الفشقة وما أدراك ما الفشقة !! .. بقلم: الفاضل عباس محمد علي    البرهان: السودان لا يريد اشعال الحرب مع الجارة اثيوبيا    العناية بالاعمال الصغيرة تقود الي اعمال كبيرة ونتائج اكبر وأفضل .. بقلم: دكتور طاهر سيد ابراهيم    إنهم يغتالون الخضرة والجمال .. بقلم: ابراهيم علي قاسم    المتعة مفقودة .. بقلم: كمال الهِدي    اللجنة المنظمة لمنافسات كرة القدم تصدر عدداً من القرارات    المريخ يفوز على الأمل بثنائية ويعتلي صدارة الدوري السوداني .. هلال الساحل يصعق الخرطوم الوطني بثلاثية .. توتي ينتزع تعادلا قاتلا أمام الأهلي الخرطوم    عندما يكيل الجمال الماعون حتى يتدفق .. بقلم: البدوي يوسف    التعليم بالجزيرة: انطلاقة العام الدراسي الاحد    السودان ضمن دول عربية تبحث مع إسرائيل تطوير الطاقة    بستان الخوف، الراوية التي أفزعت الأخوان المسلمين فصادروها ومنعهوها .. بقلم: جابر حسين    هل توجد وظيفة في ديننا الحنيف تسمي رجل دين ؟ .. بقلم: حمدالنيل فضل المولي عبد الرحمن قرشي    وزارة الصحة السَودانية: مابين بروتوكولات كوفيد والذهن المشتت .. بقلم: د. أحمد أدم حسن    ترامب أخيرا في قبضة القانون بالديمقراطية ذاتها! .. بقلم: عبد العزيز التوم    شباب الكباري .. بقلم: د. عبد الله علي إبراهيم    التحذير من اي مغامرة عسكرية امريكية او هجمات علي ايران في الايام القادمة .. بقلم: محمد فضل علي .. كندا    (سلطان الكيف) !! .. بقلم: عبد الله الشيخ    الاستئناف تشطب طلب هيئات الدفاع عن المتهمين في قضية انقلاب الانقاذ    الإمارات والاتفاقية الإبراهيمية هل هي "عدوان ثلاثى "تطبيع بلا سند شعبى؟ (3/4) .. بقلم: عبير المجمر (سويكت)    تعليم الإنقاذ: طاعة القائد وليس طاعة الرسول .. بقلم: جعفر خضر    فيما يعول عليه ! .. بقلم: حسين عبدالجليل    مصرع 11شخصاً في حادث مروري بطريق كوستي الراوات    تفكيك شبكة إجرامية يتزعمها أحد أكبر التجار بمنطقة الصالحة بامدرمان    التعليم الحديث والقطيعة المعرفية مع الموروث الشعبي: الكرونة والأدوية البلدية نموذجاً .. بقلم: عبد المنعم عجب الفَيا    موسى محمد الدود جبارة : مداخل ونقرشات علي حواف بيان اللجنة الاقتصادية للحزب الشيوعي السوداني    حملة لتوزيع غاز الطبخ في الميادين العامّة بولاية الخرطوم    خالد التيجاني النور يكتب :السلام المختطف    إحالة ملف متهم بقتل وكيل نيابة إلى الجنائية ببحري    اعتراف قضائي للمتهم الأول بقتل شاب    الغرامة لشاب ادين بتعاطي المخدرات    ترامب يهدد بتعليق عمل الكونغرس لإقرار التعيينات التي يريدها    كورونا في ألمانيا.. 2866 إصابة جديدة والعدد الكلي يتجاوز 130 ألف إصابة    حمد بن جاسم يكشف "الدروس المستفادة" من الوباء الذي يجتاح العالم    مدثر خيري:الاتحاد العام ليس الجهة التي تحدد بطلان جمعية المريخ    الكاردينال ينصح (الكوارتي) بخدمة اهله واسرته    الاتحاد السوداني يطبق الحظر الكلي    لجان مقاومة القطاع الاقتصادي تتمسك باقالة وزير المالية    تحديد (7) ساعات لتحرك المواطنين أثناء أيام حظر التجوال بالخرطوم    عبد الباري عطوان :ترامب يعيش أسوَأ أيّامه.. وجشعه الاقتصاديّ حوّله إلى مُهرِّجٍ    البدوي: زيادة الأجور للعاملين بنسبة (569%)    مشاركة المطرب...!    الناطق باسم الحكومة الفلسطينية: تسجيل 10 إصابات جديدة بكورونا    مجمع الفقة: لا تمنع صلاة الجماعة والجمعة إلا بوقف التجمعات    توتنهام يتدرب رغم الحظر    نصر الدين مفرح :نحن نتابع كل التّطوُّرات ولن نتوانى في منع إقامة صلوات الجماعة    أمير تاج السر:أيام العزلة    ردود أفعال قرار كاس تتواصل.. إشادات حمراء وحسرة زرقاء    «كاس» توجه ضربة ثانية للهلال وترفض شكواه حول النقاط المخصومة بأمر الفيفا    البرهان يتلقى برقية شكر من ملك البحرين    البرهان يعزي أسرة الراحل فضل الله محمد    5 ملايين درهم جائزة "الأول" في مسابقة "شاعر المليون"    ميناء بورتسودان يستقبل كميات من الجازولين    وزير الري يتعهد بتأهيل مشاريع الأيلولة بالشمالية    لجنة التحقيق في أحداث "الجنينة" تتلقى شكاوى المواطنين    برلمان العراق يصوت على إنهاء تواجد القوات الأجنبية    إيران تهدد بالرد على مقتل سليماني    الإعدام شنقاً ل (27) شخصاً في قضية المعلم أحمد الخير    حريق محدود بمبني قيادة القوات البرية للجيش    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





محمد أحمد أبو رنات: اسم لامع وسيرة باذخة .. بقلم: د. أبوذر الغفاري بشير عبد الحبيب
نشر في سودانيل يوم 23 - 04 - 2020

نشر الدكتور كريشنا فاسديف بحثاً متعوباً فيه حول سيرة مولانا محمد أحمد أبو رنات أول رئيس قضاء سوداني، في العدد الأول من مجلة الخرطوم القانونية Khartoum Law Review الذي أصدرته كلية القانون بجامعة الخرطوم عام 1979، وقد تشرفت وزميلي د. الرشيد حسن سيد بترجمته للغة العربية، ونشرته مجلة العدل (العدد 25، 2008). والبحث مطول واستعرض جوانب متعددة من حياة أبي رنات الذاخرة، ورأيت اختصاره في هذا المقال، إسهاماً في التعريف بهذا الرجل المميز، ودوره في الحياة القانونية في السودان.
حياته الباكرة
ينتمي محمد أحمد أبو رنات إلى فرع المنصورية من قبيلة الشايقية، وقد ولد بمدينة النهود في 1 يناير 1905. وتلقى تعليمه قبل الثانوي بكلية غوردون بالخرطوم في الفترة من 1917 حتى 1920 ثم واصل فيها تعليمه الثانوي، وتخرج في قسم المترجمين. وانضم إلى خدمة حكومة السودان في وظيفة مترجم في 4 يناير 1925.
لم يطب لأبي رنات العمل في مجال الترجمة، فتطلع إلى العمل في المهن القانونية، مدفوعاً بنشأته في بيت أبيه عمدة مدينة النهود. وكتب خطاباً عام 1932 من قسم الري بخزان سنار إلى م. و. بار رئيس تسجيلات الأراضي، طالباً الانضمام لقسم الأراضي، بين فيه أنه درس القانون لمدة أربعة أعوام في مدرسة لندن عن طريق المراسلة، وكان يتعين عليه الجلوس لامتحان في لندن أو فلسطين، إلا أن وضعه المالي لا يمكنه من ذلك. وشجعه على التطلع للعمل بتسجيلات الأراضي تعيين القسم القضائي بعض الكتبة في وظيفة قاضي جزئي.
أردف أبو رنات خطابه بخطابات أخرى تؤكد رغبته، إلى أن تمت الموافقة على نقله إلى القسم القضائي في وظيفة كاتب، واستلم عمله في 1 أغسطس 1933. وفي 18 سبتمبر من نفس العام نقل إلى تسجيلات الأراضي، ثم ألحق بمدرسة الخرطوم للقانون لتلقي تعليم نظامي لمدة عامين.
كان أبو رنات ضمن الدفعة الأولى التي التحقت بمدرسة القانون عام 1935، زامله فيها موظفون حكوميون آخرون هم أحمد م . عتباني، ومحمد أ. محجوب، وم.أ. النور، ومحجوب. ع. حسيب، و م. ي. هاشم، إضافة إلى إبراهيم سيد أحمد المفتي الذي تم قبوله في المدرسة للعمل بالمحاماة بعد تخرجه. وتخرج أبو رنات من المدرسة بنسبة 65% محرزاً الترتيب الثالث على دفعته.
عين أبو رنات قاضياً جزئياً من الدرجة الثانية، وطاف عدداً من المدن السودانية، قبل أن يعين قاضياً بالمحكمة العليا في 30يونيو 1949. وسافر إلى انجلترا في 23 أغسطس 1949 في معية القاضيين النور وحسيب لدراسة مقررات قانونية، منضمين إلى عتباني الذي سبقهم إلى هناك. واستقر ثلاثتهم في لندن لمدة ثمانية أشهر، كانوا يزورون خلالها المحاكم بالنهار، ويحضرون في المساء دروس القانون بالكلية الملكية.
اسهاماته القضائية
وضع أبو رنات خلال حياته الممتدة أحكاماً مميزة في القانون السوداني على المستوى الجنائي والمدني ، وأنجز عدداً من الأعمال نستعرض بعضها فيما يلي.
(1) ساهم أبو رنات في إرساء قاعدة التزام محكمة الاستئناف المدنية بتأيد ما توصلت إليه محكمة الدرجة الأولى من وقائع دون تعديلها، بشرط وجود بينة كافية تدعم ذلك بصورة معقولة، وذلك في قضية عبد الله عبد الرحمن نقد الله (ضد) حكومة السودان (1954) أ س ج/12)، وقرر أنه ليس للمحكمة التدخل بدون مبرر فيما توصلت إليه محكمة الموضوع من وقائع، بعد أن درست سلوك الشهود، وحددت ثقتها فيهم. وهذا لا يمنعها من مناقشة البينة بصورة مستقلة كما دونت في محضر المحاكمة وإعطاء المتهم حق الاستفادة من أي شك معقول يبقى في ذهن المحكمة.
(2) بين أبو رنات رأيه حول عدم أحقية محكمة الاستئناف في قبول بينة جديدة تحصلت عليها بعد أن أصدرت محكمة أول درجة حكمها، وذلك في قضية مدير تركة سيفين فرح (ضد) ثريا إبراهيم سلامة وآخرين (م س 1955، 4155 - غير منشورة) وذكر أن البينة قدمت كاملة في المحاكم الأدنى وعلى المستأنف الالتزام بها، و تنطبق نفس هذه القاعدة على المستأنف ضدهم. وأسهب في شرح إمكانية السماح بتقديم بينات إضافية في حالات قليلة، مثل استحالة تقديم بينة في مرحلة السماع أمام المحكمة لأسباب إنسانية.
سنحت له الفرصة مرة أخرة لتحديد رأيه بصورة مفصلة في قضية أمين أحمد أمين (ضد) يس أحمد حسين (مجلة الاحكام القضائية 1958 ص 15) وأكد على عدم قبول المحكمة بينات إضافية ما لم تكن المحكمة الأدنى درجة رفضت بينة كان يجب عليها قبولها أو إذا طلبت محكمة الاستئناف نفسها تقديم أي مستند أو استجواب شاهد، لتمكينها من إصدار الحكم أو لأي سبب جوهري آخر.
(3) تناول أبو رنات معيار التعويض الذي تبنته المحاكم السودانية في المسؤولية التقصيرية في ثلاث نقاط، هي تقدير التعويض، وإمكانية دفعه في حالة الألم والمعاناة، والتزام محكمة الاستئناف بمبلغه الذي تقرره المحاكم الأدنى درجة.
فيما يخص تقدير التعويض فقد بين أبو رنات في معرض تحفيزه للمحاكم، ضرورة الاعتدال في الحكم بالتعويض في حالة الألم والمعاناة، على أن لا يحكم به في غياب بينة واضحة على ذلك. وحول التزام محكمة الاستئناف بالتعويض الذي قضت به المحكمة الأدنى، فقد بين في قضية الصديق عباس وآخر (ضد) أمنة الطيب، أحمد(مجلة الأحكام القضائية 1959 ص 160) أن على المحكمة الاستئنافية أن لا تغير ما توصلت إليه المحاكم الأدنى ما لم يكن التقدير مبالغ فيه.
(4) تبنى أبو رنات سياسة عقابية تتسم بالردع في الحالات التي تستدعي ذلك، ففي قضية حكومة السودان (ضد) شرتاي عبد الله إبراهيم ضو البيت (مجلة الأحكام القضائية 1965 ص 161) أدين رئيس محكمة فرعية بخيانة الأمانة، فأعاد أبو رنات أوراق القضية إلى قاضي المديرية لتشديد العقوبة. كما تبنى عقوبات صارمة في حالات التعدي على الموظفين العموميين، إلا أنه لم يتردد في تخفيف العقوبة في الظروف الموجبة لذلك، ففي قضية حكومة السودان (ضد) عثمان محمد أحمد (مجلة الأحكام القضائية 1961 ص 2) أدين المتهم باختطاف فتاة بغرض إجبارها على أعمال الفاحشة، فذكر أبو رنات أن سلوك الفتاة شجع المتهم على ارتكاب الجريمة، الأمر الذي يتعين أن يؤخذ كظرف مخفف. وأكد هذا الرأي في قضايا أخرى مماثلة.
(5) ليس من السهل التوفيق بين أحكام أبي رنات في مجال الدفع بالجنون، فقد طبق في أحد القضايا قواعد القانون الانجليزي لتحديد المسؤولية الجنائية للمتهم، رغم أن هذه القواعد تتعارض مع صريح عبارات قانون العقوبات السوداني، بينما ذكر في قضية أخرى، أن قانوننا يختلف عن القانون الهندي والإنجليزي في التفاصيل رغم أن النتيجة قد تكون واحدة. ومن سؤ حظي أن أختلف مع رئيس القضاء العالم، ذلك أن النتيجة لا يمكن أن تكون واحدة إذا كان معيار الاستثناء من المسؤولية القانونية مختلفاً.
تبدو قواعد أبو رنات أيضاً متناقضة في مجال الدفع بعدم قدرة المتهم على السيطرة على أفعاله. فذكر في بعض القضايا أن من السخف توقع قبول أي محكمة للرأي الطبي القائل بأن الأفعال كانت نتيجة لهياج غير إرادي وخارج سيطرة المريض، دون أن تكون هناك بينة معضدة. إلا أنه في قضايا أخرى تجاهل عنصر التعضيد تماماً.
وحول موقفه من التوصية بتخفيف عقوبة الإعدام على أساس الاضطراب العقلي للمدان، ففي قضية حكومة السودان (ضد) باراكيا واجو (مجلة الأحكام القضائي 1961 ص 114) ذكر أن المتهم ليس مجنوناً أو ضعيفاً عقلياً لكنه غير مستقر عاطفياً لدرجة غير عادية. وهذا ليس بسبب لتخفيف حكم الإعدام. إلا أنه بعد عامين من هذه القضية راجع موقفه، واستخدم نفس اللغة بطريقة مختلفة في قضية حكومة السودان (ضد) نفيسة دفع الله محمد (مجلة الأحكام القضائية 1961 ص 161) وأوصى بالتخفيف:
(6) ناقش أبو رنات باستفاضة مسألة الرقابة القضائية على القرار الإداري. ففي قضية سلطات المباني بالخرطوم (ضد) إيفانجلس إيفانجليدوس (مجلة الأحكام القضائية 1958 ص 16) وافق على تعديل حكم الأغلبية في محكمة الاستئناف بأن المستأجر ليس له مصلحة في الاعتراض أو استئناف القرار الصادر من سلطات المباني بهدم المباني التي ترى أنها آيلة للسقوط. وتبنى وجهة النظر القائلة أن كلمة (المالك) لا تشمل مستأجر المبنى، رغم أنه يتأثر تأثراً مباشراً بقرارات الإزالة. ومع أن الرأي المخالف الذي تبناه القاضي سوني Soni في القضية المذكورة ذهب إلى أن حق الساكن في طبيعته ذو علاقة بالملكية. ولدعم هذا الرأي فقد اعتمد القاضي سوني على المادة 6 من دستور السودان الانتقالي والتي تنص على أنه، لا يجوز اعتقال شخص أو حبسه أو سجنه أو تقييده في استخدام أو امتلاك أمواله إلا بموجب أحكام القانون. فلماذا لا يكون للمستأجر الحق في مناهضة قرار سلطات المباني بإصدار أمر إزالة يتعلق بالمباني المؤجرة له إذا توفرت بينة على التواطؤ بين سلطات المباني ومالك العقار.
(7) أصدر أبو رنات خلال توليه رئاسة القضاء عدداً من المنشورات، سلطت الضوء على شخصية وسياساته. فقد أصيب بالإحباط عام 1955عندما سمع أن أحد أعضاء البرلمان حوكم أمام محكمة أهلية بموجب قانون المحاكم الأهلية، فأصدر توجيهاً بضرورة محاكمة أعضاء البرلمان الذين يتهمون بارتكاب جريمة أمام قاضي بموجب قانون الإجراءات الجنائية. ويبدو أن التوجيه قد صدر لضمان محاكمة عادلة لأعضاء البرلمان الذين يخضعون للمحاكمات، وذلك بواسطة قضاة مدربين وليس أشخاص عاديين لهم سلطات قضائية.
أبدى كذلك أبو رنات قلقه من تأخر وصول أحكام الإعدام إلى السلطات المؤيدة لمدة شهرين أو ثلاثة أشهر بعد إصدارها بواسطة المحكمة الكبرى، فوجه بأن تتم معالجة هذه الحالات في أقل فترة زمنية وأن تحال إلى السلطة المؤيدة خلال سبعة أيام من تاريخ المحاكمة.
حدثت كثير من حالات إهانة الشرطة في الفترة التي تلت استقلال السودان، ففي ثلاث مدن فقط دونت أكثر من ثلاثمائة حالة. فوجه بأن ينظر إلى جرائم الاعتراض على رجل الشرطة وإهانته في إطار من الجدية و الخطورة، وأكد على إصدار عقوبة السجن كيفما كان موقف مرتكبي هذه الجرائم.
ولاحظ في زيارة لدار الإصلاحية بالخرطوم بحري أن غالبية الأحداث المحبوسين صدر بحقهم حكم بالسجن لمدة عامين، فكتب منشوراً ينبه المحاكم إلى أن الهدف من الحبس هو إصلاح الحدث وليس معاقبته، وأن فترة الحبس لعامين خاضعة دائما للتخفيض بمقدار ستة أشهر لحسن السير والسلوك. كما شدد على ضرورة التعامل مع هروب الأحداث ليس باعتباره أمراً عنيفاً مثل هروب السجناء الآخرين وإنما مجرد إخلال بقواعد الضبط، ويسلم إلى الإصلاحية للتعامل معه إدارياً.
نما إلى علم رئيس القضاء في عام 1958 أن بعض موظفي الهيئة القضائية نسبت لهم ثلاث حالات خيانة أمانة، فكتب مذكراً أعضاء الجهاز القضائي بأن الحفاظ على سلامة المال العام واجب ذو أهمية بالغة يجب أن لا يغفل عنه القضاة في خضم أعمالهم. وتم تجميد السلطات القضائية للمسجلين ليتفرغوا للإشراف على الكتبة خاصة في تحصيل واستلام الرسوم لخزينة الدولة.
(8) ساهم أبو رنات مع بعض القضاء البارزين، في تأسيس في النظام القانوني لشمال نيجريا على ضوء النظم القانونية الهجينة التي يتعايش فيها الإسلام مع النظم الأخرى. وأوصوا بأن يطبق قانون العقوبات وقانون الإجراءات الجنائية في شمال نيجريا كما هو معمول به في السودان، وهو نفس الأمر الذي طبقته الحكومة النيجرية لاحقاً.
كما اشترك في لجنة الأمم المتحدة الفرعية لمكافحة التمييز وحماية الأقليات التي انعقدت بعد مذبحة شاربفيل في جنوب أفريقيا، فألقى كلمة بين فيها رأيه المتقبل للتنوع وأوضح أن سوء سياسة التفرقة العنصرية يكمن في افتراض السمو العرقي والذي ترجم في في أسلوب حياة دوني لكل أصحاب البشرات غير البيضاء، فلم يسمح لهم بحق الاختيار.
(9) كون الفريق إبراهيم عبود لجنة برئاسة أبو رنات عام 1961، لوضع توصيات حول أفضل الطرق أمام المواطنين للمشاركة في حكم الدولة وتنمية شؤونهم الخاصة. ويقال أن أبا رنات ذهب إلى القاهرة لدراسة نظام اللامركزية الذي كان مطبقاً في مصر، ومن ثم أوصت لجنته باللامركزية التي تمكن من تحويل أكبر قدر من السلطات من المركز إلى الأجهزة النيابية على المستوى المحلي ومستوى المحافظات. وتم تبني توصيات اللجنة في قانون إدارة المحافظات لسنة 1960 الذي ألغى منصب حاكم الإقليم وغيرها من أنواع إدارة المديريات الأخرى الموروثة عن النظام الانجليزي. وبعد عامين من إجازة القانون المذكور تم وضع أسس التطور الدستوري للدولة بتقوية المجالس المحلية وإنشاء مجالس المديريات. وبذلك امتلك الناس القدرة على المشاركة بصورة فاعلة في إدارة الدولة على المستويات المحلية والإقليمية في نظام موحد مبني على التخصص وتقسيم السلطات، وفي ذات الأوان يتفادى تخطي السلطات والترهل والازدواجية والتكلفة الإدارية العالية.
يمكن تلمس تأثير أبي رنات إلى حد كبير في قانون الحكم الشعبي المحلي لسنة 1971 والذي سار بموضوع اللامركزية خطوات أكثر. فبدلاً من مجالس المديريات والمجالس المحلية أخذ القانون الديمقراطية إلى الجذور بإنشاء المجالس الشعبية للمديريات والمجالس الإقليمية ومجالس الأرياف والمدن ومجالس القرى، وتتمتع لجنة المديرية بموجب قانون الحكم الشعبي المحلي بسلطات تبدو كبيرة مقارنة مع تلك التي منحت لممثلي الحكومة بموجب قانون سنة 1960.
وضع أبو رنات بصماته في إنشاء المجلس المركزي سنة 1961 من خلال صياغة قانونه، وسعى لتكريس أفكاره في ذلك القانون، ومن ذلك الفصل بين السلطات، وإنشائه على نسق نظام وستمنسر بما في ذلك منحه كل سلطات الجهاز التشريعي بما فيها إصدار القوانين وإجازة الميزانية ومساءلة الوزراء والرقابة على الجهاز التنفيذي، والمصادقة على المعاهدات. ويبدو تأثير نظام وستمنستر في نصوص قانون المجلس التي نصت على عدم الطعن في صلاحية أي إجراء في المجلس أمام أي محكمة أو سلطة على أساس عدم اتساقها مع الإجراءات، وقد عكست مسودة قانون االمجلس المركزي التي أعدتها لجنة أبي رنات، مدى تدريب أعضائها على القانون العام الإنجليزي وتوجهاته.
بعد حياة قضائية حافلة قدم أبو رنات استقالته في 12 نوفمبر 1964 عقب ثورة أكتوبر وأوصى بتعيين القاضي بابكر عوض ليحل محله.
ما بعد تقاعده
استغل أبو رنات وقته بعد تقاعده في عدد من الأعمال المفيدة، فأعد تقريراً عن المساواة في تحقيق العدل، وهو وثيقة ذات أهمية كبرى قدمه للجنة الأمم المتحدة حول حقوق الإنسان في 20 مارس 1969. كما اهتم بموضوعين هما تطوير التشريعات المدونة لضمان الاحترام الكامل للعدالة.
عمل أيضاً رئيساً للجنة استئنافات العاملين ويقال أنه أن إسهاماته فيها ستخلده أكثر من إسهاماته كرئيس للقضاء. فقد كان ول رئيس لها منذ إنشائها وتقلد المنصب حتى تاريخ وفاته. و لعب دوراً أساسياً في أعمالها ليس فقط بسبب حضوره المتواصل لاجتماعاتها، ولكن للطريقة التي يصدر بها الحكم بعد تقصي كامل. وقد كان يصدر قراراته دون خوف أو تحيز. وطبق أبو رنات مفهوم حقوق الإنسان في أحكامه عند عدم ورود نص قانوني، كما تبنى القواعد العامة للعدالة والإنصاف للفصل في النزاعات المعروضة.
توفي أبو رنات في لندن في أكتوبر 1977. بعد أن عاش حياة عريضة، استخدم فيها ذكاءه ولباقته وسحره وفضوله الفكري الذي كان يحوز منه الكثير. وفي الأعوام الخمس التي سبقت وفاته تلقى دروساً في اللغة الفرنسية حتى أجادها.
كان أبو رنات معتدلاً في حاجاته الشخصية، ويقال أنه لا يخرج عن طوره مطلقاً. وذكر مولانا عثمان الطيب رئيس القضاء الأسبق في حفل تأبينه أنه لم يكن يغضب، والمرة الوحيدة التي رأه فيها غاضباً عندما علم باقتراح ضم الهيئة القضائية لوزارة العدل في عام 1955.
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.