الامن المائي والإستراتيجي للشعب السوداني .. بقلم: عادل عبد العاطي
نشر في سودانيل يوم 18 - 10 - 2019

رسالة مفتوحة للسيد / عبد الله حمدوك حول مخاطر سد "النهضة" على الامن
وحول خلل المفاوضات من الجانب السوداني وامكانيات الحل
السيد / عبد الله حمدوك ،، المحترم
تحية طيبة وبعد ،
تابعت بكثير من القلق المفاوضات الثلاثية الأخيرة التي تمت على تخوم شهري سبتمبر واكتوبر 2019م في الخرطوم حول سد رئيس وزراء حكومة الأمر الواقع في السودان بين مصر والسودان واثيوبيا، والتي انتهت بالفشل. ويهمني أن أخاطبك اليوم بإعتبارك رئيس وزراء حكومة الأمر الواقع في السودان، وفي إطار واجبي وواجبك في الحرص على مصالح السودان العليا، والتنبه لقضية من خطر القضايا التي تتعلق بالامن المائي والبيئي والاقتصادي للسودان، ومحاولة علاجها في الفرصة الأخيرة وقبل وقوع الكارثة.
أقول بدءاً إن هذه المفاوضات التي قامت تحت ظل حكومتك، والتي تمت لأول مرة على هذا المستوى بعد الاطاحة بالبشير، لم تسبقها أي حوارات مجتمعية أو سياسية تدعم وتوجه موقف المفاوض السوداني – وزير الري-. كما شارك فيها نفس أعضاء الوفود القديمة تحت ظل المخلوع وومن بينهم خضر قسم السيد وزير الري في حكومة معتز موسي ، و عثمان التوم وزير الري في حكومة محمد طاهر ايلا التي اسقطها الثوار، وياسر عباس عضو اللجنة الفنية . ويكون التساؤل هنا ما هي المعايير والسياسات البديلة عن سياسات النظام السابق التي تحكم موقفكم في تلك المفاوضات، ناهيك عن عدم الاستفادة من الكوادر الوطنية والثورية الصلبة في هذه المرحلة التي يراد لها ان تكون جديدة في تاريخ السودان.
لقد تميزت المفاوضات حول قضية سد "النهضة" طوال اعوام 2011-2019 من طرف السودان (تحت قيادة حزب المؤتمر الوطني ووحدة السدود) ، بالسلبية والمراوغة والانحياز لهذا الطرف او ذاك دون ذكر الاسباب ودون مراعاة للمصالح العليا للبلاد، كما تجاهلت رأي الخبراء والقوى السياسية الذين أشاروا للأخطار الكبيرة لسد "النهضة" على الامن المائي للسودان والامن الاستراتيجي للبلاد. نذكر من بينهم مواقف ومقالات وتصريحات الدكتور أحمد المفتي وهو أحد كبراء مفاوضي السودان في قضايا المياه حتى عام 2012 وكذلك الحزب الليبرالي الذي أصدر بياناً مطولاً عن الأمر بعنوان "تقييم الحزب الديمقراطي الليبرالي للاتفاق الإطاري حول سد "النهضة"" في 1 أبريل 2015 ، وأيضاً حزب التحرير الإسلامي الذي أصدر كتيباً بعنوان "سد "النهضة" ونذر حرب المياه : تفريط الحكام ومسؤولية الأمة" في سبتمبر 2017 الخ ، اليوم نرى استمرار تلك السياسات والمواقف السلبية والمراوغة والمنحازة، ولا نعلم ما هو السبب، هل ذلك لدوافع أيدلوجية أو بسبب من تقييمات سياسية او عاطفية فطيرة؟
إعلان المباديء لعام 2015 وخطورته :
أحب أن اذكر حضرتكم إن المفاوضات الحالية تدور وفقاً لإعلان المباديء حول سد "النهضة" لعام 2015 ، والذي تم تم توقيعه من طرف المخلوع البشير من وراء ظهر الشعب السوداني ولم يتم عرضه - قبل توقيعه - على البرلمان السوداني او الاحزاب السياسية والخبراء السودانيين للتطوير والاجازة أو الرفض. ان كل الوقائع تثبت إن السودان قد كان طرفاً سلبياً في صياغة ذلك الاتفاق والذي شابته الكثير من السلبيات والنواقص الخطيرة. والتي يمكن اجمالها في التالي :
أقر ذلك الاتفاق قيام السد بالمواصفات الاثيوبية، مما يهدد ضمان السلامة الكاملة للسد. ولم يغير تكوين لجان فنية لإجراء الدراسات وبدايتها لعملها شيئاً من الخطط الاثيوبية منذ عام 2011 وحتى الآن، فضلاً ان عمل اللجان كان يجب ان يسبق التنفيذ وليس ان يكون لاحقاً له. إن الاستمرار في عمل اللجان دون الوصول لاتفاق قانوني دولي ملزم هو من قبيل العبث وتكريس لسياسة فرض الأمر الواقع التي ينتهجها الطرف الاثيوبي.
لم ينص الاتفاق على تقليل سعة تخزين الخزان التي يطرحها الطرف الاثيوبي وهي 74 مليار متر مكعب ولم يطالب الطرف السوداني بتخفيض تلك السعة لاسابقاً ولا حالياً، مع العلم بما يمكن ان تسببه هذه السعة العالية من اضرار عديدة على السودان من ناحية أمن المياه، وكذلك من النواحي البيئية ومن ناحية السلامة. لقد اوصت هيئة الاستصلاح الأمريكي بتخفيض السعة الى 11 مليار متر مكعب وكذلك دراسة معهد مساشوتش للتكنلوجيا لعام 2014م التي تحدثت عن قواعد ملء وتشغيل السد، وكذلك أوضح الكثير من الخبراء عن الاضرار المتوقعة من انجاز السد بشروطه الفنية الحالية وبالسعة المقترحة من الاثيوبين على السودان، من اهمها تجفيف السودان وتقليل الوارد من مياهه بنسبة 3 مليار متر مكعب من المياه سنوياً، فضلا عن الأضرار بالجروف والمياه الجوفية والنحر وتدمير الكفاءة التصميمية للقنوات بالمشاريع المروية وحرمان المشاريع من السماد الطبيعي وتقليل او عدم توليد الكهرباء من خزاني الروصيرص وسنار في فترة ملء الخزان وعدم وجود مياه كافية لري مشاريع النيل الأزرق وغيرها.
يجب الاشارة الى إن الاتفاق الاطاري لعام 2015م قد ألغي عمليا اتفاقية 1959 لتقسيم مياه النيل واقر مبدأ الحاجات الحالية والمستقبلية فيما يتعلق باستخدام مياه النيل، بينما لم يضع أي أسس قانونية جديدة ملزمة لضمان حقوق السودان في المياه (كانت اتفاقية عنتيي يمكن أن تشكل إطاراً صالحاً لذلك). إن حق السودان في الحصول على المياه في هذه الحالة سيحدده الطرف الاثيوبي، والذي يتحدث عن نهر النيل الأزرق وكأنه نهر اثيوبي ويصف قضية السد بالموضوع السيادي ويتحدث عن عدالة توزيع المياه كما يتحدث عن انشاء بنك للمياه. كل هذا في عدم وجود أي إلزام رسمي للطرف الاثيوبي بالتقيد حتى بما تم الاتفاق عليه في 2015 (على ضعفه). فإعلان المبادئ يقول ان الدول تلزم نفسها وهذا التزام فردي يمكن للدولة ان تنسحب مه في أي وقت، كما وافق ذلك الإعلان في المادة 9 منه على الطرح الأثيوبي بأدخال مفهوم السيادة الغريب في أمر يتعلق بنهر دولي.
حول ضعف التفاوض تحت نظام المخلوع وفي ظل حكومتكم:
رغماً عن الأضرار البليغة التي يمكن أن يشكلها السد المذكور على الامن المائي وعموم الامن القومي للبلاد في حالة اكتماله وبدءه العمل وفق الشروط الاثيوبية وتحت مظلة اعلان المباديء،، فإن المفاوض السوداني في خلال كل الأعوام السابقة لم يتطرق لقضايا من الاهمية بمكان ، ومن بينها التالي :
عدم تنفيذ مخرجات دراسات اللجنة الدولية حول سلامة السد من قبل الطرف الاثيوبي وخصوصا في ظل المهددات الطبيعية او بفعل فاعل التي يمكن ان تهددد امن السد، وهو الذي يقع مباشرة على الحدود السودانية، وخصوصاً أنه لم تسبق قيامه دراسات عن المخاطر الناجمة عن فرضية انهياره وما يمكن ان تسببه من تدمير للسدود السودانية والبنى التحتية والمدن وعموم وسط السودان(تكشف الدراسات الأولية ان انهيار السد يمكن ان يدمر كل المدن والقرى السودانية على النيل الازرق وشرق الجزيرة من الحدود وحتى تصل للمدن شمال الخرطوم) .
لم تناقش قضية الضمانات الا تستخدم اثيوبيا المياه المخزنة في الزراعة ، وان تلتزم بوعودها المرسلة عن ان السد مكرس لانتاج الكهرباء فقط. إن دراسات بعض الخبراء الاثيوبيين ( مثل البروفيسور اسفاو بيني استاذ الهندسة الميكانيكية ومدير معهد الطاقة المتجددة والاستغلال الامثل للطاقة في جامعة سان دييغو الحكومية الامريكية) تقول إن السد لن ينتج اكثر من 2 الف ميغاوات من الكهرباء (وليس 6 الف كما يقول الطرف الحكومي الاثيوبي) . هذا يحعلنا نتساءل حول الهدف الحقيقي من السد، وهل هو الكهرباء ام حجز المياه للزراعة وبيعها لاحقاً كسلعة ، خصوصاً اذا علمنا إن للطرف الاثيوبي سابقة في التحلل من التزاماته المماثلة. فقد التزمت اثيوبيا قبل انشاء سد جيب 3 على نهر اومو بعدم حجب المياه واستخدام السد للكهرباء فقط، فلما قارب انتهاء السد أعلنت اثيوبيا تحللها من ذلك الالتزام وقالت انها ستستخدم مياهه للزراعة ، وبدأت فعلاً بحجب المياه واستخدامها للزراعة مما أدى لتجفيف شمال كينيا وبحيرة توركانا، فيما يعده الخبراء واحدة من أكثر الكوارث الطبيعية الناتجة عن السدود، وما فتح المجال امام صراع اثيوبي كيني مرير حول المياه، وما تضرر منه مئات الاف المزارعين والصيادين الكينيين والاثيوبيين.
ان السيناريو أعلاه يمكن ان يتكرر بالحرف حال اكتمال سد "النهضة" وفي حالة استمرار اثيوبيا في سياستها الحالية واستمرارانا في دفن رؤوسنا في الرمال. إن الطرف السوداني ومنذ عام 2011 وحتى اليوم لم ولا يطرح أي مطالب صارمة تتعلق بضمان حقوق ونصيب السودان من المياه خصوصا ان مصر تشدد على عدم المس بنصيبها من المياه مع العلم انها تستخدم الفائض من المياه السودانية حالياً. هذا يمكن أن يفتح الباب لاتفاق مصري – اثيوبي على حساب السودان. إننا قطعاً نحترم حق اثيوبيا في التنمية وفي الحصول على الكهرباء، وكذلك حق مصر في الحصول على الماء، ولكن هذا لا يمكن أن يتم على حساب شعب السودان وفي ظل تغييبه، ولا يمكن أن يتم اقرار القرارات الكبرى والاستراتيجية بمثل تلك التخبطات والسلبية والعشوائية التي اقرت بها سلطات الانقاذ ذلك الاتفاق والتي تواصل فيها السلطات الحالية المفاوضات.
لقد ألغي إعلان2015 عمليا اتفاقية 1902 والتي جاءت بناءاً على طلب ومبادرة الحكومة الاثيوبية آنذاك وطلب الإمبراطور منليك شخصيا، والتي نصت على نقل تبعية منطقة بني شنقول من السودان لأثيوبيا مقابل التزامها بعدم اقامة أي سدود أو منشآت على النيل الازرق . إن اثيوبيا بإقامتها لسد "النهضة" في 2011 ودون الحصول على موافقة سودانية قد خرقت تلك الاتفاقية، وكان يفترض ان تعود أراضي بني شنقول للسودان أو ألا ينشأ السد دون موافقة سودانية. المؤسف ان السد قد أقيم على تلك الأراضي بالذات، أي انه قد اُقيم فعلياً على أراضي سودانية وبشروط لا يمكن الا ان تضر بالسودان. لقد أسقط المفاوض السوداني هذه القضية تماما، ولم يطرح في المقابل – لا سابقا ولا تحت حكومتكم - أي مطالب تتعلق بقضية اراضي بني شنقول أو غيرها من الأراضي السودانية المحتلة من طرف اثيوبيا مثل الفشقة.
رفض الطرف السوداني تحت حكومتكم في المفاوضات الآخيرة قضية ادخال طرف رابع كوسيط بين الاطراف الثلاثة وهو ما اقترحته جمهورية مصر العربية والتي اقترحت الولايات المتحدة كوسيط. لم يوضح الطرف السوداني لماذا رفض هذا العرض، خصوصا انه يمكن ان يستغل كسابقة نستخدمها في المستقبل في ظل وجود اي خلافات لنا مع اثوبيا او مصر او كلا الدولتين في هذه القضية او قضايا الحدود، وللخبرة العالية التي تملكها الولايات المتحدة حول الموضوع ووزنها الجيوسياسي. كما لم يعلن الطرف السوداني موقفه من فترة ملء السد (3 سنوات كما يرى الاثيوبيون ام 10 سنوات كما يرى المصريون) وهو موقف سلبي ويضر بالمصالح الوطنية السودانية ويمكن ان يهدد السودان بجفاف كبير بسبب نقصان اكثر من 3 مليار متر مكعب من حصة السودان من المياه سنويا ً، إذا تم تنفيذ الخطة الاثيوبية.
الحلول المقترحة واستراتيجية جديدة:
في هذا الإطار وغيره، وحتى ننتقل من النقد لوضع الحلول، اقترح على حضرتك وحكومتك – وعلى عموم الشعب السوداني وقواه السياسية والإجتماعية - السياسات التالية لتبني عليها وتتبناها في اي مفاوضات قادمة حول الأمر:
التعامل مع قضية السد المعني وتبعات انشائه وتشغيله كقضية تتعلق بالامن المائي والأمن القومي للسودان وليس كقضية فنية ، واتخاذ القرار فيها على اعلى المستويات في الدولة، وان يدور حولها نقاش وطني ومجتمعي شفاف؛ كشفاً للحقائق وتنويراً للشعب بالمهددات الماثلة والمحتملة .
إن يتخلى المفاوض السوداني عن استراتيجية التفاوض كحليف لمصر تارة أو لاثيوبيا تارة اخرى أو حتى كوسيط بينهما، وذلك لفشل هذه الاستراتيجية التام وانهيارها بتوقيع اتفاق اعلان المبادئ والذي استجاب في المقام الأول للمطالب الاثيوبية. هذه الاستراتيجية الفاشلة تستبطن غياب ارادتنا المستقلة ومصالحنا الخاصة على طاولات التفاوض، وهو منهج درج عليه المخلوع البشير ونظامه. بدلاً من ذلك على السودان انتهاج استراتيجية جديدة تقوم على المصالح العليا للشعب السوداني وضمان حقوقه وحقوق كل الدول المستفيدة من مياه النيل وخلق حالة أفضل من التعاون مع دولها وخصوصاً دولة جنوب السودان فيما يتعلق بمستقبل استخدام مياه النيل، وبناء تحالفاتنا وفقاً لتعاون أي من دول حوض النيل مع مطالبنا المشروعة في امن المياه والسلامة واستعادة أراضينا المحتلة الخ.
وفقا لمبدأ التعاون والاستخدام الامثل للموارد الذي تقره المعاهدات الدولية فيما يتعلق باستخدام الأنهار والموارد المائية الدولية، يجب ان ينال السودان حصة كبيرة ومحددة من مياه النيل للري لوفرة اراضيه الزراعية واعتدال مناخه وصلاحيته للزراعة أفضل من اثيوبيا ومصر، فضلا عن توفير مياه الشرب للاقاليم الشرقية والغربية للبلاد واحتياجات النمو الصناعي من المياه وذلك بشكل لا ينتقص من حجم استهلاك السودان الحالي بل يزيده. هذا الحق يجب أن يضمن في اتفاقية دولية وليس عبر لجان فنية. في هذا الإطار ننظر بعين إيجابية لاتفاقية عنتيبي الإطارية والتي كان يمكن ان تستوعب هذا الحق، لولا التأخير في الانضمام لها من الجانب السوداني ونتيجة للاستراتيجية الفاشلة سابقة الذكر. عموما نطالب بأن تكون الاولوية في استراتيجتنا لصياغة هذا الاتفاق الدولي ونري أن يتبلور الموقف السوداني حول إعادة تقسيم مياه النيل وفقاً لعدد السكان الحالي والمستقبلي لدول الحوض.
في هذا الإطار يجب إتخاذ موقف واضح من موقف المفاوض الأثيوبي إن قضية بناء السد هي قضية سيادية اثيوبية داخلية فالسد يقوم على نهر دولي يخضع لقواعد القانون الدولي واعرافه، كما يجب التصدي لرؤية المفاوض المصري التي تنظر لمصالح مصر فقط ولا تستصحب المصالح الحيوية للسودان وبقية دول حوض النيل.
يجب حل مسألة سلامة السد من الانهيار وكذلك ضمان سلامة السد من التخريب. هذا أمر حياة أو موت بالنسبة للشعب السوداني. سيتم ذلك فقط عبر تقوية السد وفقا لدراسة اللجنة الدولية حول سلامة السد وتقليل حجم سعة التخزين وكذلك بناء قنوات فرعية تخرج من السد وتدخل السودان وتستخدم في الري، على ان تقع مسؤولية شق تلك القنوات والاشراف على تسليكها على عاتق الطرفين الاثيوبي والسوداني. أيضاً يمكن ضمان السلامة العسكرية والأمنية للسد بإنشاء قوة عسكرية مشتركة سودانية اثيوبية خاصة بحماية السد ذات تدريب وتجهيز عالي تعسكر حول مناطق السد خصوصا ان منطقة القرن الافريقي منطقة ملتهبة ويمكن الاعتداء على السد من قبل متمردين اثيوبيين او من دولة مجاورة أو اي جهة أخرى ربما تستفيد من انهياره.
في هذا الإطار أيضاً يجب ان تعمل الجهات الفنية في السودان لوضع خطط شاملة تستطيع بها تقليل مخاطر سلامة السد وذلك بعمل نموذج رياضي (محاكاة) لمعرفة الآثار الفعلية في حال انهيار السد ووضع خطط فعالة لمجابهة تلك الآثار في حالة حدوثها .وفقا لما ورد ذكره والاخطار البالغة على السودان يجب تضمين مبدأ الادارة المشتركة للسد بين السودان واثيوبيا وليس فقط مشاركة السودان في اللجان الفنية المختلفة.
يجب أن يؤمن وبشكل رسمي حق تزويد السودان بالكهرباء وبأسعار تفضيلية من السد في حالة اكتماله وفق الشروط الجديدة وأن تنشأ خطوط حديثة لنقل كهربة السد للسودان وتأمينها. هذا الحق غير مكفول في اتفاقية 2015 رغم الشائعات عن ذلك. فالاتفاقية تتحدث فقط عن (إعطاء دول المصب الأولوية في شراء الطاقة المولدة من سد "النهضة").
السيد عبد الله حمدوك:
تقع اقسام واسعة من بلادنا تحت الاحتلال الأجنبي، مثل منطقة حلايب وشلاتين ومثلث سره في الشرق والشمال التي تحتلها جمهورية مصر العربية، ومنطقة الفشقة التي تحتلها أثيوبيا. لقد آن الأوان لإعادة طرح ونقاش قضية هذه المناطق بقوة ووضوح مع هاتين الدولتين. في هذا الصدد يجب ان نربط موقفنا من قضايا المياه مع موقفنا بضرورة حل هذه القضايا مرة والى الابد مع هذه الدول باستعادة حقوقنا الوطنية. كما يجب فتح قضية منطقة بني شنقول وأهلها وضمان حقوقهم ومطالبهم العادلة في التنمية والتعويضات والحريات والحماية، وذلك بسبب ارتباط اهلها بالسودان ثقافة ونسباً وتاريخاً.
انني في النهاية اكرر إن اعلان المبادئ لعام 2015 الذي وقع عليه المخلوع البشير مضر جداً بشعب السودان وبالمصالح الاستراتيجية لبلادنا، ويجب أن تجد حكومتكم كل الأسباب القانونية للانسحاب منه والتفاوض حول وتوقيع اتفاق جديد يضمن الحقوق السودانية، وفي حالة العدم الانسحاب من المفاوضات واللجان الفنية والبحث عن حلول أخرى حتى لا تفوض حالة الامر الواقع المزرية على السودان. ولو أدى ذلك لأعظم التضحيات.
أخيرا من المناط بحكومتكم أيضا إعداد الدراسات والمشاريع الكبرى في مجال بدائل الطاقة المتجددة السودانية وتطويرها حتى نصبح مستقلين ذاتياً ومتقدمين في مجال اشباع حاجاتنا من انتاج الطاقة (والتي يمكن أيضا استخدامها لتوفير مصادر مياه جديدة) وذلك تحسبا لئلا نكون تابعين لأحد في مجال الطاقة، ولقفل الطريق امام إمكانية ابتزازنا مستقبلا برفع سعر الطاقة التي يمكن ان نشتريها من الدول المجاورة، ولتوفير مصادر مياه جديدة للأجيال القادمة، بدلاً من اهدار الموارد الحالية الغالية.
مع الشكر الجزيل لسعة صدركم،
عادل عبد العاطي
17 اكتوبر 2019م
إشارات مرجعية:
حلقة تلفزيونية في برنامج بلا حدود مع الدكتور احمد المفتي: https://youtu.be/jjfadCOzcjI
الحزب الليبرالي : بيان بعنوان "تقييم الحزب الديمقراطي الليبرالي للاتفاق الإطاري حول سد "النهضة"" – 1/4/2015: http://www.sudanile.com/79682
حزب التحرير الإسلامي – كتيب بعنوان "سد "النهضة" ونذر حرب المياه : تفريط الحكام ومسؤولية الأمة" - سبتمبر: http://www.hizb-ut-tahrir.org/PDF/EN/en_books_pdf/Sudan_Booklet_SEP_2017_FINAL_Prev_Web.pdf
النص الكامل للاعلان يتواجد هنا : https://www.youm7.com/story/2015/3/23/%D8%A7%D9%84%D9%86%D8%B5-%D8%A7%D9%84%D9%83%D8%A7%D9%85%D9%84-%D9%84%D8%A7%D8%AA%D9%81%D8%A7%D9%82%D9%8A%D8%A9-%D8%A5%D8%B9%D9%84%D8%A7%D9%86-%D9%85%D8%A8%D8%A7%D8%AF%D8%A6-%D9%88%D8%AB%D9%8A%D9%82%D8%A9-%D8%B3%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D9%86%D9%87%D8%B6%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%A8%D9%86%D9%88%D8%AF-%D8%AA%D8%A4%D9%83%D8%AF/2115504
حوار مع البروفيسور اسفاو يثبت فيه ان السد لن ينتج اكثر من 2000 ميغاوات من الكهرباء : https://www.internationalrivers.org/resources/ethiopia%E2%80%99s-biggest-dam-oversized-experts-say-8082
راجع دراسة موقع ووتر غرابنغ حول السد وتوصياتها للخروج أقل الأضرار : http://www.watergrabbing.net/2017/01/30/gerd/
حول أضرار سد غيب 3 راجع الموقع الفرعي عن السد في موقع الانهار العالمية : https://www.internationalrivers.org/campaigns/gibe-iii-dam-ethiopia
يمكن أن تجد نص الاتفاقية هنا : https://hornaffairs.com/2011/06/08/read-the-1902-ethiopia-uk-treaty-share-your-view/
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.