خالد عمر: يشدد بضرورة وضع الحلول العاجلة لانهاء المشكلات التي يمر بها المواطنيين    تعرف على منافذ وفروع ويسترن يونيون في السودان    أمر طواريء بحظر التداول بالبيع والشراء والنقل لمحصول القمح بالشمالية    حمدوك يؤكد على دور إدارة الأمن الاقتصادي بجهاز المخابرات في ضبط الأسواق ومكافحة التهريب    البرهان يصدر مرسوماً دستورياً بإنشاء نظام الحكم الإقليمي (الفيدرالي) بالسودان    هل يصيب كورونا أصحاب فصيلة دم معينة؟ علماء يكشفون    تقديم كتاب: السودان بعيون غربية، ج12، لمؤلفه البروفيسور بدرالدين حامد الهاشمي .. بقلم: دكتور عبد الله الفكي البشير    الهلال يعلن نتيجة مسحة كورونا قبل لقاء شباب بلوزداد    "الغربال": جاهزون لإسعاد جمهور الهلال وهذا ما يزيد من حظوظنا    السودان.. أطفال الشوارع مأساة لا تنتهي وهاجس أمني كبير    أول أيام تطعيم لقاح كورونا في مصر.. ماذا حدث؟    الكونغرس الأميركي يمرر إصلاحا انتخابيا.. وبايدن يعلق    يفتقد (16) لاعباً وغيابات بالجملة في الدفاع والوسط .. المريخ .. ورطة للتاريخ قبل مواجهة سيمبا    لجنة الاستئنافات تحول نقاط ديربي بورتسودان لصالح السوكرتا    تفاصيل محاكمة مستثمرة صينية بحوزتها ربع مليون دولار    النهب المسلح يكثف نشاطه في الخرطوم ويهجم على الأحياء بإستخدام أحدث الأسلحة النارية    حريق يقضي على (51) منزلاً بالميرم في غرب كردفان    ضوابط من البنك المركزي للتعامل مع البطاقات العالمية    الناطق الرسمي بإسم اتحاد فن الغناء الشعبي: سنحيي مهرجانا للاغنية الوطنية    برفقة سمل والد الشهيد عبدالرحمن (السندريلا) تحتفل بعيد ميلادها مع أطفال مرضى السرطان    تداعيات الحزن الجديد والفرح القديم    م. نصر رضوان يكتب: مفهوم العالمانية عند اليساريين السودانيين    ارتفاع مؤشر الدولار ببنك السودان ليوم الخميس وتباين اسعار البنوك بالخرطوم    بعد استلام جرعات "كوفاكس".. السودان يبدأ التطعيم الأسبوع المقبل    وكالات تشترط دفع (3%) من راتب الأطباء لمدة عام للسفر إلى السعودية    الإعلامية " خالدة شاشاب" ل(كورة سودانية ) بسبب ظروف سفري للإمارات لن اشارك جمهوري هذا العام من موسم رمضان …. المذيع من الممكن أن يعجب بمدرسة معينة لكن من غير تكرار نفس الشخصية …. التدريب مهم جدا بصقل الموهبة مع الشكل..    ضبط أسلحة ومتقجرات بمنزل جنوب الخرطوم    ما بني على خطأ فهو خطأ يا باني    اجتماع بين لجنة (يونيتامس) الوطنية وشركاء السلام لحشد الدعم الدولي لتنفيذ اتفاق جوبا    محاولة اقتحام الكونغرس: تأهب أمني في محيط الكابيتول وسط مخاوف من اقتحامه    وردي.. مبدع حتى في إطلاق الأسماء على أبنائه!!    الأهلي مروي يعطل الكوماندوز والأهلي شندي يعود لسكة الانتصارات    حوافز المغتربين.. (خطوة) في الاتجاه الصحيح    تراجع مفاجئ عن التعاقد مع المصري الهلال يكلف الشغيل بقيادة الأزرق أمام بلوزداد فنياً    شعبة مصدري الذهب تدعو الحكومة للتراجع عن قرار احتكار تصدير الذهب    القبض على (21) من معتادي الإجرام بسوق أبوزيد    القبض على (18) مضارباً بالعملات يمارسون نشاطهم بالخفاء    استرداد 212 مليار جنيه من مستثمر أجنبي    الكرة السودانية تعاني من أزمة إدارية! .. بقلم: نجيب ابوأحمد    قول العجب في بيع السلم .. بقلم: د. عمر محجوب محمد الحسين    رئيس مجلس السيادة يلتقي عبد العزيز الحلو    السودان يأسف للتناول "غير الموضوعي" لتصريحات وزيرة خارجيته    أول تحويل بنكي من السودان إلى الولايات المتحدة منذ أكثر من 20 عاما    تفاقم أزمة الخبز لانعدام الغاز والدقيق    مع غياب تمتام والبنا والسني (يلا نغني) يستعد للانطلاقة بعدد من الأصوات الجديدة    قريبا في رمضان (الشوق والريد) برنامج وثائقي عن الكاشف    (المنكير).. طلاء الأظافر تحت المجهر    الخرطوم تتمسك بالوساطة الرباعية واتفاق ملزم قبل تعبئة سد النهضة    "جزيرة الحب".. صيني ينفق كل ما يملك لبناء حديقة يهديها لمحبوبته    رغم التلوث النووي.. ياباني يعتني بقطط فوكوشيما منذ عشر سنوات    السعودية تشترط التطعيم لأداء الحج    "ميغان تنمرت على الموظفين".. ادعاءات ضد دوقة ساسكس وقصر باكنغهام يحقق    الركوبة تكشف أسباب إرجاع السعودية لباخرة صادر الماشية    في رحاب الرحمن الرحيم اللواء عبد العال محمود .. بقلم: نورالدين مدني    قراءة في كتاب "الأزمة الدستورية في الحضارة الإسلامية من الفتنة الكبرى الى ثورات الربيع العربي" .. بقلم: أ.د. أحمد محمد احمد الجلي    الخسف .. بقلم: عوض محمد صالح    أمريكا : سنعطي أولوية تأشيرة الهجرة للسودانيين المتأثرين بحظر ترامب    ترامب: في اول رد فعل غير مباشر علي اتهام صديقه العاهل السعودي .. بقلم: محمد فضل علي .. كندا    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





بستان الخوف، الراوية التي أفزعت الأخوان المسلمين فصادروها ومنعهوها .. بقلم: جابر حسين
نشر في سودانيل يوم 15 - 01 - 2021


1:
( هل حقا الخوف خطيئة؟! )
- أوريانا فالاشي/ صحفية وكاتبة أيطالية -
2:
( أن العديد من الروايات جاءت وهي تحمل معها مؤشرات التجاوز وتعميق الرؤية الواقعية من خلال أشكال جديدة مركبة، تضرب في أعماق الذات الفردية والجماعية، وتحقق التعرية اللازمة عبر الفضح والإحتجاج وأبراز إشكالية القوة الشعبية المحتبسة في زنازن الخوف والسلطوية والوصايات الأبوية)*.
3:
( لكل من أنبت حليبها في جدب الفؤاد وردة،
أغني..
ولكل من أضاء قنديله بئر الروح، أهدي... )*.
4:
( ... وقال لي الخوف مصحوب المعرفة وإلا فسدت، والرجاء مصحوب الخوف وإلا قطع.
وقال لي مصحوب كل شئ حكمه وحكم كل شئ راجع إلي معنويته ومعنوية كل شئ ناطقة عنه ونطق كل شئ حجابه إذا نطق.
وقال لي الصمتية تحكم والمعرفة النطقية تدعو.)*.
كتاب ( بستان الخوف )، لأسماء عثمان الشيخ، صدرت طبعته الأولي في سبتمبر2015م، وكان الكتاب معروضا في معرض الخرطوم الدولي للكتاب في ذات العام، وبسبب، لربما، ( الخوف ) من انتشار ورواج ( مضمون ) الكتاب، تمت مصادرته علي الفور مما جعل الكتاب غير متاح للقراء في مكتبات السودان. الكتاب، في ظني، عبارة عن كتابة ( الجسد ) الإنساني بامتياز، نعني أنه يتناول، بجرأة وجسارة، وببيان لغوي مبتكر، مسألة الجسد، الأنثوي والذكوري معا، في علاقتهما مع الواقع والبيئة التي يشتغلان عليها وعلي الحياة بكل تجلياتها الآنية وتداعياتها اليومية في حياة المجتمع بكل ما فيه من صراعات وتناقضات واختلافات في الرؤي والأفكار. ثم أنه، تضئ جوانبه وحقوله كلها تقريبا، خيالات وامثولات تجنح بها، وترتقي بها، المخيلة إلي ذري عاليات، تكاد، حين تتنزل علي أرض الواقع، تبدو صادمة وغير المألوفة لما تعارف عليها المجتمع ويتمسك بها، كثوابت، كما يقول بها السلفيون المتزمتون في تطرف ومغالاة لا تنسجم مع الوعي والمعارف العلمية الحديثة. فالكتاب هو، أيضا وأيضا، كشف مبتكر، في اللغة ودلالاتها ومعانيها، في وجهة هي، ضد الصمت وتبوح بالمسكوت عنه لدي عامة الناس في المجتمع. والآن، وقد أستقر مبدأ المساواة في الحقوق والواجبات بصرف النظر عن الدين واللون والجنس، لا يصح التمسك بالدلالات الحرفية للنصوص الدينية، فهذا لا يتعارض مع مصلحة الجماعة فحسب، ولكنه يضر بالكيان الوطني ضررا بالغا، ( وأي ضرر أشد من جذب المجتمع إلي الوراء، إلي مرحلة تجاوزتها البشرية في نضالها الطويل من أجل عالم أفضل مبني علي المساواة والحرية والعدل )*. والحال كذلك، فأنني زعيم بالقول أن الدافع الحقيقي وراء مصادرة ( بستان الخوف ) وحظر تداولها في السودان، كان بدافع ديني، تعبر عنه وتسوقه وتجيز عبره المصادرات والحظر علي الأفكار وحرية الرأي والفكر، هي أيديولوجية الأخوان المسلمين الممسكين بالسلطة، من أعناقها، وقتذاك. وقد تمت قراءة الكتاب، وفقا لهذه العقلية التجريمية للمرأة في علاقتها بالآخر وإلي الجنس علي وجه العموم. حقا، أن الخيال هو ثمرة الوعي، بالحياة وبالجسد. ففي مقدمة الكتاب تجئ مداخل الكتابة في باب ( ويبدأ الخوف في الصراخ )، حين رأت ( برهان ) للوهلة الأولي فتعارفا، ثم تحابا، ولكن أن تري تجليات الخيال في التعابير وفي المشاهد برغم واقعيتها الظاهرة، وتلك، التعابير ومشاهدها، هي التي عول عليها الرقيب فقضي بالمصادرة والحظر، تقول: ( أيقظتني حرارة كثيفة أغرقت جسدي النحيل. كانت هناك بحيرة جراثيم ترقد علي حافة فمي اللزج عندما تحسستها أمرأة ضخمة. لا أدري هل كانت تمشط عشبي أم كيف وصلت بيدها إلي تلك المنطقة؟. انتابني شئ من الخجل لحظتها. أخرجت لساني لأبتلعها. بدأت سحبها إلي داخل فمي ويدها تمر مرة أخري وهي تتحدث وتحكي لي أشياء لم أسمعها جيدا، إذ أن تركيزي في لزوجتي وزئبقيتي. ولدهشتي وجدت المرأة البدينة تستقر في طرف لساني:
( أووه حاجة آمنة!، رفقا، متي صار جسدك فيلا؟). ردت المرأة:
( خلاص كبرت وبقي ليك ضنب حربوية، دايره أقطعو من قعروا!).
وأسماء، وهي علي تلك الحال، لكأنها كانت تعيش لحظاتها وهي في الروع الإنساني حين يحف بالروح البريئة، كالماء والغيوم، يحاصرها الواقع اليومي لمن هم حولها، لكأنها لحظات ( الأسئلة ) والتأملات المذهلة في شأن الحياة وتجلياتها، التي كان أمل دنقل عليها ذات صباح:
(كل صباح .. أفتح الصنبور في إرهاق ..
مغتسلا فى مائه الرقراق ..
فيسقط الماء على يدى دما ..
وعندما أجلس للطعام مرغما ..
أبصر في دوائر الأطباق ..
جماجما .. جماجما ..
مفغورة الأفواه والأحداق ..)*.
أن قضية المرأة، في واقعنا الراهن، وفي التاريخ أيضا، هي جوهر التفكير العقلاني/ العلمي في تلامسه وتساكنه مع السائد المتخلف في رؤاه وتصوراته، لقد رأيت شيئا كثيرا من ذلك في كتاب ( بستان الخوف ). أن الخطاب، جملة، في هذا المنحي من الكتاب ليس تناولا إبداعيا فقط في قضايا الجنس، مؤنثا كان أو مذكرا، كما أنها، في ذات الوقت، قضية تخلف فكري، في الدين أو في السياسة، بل هي، في الجوهر منها، قضية سياسية، بالأحري، هي قضية ( أزمة السلطة السياسية )، وما تجره من ويلات ومآس علي الشعب وعلي الوطن. تلك، بكل تجلياتها، تدخل في الوعي الإنساني، وتكون في مسارات الإبداع، باللغة والمعاني، فتشكل، في كل حين، منصات إبداعية عالية القيمة، وتكون، في مسارها الفكري والإبداعي، تحولات وانتباهات لامعة تترسخ في وعي الجماهير وتضئ إليهم دروب الحياة نحو الغد الأجمل. ومن هنا بالذات، تتحرك السلطة لتقمعها وتسد إليها الدروب والمسارات.
وهنالك، في متن الكتاب، منحي فكري سياسي وتقدمي يمكنك أن تلاحظه في العديد من القضايا المهمة التي يتناولها. فمثلا، عندما دخل إايها شقيقها غرفتها، لأول مرة، وكان اللقاء في تاريخ ذو دلالة سياسية واجتماعية، نعتقد أنها تشكل ( بؤرة ) وعي المؤلفة، وتحدد في ذات الوقت، مسار كتابها من حيث شكلها ومضمونها، باستخدامها للغة مؤحية ورشيقة، عبرت تماما عن أحداث ومشاهد وصور تلك الوقائع التي جعلتها في جوهر الكتابة نفسها. تقول:
( لحظتها دخل علي شقيقي الأصغر يحدثني عن قصة كتبتها، وكان يقرأها ملتحفا الحرارة الشديدة، ساكنتي بعنف.
( - يااه إنت خطاطة؟! ).
كان يريد أن يأخذ شيئا من خزانتي عندما رأيته كاملا يرتدي جلبابا قصيرا بعض الشئ وهناك فتحة أفترت عن صدره وقع بصري عليها أعاد استقامتها في الانغلاق بيده، وبدأ لي ( إنه هو؟ ) وهو يتحدث حافي القدمين كعادته. ( إنه هو بالضبط تماما؟ يا إلهي!! ). أحسست بالبلل فيهما.
( وصلت مع (برهان)* مبتلة تماما إلي أريكتنا الأثيرة، وعلي بعد خطي من القصر، أمامنا النيل الأزرق يتراقص موجه من فعل المطر في ذاك الأصيل الخريفي في ( أوائل يوليو 71 )*، هاربين من الإحباط بعد انهيار أركان هذا الكهف الكبير، إذ لم تفلح محاولاتنا لرأب الصدع وتفويت كل مؤشرات شق الصف ).
( رفقة.. نحن علي حافة الجنون. ربما أحدثك عن النبوءة يوما وعن وعن ما تتمخض عنه الأحداث المقبلة ).
( لا تتشاءم، أطلق العنان لهذه اللحظات النادرة وهذا الطقس البديع، ربما لن نلتقي... ).
( إلهي!!، أنظري، أنا لزج!، وأنت مبتلة!؟، تحسسيني، أين يدك؟؟، غطيني، آآآآه رفقة.. أنا عار تماما.. إلا منك، لا تهجريني ),
إذن، تأسيسا علي هذا المقتبس، نستطيع أن نقول، بأن تناول اليومي، الواقعي والمعاش، فيما يخص العلائق بين المرأة والرجل، وبين كل منهما والمجتمع وما هو سائد، ومسيطر علي جل الذهنية الجمعية، هكذا، والحال كذلك، يمكننا أن نري بوضوح لماذا كانت المصادرة الفورية والحظر لهذا العمل التنويري المهم في أطار الآدب والفن واللغة في سماتهم التجديدية وصوب ( التغيير ).
ولا شك، أن هذا الفهم المشوه هو نتاج منطقي للموقف ( السلفي ) تجاه قضايا التحرر والتقدم، بل وقضايا الديمقراطية وحقوق الإنسان وحرية الرأي والفكر. ( نستطيع أن نقول أن مناقشة قضايا المرأة بمعزل عن سياق الواقع الاجتماعي العام – المحدد لمكانة الإنسان في سياقه – قد يغري في كثير من الأحيان إلي الانزلاق في هوة الحديث عن المرأة بوصفها مقابلا للرجل ونقيضا له. وبعبارة أخري نقول أن مناقشة قضايا المرأة بعيدا عن ذلك السياق يوقع في خطيئة الحديث عن الأنثي، الأمر الذي يستدعي – طبقا لآلية التداعي – المقارنة بينها وبين الذكر. وتدخل المناقشة كلها من ثم في إطار المفاهيم المطلقة عن الفروق البيولوجية، وما يترتب عليها من فروق – تبدو ضرورية وحاسمة – عقلية وذهنية وعصبية. وهذا هو الإطار العام الذي يتحرك فيه الخطاب الديني عادة في مناقشة قضايا المرأة: أنه خطاب يستحضر الرجل/ الذكر أساسا، ويجعله في بؤرة الاهتمام وفي مركز الحركة )*.
في ذلك الموضع البكر الخصيب من الوطن، في ( أم بادر )، كانت رفقة قد التقت ( بسمة )، جمعتهما شيئا من الطفولة البريئة المزهرة، والنضارة الحية، بعنفوانها الجياش، وأيام التلمذة في المدرسة. قالت عن تلك الأيام، وتلك الرائحة: ( ... صديقتها
" بسمة " بقربها دائما.. أخذت بيدها إلي داخل الوسادة:
( - أتبعيني يا بسمه أريدك أن تشاهدي كهوفي، وخلجاني، وقصر
" برهان "، أمير مملكة الظلامات، ومخدع النفس المظلمة، وبساتينها الصفراء في بحر اللاعودة الدؤوب. ودعيني أحدثك عنها، فمنذ افتراقنا القسري لم يتسن لك أن تدركين كم تشوهنا وكم تلوثت أجسادنا بالذكور!!، لكنني لن أخفيك سرا، " بسمة ".. أحس بالنشوة العارمة مع قردي، أسميه جروا. سأكتب كيف ولد خديجا؟، ستلتقينه في مخدع النفس المظلمة ). لكن، ( بسمة ) البريئة، التي لم تفارقها طفولتها أبدا، سرعان ما سألتها توا، وهي تتوجس خيفة، لربما من ذلك القادم، المجهول والغامض، لكنه، حتما، سيأتي:
( ولكن كيف نعود؟! ). و حتما سوف تحدثها، لنري كيف سيكون حديثها باللغة ( الكردفانية ) المترعة حنانا ورقة: ( بسمة، رهيواية الحنين.. مشاغبة دائما، لم تأخذ من أخيها " حيدر " صرامته، لكنها كما تبدو لي كأنها شبيهة الودع الأبيض المتراص في نهايات الضفائر محكمة الرتق.
( - رفقة أني أم نخليكي أم نمشي نردي ألمي.. وناوس لي بدر!! ).
( - آآه.. حتي أنت يا بروتس؟!!).
( بسمة، الشقيقة الصغري ل" حيدر ". التقيتها في أم بادر وتعلمت منها أجمل حكاياها عن حياة البدو. لكنها في دمير العام المنصرم تخلفت " بسمة " عن الرحل، وعرفت لاحقا من " حيدر " أنها بلغت مبلغ العوين!، ولا بد لها من التعميد في خيمة نائية مع فحل من فحول القبيلة اختير لتلك المهمة العظيمة. لم أستطع انتزاعها من مخيلتي، دائما " بسمة " في مدي الرؤيا الحية، ومنتشرة في كل الآفاق بجسدها الغض البديع وخمرية نهديها العاريين ومقلتيها العسليتين الواسعتين.
(- بسمة ).. سأكتب لك ما حييت وأحكي لك كل شئ عن عالمي المضطرب وكل ما لم تتمكني من قراءته ومعرفته.. أواه " بسمة "، لقد تم اغتصابك باكرا جدا وتركتني وحيدة وعارية تماما إلا منك ).
(- بسمة ).. لم تقرأين رسائلي العديدة أبدا، ولربما لن تفهميها!!، بعثت بها إليك في مخيلة قردي المسحور ليضئ بها كهف "برهان" حتي تتسني لي رؤيتك واتشبث بنقائك. ولكنه، وبفعل السحرأوصلها إلي الأمير قبلك فقرأها وأغلق عليها الجبل الأصفر.. هيا هيا يا بسمة ).
(- دعيني أريك الخوف الأصفر ومراتع الصبا المغتصبة وكيف لفها بألوانه، وكيف سحرتني ساحرة العشق الأسود في غيهب الظلامات وراء بحر الظلمات، وحولت قلبي الكسير إلي قرد له جسد جرو، وذنب حرباء، وشبق أفعي، وطردتني في فلاة الذئاب، وقالت: لقد انجبتك في زمن حديقة الرعب وديار الضياع جرحا غائرا في سياجات العزلة علي صهوة فرس فار وحيد. هيا هيا بسمااااااه ه)*.
في تلك البيئة البكر، بكل ما فيها، من براءة لدي المرأة، والشبق الذكوري للجنس وللمرأة، رأينا كيف ( تصرخ ) تمظهرات الجنس، اللفظي والجسدي، والقمع، النفسي والجسدي، تجاهها حد يستحيل، ويتخلق العشق فيغدوا ( أسودا )، بل أن القلب، مهد ونبع الأحلام والآمال، قد ( مسخته )، أو تكاد، فتحول إلي مسخ، ( قرد له جسد جرو، وذنب حرباء، وشبق أفعي!!! ). أن هذا الواقع المزرئ، القاسي حد تكبيل وتكسير روح المرأة وتشويه جسدها وإحلامها، وآمالها العراض في الحياة، لهو من أقسي وأبشع ما تواجهه المرأة. وقد صورته المؤلفة بإبداع كبير، فشكلت صورا ومشاهد، لأوضاع المرأة وهي تعيش هذه البيئات بخشونتها وقسوتها البادية. ولكن، وسط هذا السواد كله، هل ثمة أمل؟، نعم، ثمة آمل، وأمل كبير قابلا للتحقق في أفق الثورة والتغيير. وهنا أجدني، ملتزما وجهة هذه الكتابة لإيراد مقتطفا طويلا بعض الشئ، لكنه يشي بالأمل حين تمتحن بعض نساءنا حرفة الكتابة والفن، فتكشف، عبر هذه الأدوات الإبداعية عن ما يجري في واقعنا، تلك السنوات القاسية تحت سلطة الأخوان المسلمين المندحرة، تكشف الستر عن واقع الحال، المخبؤ والمسكوت عنه، ثم تشيع الأمل في الناس أجمعين. تقول ستيلا قايتانو: ( ... كتبت عن الحرب والنزوح، ووثقت للفقر والعوز والخمور البلدية والسجون، ونحو الجنون، كنت قريبة جدا من أجواء هذه القصص، هذا إذا لم أعترف صراحة بأني كنت جزءا منها، أشارك في بعض تفاصيلها! أعرف الكشة وقسوة رجال الشرطة، أعرف الابتزاز وطلب الرشاوي من الأمهات اللائي يفضلن وضع عصارة جهدهن وقوت أولادهن ورسوم مدارسهم في أيدي الجنود بدل أن يؤخذن إلي السجن، كان هذا صداما اجتماعيا وثقافيا بين الدولة المعروفة دستوريا، بالعربية الإسلامية، وبين مجموعة من مواطنيها لا علاقة لهم بتوجهاتها الأيدلوجية، لذا كانت صناعة الخمور بالنسبة لهم مصدر رزق يسد الرمق، ويوفر الكسوة، ويدخل عددا لا بأس به من الأطفال المدارس علي سوئها، ولكنها ترضي الأمهات، أما نظرة الدولة لهؤلاء المواطنين فلم تتعد كونهم مجموعة من المنتهكين لمحرمات في دين ليس لديهم تجاهه أي التزام روحي ولا يعرفون حتي شعائره، لذا حاربت الدولة تلك الصناعة بكل ما أوتيت من قوة، وللأسف بدون تقديم بدائل محسوسة لكسب العيش الكريم و... الحلال طبعا! عندما كانت الكشات تأتي وتسكب المرائس البيضاء علي الأرض، وتقود الأمهات إلي السجون، كان ضمير السلطات يرتاح لأنها نهت عن المنكر، بينما كان رأي سكان تلك المناطق أنها أهدرت نعمة كان يمكن أن يتغذي بها الكبار والصغار، فتشعرهم بالإمتلاء والنشوة ليوم كامل، كما وأنها حبست المعيل الوحيد للأسرة، فازدادت الفاقة والعجز، وتراكم الغبن الاجتماعي، لتصبح تلك البيئات المفرخ الأساسي للمشردين، والحانقين، والغاضبين، والمجانين الذين يبحثون عن بصيص أمل للهروب. تلك الاختلافات في القيم، علي بساطة تفاصيلها، عبأت الناس باتجاه الرحيل في أقرب فرصة، وقد فعلوها، وما زلنا نجتر مراراتها حتي الآن. لقد تعايشنا مع أباء غير مسؤولين أقصاهم المجتمع بالعطالة أو التعطيل ليدخلوا في دائرة غير منتهية من السكر، والعربدة، والعنف الموجه للنساء والأبناء وأنفسهم. دخلت أمهاتنا السجون عشرات المرات من أجل أطعامنا وجبة واحدة في اليوم، ومن أجل أن نشتري كراسة وقلما، وكل أمنيتهن ألا تحبل بناتهن في سنين المراهقة الأولي، وأن لا يعاقر أبنائهن الخمور، وفي أغلب الأحيان يحدث كلاهما كنتيجة طبيعية لتلك البيئة، بيئة النزوح، والعنف، والأنحطاط التي هي الأبنة الشرعية للحرب. وأعتبر نفسي محظوظة، أو، بامتنان أكثر، ناجية عندما تفتح وعيي مبكرا واتخذت من القلم والحرف إزميلي لأحفر عميقا كي انحت ذاك الألم، غير المحدود، في ذاكرة كانت بعيدة، ولا تنظر لتلك البيئة إلا بنظرة الاتهام، والخوف، والازدراء، والاحساس البارد بأن هؤلاء ليسوا جزاءا من " هنا "، ولابد من أن يأتي يوم ويذهبوا إلي " هناك "، وقد فعلوا، وكان ذهابا صادما ومؤلما، لم يستطع الشفاء منه، لا من أختاروا الجنوب وطنا، ولا من بقوا في الوطن الأم! تحدثت عن ذلك الرجل الواعي والعاجز في آن، وحولته إلي عين ترصد كل شئ، ولكن دون أن يكون استطاعته التغيير! كم هو مؤلم اقتران الوعي بالعجز ليصيبا البطل بذلك الألم الرهيب لدرجة الانسحاب من الحياة شيئا فشيئا!. )*.
كم كانت الحياة قاسية، ثقيلة الوطء علي كاهل شعوب السودان، وهم يعيشونها، تلك القسوة والظلم والعنف، فتجعل أطوار حياتهم وكأنها تتقلب، كل وجهه، في لظي سعير الجحيم، لا تفرق بين أمرأة ورجل، فهما في ذلك الأتون، سواء، الكتابة والفنون، إذن، هي الأمل، وهي الحلم، وهي ثورة التغيير التي، لا محالة، آتية، وقد أتت! هكذا، تكشف، أسماء وستيلا، كل بطريقتها، ولكن وفقا لنهج كتابي وإبداعي، عن مظاهر تلك القسوة، ظلالها وتداعياتها، وطبيعي أن تتركز، كتابتهما، أكثر ما تتركز، علي النساء في مجتمعاتنا، ويجعلان، معا، شيئا غير قليل من الضوء في ثناياها، ذلك هو الأمل إذن، يقولان، معا أيضا، ونقولها نحن كذلك، نعم، ثمة أمل، وثمة خلاص قادم، سيكون فينا، في بلادنا وشعبنا، لا محالة. وفي ظني، أن أسماء كتبت ( بستان الخوف ) لتسهم فكريا، عبر الكتابة الإبداعية في ( زحزحة )، ولو قليلا، مجري المتوارث، الماضوي المتخلف، بشأن المرأة والرجل، ولتحريكه بعيدا عن سكونيته التي يتشبث بها الوعي الجمعي وميله لتغليب التابوهات والمحرمات من موضع ( المنحرف ) الذي جبل عليه، إلي مسار جديد، باهر وإنساني وحقيقي، فهي تكتب للذين يعيشون، يوميا، مناضلين بحياتهم، ولو كانت بئيسة قاسية، لبناء مستقبل أفضل لجماهير أمتها، لشعوب السودان قاطبة، ولأجل آمالهم لغد أفضل وأجمل. وما من شك، أن ( بستان الخوف ) طورت الشكل التعبيري للرواية عندنا، وخلصتها، في الوقت نفسه، من الرتابة في السرد والحكاية، وعن الفعل ( المنظم ) في ذهن الكاتبة وقلمها. ذلك، في ظني، تطور رائع في الشكل الإبداعي. وأني أراها، قد جعلت مفهومها، الاجتماعي والسياسي، ( يفرض ) عليها، في نطاق سياق الحدث الروائي، أن ترفض أيضا، كل تقاليده السائدة وأخلاقياته في نظرته للأنثي، خصوصا أن النموذج السائد، هو القلب دون القضية، أي المثقف دون أرضية نضالية واضحة، وبدون وعي معرفي تقدمي واضح أيضا. تقول خناثة بنونة: ( وفي خضم الهول العام، كان القلب العاري يعرض نفسه، يموضع الأنثي في إطار اجتماعي بال، يشيئ الإنساني قيها ليدعوها إلي زاوية ثرية المظهر قاتلة الشرايين، ليبعدها عن ساحة الصراع، وأنما فحسب، ليجعلها هي وبشكل من الأشكال، تخون اختياراتها، ولهذا كانت " اللا " أمام هذا العرض هي الجواب الحاسم، رغم أن البطلة لم تكن تتمثل أية فلسفة بشكل نهائي أو أية أيديولوجية واضحة، ولكن الرفض للهزيمة، ولكل شرائح الهزيمة، ولجميع بنيات المحتمع المنهزم، قد جعلها ترفض المثقف الذي فشل في انتمائه لبقية المؤسسات الاجتماعية، اضافة لفشله في تكوين مؤسسة الزواج علي معايير اجتماعية لطبقة ما )*. أما، في ( البستان )، فأن ( رفقة ) قد وجدت في فراشة المدرسة ( حاجة آمنة )، حضن الأم وستر الجسد، ليكون مخبئ إلا حين ينشد الكشف، في لحظة الشهوة والشبق، لننظر كيف كان مسار الحوار بينهما، رفقة وحاجة آمنة:
(- أعتقد أنني سأكون أبنتك كما تعرفينها وسط كتيبة من الرجال، أليس كذلك؟ ).
ربتت علي كتفها تقول لها:
(- لكن تأكدي إنك أنثي وهم رجال ولا تملكين سوي فصاحتك ).
(- من فال لك، بدأت تمارين رياضية قد تفضي إلي أن أتعلم كيف أدافع عن نفسي، ألا ترين، قد بدت يداي قويتين؟، بروز العضل هذا يكفي ).
(- مهما أصبت من صلابة الجسد، ستظل صلابة العزيمة هي شكيمتك مع الأيام ).
(= لقد قال لي حيدر الحمري، أنت أبنة السدر قوية وصبورة
و" فحلة "، علي وزن " بطلة " ).
(- لآ، هي وزن " بصلة " في هذه الديار التي أصبحت فيها الرجولة مثل القطار الذي يكنس الأناث فقط ولا يعرف أن يغير مساره، أصابه البهم لرائحة الأنثي التي بين مخالبه.. لن تنفعك البطولة يا صغيرتي.. تمسكي بقوة العزيمة واحتمال المبدأ.. وأنك قوية.. متي تريدين ممارسة أنوثتك فسوف تكون في مسارها الصحيح، وستدركين كم أنت إنسانة في كل الوقت ).
(- إذن علي أن أعلمهم كيف يعاملونني، وكيف يكون الحديث معي، والصداقة عندي موقف إنساني ).
(- وهو كذلك يا صغيرتي.. علي النساء أن يجعلن الرجل يقف أمامهن كإنسان وليس بطلا يحمل أسفارا من الأعضاء المختلفة عن أعضائهن، وليس فحلا لإشباعهن، وإنما إنسانا صدوقا ودودا وموقفا للحياة، تلك هي الرجولة والأنوثة الحقة.. ).
(- تعرفين؟، سأحفظ هذه الأمثولة جيدا ).
(- حفظك الله ).
توردت وجنتاها. دعوة ملأتها خفرا، تعالي معي أغني لك ملحمتي. في لحظة نادرة مشبعة بدخان البن المقلي، وهي تعد قهوتها، وبدت مع هفات نسيم العصر أليفة وممتعة تحت شجرة اللبخ المتوسطة الحوش الداخلي لسكن الطالبات. وحاجة ( آمنة ) تشنف أنوفهن، و ( رفقة )، بنت حمرية من بيداء دار حامد، تجر نمة جراري، تبحث عن رحط العفة المشقوق ومصقول من سيور جلود البقر، وأسمه ( حيدر )*.
( حجة آمنة )، المرأة التي تستطيع أن تقول عنها، إنها أمية، ليست ( متعلمة )، وعلي التأكيد، ليست ( مثقفة )، لكنها تحوز خبرات ودربة الحياة في تمظهراتها الواقعية، التي تعيشها يوميا، في ميادينها جميعها، برفقة الشابات، زهور الحياة ورحيقها، اللآتي في الأحلام والآمال التي تنشد البهجة والمسرات والجدوي، ( حجة آمنة )، إذن، وجه الحياة التي هي جدائل في اعناق بنات المدرسة التي تعمل فيها ( فراشة )، هي ملاذهن والحضن الرحيم الذي يزود عنهم ويبذل ( الأمان )، لهن، ويجنبهن قهر وعنف الرجال. ولا يفوتني أن أذكر أن في ( البستان )، مشاهد عديدة، وصورا شتي، عن ما في حياة النساء، وعلائقهن مع الرجال، في تلك البيئات التي يسود فيها ( القبح ) والعنف تجاه النساء، و ( التنمر ) عليهن، بأشكال مختلفة، وأبشع صورها، كما هي، في واقعهن، وهن يعشن تلك ( الظلامات )، بقوة عزائمهن، كما قالت بها ( حاجة أمنة ) بحق، ثم اتخذتها ( رفقة ) تميمة تسعي بها في حياتها كلها. أن تلك المحاورة التي جرت بين ( رفقة )، و ( حاجة آمنة )، كما رأيناها في المقتبس السابق، أظنني، قد رأيت أسماء عثمان الشيخ، عبر ما جعلته في ( البستان )، تحنو علي النساء، علي آلامهن، علي معاناتهن، علي ضعفهن جراء القمع الواقع عليهن، وأيضا، رأيتها، ترفض أن تكون مساهمتها النضالية/ الإبداعية، نسوية " حصرا "، ليس احتقارا لميدان النضال هذا، بل لأنها تعتبر أن أفضل خدمة يمكن أن تقدمها للنضال النسائي، هو تثبيت موقعها كقائدة للرجال والنساء معا، وفي ظني، أن نساء بلادنا فهمن ذلك واحببنها لذلك. ذكرتني، برغمي، حوارات ومشاهد ( البستان ) بما كتبته يوما روزا لكسمبورغ*:
( ... لا تتكلمي أمامي عن أولئك " الهستيريات "، يا عصفورتي الصغيرة، ألم تلاحظي أن أفضل النساء يعانين من نفس آلامك. أنظري إلي عيني " مرتا " المسكينة حيث يفيض ألم لا يوصف، وخوف مكتوم. الخوف من أن يكون، ستار العمر قد أسدل قبل أن تلمس وتتذوق الحياة الحقيقية. ولويز التي كانت عندما تعرفت عليها مختلفة تماما عما هي عليه اليوم. كانت صلبة، مكتفية، تكاد تكون قاسية، مكتملة. منذ ذلك الحين، غيرتها المعاناة، ومعاشرة أشخاص آخرين غير زوجها، فأصبحت حساسة رقيقة. أنظري في عينيها، كم أن فيها دهشة، قلقا، تلمسا وبحثا، وخيبات أمل مرة، وكل هذا هو ما تشتكين منه تماما.. لا أقول لك هذا لأحمل إليك العزاء التافه بأن آخرين يشاطرونك حزنك، أعرف أنه بالنسبة لكل إنسان، لكل كائن حي، فأن حياته هي الثروة الوحيدة التي يملكها. أن نهاية العالم تحل لدي كل ذبابة صغيرة نسحقها دون أنتباه. ففي العيون المنطفئة لهذه الذبابة، يبدو موتها وكأنه انتهاء لكل شكل حياة آخر. كلا، أحدثك عن سائر النساء، حتي لا تقللي من شأن ألمك، حتي لا تحتقرينه، حتي لا تسيئي فهم نفسك، وتشوهي صورتها في نظرك ). روزا التي كانت، دائما ما تقول، " أن نكون طيبين، طيبين بكل بساطة، هذا هو المهم )*. أسماء، فعلت شيئا غير قليل مثل هذا في ( البستان )، ولكن في بيئتنا، السودانية، بكتابة إبداعية، غير مسبوقة، لا في موضوعها، ولا بأشكال تنوع لغتها، ولا في جسارتها، وقوة بيانها، وجدة لغتها، وهي، جميعها، تتضافر لتضئ جوانب المسكوت عنه في شأن العلائق فيما بين النساء والرجال، وهل هناك قضية أنبل، وأكثر جدوي منها في مرحلة حياتنا ونضالنا هذه؟!
عن اللغة في ( بستان الخوف )
( كتال الكلاب،
دفاق مرايس الحلة
أب طاقية فزرا
أب قاشا في سدرا
الما بداوس إلا الما قدرا ! )...
- حكامة مسيرية تهجو الكجر -
بمثل هذه اللغة، والتي ظلت هي السيدة علي طول مسار البستان، وطرحت، بقوة، ضرورة وجدوي استخدامات اللغات المحلية جنبا إلي جنب مع العربية في تلازم حميم، هي، التي أعدها، من ضرورات اللغة المغايرة، لغة ( التغيير ) التي غدت هي السائدة، والمفتوحة كل آفاقها علي الحاضر والمستقبل علي حد سواء. ويمكنك أن تري، بوضوح جلي، حياة القلب البشري نفسه، حين يكون برفقة الوعي التقدمي، يكشفها، وينبض بها، هذه اللغة الفريدة المبتكرة. وهنا، يمكننا أن نقول، أن كل اللغات التي علي لسان شعوب السودان، علي تنوعها، والاختلافات التي تراها فيما بينها، لكنها، برغم ذلك كله، هي أيضا، عنصر توحيد مهم، وضروري، للوحدة التي تنشدها كل تلك الشعوب، وعلينا، جميعا، أن نشتغل علي ذلك الهدف السامي العظيم. تتم هذه المهام في تلازم ( حتمي ) مع مفردات وصور ومعان ودلالات اللغة في ( جديدها )، نعني أنها لغة تجري عليها، كما في الحياة، تغيرات جوهرية، أو لنقل بالأحري، تحولات تجعلها في المغايرة وغير المألوف. وبالتالي تضمحل وتزوي اللغة ( القديمة ) وتذهب في البياض. يقول درويش عنها:
( لا تَذْكُرِ الموتى، فقد ماتوا فُرادى أَو.. عواصمْ
سأراك في قلبي غداً, سأراك في قلبي
وأجهشُ يا ابن أُمِّي باللُغَهْ
لغةٍ تُفَتِّشُ عن بنيها، عن أراضيها وراويها
تموتُ ككُل مَنْ فيها وتُرمى في المعاجمْ
هي آخرُ النَّخل الهزيلِ وساعةُ الصحراءِ،
آخرُ ما يَدُلُّ على البقايا
كانوا، ولكنْ كُنْتَ وحدك
كم كنتَ وحدكَ تنتمي لقصيدتي، وتمدُّ زندكْ،
كي تُحوِّلها سَلالِمَ، أو بلاداً، أو خواتمْ
كَم كنتَ وحجكَ يا ابن أُمي
يا ابن أَكثرَ من أَبٍ
كَمْ كنتَ وحدكْ!....)*...
اللغة، مثلما الكائنات جميعها، تجابه، باستمرار، التطورات الهائلة التي تحدث في الكون من حولها، وفيها هي نفسها أيضا. فمن المعلوم أن العديد من الكلمات والألفاظ قد اضمحلت وذوت وذهبت إلي زوال، فاقتصر وجودها علي أن ( ترمي في المعاجم )، وحلت محلها أخري جديدة، كل الجدة، ثم أن الأمر نفسه قد حدث في الفنون جميعها، في القصة والرواية، وفي الشعر وسائر الآداب والفنون. وهكذا، يمكننا أن نري ذلك بوضوح في ( البستان )، حيث حفلت في كل متونها تقريبا بتلك ( اللغة ) الجديدة، المغايرة والمبتكرة. نلاحظ أيضا، أنها قد نطقت بها بيئات بعينها بين شعوب السودان.
و... كيف رأيتها في ( البستان )؟!
علي أية حال، فلست أري في ( البستان ) غير هذا الحب العميق للإنسان، ولكنه ملتبس بسبب ودواعي التناقض بين الاخلاقية/ الواحدية، والشبقية في تنوع اشكالها، وليس هذا فقط، ولكنها رواية إبداعية ( خاصة ) تمظهرت في هذه البنية التعبيرية المغايرة وقد تجلت علي طول مسارها. وهي، بجانب ذلك كله، ( رواية الشعر ) التي لا تعرف أحداثا متصلة متصاعدة، ولا تقوم بنيتها علي السرد التلقائي، الذي عرف فيما بعد ب ( التداعي الحر )، إنما تقوم علي شيئا غير قليل من الانطباعات المكثفة والتنقلات الحادة، وتتنوع اشكال حركتها، ولا يضمها نسق واحد سائد، وهي زاخرة بالأحداث أحيانا في تفاصيلها الدقيقة، تغمرنا الرواية بذكريات عن أمكنة وأزمنة عديدة في بلادنا، وبأحلام وأخيلة ووقائع، بصور من ماض قريب وبصور الحاضرأيضا، كل ذلك في اطار لحظات تاريخية أو وطنية أو اجتماعية أو نضالية أو عائلية.
ثم أن اللغة في ( البستان ) تكاد تقيم وحدتها الدالة، أو لنقل، هي دلالتها الموحدة، أقرب إلي الشعر المكثف، لآ، ليست اللغة فيه شعرا في المطلق، وأنما هي ( وجها ) للشعر، تنبع تعابيرها من لحظات حميمة، تجمع بين تجسيد الأحاسيس المرهفة، وعمق المشاعر والتأملات، لغة تتحرك، دائما، بين تناقضات ومتقابلات والتباسات، تشكل معا، وحدة الصورة التعبيرية. أنها، يمكنني أن أقول، هي رواية فداحة التناقض الجارح بين الحب المطلق المستحيل والحب المتحرر المنطلق بغير حدود. ثم أن ( بستان الخوف ) تذخر لا بأحداث الماضي وحسب، بل وأنما بأحداث الحاضر الذي تخيم عليه مآس وطنية واجتماعية شتي، بل تكاد، أحيانا كثيرة تتابع وتسجل، بالزمني الواقعي، تفاصيل بعض أحداث ومشاهد وصور ذلك (الوجود البشري) في علائقه الإنسانية، وأحيانا، تكاد تراها كتابة ذات طابع سردي نثري يحتفل بالواقع واليومي، وقد يقل الشعر دون أن يفيض أو يتلاشي، بل يتناثر ويبرز ويلمع هنا وهناك، ليواصل مساره علي طريق الحب الملتبس بين التباسات وتناقضات وصراعات الواقع، وأبدا لم يفقد هذا النص الجميل، في أعماقه البعيدة، رفيف الشعر.
في ( البستان )، توجد، في حديقة ( لغتها )، وردة كبيرة ذات عطر يفوح، حد يملآ فضاءات الكتابة كلها، فيجعلها في هواجس اللغة التي هي من جواهرها بالذات. هي، برغم تلك الرائحة، قلادة من تويجات اللغة، أعدها أهزوجة للعشق الفلاني، لافتة مثبتة في وسط حديقة ( البستان )، مكتوبا عليها، بخط أنيق جذاب
( وحواحة ) كوروس:*
( سارقة النفس يا بني دبيب حمي يي ي
وجابدة العصب وي حريق دمي يي ي
ليلك سلب مو نيي لحم سمي يي ي
نارك عصار الصي لهب فمي يمي يي ي
دواهو دل المي عطش يمي
وحواحة جمر الفي ضل نمي
سورج سراج الضي شم همي
تقومي تخبطي في دويدح طي يسو الكي
سراب يميي )
أبواب ونوافذ البستان
أما عن عناوين أقسام ( البستان )، فقد جعلتها المؤلفة علي نسق بديع، بتصميم أدبي رفيع، فكل قسم يحتوي علي عنوان دالا عليه وحده، بلون هو لون المشهد نفسه، يكاد ينطق ويؤشر إليك ليقودك إلي ردهات اللوحة واطارها وإلي سطحها وداخلها في آن. العنوان، دائما، يسبقه رقما يخصه هو ويتوقف ليريك أين أنت بالضبط من
( حديقة ) البستان، لنري، معا، هذه اللوحات وكيف جري إعدادها:
1: ويبدأ الخوف في الصراخ
2: نزهة العصا:
محضر إزعاج / إمضاء / قرد / بين الحديث والخفوت
3: ليلة المخاض فقد تاه ( حيدر ) وهطل المطر ( برهان )!
4: برهان
5: أغنية ملحمة السدر
6: الكرة.. النبؤة:
( وحواحة ) كوروس
7: برهان والجرح:
(1) في موقف العتمة (2) ثم التحدي عاكس المرايا (3) موقف النار
(4) خبرة دخلت غياهب النسيان (5) موقف الختم (6) رفقتي أرسلك الدواء
8: ليلة أختفي الكلام
9: علي سطح غيمة:
(1) عرس ومطر (2) دموع تماسيح (3) شفاه سوداء وخجل
(4) حمي (5) مياه غازية
10: اللحظة العارمة
11: الإذن باللا- عودة
12: يدان.. قدمان وأنثي
للعنوان الذي يكون في الكتابة، أي كتابة، أدبية كانت أو فنية، سطوة وسلطة علي النص، لكأنه الفنار الذي في البحار العميقة، ضوءا منيرا وهاديا يقود إلي حيث الأمان، يجنب النص التوهانات، ويجعل القارئ في أمان القراءة، وفي المراد المأمول، فيما يراد له أن يفهمه ويكون فيه. سبع وعشرون لوحة، هي جملة عناوين
( البستان )، أو لنقل أنها المشرعات في متن الكتاب، احتوتها 155 صفحة من القطع المتوسط، تقودك في دروب ومسارات موغلة في الغرابة والترحال فيما بين الأحداث والأفكار والوقائع والصور لن تراها إلا وهي بين الحجب والغمام والضوء الذي يضئ العتمات حيث تتجلي هنا أو هناك. للأحداث أزمنة تجري عليها، تسعي قليلا لكي تتعرف عليه، وهذا ( الغموض/ الواضح ) هو، في ظني، من تجليات الإبداع في لغة ( البستان )، ويمتد ذلك الزمان منذ بدايات السبعينات من القرن الماضي وحتي يوم الناس هذا. وستكون في متعة التأويل وأنت تتجول في تلك الحقب وهي في تحولاتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وستري و اقع ونضالات المرأة السودانية وهي تخوض معاركها في أتون وتقلبات تلك المراحل الزمنية. وأما المكان، فهو محدد في بلدان بعينها، فيما بين القاهرة وجدة، وأحيانا كثيرة تستطيع أن تدركه من مشاهد الوقائع والأحداث نفسها، حيث تري إشارات ورموز تدلك علي بيئتها التي نبعت فيها، فجعلتها في الجوهر من الصياغة وتعابيرها ولغتها، مفتاحا لا غني عنه لدروب ( البستان ) كلها، ولكن، وهذا من باب ( الخوف ) أيضا، هل من نجاة؟!، فالكتابة هنا، ليست بريئة علي أية حال. في مدينة جدة السعودية، يتمحور المشهد فيها، ويتسربل، في اختلاط مجرح، لكنه مضئ وذو لمعان ولغة، فيما بين تغيرات الطقوس المختلفات وتغيرات اللغة وتحولاتها، تغيرات في المعاني، ويبقي نبض القلب يبوح وينطق بالدلالات، والترحال، في ما بين الأزمنة والأمكنة، سائدا و ( مسيطرا ):
( مقلة، في زحام الشاطئ الآخر لقلبي، أخرجتني من دهليز النوم.. الذي وصلت إليه بعد معركة ضارية تمزقت علي أسنتها الحمقي طيور النوم المزيف. هي مقلة تدمع علي سنين في الفضاء قضيتها بين غيمة ذائبة ورعدة شاردة وبرق يشطرني بالانصهار.. وأتوجس من خيفته وأدعو ربي أن يستقر بي مقام في أرض الحبيبة السودان. كان ذلك الهاجس المتداعي يتساقط علي اشلائي في غرفة فندق الحمراء الفخم بجدة.. يهزني حيث وقفت علي جدار النافذة المطلة علي باحة خضراء بجهد أغالب نعاسا تعرف علي بقية جسدي.. أقف لحظتها مواجهة لمدينة تدخل النخاع من شدة تنسيقها وحضارة مبانيها وشوارعها المزروعة إسفلتا وأنوارا وعلامات تجارية تزدحم بها لدرجة الحذر في عالم ليس لنا علي الإطلاق.. غرباء.. غرباء نسكن مجرة العدم، نسير الوراء علي درب التبانة.. عندما رن جرس الهاتف يدعوني إلي الإبحار مرة أخري خارج النوم إلي السحاب.. اشمأز مني خيالي وهو يصفعني ليقول لي: لماذا لا تتركيني أمرح في طاسة رأسك قليلا.. لتمارسي مرضك بالسفر. ثلاثة زجاجات مياه معدنية وكم زجاجات مشروبات غازية.. لدهشتي فاتورة غريبة الأرقام، دفعت كل ما لدي وخرجت خالية الوفاض، يا إلهي كل هذه الغازيات؟، هل هي فعلا في جوفي؟، أم هو ظمأ جزلاني عن الريال السعودي؟.. لم أفق لحظة حتي أشرب هذه الكمية. عدت إلي الغرفة ثانية واستلقيت علي السرير الوثير.. )*.
في هذه الرحلة إلي جدة، التي لا نعرف لها هدفا إلا (التيه ) الذي في ( مدن الملح ) الذي قال به عبد الرحمن منيف، حيث وظفت أموال النفط الهائلة في تشييد العمارات والعقارات الشاهقة التي شيدها ( الخواجات ) أحيانا، علي النسق الإسلامي، لكنه علي الرؤيا والنسق الذي في عيون وثقافة ( الكفار )، وأهل الديار بها معجبون وقانعون، لكنهم، جعلوهم يشيدوا لهم مراتع لهوهم ولذاذاتهم ومجونهم، ولم يألوا جهدا في زراعة وتنسيق الحدائق والشوارع، تماما مثلما رأتها ( رفقة ) وهي تتجلي لها من علي شرفتها في
( فندق الحمراء)، ولك، أن تمعن التفكير والتأويل في تسمية الفندق بجدة، حتما، سيأخذك إلي ( شارع الحمراء ) في بيروت، وإلي
( الساحة الحمراء ) و ( الميدان الأحمر ) في كل من موسكو وبكين. وفي جدة، لكن ( رفقة ) لم يبهرها ذلك العمران والخضرة التي تحف بها والشوارع الوسيعة النظيفة، فقد جردتها ( الرأسمالية ) النفطية من ما في ( جزلانها )، فجعلتها تسرع إلي التجوال، ولكن إلي أين؟!.
أما في القاهرة، فالوجود نفسه يخيم علي روح ( رفقة ) فيوردها إلي ( المتاهة ) ودواماتها التي تجعلها في دائرة الضياع، قريبة إلي العدم وإنتهاء الرجاء الذي نشدته وهي تبحث عن رؤاها التي علقتها، منذ أمد بعيد، علي عنق ( برهان )، وخدينه ورفيقه (باهي)، وفي القاهرة، وقد عشقتها في السابق من حياتها، فقد أصابتها بألم الفقد وتيه الضياع، تري هل ضاع الأمل عنها أيضا؟!
عند الجسر كان مشهد ( اللحظة العارمة )، وكانت فجيعتها وضياعها، وأصابها الفقد بسهم جارح، محرق لروحها، كاسر لعزيمتها، والمدينة ليست تسامحها، ليست رحيمة بها هذه المرة:
( جاء الشيخ يدب علي عكاز معكوف.. صوت من أعماق بعيدة.. ينادي.. ينادي:
(- رفقة طال البحث.. واكتهل الانتظار واليوم أتي العجز منتصرا.. لن تجديه!!).
(- أهو القرار الأخير؟ ),
(- لعل القاهرة خجلة مني، فقد كنت عشيقها طوال غيابي القسري عن مشهد الاحتدام ).
(- لا، فقط أرجوك لا تعاتبيها، لكم هي مدينة لك، لقد حافظت لك علي إخلاصي التام لعشقي وعشقنا. ألم تخونيها مع مدينة الضباب؟).
(- أواه!، ستكون لقاءاتنا علي ظهر ذلك الجسر.. دعني أعانقك
وداعا... ).
بدأ الليل متثائبا حينما باغته الفجر، و ( رفقة ) علي مرقد غيمة رمادية تنذر بالهطول.. حينما بدأت تزيح عن وجنتيها رذاذ المطر كان غطاء أبيض يلفها علي سطح من أربع، فقد كانت مياه الجسر باردة برودة جسدها الجميل.. )*.
هنا، في القاهرة، وفوق الجسر، يبدو لنا أن ( رفقة ) قد ضاعت إلي الأبد في مياه النهر، وذهبت إلي حيث البياض، ولكن، وردا علي سؤالنا في السابق، نقول، نعم، دائما هنالك أمل، ويبدو لنا أيضا، أن الحلم لديها، قد حاز الخلود، في رفقة حياتها بالذات. فتعود لتطلع من وسط هواجس الموت وهذياناته المحرقة، فتري ( برهان ) صار مرتاد الحانات، يعب الخمر ويعلن موته وبيئته المظلمة التي صار عليها، حتي إنها غدت تخافه، ويدخل خوفها إلي ( البستان ) فيكسو حديقته باللون الأصفر، وتتحول الألوان، في تجلياتها المتحولة، من الأسود الذي هو من ظلمات ( برهان )، إلي أصفر هواجسها بالموت والضياع، ثم إلي الإصفرار الذي صار عليه ( البستان ). برغم ذلك كله، فان الأحلام هي أحلامها التي شبت عليها وجبلت، والأمل يرافقها لا يزال، برغم قسوة الأيام عليها و( الذكور )!
شعرية اللغة في ( البستان )
كنا قد ذكرنا فيما سبق من هذه الكتابة، أن هنالك حساسية شعرية، رقيقة الحاشية وذات هطول، مثلما رذاذ المطر الخفيف، تتنزل، في مواضعها الملائمة، بانسجام رحيم، علي لغة السرد، فتزداد شفافية واناقة ورقة، وتكاد تري ذلك علي جميع وجوه الكتابة في (البستان). وتلك، في ظني، تعد من التقنيات اللغوية التي تجعل للمعاني دلالاتها وشروقها.
علي أن الشعر في هذه ( الرواية )، ليس في النسيج فحسب، وإنما هو كذلك في الرفيف الإنساني البالغ العذوبة والرقة والرهافة وما يؤشر إليه من مشاهد الحياة وأحداثها بكل ما فيها من جراح غائرة، وتساؤلات حميمة، تجمع بين الاحساس بالقهر والظلم والقسوة والتطلع إلي أفق كتابة مغايرة. ويتبقي أن نقول في هذا المنحي، أن ( الرواية ) مكثفة بأحداثها، مكدسة بشخصياتها، متشابكة باوضاعها، أنها، إذن، حقل بكر تجري فيه هذه المصائر وما يكتنفها من اضواء وإشارات ورموز وامثولات، هي جميعها تشكل لحمة وسداة النسيج السردي كله، بما تمور به حركة البشر، وشخوصها تحديدا، وهي تخوض في بلبال الحياة بكل تمظهراتها، في اطماع البشر وتطلعاتهم ومواقفهم. وهكذا، نستطيع أن نقول، أن
( البستان ) تحتوي رؤية أفقية عريضة تكاد تراها منحصرة في مكان وزمان محدد، ولغتها نفسها ( أفقية ) يغلب عليها السرد الذي ينتقل بنا بين المساحة المكانية المحددة، والمساحة الزمنية المحددة، ويتابع السرد، يصف ويسجل، وأن تحول السرد إلي غنائية عميقة، كما في ( رفقتي أرسلك الدواء )*، وإليك مجتزأ مما جاء في تلك المناجاة التي أسميتها شعر الروح:
( يا قلب:
تقلب في سطح الصوت الرنين
تحت صاج الشوق الأسير
من سجن ومن صد ومن أرق.
تفيأ سعير النجاة، كم يهمي عليك التوق يا سهر
المراجل القلق.
ليتني ألقاك اللحظة:
فيختلج الصوم بالعشق
وتدور رحي النزقات سجالا
لطفا!!
فما خبب المطايا الشهب من فرق
وما لصهيل الروح أفراس تلجمها يا وصيف الطل
الندي من طلق,
يدميني طيفك، يعبر الإصباح شهاب
ينشر عطر الورد والإعسال وسيل البلج من فلق...
( لكأني بك في أحضان الغربة
تطارح عزلتك وعزلتي
الهيام )... ).
ويكاد هذا التعارض، فيما بين السرد الوصفي للأحداث من ناحية، والغنائية التي تضفي علي الكتابة سمات الشعر من ناحية أخري، أن يشكل الدلالة المتميزة، والمبتكرة لهذا العمل الجميل. والحال كذلك، فيمكننا أن نري أن الرواية الحديثة، نعني رواية ( التغيير ):
( أصبحت تاريخا متخيلا ذا زمنية متميزة، خاصة داخل التاريخ الموضوعي ذو العلاقة الوشيجة مع يوميات الواقع الراهن. لم تصبح مجرد سرد أدبي للتاريخ الموضوعي في بنيته الحداثية الخارجية، بل أصبحت التاريخ الإبداعي الوجداني العمقي المتخيل لهذا التاريخ الحدثي، الذي يتجاوز هذه المظاهر الحدثية الخارجية ليغوص في أعماق ما يدور في ما وراء، وفي باطن، وفي ما بين الأفراد والجماعات والطبقات والأحداث والوقائع الجزئية والعامة، الذاتية والجماعية، ومن مشاعر وهواجس ورغبات وتطلعات وارادات وأيديولوجيات وأفكار وقيم ومواقف ولغات وتناقضات وصراعات وأزمات ومؤامرات وتدخلات وتميزات وعوامل وأسباب وشروط وأوضاع نفسية واجتماعية وقومية وعالمية وكونية ومكتشفات جغرافية وعلمية وتكنولوجية وإمكانيات وتجاوزات ظاهرة أو كامنة، وما يجمعها وما يفرقها من أزمنة وأمكنة ومصالح. وهكذا أصبحت الرواية هي التاريخ الإبداعي المتعدد المستويات والأبعاد الوجدانية والمعرفية للتاريخ الموضوعي نفسه)*.
علي التأكيد، ليست هذه خاتمة للكتابة عن ( البستان )!
نقول، بإطمئنان كبير، أننا لن نختم ( حوارنا ) بهذه الكتابة عن
( بستان الخوف ). فهنالك الكثير الذي يجب أن يقال عند تناولنا لهذا العمل الكبير. فعند عرضي لهذه الكتابة علي الأستاذ ميرغني ديشاب، اقترح علي أن أستمر في الكتابة لتكون ( كتيب ) عن هذا العمل الإستثنائي غير المسبوق، في الشكل والمضمون وفي التناول اللغوي علي مستوي الوقائع والأحداث والصور، في رحابتها الممتدة وفي دلالاتها المبتكرة، ثم في إشاراتها الدالة علي ما في حياتنا ووجودنا نفسه. ولربما أفعل لو أعطينا العمر.
وثمة، ملاحظة هنا، رأيت ضرورة ايرادها، لأجل توضيح ما درجنا علي القول به في سابق هذه الكتابة. فقد أشرنا، في عديد المرات، إلي ضرورة أن يتناول العمل الروائي، كما في سائر ضروب الإبداع، البيئة ( الواقعية ) التي يقف عليها العمل الروائي، وقلنا أن
( بستان الخوف ) استندت عليها وتجاوزتها، تجاوزتها لتكون في غير السائد، بل في ( المغاير ) للسائد نفسه. هذا الذي نقول به، هو ( تجاوز )، وأحيانا يكون في لبوس ( الخيالي )، لكنه، هو الواقعي في سمت ( جديد ) مبتكر. ونعلم بالطبع، مع كثر غيرنا، أن الواقعية في سمتها الذي عرفت به منذ أوائل خمسينيات القرن الماضي، قد اضمحلت وذوت ولم يعد لها من وجود إلا في تاريخ الأدب وكلاسيكيات الأعمال الأدبية والفنية، في مجالات الدرس والبحث الاكاديمي. لهذا، فالواقعية التي نري ضرورة وجودها في الأعمال الأدبية والفنية علي حد سواء، هي التي نعني بها العلاقة الحميمة مع الواقع اليومي من حياة الناس، ومع تجليات الكوني في مجالات العلوم والتقنية ومع القيم الإنسانية في حقولها ووجوهها جميعها.
إذا أردنا أن نكون أكثر تحديد ووضوحا حول هذا الأمر، لربما يلزمنا أن نميز، بشكل قطعي، فيما يختص بالأداء، والأدوات هنا، بين ما له علاقة أكثر بالذات من جهة، وما يعود علي المجتمع من خلال الموقف الروائي للكاتب/ة من جهة ثانية، كما يمكننا، بالطبع، أن نتحدث عن الريادة ومسؤولية الثقافة، ووسائل وأدوات التغيير، اللوجستية والفكرية، وتفاؤلية الشخصية المحورية في العمل الروائي، من ناحية فعاليته وإيجابيته، نعني الكائن الذي تتمحور حوله الأحداث والوقائع أيا ما كان، تلك، في ظني، من ضروريات العمل الروائي وجوهره. لأن: ( وظيفة الأدب والرواية بالذات، ليست وظيفة السيف أو الفأس أو البندقية، أنها وظيفة تحليل وتركيب وتعبير، وظيفة وعي وتشريح للوعي ونشر للوعي، وطبيعة تعرية وتجسيم، وظيفة تسجيل وشهادة...
إنها دائما ليست وظيفة السيف أو الفأس أو البندقية.
أتكون أقل من ذلك؟ ممكن.
أتكون أكثر من ذلك؟ محتمل.
والواقع المؤكد أنها غير ذلك )*.
ولا أظنني أجانب الصواب لو ذكرت أن نفس هذا النهج، في النظر والتحليل وتحديد الموقف وتفعيله للتنفيذ، ينطبق علي القضية الساخنة جدا في واقعنا السياسي اليوم، نعني قضية ( المناهج التعليمية ) وتجلياتها، وتداعياتها ومآلاتها التي وقفت عندها، لتستنهض قوي الثورة والإستنارة لتكون، جميعها، في مواجهة الهوس الديني والسلفية الدينية، مسنودة ب ( هلامية ) المواقف منها الذي صار ديدن حكومة الإنتقالية، أليس المطلوب، الآن، أن يكون التعاطي معها بالفكر المبدئي الثاقب، بصلابة وجسارة تخرس
( الفلول ) وتدحرهم كما فعلت ثورة ديسمبر العظيمة؟
هوامش:
--------
* ( بستان الخوف )، أسماء عثمان الشيخ/ دار أوراق للنشر والتوزيع، ط.أ. سبتمبر2015م.
* محمد برادة: ( الرواية العربية، واقع وآفاق )، دار أبن رشد للطباعة والنشر، ط. أولي 1981م، ص ( 12 ).
* ( بستان الخوف )، بمثابة أهداء في أول الكتاب.
* ( كتاب المخاطبات )، محمد عبد الجبار بن الحسين النفري )، مكتبة المتنبي بالقاهرة/ مطبعة دار الكتب المصرية، مارس 1934م/
ص (69).
* ( دوائر الخوف، قراءة في خطاب المرأة )، نصر حامد أبو زيد/ الناشر المركز الثقافي العربي بيروت/ ط. أ.2014م/ ص (131).
* الأعمال الكاملة، أمل دنقل/ منشورات مكتبة مدبولي بالقاهرة 30/12/198م، قصيدة ( فقرات من كتاب الموت ) / ص (159).
* نلاحظ هنا، بدهشة المسافة التي هي بين زمنين، تري هل كانت المؤلفة تحدس أم هي شيئا من النبوءة، ذلك فيما يختص بتسمية
( برهان ) الذي له في أيامنا حشد من الإنتقادات والإدانات لمواقفه التي هي، في جملتها، علي الضد من أهداف ثورة ديسمبر2018م. إذن، تري، لماذا جعلته المؤلفة، بمحمولاته تلك، أسما لحبيبها علي طول الكتاب، برغم أن الكتاب طبع في نسخته الأولي ونشر في سبتمبر 2015م، قبل أن أن يتسيد عسكر البشير بسنوات، لربما هو ( حدس ) الفنانة العظيمة؟!!. ( بستان الخوف )، ص (9/10).
* ونلاحظ أيضا، الدلالة التي تجعلنا في تأويل تاريخ اللقاء في موضع إنقلاب يوليو 1971م وتداعياته الدموية، إحالة، لا شك، لتلك الأحداث وتجلياتها في الواقع السوداني. ومن هنا بالذات، ما نظنها إنها إحالة لمواقف سياسية. ( بستان الخوف )، ص (10).
* ( دوائر الخوف ).
* ( بستان الخوف )، صفحتي (13/14).
* ( شهادة كاتبة ضمن فعاليات جائزة الطيب صالح للإبداع الروائي)
2 فبراير 2014م/ ستيلا قايتانو/ مجلة كرامة العدد الرابع، مارس2015م، ص (150/151).
* ( نبضات من التجربة الروائية الشخصية )، خناثة بنونة/ من كتاب ( الرواية العربية واقع وآفاق )، دار أبن رشد للطباعة والنشر/ ط.أ.1981م، ص (352).
* ( بستان الخوف )، صفحتي(70/71).
* ( رسائل حب )، روزا لوكسبورغ، ترجمة نهلة الشهال/ دار أبن خلدون، بدون تاريخ/ ص(9).
* المصدر السابق، ص(10).
* مجتزأ من ( مديح الظل العالي )، محمود درويش.
* ( بستان الخوف )، ص(91).
* ( بستان الخوف )، تحت عنوان( مياه غازية )،
ص( 131/132 ).
* المصدر السابق، تحت عنوان ( اللحظة العارمة )، ص(125).
* المصدر السابق، تحت عنوان( رفقتي أرسلك الدواء )
صفحات (109/110).
* ( أربعون عاما من النقد الموضوعي )، محمود أمين العالم/ دار المستقبل العربي1994م، ص(16).
* ( الواقع والواقعية الروائية )، مبارك ربيع، مقاله في كتاب:
( الرواية العربية، واقع وآفاق )، سبقت الإشارة إليه، ص(89).
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.