السعودية تدين بشدة الهجمات الإجرامية لقوات الدعم السريع على مستشفى الكويك العسكري وعلى قافلة إغاثية لبرنامج الغذاء العالمي    الجمعية السودانية لعلوم الفلك والفضاء: 18 فبراير أول أيام شهر رمضان    مهارات يامال تعجز مبابي ونجم مانشستر سيتي    كباشي .. القوات المسلحة ماضية بعزم لا يلين في ملاحقة ما تبقى من "بقايا المليشيا المتمردة" والقضاء عليها    عارفين ليه ياهلالاب!!    شاهد بالصورة والفيديو.. الفنانة إيمان الشريف تشعل حفل زواج صديقها "حتة" بأغنية (الزعلان كلمو) والعريس يتفاعل معها بالرقص    بالصورة.. دكتورة من مريدات شيخ الأمين تكتب: (الشيخ بجيب القروش دي من وين؟ داير تتأكد تعال مسيده في الثلث الاخير من الليل)    شاهد بالفيديو.. نجم السوشيال ميديا "حتة" يضع يده على عروسه ويحتفل معها بطريقة طريفة على أنغام (الما بحبونا والبكرهونا)    شاهد بالفيديو.. نجم السوشيال ميديا "حتة" يضع يده على عروسه ويحتفل معها بطريقة طريفة على أنغام (الما بحبونا والبكرهونا)    بالصور.. الشيخ محمد هاشم الحكيم يحتفل بزواج إبنته الدكتورة من زميلها بالجامعة (قلت له لا أريد منك شيئا سوى أن تتقي الله فيها وتعينها في دراستها)    الفنان محمد صبحى يعود إلى ماسبيرو بالمسلسل الإذاعى «مرفوع مؤقتا من الخدمة»    أفراد من الشرطة يلقون القبض على السائق الخاص بالقائد الميداني لمليشيا الدعم السريع "جلحة" داخل "ركشة" بحي بري    بنك الخرطوم يتعهد بإرجاع مبالغ «ضمان الودائع» ويتحمل التكلفة كاملة    الطب الشرعي الرقمي صائد جديد لمجرمي الإنترنت والذكاء الاصطناعي    ترامب ينشر فيديو مسيئًا لأوباما وزوجته ثم يحذفه    دواء جديد يعيد ضبط الساعة البيولوجية ويقلل اضطراب السفر    ابتكار بخاخ أنفى يساعد على الوقاية من الإصابة بالأنفلونزا    السفارة في العمارة    ذكرى رحيله.. قصة حب نور الدمرداش وكريمة مختار وزواجهما    الهلال يتلقى أول خسارة بدوري المجموعات أمام مولودية الجزائري    أبل تفتح CarPlay أمام تطبيقات الذكاء الاصطناعي الصوتية    8 علامات تنذر بمشكلات في الأمعاء لا ينبغي تجاهلها    السودان يرحّب بالقرار 1591    هلال كوستي يدشن برامجه الثقافية بليلة ثقافية كبرى وتكريم رموز النادي والمجتمع    بمشاركة واسعة بالخرطوم... الاتحاد السوداني للتربية البدنية يناقش معوقات المعلمين والبروف أحمد آدم يؤكد دعم تطوير المنهج والتدريب    جاهزية كاملة لانطلاق بطولة «الطريق إلى القمة» بعد اجتياز مقاتلي PFL للميزان    دوري الملوك يجذب استثماراً جديداً بقيمة 63 مليون دولار لدعم مسيرته العالمية    شاهد بالفيديو.. سرقة محل مجوهرات بشارع الوادي بأم درمان وقيمة المسروقات تقدر ب(ترليون) جنيه    شاهد بالصور.. سيدة الأعمال ونجمة السوشيال ميديا السودانية الحسناء ثريا عبد القادر تخطف الأضواء من معرضها ببورتسودان    الجوهرة السودانية عامر عبد الله ينضم رسمياً لأحد الأندية الخليجية    محاولة أوكرانية جديدة لإفشال مفاوضات السلام بعيداً عن ارض المعركة    وزير الثروة الحيوانية: البنك الزراعي وبنك النيل يمولان صغار المربيين لزيادة الإنتاجية    أحمد عزمى.. "الجوكر" الذى خلع عباءة الأدوار الثانوية ليبرع فى الشخصيات المركبة    رفض الزوج شراء سجائر لها فقتلته.. جريمة زوجة مصرية تثير الجدل    توصيات المؤتمر القومي لمعالجة قضايا الشباب    مع اقتراب الجيش من أبوزبد والدبيبات والفولة، تبدو خيارات المليشيا وعصاباتها صفرية    بيان مهم لوزارة المالية في السودان    المركزي يوجه بنك الخرطوم بإيقاف الاستقطاعات وإرجاع المبالغ المخصومة للعملاء    لجنة أمن ولاية الخرطوم تؤكد المضي قدما في تنفيذ موجهات رئيس مجلس السيادة لبسط الأمن وفرض القانون    ضبط اسلحة ومخدرات بكسلا    حريق كبير في سوق شرق تشاد    صعود الذهب عالميًا يرفع أسعار المعدن النفيس فى قطر صباح الخميس    صلاح يتحدى مرموش.. موعد مباراة ليفربول ضد مانشستر سيتي بكلاسيكو إنجلترا    رسالة أخيرة في بريد الرئيس البرهان قبل تمرد الحركات المسلحة الدارفورية    تعرف على سعر الأسمنت اليوم الاثنين 2 -2 -2026 فى مصر    ترامب يحذر إيران: الوقت ينفد والهجوم القادم سيكون أشد    مباحث الخرطوم تعلن توجيه ضربة موجعة لمافيا السيارات..إليكم التفاصيل    تلفزيون السودان يستأنف البث المباشر من مقرّه الرئيسي    وزير الصحة: التبغ عدو الحاضر والمستقبل و فاتورته الصحية تفوق عائداته الضريبية    هل قتل السحر الأسود الإسرائيلي عبد الناصر؟.. كتاب جديد يكشف خفايا خطيرة في مصر    سباق اختراق الضاحية باكورة بطولات الاتحاد العربي لألعاب القوى    شركة اتصالات في السودان تعلن عن توقف خدمات    "مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ"!    أحمد الشاكر: انا أعجز عن شكر جميع الإخوة الأشقاء في المملكة العربية السعودية    ترامب للإيرانيين: واصلوا الاحتجاج.. المساعدة في الطريق إليكم    السودان..حصيلة صادمة بمرض شهير في ولايتين    إسحق أحمد فضل الله يكتب: (حديث نفس...)    "كرتي والكلاب".. ومأساة شعب!    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



الثورة اختارت مَن يمثلها وعليها أن تبقى يقظة لتراقِب، ومُسْتَمِرَّة لتصحِح .. بقلم: د. عصام محجوب الماحي
نشر في سودانيل يوم 24 - 10 - 2019

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
* الثورة لها قوانينها وحقوقها التي تنتزعها وواجباتها التي تقوم بها.. ومَن لا يَمْتَثِل لذلك يكون قد خرج عنها، وعندئذٍ عليها تصحيح وضْعه فيها
* لن يتوقف التَرَبُص بالثورة لإفشالها كي لا تَنْجِز أهدافها في محاسبة جرائم الانقلاب على الديمقراطية والفساد وسرقة المال العام وهَدْر وتبديد موارد الدولة
* المطلوب وضْع وثيقة تاريخية تَحْمِل إجابات واضحة وبَيِّنَة حول لماذا كانت الثورة، وضد مَن وماذا، وتحَدِّد وجهتها الراهنة ونحو المستقبل
* لن يلتفت العالم لك إلَّا إذا حَدَّدت حقائق الوضع الذي كان في بلدك وكيف غَيَّرْتَه والتضحيات التي قدمتها، وماذا تريد أن تَفْعَل مستقبلاً، وماهي خريطة الطريق له؟
* خلاص الشعب السوداني مِن الهوس والتطرف والغلو باسم الإسلام شبيه تماماً بخلاص المانيا وايطاليا مِن النازية والفاشية، ودول أوربا الشرقية مِن ديكتاتوريات الأنظمة الشيوعية
**************
بدأ القلق سريعاً يساور الذين ينتظرون هزيمة دولة الكيزان العميقة. نوعاً ما، معهم حق في ذلك لأنهم ينظرون إلى ثورة انتصرت ولا يرون مخرجاتها في اتجاه البدء سريعاً في ازالة دولة التمكين التي أقامها النظام البائد ولا زالت قابضة على كل المناصب العُلْيا في الخدمة المدنية وأجهزة العدالة في القضائية والنائب العام والحكم المحلي بإداراته المختلفة.
لا أدعو لترك القلق بعيداً لأنه حالة قد تقود إلى التفكير العميق في المآلات واحتمالاتها، وبالتالي بحث المطلوب فِعْله والقيام به لا لتبديد القلق فحسب، وإنَّما للسير بالثورة إلى الامام نحو تحقيق أهدافها السامية المتفق عليها والتي أشْعَلت الشارع السوداني وانْتَصَرت له وبه.
ولذلك، أحَبِّذ توظيف القلق توظيفاً إيجابياً لينتج حلماً فيصبح أملاً يَبْني ويقدِّم افكاراً ويؤسِس مواقف تدعم الثورة والتغيير المطلوب وتحقق أهدافهما.
وبصريح العبارة، أدعو لتأييد الحكومة المدنية الانتقالية ومساعدتها في تنفيذ برنامجها وتصحيح أخطائها حيثما، ومتى ما، تَطَلَّب ذلك.
مِن المؤكد أن إنجازات الحكومة الانتقالية ستكون إنجازات صُناع وحُراس الثورة الذين عليهم تصحيح الأخطاء التي ترتكبها السلطة المدنية الانتقالية بشقيها السيادي والتنفيذي، على الأقل لحين قيام الشق التشريعي الذي عليه أن يتولى معهم، بل قَبْلهم، مهمة المراقبة والتصحيح واستعدال الطريق.
هذه الثورة ليست مثل اكتوبر 64 وابريل 85، لن ويجب ألَّا تفشل. وكي لا تفشل، لديها سلاح اليقظة والاستعداد لحمايتها وحراستها وجعلها مستمرة. عليها ألَّا تتوقف عند تحقيق بعض أهداف على مدى قصير أو متوسط. ومِن مهامها أن تجدد نفسها وأدواتها لاستمرار التغيير نحو مستقبل أفضل معافى تماماً مِن أمراض الماضي البعيد والقريب. وبالأخص، عليها ان تتحرر مِن الراهن القميء الذي صنعته جماعات الاسلام السياسي التي سَطت على السلطة في ظلام ليل كالح بانقلاب 30 يونيو 89. ولا ننسى أنه بعد ثلاثين عاماً شاءت إرادة ثورة الشباب أن تهزم حكم الاسلامويين عِزّ النهار في ماراثون ثوري غير مسبوق، سلاحه إرادة جامعة للتغيير، وسِلْمِيَّة ماضية نحو الهدف لا تحيد عنه وهي تقابل كل انواع الشذوذ البشري مِن قتل وتصفيات واعتقالات وتعذيب.
قاوَمَ أولئك الابطال الخنوع الذي اتصفت به أجيال تركت السلطة البائدة تبقى في الحكم لثلاثة عقود برغم انها فاشلة سياسياً وساقطة اجتماعياً ومنهارة اخلاقياً. وفي مقابل ذلك، لم تكن سلطة العهد البائد تملك إلَّا السَطْوَّة الامنية التي اسقطها الشباب بإصرارهم ومثابرتهم وصمودهم لأشهر طوال مِن 19 ديسمبر 2018 وحتى 11 ابريل 2019. يا لعظيم الأجر الذي فازوا به عند ربهم إن شاء الله، ويا لها مِن ثروة كبيرة مِن المروءة والتضحيات والبطولات تركوها تاريخاً للوطن وإرثاً لشعبه يفتخر به أمام الشعوب الأخرى، وحتما سيلقون التقدير والاحتفاء عند كل مَن تابع ثورتهم مِن شعوب دول الجوار والعالم أجْمَع.. طوبي لهم ولإرثهم الذي تركوه.
وكي تنجح الثورة في تحقيق كامل أهدافها ومتطلبات التغيير المنشود، يجب استمرار التواصل وفق تلك المحددات مع الجيلين "مِن تلاتين سنة لتحت"، صُنّاع الثورة.. والمطلوب أن تصبح تلك المحددات حالة ثابتة وما عداها متغيرات.
الشاهد أن كل الذين قدمتهم الثورة ليمثلوها في السلطة المدنية الانتقالية، ومَن ستقدمهم لاحقاً، جزء مِمَّن أشعلوا وحركوا الثورة وانتصروا لها ومعها، وكمثال الوزراء مدني عباس مدني وفيصل محمد صالح وغيرهما، أو كانوا قريبين منها مثل رئيس الوزراء د. عبد الله حمدوك نفسه وبقية أعضاء السلطتين السيادية والتنفيذية من المدنيين.
جميعهم يستطيعون أن يبقوا في الثورة رموزاً لها ولاستمرارها كالشهداء، أو يصبحوا عابرين يتركون خلفهم فشلهم واخفاقاتهم وبالأخص خوفهم وجُبْنهم علماً بأننا لم نَعْهد منهم شيئاً مِن ذلك.
في الحالة الثانية سيبقون في مقارنة فاضحة لهم بأصحاب عشرين ربيعاً، تقل أو تزيد قليلاً، مِن بنات وأولاد الثورة الذين واجهوا بصدور مفتوحة متطلبات التغيير الاساسية وحققوها وتركوا الأخرى ليحققها لهم مَن يمثلونهم في السلطة المدنية الانتقالية.
إن حمدوك وأعضاء حكومته يملكون الخيارين، أحدهما يتطلب ارادتهم، عزمهم، صمودهم وتحقيقهم لما كُلِّفوا به. والآخر، لا قدر الله، سيكشف عن حقيقة شخصياتهم التي لم نعرفها فيستخرج منها خوفهم، سطحيتهم، جدلهم العقيم وتلاعبهم بمصير التغيير المطلوب ومتطلباته، وهذا ما استبعده. ومع ذلك، لا ضير أن نفكِّر فيه وعليهم أن يلْقِمونا درساً جديداً في الوطنية والتجرد والشجاعة والقدرة على تحمل المسؤولية وإنجاز مهامها المنتظرة والمحددة، فلا سبيل لاختراع غيرها والجدل حولها بأن الديمقراطية ترى كذا، والحرية تنتظر هذا، والقوانين تَجْبر وتفعل ذاك، فكل ذلك تقابله حقيقة أن الثورة ثورة لها قوانينها ولها حقوقها التي تنتزعها وواجباتها التي تقوم بها.. ومَن لا يَقُم بمقتضياتِ الثورةِ يكون قد أخرج نفسه عنها، وعندئذٍ عليها تصحيح وضْعه فيها.
دعونا نَمْتَحِن السلطة المدنية الانتقالية بشقيها، بالصبر على مَن تولوا أمرها والقائمين عليها ومتابعتهم بيقظة، وتصحيح مسارهم عندما يحيدون عن الطريق لتقديرات يرونَها ولا نراها، فإن فشلت فالفشل فشلهم وإن نجحت فالنجاح يحسب للثورة وصُنّاعها.
منطلقاً مِمَّا أوْرَدْته أعلاه، في تقديري أن الخطوات المطلوبة لضمان نجاح الفترة الانتقالية ترتكز أولاً وقبل كل شيء على استمرار العلاقة التي نصرت الثورة وهزمت النظام البائد، أي الثقة والمصداقية التي تبادلها تَجَمُع المهنيين وخلفه قوى الحرية والتغيير مع القاعدة الثائرة التي كان قوامها شباب "مِن تلاتين سنة لتحت".
كانت الثقة والمصداقية تأخذ الطريقين والاتجاهين صَاعِدة مِن القاعدة للقيادة ونازِلَة في الاتجاه المعاكس مِن التجمع للحراك الشعبي. تَمَثَّل ذلك بالمشاركة الكبيرة في المواكب والاحتجاجات في المكان والزمان والزغرودة، وعداً وموعداً لم يَغِبْ أي مِن طرفيه.. وبقياس نبض الحراك الشعبي وتصعيد خطط المقاومة وصولاً لموكب 6 ابريل الذي انتهى بالاعتصام الذي أسقط النظام البائد وهزمه بعد خَمْسَة أيام.
ومع ذلك، فرضت بعض التقديرات أن تتوالى أخطاء أطالت مِن عُمْرِ الفترة الانتقالية التمهيدية لتسليم السلطة لقيادة الثورة، فاستمرت أكثر مِن أربعة أشهر تخللها الغدر الذي حدث في فض الاعتصام والجرائم الشنيعة التي ارْتُكِبَت ويجب أن يَلْقى كل الذين إرْتَكَبوها أو تَسَبَبوا فيها الحساب المُسْتَحَق. وعليه، أصبحت الفترة الانتقالية التمهيدية التي أمسك خلالها المجلس العسكري بزمام كل السلطة امتداداً للنظام البائد الذي اسقطته الثورة.
كان تبادل الثقة والمصداقية كفيلاً بأن يسَكِّن الاخطاء في خانتها الصحيحة ويحقق تجاوزها، وتجَدِّد القاعدة الثائرة ثقتها في قيادتها بمِلْيونِيّة 30 يونيو التي وضعت حداً للفترة الانتقالية التمهيدية التي كادت أن تكرس الانقلاب على الثورة واختطافها تماماً، فدخلت البلاد في مرحلة ثانية مِن مقاومة سرقة الثورة مِن قِبل اللجنة الامنية التي أطلقت على نفسها المجلس العسكري الانتقالي حتى أجبرته على توقيع مواثيق الاتفاق على الفترة الانتقالية للسلطة المدنية.
الشاهد، ولا مَفَرّ مِن التعامل معه، لن يتوقف التربص بالثورة لإفشالها كي لا تنجز أهدافها، وأهمها محاسبة جرائم النظام السابق وأرْكانه الذين دبروا وموهوا ونفذوا الانقلاب على الديمقراطية، وجرائم الفساد وسرقة المال العام وهَدْر وتبديد موارد الدولة. وسيتواصل العمل المُضاد للثورة حتى لا تحقق أحد أهم أولوياتها في تفكيك دولة التمكين وإعادة السودان لمنصة التأسيس قبل أن تفعل فيه الانظمة الديكتاتورية الثلاثة السابقة جرائمها في الحياة السياسية والقطاعات التشريعية والادارية والاقتصادية والاجتماعية.
لا ريب أن المطلوب هو اليقظة، الاستعداد، وجعل جذوة الحالة الثورية مشتعلة وقادرة على القيام بدورها في استمرار وحدة القاعدة الثائرة خلف اهدافها وتطوير ادوات مقاومة، لا أقول الثورة المُضادة لإعادة النظام الساقط، وإنما إفشال محاولات ترسيخ ما بات يُعْرَف بالهبوط الناعم الذي يريد أصحابه التوفيق بين بعض أطراف النظام السابق وقوى سياسية انهزامية تحس بأن البساط يُسْحَب مِن تحت أرجلها وليس لها خلاص إلَّا بأن تحرق المراحل وتنجز مشروع الذهاب لصناديق الاقتراع قبل أن تحقق الفترة الانتقالية مهامها المنتظرة وبالتالي دون أن تنجز الثورة اهدافها حتى يتسنى لتلك القوى أن توقف المَد الذي يسحب منها ولتتقاسم السلطة مع نفس الذين أسقطتهم الثورة فيعيدون إنتاج الفشل الذي أدخل البلاد في مأزق الانفصال ومشاريع التفتت والتشتت والفقر والمَسْغَبة التي أمسكت بكل أطراف وأحشاء البلد.
تبقى القول، لإنجاح الفترة الانتقالية وما بعدها، المطلوب استمرار وحدة تجمع المهنيين وخلفه قوى الحرية والتغيير وبالأخص مَن يبقى منهم مُتَمَسِكاً بأهداف الثورة والتغيير طويل الأمد، والمطلوب أيضاً تعضيد الارتباط بصُنَّاع الثورة مِن الشباب ومخاطبة الداخل والخارج بحقائق ما حدث في السودان قبل ثلاثين عاماً ومُنْذ أن سيطرت على العمل السياسي والاقتصادي والاجتماعي مشاريع الاقصاء الديني والعرقي والثقافي بالحديث عن دستور ديني للبلاد منتصف السِتينات.
المطلوب عاجلاً كتابة وثيقة تاريخية مِن صفحة واحدة لا تزيد، توقع عليها القوى التي شاركت في الحراك الشعبي وانتصرت للثورة. تَحْمِل الوثيقة إجابات واضحة وبَيِّنَة حول لماذا كانت الثورة، وضد مَن وماذا، وتَوضِح وجهتها الراهنة ونحو المستقبل، فعلى أساس ذلك اشتعلت وانتصرت الثورة.
تحَدِّد الوثيقة بجلاء حقيقة أن الثورة قامت ضد الدولة الدينية بإسقاط جماعات الاسلام السياسي الذين اختطفوا الوطن بانقلاب 30 يونيو 89 وعملوا فيه تشويهاً وتدميراً حتى تصبح مجتمعاته طَيِّعَة لهم لتمرير واستدامة أفكارهم الاقصائية التي أنتجت انفصال الوطن لبلدين وأشعلت وأججت الحروب في كل أطراف البلاد.
وعليه، إن تَخَلُصَ الشعب السوداني مِن ذلك الهوس والتطرف والغلو شبيه تماماً بتَخَلُّص المانيا وايطاليا مِن النازية والفاشية بعد الحرب العالمية الثانية، وشبيه أيضاً بتَخَلُّص دول أوربا الشرقية مع مطلع التسعينيات مِن عبث وتطرف وغلو وديكتاتورية الأنظمة الشيوعية.
كافأ العالم الحر ومنظماته الدولية كل تلك الدول بالكثير مِمَّا استحقته وأقله إلغاء الديون ومساعدتها لتنهض وتسير في طريق الديمقراطية والتعددية والتنمية الاقتصادية لتحقيق الرفاهية.
نجحت تلك الدول بمساعدة المجتمع الدولي، فلماذا لا يتجه السودان إلى ذات العالم الحر والديمقراطي ومنظماته الدولية وقد عاش تجربة شبيهة تماما؟
لن يلتفت العالم لك إلَّا إذا حَدَّدت حقائق الوضع الذي كان في بلدك وكيف غَيَّرْتَه والتضحيات التي قدمتها لذلك، وماذا تريد أن تفعل في المستقبل، وماهي خريطة الطريق لتحقيقه؟
يجب أن نقدم لكل العالم، وللداخل قبل الخارج، ميثاقاً للالتزام به يحَدِّد وجهة البلاد التي لن يبدلها تداول السلطة سِلْمِيّاً وديمقراطيّاً بعد الفترة الانتقالية ولن يغيرها انقلاب حيث لن يفكر فيه أحد بعد أن سقطت وانْتَفَت كل دعاويه وأسبابه ومبرراته وبالأخصِ فُرَصِ مساندته ودعمه.
مثل تلك الوثيقة ستصبح أهم ثوابت المرحلة القادمة ورسالة للمحيط الإقليمي، الافريقي والعربي، والمجتمع الدولي باختلاف اتجاهاتهم وتوجهاتهم، فتحصل منهم على حقوق الشعب السوداني التي يستحقها على جدارته وصموده وتضحياته وانتصاراته ورغبته في بناء دولة ديمقراطية مدنية، وتصميمه على أن تتطور إيجابياً وتكون سنداً ودعماً للسِلم الاقليمي والعالمي، وقدوة لدول أخرى.
يجب أن نضع العالم أمام مسؤولياته تجاه ذلك، ولكن علينا أولاً الاتفاق على ذلك وتقديمه للعالم في وثيقة غير قابلة للنقض.
لا أختم قبل أن أدعو "مركز الدراسات السودانية" للمبادرة بوضع مُسَوَّدَة يمكن أن يُطْلَق عليها "ميثاق السودان" والسعي لخلق إجماع حولها وعليها. ومِن ثَمَّ، توقِع عليه مكونات الحراك الشعبي والثورة والاحزاب السياسية التي تريد أن تكون جزءً مِن النظام الديمقراطي التعددي القائم والقادم الذي سيتمخض عن انتخابات حُرَّة ونزيهة وشفافة على أساس تلك الوثيقة، على أن تُنَزَّل الوثيقة ليوقِع عليها شركاء المِلْيونِيّات التي صنعت الثورة وتحرسها وتحافظ عليها وتنتصر لإرادتها، فيكون السودان بذلك قد وضع نفسه لأول مرة أمام إجماع غير مسبوق لتحديد مستقبله الذي يحافظ على وحدته ويحقق مكانته المستحقة بين دول القارة والعالم أجْمَع.
بوخارست، 16 سبتمبر 2019
* نقلا عن اصدارة "كتابات سودانية" 21 اكتوبر 2019


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.