درة تكشف عن دورها فى مسلسل "على كلاى".. شخصية مركبة ومعقدة    مني أبو زيد يكتب: القبيلة والقبائلية في السودان بعد حرب الخامس عشر من أبريل    ماسك: بناء مدينة ذاتية النمو على القمر خلال 10 سنوات    الهلال يعود للدوري الرواندي ويواجه الجيش اليوم    عقار يلتقي مديرة برنامج السودان بمنظمة أطباء بلا حدود ببلجيكا    مسؤول سوداني يغادر إلى تركيا    الأهلي شندي يشكر المدرب النضر الهادي    وزير الطاقة يوجه بالعمل على زيادة التوليد الكهربائي    افراد (القطيع) والشماتة في الهلال..!!    السودان.. وزير الشباب والرياضة يصدر قرارًا    وزير المعادن: السودان ينتقل من تعدين الذهب إلى عصر المعادن الاستراتيجية والطاقة النظيفة    بدر للطيران تدشن رسميا خط بورتسودان دنقلا    دوري أبطال أفريقيا يشتعل.. 3 أندية تتأهل رسميًا وصراع مفتوح على 5 بطاقات    ارتفاع في وارد المحاصيل الزراعية بسوق القضارف    توجيهات بحجز جميع المركبات والشاحنات المخالفة لقرار حظر تداول الحديد الخردة ونقل الحطب بالخرطوم    وزير الشباب والرياضة بنهر النيل يؤكد دعمه لتفعيل العمل الشبابي والرياضي بالولاية    "إيغاد" ترحّب باستئناف السودان المشاركة في المنظمة    رحمة أحمد تفاجئ الجمهور بظهورها بالحجاب على البوستر الرسمى لمسلسل عرض وطلب    انخفاض أسعار النفط والذهب والفضة يواصلان مكاسبهما    عثمان ميرغني يكتب: كبري الحلفايا...    بإطلالة نارية وقرد صغير.. رامز جلال يلمح لمقالبه في رمضان    السودان..تمديد فترة تسجيل طلاب الشهادة الثانوية للوافدين    ترامب يهاجم مغنيا شهيراً.. "رقصه مقزز وكلامه غير مفهوم"    علامة تحذيرية لمرض باركنسون قد تظهر فى الأنف قبل سنوات من التشخيص    مشروب من مكونين يخفض وزنك ويحافظ على استقرار سكر الدم    شاهد بالصور.. كان في طريقه للتوقيع لفريق الخرطوم.. لاعب سوداني يتعرض لإصابة نتيجة انفجار "دانة" تسببت في بتر يده ورجله والنادي يكرمه بعقد مدى الحياة    شاهد بالفيديو.. قائد ميداني من أبناء "المسيرية" يعلن انشقاقه من الدعم السريع ويقسم على المصحف بسحب كل أبناء القبيلة من المليشيا    شاهد بالفيديو.. افتتاح مستشفى بمواصفات عالمية بمنطقة شرق النيل بالخرطوم والجمهور يشببها بأكبر المستشفيات بالخليج    شاهد بالصور.. مواطن سوداني محتجز بأحد إقسام الشرطة بمصر يرسل رسالة لأقاربه على قطعة "كرتون" (أحضروا لي ملابس)    مدير عام قوات الجمارك: لن نتهاون في حماية الوطن من سموم المخدرات والسلاح    مجموعة الهلال السوداني.. صنداونز يقتنص التعادل ويبقي آمال التأهل في دوري الأبطال    الجمارك في السودان تحسم جدل رسوم بشأن الأثاثات والأجهزة الكهربائية للعائدين    الأهلي يبلغ ربع نهائي أبطال أفريقيا.. والجيش الملكي يهزم يانج أفريكانز    اكتشاف وجود علاقة بين الاكتئاب وهشاشة العظام    أفراد من الشرطة يلقون القبض على السائق الخاص بالقائد الميداني لمليشيا الدعم السريع "جلحة" داخل "ركشة" بحي بري    هلال كوستي يدشن برامجه الثقافية بليلة ثقافية كبرى وتكريم رموز النادي والمجتمع    شاهد بالفيديو.. سرقة محل مجوهرات بشارع الوادي بأم درمان وقيمة المسروقات تقدر ب(ترليون) جنيه    محاولة أوكرانية جديدة لإفشال مفاوضات السلام بعيداً عن ارض المعركة    رفض الزوج شراء سجائر لها فقتلته.. جريمة زوجة مصرية تثير الجدل    توصيات المؤتمر القومي لمعالجة قضايا الشباب    لجنة أمن ولاية الخرطوم تؤكد المضي قدما في تنفيذ موجهات رئيس مجلس السيادة لبسط الأمن وفرض القانون    ضبط اسلحة ومخدرات بكسلا    حريق كبير في سوق شرق تشاد    صعود الذهب عالميًا يرفع أسعار المعدن النفيس فى قطر صباح الخميس    رسالة أخيرة في بريد الرئيس البرهان قبل تمرد الحركات المسلحة الدارفورية    ترامب يحذر إيران: الوقت ينفد والهجوم القادم سيكون أشد    مباحث الخرطوم تعلن توجيه ضربة موجعة لمافيا السيارات..إليكم التفاصيل    تلفزيون السودان يستأنف البث المباشر من مقرّه الرئيسي    وزير الصحة: التبغ عدو الحاضر والمستقبل و فاتورته الصحية تفوق عائداته الضريبية    هل قتل السحر الأسود الإسرائيلي عبد الناصر؟.. كتاب جديد يكشف خفايا خطيرة في مصر    سباق اختراق الضاحية باكورة بطولات الاتحاد العربي لألعاب القوى    شركة اتصالات في السودان تعلن عن توقف خدمات    "مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ"!    أحمد الشاكر: انا أعجز عن شكر جميع الإخوة الأشقاء في المملكة العربية السعودية    ترامب للإيرانيين: واصلوا الاحتجاج.. المساعدة في الطريق إليكم    السودان..حصيلة صادمة بمرض شهير في ولايتين    إسحق أحمد فضل الله يكتب: (حديث نفس...)    "كرتي والكلاب".. ومأساة شعب!    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



صحيح المؤرخ: الروايات الشفاهية مصدرا للتاريخ .. بقلم: د. حسن عابدين
نشر في سودانيل يوم 04 - 03 - 2020

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

اهداء : هذا بحث صغير قصير نهديه لأستاذنا - أستاذ الجيل الدكتور يوسف فضل حسن الذي تعلمنا بين يديه محاضرا ومن طيات مؤلفاته محققا للروايات الشفاهية والمخطوطات عن تاريخ السودان الوسيط والحديث .
مقدمة :
كان التاريخ ومازال اداة من أدوات صناعة الوعي القومي وتنمية مشاعر الانتماء الوطني واحد مكونات الهوية عند جميع الامم التي سعت وتسعي للأخذ بأسباب الانصهار والتوحد .
وليس في هذا ما يتعارض كما يري البعض مع المنهج العلمي في كتابة التاريخ القائم علي تقصي حقائق الماضي واتجاهاته وتطوراته , وسوق التفسيرات لأسباب ونتائج ما حدث .
والتاريخ هو المصادر ...اَي ان المصادر الأولية أو الثانوية أو الشفاهية أو كلها معا هي ضالة المورخ الباحث عن الحقيقة يستنطقها في كتابة التاريخ وفقا للمنهج العلمي ومحوره الموضوعية في عرض المعلومات والحقائق وتفسيرها .
الروايات الشفاهية :
لم يعد بين مورخي افريقيا والسودان اختلاف من بعد ستينات القرن الماضي حول أهمية الروايات الشفاهية والتراث الشفاهي عامة (الشعر الشعبي ، الغناء , الدوبيت ، الأمثال ، القصص والأساطير ) مصدرا من مصادر كتابة تاريخ شعوب القارة وحضاراتها ومكملا للسجلات المدونة وسد التغرات في المعرفة احيانا ، وللروايات الشفاهية أهمية خاصة في تسجيل التاريخ الثقافي والاجتماعي لانها تعبر عن الروءيا الشعبية عن الماضي فهي مرآة تعكس الوجه الحقيقي للمجتمع المحلي وأنماط السلوك والقيم مما لا يجده المورخ في السجلات والتقارير الرسمية ( نستثني من هذا التعميم المخطوطات . ) *2
كان لموسوعة تاريخ افريقيا العام التي اصدرتها منظمة اليونسكو العالمية في احد عشر مجلدا:
General History of Africa بدء بعام 1964 ابلغ وأعظم الأثر في تاكيد أهمية التاريخ الشفاهي مصدرا ونبعا ينهل منه المورخ ويستزيد معرفة وعلما مما لا يجده في السجلات والتقارير الرسمية.
أورد المجلد الاول للموسوعة تعريفا ووصفا للرواية الشفاهية وشهادات الرواة ، ومنهج تحقيقها وكما جاء في كتاب البروفسور Jan Vansina رايد مدرسة التاريخ الأفريقي الشفاهي تحت عنوان : Oral Traditions : A Study in Historical Methodology اَي المأثورات الشفاهية : دراسة عن المنهجية التاريخية ،
ان أهمية الروايات الشفاهية في كتابة التاريخ الحديث والمعاصر تتضاعف وتعظم في المجتمعات التي لم تعرف شرائح واسعة فيها القراءة والكتابة إنما تعتمد علي المشافهة والنقل والإسناد في تداول المعلومات والقصص والشعر والغناء وقد وصف بعض المورخين هذه المجتمعات بحضارات المشافهة ولكن لم تخلو كل هذه المنقولات شفاهة من مضمون تاريخي ومن ذرات من الحقيقة : " kernel of truth " كما وصفها البروفيسور فانسينا ، وكلها منقولة عن السنة وصدور حفظة التراث الشعبي والتاريخ محور هذا التراث.
الا ان هذا لا يعني عدم أهمية الروايات الشفاهية عند سرد الأحداث والسير في مجتمعات الكلمة المكتوبة التي عرفت القراءة والكتابة والتدوين منذ اقدم العصور فهاهي الإشاعة وهي صنف من أصناف الرواية الشفاهية يتناقلها الناس في المجتمعات كافة اناء الليل وأطراف النهار سمة من سمات التواصل الاجتماعي وملح المؤانسة والونسة .
لا خيار للمورخ عندما تعوذه المصادر المدونة سوي الاستعانة في بحثه بالمرويات لاستخلاص ما تنطوي عليه من خبر ومعلومة وحقيقة وخاصة عن الماضي القريب والأزمان القريبة لا الحقب البعيدة عميقة الاماد لما يصيب الذاكرة الجمعية لسلسلة الرواة من ضعف ووهن وما يشوب النقل والتداول من جيل لجيل ومن عصر لعصر من تشويه وتحوير لجذر واصل النص يستدعي به الراوي غرضا سياسيا أو ثقافيا أو اجتماعيا ، كما سنري لاحقا في بعض النماذج .... وقديما قيل افة الأخبار رواتها . يلزم إذن الاستماع لأكثر من رواية حول الحدث الواحد أو الواقعة الواحدة تم عقد المقارنات والمقاربة والمضاهاة مع المصادر المدونة حول الموضوع ان وجدت.
وعود الي بدء أفردت موسوعة تاريخ افريقيا التي أشرنا اليها فصلا كاملا في المجلد الاول للتاريخ الشفاهي : منهج جمع الروايات الشفاهية وتصنيفها وتحقيقها واهميتها في كتابة التاريخ وإعادة قراءته من منظور يستصحب علاقة الانسان ببيءته المحلية وديناميات التغيير والتطور الذاتي.
لا غني للباحثين في تاريخ المجتمعات السودانية وخاصة المحلية والطرفية عن الاستعانة برواة الآداب الشعبية من شعر وغناء وقصص وسير ذاتية للوصول لبعض حقائق التاريخ . وقد اوفي الاستاذ المورخ عبد الله علي ابراهيم المصدر الشفاهي حقه من الشرح والتبيين في كتابه :
Historiography and Oral Traditions الروايات الشفاهية وكتابة التاريخ .
ورفدت زمرة من المورخيين السودانيين والأجانب المكتبة السودانية بدراسات ممتازة عن تاريخ السودان الحديث والمعاصر استعانوا بالروايات الشفاهية بِعد التنقية والتنقيح . ونشير علي سبيل المثال لا الحصر الي مؤلفات البروفسور يوسف فضل عن دخول العرب والإسلام السودان وعن عملية التعريب والاستعراب وتحقيقيه لطبقات محمد النور ود ضيف الله ومخطوطة كاتب الشونة عن ملوك سنار لاحمد بن الحاج ابو علي . اتكا ود ضيف الله. كما قال د . يوسف في جمع مادة هذا السفر العظيم علي الروايات الشفاهية عن سير الاولياء والصالحين والعلماء والشعراء. ، وعن عادات وتقاليد المجتمع السناري ، ووصف يوسف السفر في طبعته الثانية ( 2008) بانه " مرآة صادقة لحياة السودانيين الدينية. والروحية والثقافية والاجتماعية .... وسجل لما تواتر من الأخبار واشتهر دون ان يتعرض لها ( ود ضيف الله ) بالنقد والتعليق بل وقف من ذلك موقف الراوي الأمين ....." وأضاف في مقدمته لهذه الطبعة بقلم ولسان المحقق المنهجي : " ليس كل ما ذكره صاحب الطبقات صحيح بالضرورة . وأما عن تأويل الروايات فإنها بالفعل مادة خام جديرة وملائمة للتحليل والاستنتاج بما يتسق مع المنطق العقلي والمنهج العلمي ، فالروايات الواردة في كتاب الطبقات ثابتة وتأويلنا لها متجدد . "
روايات منحولة موضوعة :
______________________
تتردد وتتناقل من حين لآخر خلال المائة عام الماضية روايات شفاهية عن احداث ووقائع وشخصيات في تاريخ السودان الحديث والمعاصر لا أساس لها من الحقيقة.
انها روايات يرويها ويحكيها الرواة منقولة من شخص لآخر ومن جيل لجيل ، منحولة مصنوعة . صحيح ان في طيات بعضها شيء أو ذرات من الحقيقة ولكن مضافا اليها أو محذوفا منها تحويرا وطمسا . انها روايات وكلمات يتغني ببعضها احيانا الشعراء والمغنون الشعبيون ولكن تمحوها وتنسخها مدونات ووثائق أولية أو انها مجافية لطبيعة الأشياء ولا تتسق مع المنطق العقلي.
1 . رسالة الخليفة عبد الله التعايشي للملكة فكتوريا ( 1887) :
ظل بعض المهتمين بتاريخ المهدية من الاتباع والمريدين يتداولون منذ اكثر من مائة عام رواية شفاهية ان الخليفة عبد الله التعايشي خليفة المهدي عرض علي ملكة بريطانيا فكتوريا الزواج ان هي اسلمت واتبعت الامام المهدي وأذعنت لحكم خليفته .
وجاء في رواية اخري يزوجها لخليله وصفيه واحد ابرز الأمراء يونس ود الدكيم
رسخت هذه الرواية وكادت ترقي الي مصاف الحقائق التاريخية المؤكدة من فرط التكرار والتناقل من جيل الي جيل لنحو قرن. ان أصل هذه الرواية ومصدرها الرسالة التي بعث بها الخليفة عبد الله عام 1887( 1304 هجري ) لفكتوريا خاطبها في مطلعها بقوله : " الي عزيزة قومها فكتوريا ملكة بريطانيا ، سلام علي من اتبع الهوي ...... "
كنت قد اطلعت علي نص الرسالة في الدار القومية للوثائق في سياق بحث عن الديبلوماسية الرسالية عند المسلمين وفي الدولة المهدية اذ اتخذ الامام محمد احمد المهدي ومن بعده خليفته منهج وأسلوب التواصل بالمنشورات والرسائل الخطية يحملها المبعوثون للزعماء القبائليين والدينيين والملوك والسلاطين داخل السودان وفِي دول الجوار وما وراء البحار. *1 . وسارت رسايل المهدي وخليفته لأولئك علي نسق وسنن ديبلوماسية دولة المدينة في صدر الاسلام من حيث البلاغ والتبليغ
__ تبليغ الدعوة _ وان اختلف المضمون بالتركيز نصا ان المهدي المنتظر ظهر ليملأ الارض عدلا بعد ان ملءت جورا , والدعوة لمبايعته واتباعه اماما للمسلمين .
جاءت في هذا السياق __سياق الديبلوماسية الرسالية__ رسالة الخليفة للملكة يدعوها للدخول في الاسلام :
" ....انني ادعوك الي الاسلام فان اسلمت وشهدت ان لا اله الا الله وان محمدا رسول الله واتبعت المهدي عليه السلام وأذعنت لحكمي فاني ساقبلك وأبشرك بالخير والنجاة
من عذاب السَّعير وتكوني آمنة مطمئنة ، لك ما لنا وعليك ما علينا ، وتتصل بيننا المحبة في الله"
ثم اضافت الرسالة في فقرة اخري التهديد والوعيد : " وان ابيت الا الجحود اعتمادا علي ما عندك من الاستعدادات والجنود فأعلمي انك في غرور كبير كاسد فان رجال المهدية طبعهم الله علي حب الموت وجعله اشهي لهم من الماء البارد للظمأن. ......."
وهكذا لم يرد في هذه الرسالة اليتيمة الأولي والاخيرة للملكة فكتوريا اَي ذكر أو شارة لا تصريحا ولا تلميحا لمسألة الزواج آلتي روجت لها الرواية الشفاهية وخاصة بين صفوف طائفة الانصار وعامة السودانيين . كل ماعرضته الرسالة علي الملكة الاسلام وليس الزواج .
2 . عبد الله ود جاد الله كسار قلم مكميك ( ماكمايكل ) :
تندرج هذه الرواية عن عبد الله ود جاد الله انه كسر وهشم قلم مفتش مركز بارا بكردفان هارولد ماكمايكل عام 1910 اثر اختلاف ومشادة بينهما تندرج .تحت صنف الروايات المنحولة المصنوعة والتي تنفيها وتنسخها الوثائق والمدونات وأحيانا المنطق العقلي.
عن سيرة ود جاد الله ونظارته لقبيلة الكواهلة في كردفان :.
ساء الناظر قرار المفتش عند الفصل في نزاع حول أراضي وحقوق الرعي والسقاية فيها بين الكواهلة وجيرانهم الكبابيش لصالح الكبابيش فاشتاط غضبا رافضا القرار ولكنه لم يعتدي علي قلم المفتش تكسيرا كما روي الرواة وزعمت الرواية التي سار بها ركبان الكواهلة ومراحيلهم جيلا بعد جيل الي يومنا هذا يتغنون بشجاعة ود جاد الله في تحديه وإذلاله للمستعمر الانجليزي وانتزاع القلم من كفه وتكسيره . وجاء ذكر تلك " الواقعة " في ذيل نظم مادح عن ودجاد الله :
عليك بحر النم يا دقر الحرايق
أصبحت كاتم السم عشميق الأصم
شدولو وركب فوق أصهبا ماهل
رايو متممو وحديثو ما مايل
ود عز البيوت ناظر عموم كاهل
يا بحر المحيط مين عبرو وقاسو
بريطانيا والترك مالينو راسو
والعضم الكبير كسرو وشرب راسو
العاقر تقول بلدي وبسمي عليك
يا عيد الضحية الفتحولو البيت
رايو مكملو كسار قلم مكميك .
عاش ود جاد الله خلال السنوات 1872- 1922 ، شب وشاب علي ولائه للأمام المهدي والمهدية وجاء عنه في تقرير لقلم المخابرات بكردفان انه " ذكي وطموح ، مولع بالتآمر ( إشارة لمهدويته وتمسكه بها ) ...." لم ترد في هذا التقرير المودع في ارشيف مكتبة جامعة دارام اَي إشارة لحادثة تكسيره القلم , كما خلت سيرته التي اوردها المورخ ريتشارد هيل في كتابه : معجم تراجم اعلام السودان ، (ترجمة سيف الدين عبد الحميد )من إشارة للحادثة المزعومة ولا في كتاب ماكمايكل بعنوان قبائل وسط وشمال كَردفان وبه فصل كامل عن قبيلة الكواهلة وناظرهم ود جاد عليالله .
الا ان القول الفصل حول من كسر قلم " مكميك " جاء في مدونة لقلم المخابرات أكدت نصا ان ماكمايكل نفسه هو الذي كسر القلم !! وفيما يلي الترجمة العربية للوثيقة المودعة في ملف هارولد ماكمايكل في ارشيف السودان بدارام :
" نسجل بكل أسف وفاة عبدالله جاد الله ناظر الكواهلة السابق الذي كان ذَا صلة بالاسرة المهدوية وزوجا لإحدي بنات المهدي ..... ، اشتهر عبد الله جاد الله عبر كنيته كسار قلم " مكميك " اَي الرجل الذي كسر قلم ماكمايكل خلال اختلاف ومشادة بينهما فاشتاط المفتش غاضبا وضرب بكفه الممسكة بالقلم علي الطاولة ( الطربيزة) فانكسر القلم ....."
وجاء في الفقرة الاخيرة لهذه الوثيقة ان تم فيما بعد حبس ود جاد الله سجنا لعامين وإعفائه من نظارة الكواهلة . *3
3 . بابكر ود سابل يصفع المفتش جاكسون :
من الروايات الشفاهية المصنوعة للتعبير عن شجاعة
:السودانيين في تحدي واذلال المستعمر والتي لاتحتاج الي تحقيق منهجي بل تتنافي مع حسن الإدراك ( common sense ) والمنطق العقلي . صفع العمدة بابكر محمد خير سابل( ود سابل) شيخ منطقة البرصة بمديرية دنقلا مفتش المركز جاكسون باشا والمفتش علي ظهر الحصان حتي طارت برنيطته ( القبعة) عندما وخزه بعصاه في كتفه لتقصيره في جمع وتوريد الطلبة( ضم الطاء وتسكين الام ) اَي الضرايب ، كما جاء في الرواية .
قالت زينب بت ود سابل في مدح شجاعة ابيها وإذلاله المزعوم للمستعمر بعد ان تم إعفاءه من العمودية:
أبوي قال المفتش شن بياسه
وفِي الخواجة ما بتنفع حناسه
وتعيش عند الله الرياسة
ومالك ان رفدوك يالخزين
ليك مساجد وليك دواوين
وليك عمال مستخدمين
هيلك الرطب من قديم
وجدو كان شيخ المساكين
هذه رواية وتلكم روايات يفيض بها التاريخ الشفاهي ، يتغني بها المغنون والمريدون صناعة واصطناعا للأبطال والبطولات ، تباهيا بالشجاعة والفروسية والكرم ، يذخر بها التراث القولي ، ويلزمها التحقيق والتمحيص للتثبت من حقائق التاريخ عوضا عن المتخيل عنه او المرغوب فيه .
3. رواية عن ملكية بيت السودان في لندن :
أشرنا أعلاه ان روايات شفاهية لا أساس لها من الصحة شاعت وراجت وتناقلها عامة الناس عن تاريخ السودان الحديث والمعاصر كاد يرقي بعضها الي مصاف الحقائق او ان بعضها حل فعلا مكان الحقيقة من طيات الثقافة الشعبية.
وهذه رواية اخري منحولة عن ملكية بيت السودان في لندن Sudan House اذ زعم الرواة ان الملكية تعود لطيب الذكر عظيم السيرة الامام عبد الرحمن المهدي رحمه الله أهداه دارا للجالية السودانية ببريطانيا عند زيارته الرسمية للندن في أكتوبر 1952.
وجاء في رواية اخري ان الملكة إليزابيث الثانية ملكة بريطانيا هي التي أهدت العقار( بيت السودان ) للسيد عبد الرحمن فأوقفه هو بدوره لصالح الجالية ، اَي ان البيت وقف كما ظن مدير إدارة الأوقاف بوزارة الشؤون الدينية والاوقاف الذي طلب زيارة لندن عام 2003للوقوف علي حالة " الوقف " !
ان بيت السودان عقار مملوك لحكومة السودان من قبل الاستقلال ، وهو ملك حر Free hold
تم شراؤه عام 1974 بتصديق من السكرتير المالي ويقع في منطقة بادينقتون Paddington وسط لندن ليكون دار ضيافة قصيرة الامد للمبعوثين السودانيين الوافدين لبريطانيا للدراسات العليا والتدريب الفني والمهني الي حين انتقالهم لمواقع سكنهم الدايم ودراساتهم في الكليات والمعاهد في لندن والمدن البريطانية الآخري . وكانت إعداد المبعوثين السودانيين للدراسة والتدريب
في بريطانيا ازدادت وتضاعفت عقب نهاية الحرب العالمية الثانية : جاءوا مبتعثين من مختلف الوزارات والمصلح الحكومية ، من وزارت الصحة والاشغال والقضائية ومشروع الجزيرة ومن السكك الحديدية وكلية الخرطوم الجامعية ، وجامعة الخرطوم فيما بعد 1956 .
تم شراء البيت بواسطة الموظفين البريطانيين في ما عرف آنذاك بوكالة السودان Sudan Agency ( سفارة السودان لاحقا عام 1956 ) ثم انتقل في يوليو 1953 الي موقعه الحالي وعنوانه 32 Rutland Gate في منطقة نايسبردج وسط لندن . وشهادات البحث / الملكية محفوظة في ارشيف سفارتنا بلندن اطلعت عليها قبل سنوات إبان رئاستي للبعثة .
ولكن كما أسلفنا لا تخلو معظم الروايات الشفاهية من رهاب او سراب معلومة ومثقال ذرة من الحقيقة : وهذا المثقال في رواية ملكية السيد عبد الرحمن المهدي هو انه اهدي قطع اثاث فاخرة _
بمقاييس زمانها ومكانها _ تستكمل نواقص البيت ، ذلك عند زيارته له في أكتوبر 1952 ولقاءه بأعضاء الجالية الذين احتفوا به وبقدمه لبريطانيا . كانت هديته سجادة كبيرة وجهاز تلفزيون زينت بهما صالة وصالون بيت السودان . وهكذا لم يهدهم دارا كما روي الرواة إنما أثاثا لدار قايمة منذ 1947 تملكها حكومة السودان .
أما التاريخ الاجتماعي والثقافي لبيت السودان وفشل مساعي إصلاحه وتطويره لا يسعه موضوع هذه الدراسة . نكتفي بالاشارة الي ان أفضل ماكتب عن البيت دراسة غير منشورة أعدتها السيدة الانجليزية بير كليتون Beer Clayton اول مديرة ومشرفة علي إدارة الدار عندما التحقت للعمل بوكالة السودان وبالسفارة بعد الاستقلال خلال السنوات 1929-1963 .
ختاما فيا للمفارقة فان السيد عبد الرحمن المهدي رحمه الله لم يدع ملكية بيت السودان في لندن وربما لم يسمع بهذه الرواية الي يوم وفاته عام 1959 ، ولكن مرة اخري ان افة الأخبار رواتها وآفة الروايات الشفاهية ما يشوبها من اضافة وحذف وتحوير وغرض . *4
*1. رسالة الخليفة للملكة/ الدار القومية للوثائق ، الخرطوم
*2. مناهج التراث والتاريخ الشفاهي عند العرب ، ا. د . سيد حامد حريز 1993.
*3. الوثيقة SAD586/5/71 ارشيف السودان / مكتبة جامعة دارام ، بريطانيا .
النص الانجليزي للفقرة in an argument with Sir H. "MacMiecael who banged on the table broke his pencil
*4 . تم بكل أسف عام 2010 بيع بيت السودان واحد عشر عقارا اخر في لندن مملوكة لحكومة السودان منذ نحو خمسين عاما ، تم بيعهم في صفقة مشبوهة المقصد والوسيط إبان رئاسة احد السفراء " الرساليين " لبعثة لندن . كان بيت السودان إرثا تاريخيا تراثيا
لا يباع ولا يشتري .
د . حسن عابدين / فبراير 2020


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.