تحتاج البلدان الساعية نحو التحديث والديمقراطية الي جانب الاحزاب ومنظمات المجتمع المدني،الي شخصيات ذات رؤى وحكمة وبصيرة تقوم بضبط ايقاع حركة الدولة والمجتمع والسياسة.ومثل هذه الشخصيات يفترض فيها أن تمتلك الكفاءة والأخلاق والضمير والموضوعية المتجردة. ويمثل هؤلاء في مجتمعات مثل السودان،أهم مكوّن وضامن لسير الأمور ونجاحها.ولقد دأبنا علي تسمية هؤلاء بالشخصيات "القومية". وهو تعبير فضفاض ومراوغ وقادر علي توجيه الموصوف وقولبته ،لأن الاوصاف وسمات الشخصية متغيرة دوما. وفي بلد نزاعي وانشطاري مثل السودان،يزداد الطلب علي مثل هذه الشخصيات للتدخل.ولكن الصعوبة هي في الحصول علي مثل هذه الشخصية في بلد تعمل فيه القوى السياسية من المرحلة الثانوية علي "تجنيد" الطلبة.وكثيرا ما يدمغ المستقلون بصفات سالبة،ولذلك يكاد أن يكون من المستحيل وجود مثل الشخصية الصافية من شوائب.وبالتالي تتميز الشخصية "القومية" بقدرة فائقة علي التقية وعلي اخفاء الميول أو عدم التعبير.وفي فترة الحركة الوطنية كان الجو العام يسمح بالتسامي رغم هوس الخريجين بالتشرذم بدءا من الشوقية والفيلية.ولكن ظهرت شخصيات رغم حزبيتها كانت ذات رؤية قومية مثل شيخ الخاتم والشنقيطي.ومن بعدهم صار أي حديث عن شخصية قومية مجروحا،ويقف المشير سوارالدهب دليلا ناصعا علي القومية المظلومة. كان من انجح حيل المؤتمر الوطني الاتيان بأبيل الير رئيسا للجنة الوطنية،وقد تم استغلال الأسم وعصره تماما. فقد كان الرد جاهزا حين يتشكك الناس في حياد وهو ان اللجنة علي رأسها شخصية مشهود لها بالنزاهة والموضوعية! وهل يكفي التاريخ دائما في شرح المواقف الراهنة؟ما يؤلم هو صمت الير وترك للآخرين حق الكلام والتصدي والتبرير غير الصادق في كثير من الاحيان. لقد اقسم الير علي اقامة انتخابات حرة ونزيهة. ولكن القاضي المحترم اختفي طوال الوقت وترك المجال لحكم في كرة القدم. فقد تم ابتذال كلمة "فني" واخطاء فنية،ولم نعد نسمع كلمة قانوني أو قانوني. أن يسقط اسمي من الكشوف كيف يكون ذلك خطأ فنيا وأنا قد فقدت حقي الذي كفله لي الدستور في اختيار من يشرع نيابة عني؟ وقد سمعت في احدي المرات عضوا في اللجنة يقول من الممكن أن يصوت طفل في السابعة حتي ،طالما لم يطعن في تسجيله. ولم يعلق القاضي علي ذلك.فهذه اخطاء فنية لا صلة لها باحقاق الحق وقوة القانون في عملية يتوقف عليها مستقبل وطن.ورغم الحديث المستمر عن قانون الانتخابات الا أننا عرفنا قانونا خاليا من المحاسبة والعقوبة والادانة،فكيف يكتسب الاحترام والنفاذ؟ اكتسبت الجنة الوطنية للانتخابات صفات اهل الجبهة الاسلامية رغم أن بعضهم لا صلة له بالجبهة.واعني صفة "الصهينة" وعدم الاكتراث لما يقوله الناس.وهذه الصفة مهمة في العمل السياسي لأنها تجنبك التردد وعدم الحسم،فلو كنت حساسا وتراجع نفسك وتندم،سوف يصعب عليك اتخاذ القرارات اللئيمة.فهذا الجلد التخين ضروري عند القيام بمهام مثل تلك التي تكفلت بها المفوضية.مما يحمد للسيد الير أنه ترك عبء التبرير لزملائه فهو –كما يبدو- يستحي وتظهر له الاشياء صعبة علي المنطق.وهذه افعال لها رجال يلعبون بالبيضة والحجر.واذ لم ينك صمت الير "صهينة" فهو ابلغ الكلام.وقد تكون دهشة من الرجل،فهو لم يتصور أن تبلغ الجرأة مثل هذا الحد. يكاد الكل يجمع أن الانتخابات لم تكن بعيدة عن حالات التزوير،وأنها قد تعرضت للكثير من الخروقات التي تشكك في نتائجها.وهنا يهمني ضمير القاضي ابيل الير والذي ظللنا نشهد له بالنزاهة والكفاءة والصدق:هل يريد أن يلقي بكل ذلك التاريخ المضئ في الوساخ وتهم التزوير؟لماذا لا يعلن موقفا يبريء نفسه وينقذ سيرة عظيمة عطرة؟هل تتذكر ياسيدي العزيز قول السيد المسيح في هذه اللحظات:ماذا يكسب الانسان اذا كسب الدنيا وخسر نفسه؟خاصة وانت الذي كسبت من قبل نفسك والدنيا ومعها احترامنا وحبنا. ليس من السهل علي المرء دمغ الير بالصفات المجانية واطلاق النعوت الردئية والمهاترة.ولذلك ابحث عن العذر فقد يكون عامل السن والزمن جعل الرجل لا يحسن تقدير الامور بصورة جيدة احيانا. ولكن من الواجب – مهما كانت الخلافات أو المصائب ،أن ننصح الرجل.فمن عدم المرؤة اهمال امثال الير وتجاهله،فالرجل جدير بأن يختم حياته العملية –ونتمني له طول العمر- بنفس الكرامة والاجلال والتقدير.وقد كنت يا سيدي العزيز أول من اشتكي من نقض العهود والمواثيق.والآن تنقض عهدك بأن ترعي – من اجل الشعب السوداني – انتخابات حرة ونزيهة.ويجب الا يجرفك تيار الاعلام والتهريج والصخب،ثم تندم علي مشاركتك في مسرحية لا تليق بالعمالقة والنبلاء امثالك. اظنك رايت – ياسيدي - كيف يستقيل اصحاب الضمائر اليقظة حين تورطهم الظروف أو سوء التقدير في مواقف حرجة وضيقة.فهم يواجهون انفسهم قبل ان يواجهوا شعوبهم.وبكل فروسية وشجاعة مضيفين لعظمتهم عظمة اخري،هي فضيلة الاقرار بالخطأ وعدم المكابرة والخوف من مواجهة الذات.وقد راجت اخبار باستقالتك قبل مدة وحمدت الرب .وقلت لحق الير نفسه قبل أن تهلك في الغش والتزوير الممكن،حينذاك لم تبدأ عملية التصويت.ولكن يبدو أنه تمت محاصرتك وعاد الرجل الطيب المجامل عن قراره.ثم اغمض القاضي الفاضل عينيه خاصة وقد اصمت الاصوات العالية اذنيه،واصبح ماشيا في ليلته الظلماء.وكثيرا ما اظن أن الرجل في حالة لا يحسد عليها ،خاصة إذ كان ذلك الرجل القديم. أشد ما يؤلم في محنة الير أنه يبارك عملا غير مقدس لا يهمه مباشرة.وأن العمل بدأ خطيئة واحتاجت لمثل الخاتمة التي يقوم بها الير.فالمؤتمر الوطني يجادل بأن الاحزاب تهربت من الانتخابات رغم علمها بأن بدايتها كانت منذ توقيع الاتفاقية عام2005 وهي ليست مفاجأة.ولو كان الأمر كذلك فلماذا لم يهيئ المؤتمر الوطني من حينها الاجواء للتنافس الحر بتعطيل القوانين المقيدة للحريات وساوي في الفرص ؟الانتخابات ليست مجرد أن ترمي بورقة داخل صندوق الاقتراع. واكتفي الير بلعب دور أن يعطي الانتهاكات المستمرة منذ التوقيع علي الاتفاقية،شرعية ويباركها باقتراع جاء معيبا تماما. كل الذي اتمناه الا نفقد رمزا عظيما وبلا مقابل.مازال في مقدور الير الا يخذل اصدقاءه ومحبيه والا تغره كلمات كاذبة تنتظر نهاية الصلاحية لكي ترمي بالفاضي دون ندم.