مجلس الوزراء يعلن ترحيبه بالبعثة الأممية للسودان    القوات المسلحة تؤكد حل الدفاع الشعبي    كَيْفَ نَحْمي السُّودان من أخطار سد النهضة ؟! .. بقلم: د. فيصل عوض حسن    مسامرات زمن حظر التجوال .. بقلم: عثمان أحمد حسن    المراية .. بقلم: حسن عباس    قون المريخ والعنصرية .. بقلم: إسماعيل عبدالله    تكامل الأدوار في محاربة مافيا الفساد .. بقلم: نورالدين مدني    "أحمد شاويش." ذلك العبقري المتواضع ... بقلم: مهدي يوسف إبراهيم    وزارة العمل والتنمية الاجتماعيّة تسلّم كروت الدعم النقديّ لعدد من الجمعيّات النسائيّة    المباحث تلقي القبض على قاتل ضابط الشرطة بولاية شمال كردفان    نحو صياغة برنامج اقتصادي وطني يراعي خصوصية الواقع السوداني .. بقلم: د. محمد محمود الطيب    أنا والفنان حمد الريح .. شافاه الله !! .. بقلم: حمد مدنى حمد    حول نقد الإمام الصادق للفكرة الجمهورية (2-4) .. بقلم: بدر موسى    أخطاء الترجمة: Bible تعني الكتاب المقدس لا الإنجيل .. بقلم: عبد المنعم عجب الفَيا    ترامب يتشبه بالرؤساء العرب .. بقلم: طه مدثر عبدالمولى    ذكريات وأسرار الحركة البيئية العالمية ومصائر الدول النامية .. بقلم: بروفيسور عبدالرحمن إبراهيم محمد    باتافيزيقيا السّاحة الخضراء (1) .. بقلم: عوض شيخ إدريس حسن /ولاية أريزونا أمريكا    الدولة في الاسلام مدنيه السلطة دينيه اصول التشريع متجاوزه للعلمانية والثيوقراطية والكهنوت .. بقلم: د. صبري محمد خليل    قانون لحماية الأطباء فمن يحمى المرضى ؟ .. بقلم: د. زاهد زيد    الفقر الضكر .. فقر ناس أكرت .. بقلم: د سيد حلالي موسي    التعليم بالمصاحبة ( education by association ) .. بقلم: حمدالنيل فضل المولي عبد الرحمن قرشي    إحباط تهريب مصابين بكورونا من البحر الأحمر    الشرطة تنفذ حملة لمواجهة مخالفات الحظر الصحي ومعتادي الاجرام    كل ما هو مُتاح: مناعة القطيع .. مناعة المُراح .. بقلم: د. بشير إدريس محمد زين    موسى محمد الدود جبارة : مداخل ونقرشات علي حواف بيان اللجنة الاقتصادية للحزب الشيوعي السوداني    حملة لتوزيع غاز الطبخ في الميادين العامّة بولاية الخرطوم    خالد التيجاني النور يكتب :السلام المختطف    إحالة ملف متهم بقتل وكيل نيابة إلى الجنائية ببحري    اعتراف قضائي للمتهم الأول بقتل شاب    الغرامة لشاب ادين بتعاطي المخدرات    ترامب يهدد بتعليق عمل الكونغرس لإقرار التعيينات التي يريدها    كورونا في ألمانيا.. 2866 إصابة جديدة والعدد الكلي يتجاوز 130 ألف إصابة    حمد بن جاسم يكشف "الدروس المستفادة" من الوباء الذي يجتاح العالم    مدثر خيري:الاتحاد العام ليس الجهة التي تحدد بطلان جمعية المريخ    الكاردينال ينصح (الكوارتي) بخدمة اهله واسرته    الاتحاد السوداني يطبق الحظر الكلي    لجان مقاومة القطاع الاقتصادي تتمسك باقالة وزير المالية    تحديد (7) ساعات لتحرك المواطنين أثناء أيام حظر التجوال بالخرطوم    عبد الباري عطوان :ترامب يعيش أسوَأ أيّامه.. وجشعه الاقتصاديّ حوّله إلى مُهرِّجٍ    البدوي: زيادة الأجور للعاملين بنسبة (569%)    مشاركة المطرب...!    الناطق باسم الحكومة الفلسطينية: تسجيل 10 إصابات جديدة بكورونا    مجمع الفقة: لا تمنع صلاة الجماعة والجمعة إلا بوقف التجمعات    توتنهام يتدرب رغم الحظر    نصر الدين مفرح :نحن نتابع كل التّطوُّرات ولن نتوانى في منع إقامة صلوات الجماعة    أمير تاج السر:أيام العزلة    ردود أفعال قرار كاس تتواصل.. إشادات حمراء وحسرة زرقاء    «كاس» توجه ضربة ثانية للهلال وترفض شكواه حول النقاط المخصومة بأمر الفيفا    البرهان يتلقى برقية شكر من ملك البحرين    البرهان يعزي أسرة الراحل فضل الله محمد    5 ملايين درهم جائزة "الأول" في مسابقة "شاعر المليون"    ميناء بورتسودان يستقبل كميات من الجازولين    وزير الري يتعهد بتأهيل مشاريع الأيلولة بالشمالية    لجنة التحقيق في أحداث "الجنينة" تتلقى شكاوى المواطنين    برلمان العراق يصوت على إنهاء تواجد القوات الأجنبية    إيران تهدد بالرد على مقتل سليماني    الإعدام شنقاً ل (27) شخصاً في قضية المعلم أحمد الخير    حريق محدود بمبني قيادة القوات البرية للجيش    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





تحفيز العاملين : نحو مناهج إسلامية لإدارة الموارد البشرية
نشر في سودانيل يوم 19 - 06 - 2010


د عبدا لرحيم عبد الحليم محمد*
من يتتبع تطور نظريات القيادة الإدارية في مناهج الإدارة والقيادة والسلوك التنظيمي الغربية ليلحظ مرور هذه النظريات عبر تطور يرمي إلى استجلاء ظاهرة القيادة ومفهومها وتعريفها فمن تمركزها حول نظرية الرجل القوي ذي السمات الجبارة The Great Man في التأثير على الآخرين وعلى صناعة وتنفيذ الأهداف التنظيمية ، إلى تطورها الذي تمحور حول المهارات skills والقائل بأن القائد الناجح ليس ذاك الذي يولد بجبروته وقوته وإنما بمهاراته المكتسبة ، ثم مرحلة الأنماط القيادية Leadership Styles والتي تتطلب من القائد الناجح ممارسة النمط القيادي الملائم للحالة الملائمة ، ثم الإدارة الموقفية Situational Leadership والتي تقول بأن المواقف هي التي تحدد السلوك القيادي فاختلاف المواقف يتطلب تغيير أسلوب القيادي حتى تتلاءم مع متطلبات الموقف ومن ثم تشعبت فصول وتجليات الإدارة الموقفية فصرنا نلحظ بروز الإدارة التحولية Transformational Leadership وتسعى القيادة التحويلية إلى النهوض بشعور التابعين وذلك من خلال الاحتكام إلى أفكار وقيم أخلاقية مثل الحرية والعدالة والمساواة والسلام والإنسانية. فسلوك القيادة التحويلية يبدأ من القيم والمعتقدات الشخصية للقائد وليس على تبادل مصالح مع المرؤوسين. فالقائد التحويلي يتحرك في عملة من خلال نظم قيمية راسخة كالعدالة والاستقامة، ويسمى تلك القيم القيم الداخلية. والقيم الداخلية قيم لا يمكن التفاوض حولها أو تبادلها بين الأفراد. ومن خلال التعبير عن تلك المعايير الشخصية يوحد القائد التحويلي أتباعه ويستطيع أن يغير معتقداتهم وأهدافهم. وقد تم التمييز بين نوعين من القيادة الإجرائية والقيادة التحويلية. فالمبدأ الرئيس لنمط القيادة الجزائية تبادل المنافع بين الرئيس والمرؤوس. حيث يؤثر كل منهما في الآخر وذلك بأن يحصل كل من الفريقين على شي ذو قيمة. وبعبارة أخرى، فالرئيس يقدم للمرؤوسين شيئا يريدون الحصول علية على سبيل المثال، زيادة فى المكأفات وفى المقابل يحصل الرؤساء على أشياء يرغبون بها كزيادة الإنتاجية على سبيل المثال . ثم جاء طور نظرية الذكاء الوجداني Emotional Intelligence . ان نظرية الذكاء الوجداني Emotional Intelligence والتي تعتبر بحقيقة مشروع النهضة بالإنسان القادر على ضبط ذاته والتحكم بانفعالاته وبناء القدرة على التعاطف وامتلاك زمام المهارات الاجتماعية، فالانفعالات والأحاسيس سواء كانت سلبية أو إيجابية تقود الإنسان وتتحكم بقراراته، حيث تؤكد الدراسات أن المستقبل سيكون لأولئك الذين يمتلكون معدلات ذكاء وجداني مرتفع، تجعلهم متميزين بالإحساس ورهافة الشعور والعواطف، فإن أي نظره للطبيعة الإنسانية تتجاهل قوى العواطف والمشاعر هي نظره ضعيفة الأفق ومن أطوار الإدارة الموقفية طور نظرية الإدارة الخدومة Servant Leadership التي تقود الآخرين عبر فضيلة خدمتها لهم وبهذا فهو ليس قائد هرمي تسلطي وإنما قائد شوري يحقق أهداف المنشأة عبر إشاعة ثقافة القيادة الخدومة حبا في الخدمة لا السلطة. لقد سعت تلك النظريات الى تعريف القيادة القادرة على عملية شحذ وتحريك همم العاملين وربطها بأهداف المنشاة ولعل تواترها وكثافتها وتعددها في إطار ما أطلق عليه عالم الإدارة الأمريكي هارولدز كونتز غابة النظريات الإداريةManagement Theory Jungle ليشير إلى أهمية دور القائد في ممارسة التأثير على الآخرين .
قد يبدو ملائما إجراء مقاربة بين تلك النظريات حول القيادة من جهة وبين النموذج الإداري أو القيادي الإسلامي من جهة أخرى وهذا ستتناوله إيجازا هذه الورقة ولكن غرضها الأساسي هو إجراء مقاربة نظرية بين النموذج الغربي في التحفيز والنموذج الإسلامي . تتناول الورقة كمثال للنموذج الغربي نظرية أبراهام ماسلو للحاجات الإنسانية Maslow's Hierarchy of Needsونظرية فريديريك هرزبرج المعروفة بنظرية الصحة العامة في الوظيفة Motivator –Hygiene Theory . واذا كانت هذه الورقة تقصر عن كونها مختصة بإجراء مقاربة نظرية بين القيادة من منظور إسلامي وغربي الا أنها تحاول أن تعبر الى موضوع القيادة من منطلق مهارات القادة في التحفيز وقدرتهم على إثراء العمل وثراء النفوس العاملة معهم وجذبها نحو أهداف المنشأة . ان هدفنا من ورقتنا هذه هو شد زناد انتباه الدارسين والباحثين الى أن نظرية التحفيز أساسها إسلامي . إننا نود التأكيد على أن النظرية الإدارية الإسلامية في التحفيز استوعبت داخلها ما قالت به نظريات المحدثين القائلة بأن مفتاح التحفيز مهارة وسلوكا هو قدرة القائد على معرفة الحافز المناسب لكل فرد يرأسه مع التمييز بين أشكال الحوافز مادية كانت أو معنوية . وورقتنا هذه تهدف في مجملها إلى الحث على ضرورة إعادة النظر في مناهجنا الإدارية بشكل عام وإدارة الموارد البشرية والتطوير التنظيمي بشكل خاص ، ولا نهدف الى الاصطدام بالآخر وإلغائه وإنما الانتباه الى ما بحقائبنا الفكرية الإسلامية من مناهج يكمن أن يستفيد منها الدارسين في جامعاتنا ومعاهدنا.
القيادة في الإسلام خادمةServant leadership
من الطبيعي في القيادة انسياب خطوط السلطة من أعلى إلى أسفل، واحتفاظ القائد بحق أخذ القرارات وإصدار الأوامر، فهذا أمر لابد منه لنجاح العملية الإدارية، ولا يعتبر هذا عيبا في الإدارة الهرمية وإنما العيب أن تكون القيادة استبدادية ينظر فيها القائد إلى أتباعه من أعلى إلى أسفل، معتقدًا أنه وحده الذي جمع فأوعى ، وأن على الآخرين أن ينفذوا فقط ما يقول. ان هذا النمط القيادي مبني على النموذج العسكري في إصدار الأوامر للجنود والأتباع دون حق المناقشة أو المراجعة وإبداء الرأي. ان سلوك القائد الهرمي هنا استشارة المرؤوسين على سبيل الموافقة الصورية بعد أن يأخذ قراره مسبقًا ثم يستشير مرءوسيه استشارة روتينية فقط، لا للاستفادة من آرائهم وإنما فقط للحصول على موافقتهم، فإذا لم تتفق آراؤهم مع القرار الذي اتخذه مسبقًا، فإنه يضرب بها عرض الحائط دون أدنى محاولة للاستفادة بها. . وبالنظر الى عنصر المعرفة كأداة من أدوات السلطة والقوة في المنشأة ، فان القائد الهرمي يستخدم حجب المعرفة للسيطرة على المرؤوسين: والقائد الهرمي غالبًا ما يستخدم هذه القوة ممثلة في حجب المعلومات للسيطرة على مرءوسيه، وباستقراء التأريخ نجد أن هذه هي سياسة القادة الديكتاتوريين عبر التاريخ، حرصا منهم على إبقاء الشعوب المحتلة في حالة جهل مستمر، كما فعل أدولف هتلر، عندما منع التعليم الجامعي في كل الدول التي احتلتها ألمانيا النازية.
ان من سمات القائد الهرمي التعسف في استخدام السلطة: فالقائد الهرمي قد يتخذ قرارات كثيرة متعسفة، ولا يرجع عنها حتى لو ظهر له ختلها وسوء منقلبها لأنه يهدف دائمًا إلى تأكيد وتقرير أنه وحده القائد المسيطر. ومن سمات القادة المتجبرين أيضا وجود صف ثان ضعيف لأن صناعة القيادات تحتاج إلى تدريبهم على اتخاذ القرارات وتحمل المسئولية، والتعلم عن طريق ممارسة السلطة والتناوب بين الخطأ والصواب، فالقائد المستبد يحرص على تركيز جميع السلطات في يده القائد فما هو البديل السليم للاتجاه الهرمي المستبد ؟ ان هذا البديل كما سلفت الإشارة ا يمكن أن نطلق عليه القيادة الخادمة أو الخدومة ، انعكاسا للقول المأثور: 'سيد القوم خادمهم' وهو النمط الذي يتوافق مع النموذج النبوي الفذ في القيادة، . يسمى هذا النمط بالقيادة الخادمة إشارة إلى سلوك القائد مع مرءوسيه، فهو يرى نفسه في أسفل هرم مقلوب بحيث يبدو كل شخص في المؤسسة مستقرا على كتفيه، فهو يقضي ساعات لا حصر لها في مساندة الآخرين ورفع فعاليتهم ، بتزويدهم بعناصر المعرفة والطاقة والموارد ، وكل ما يحتاجونه للقيام بمهامهم على أكمل وجه، والقائد هنا مع العاملين في مختلف مواقع المنشأة ، فليس هناك عمل في مؤسسته يستنكف عن القيام به إذا كانت مصلحة المؤسسة تدعو إلى ذلك، ولنا في سيد الخلق هنا محمد صلى الله عليه وسلم أسوة حسنة وهو يشارك أصحابه في حفر الخندق، ويأخذ نصيبه معهم جوعا وبردا واجهادا ، بل ويتصدى لما يعجزون عنه من الحفر، كما أورد الحافظ ابن حجر العسقلاني في الفتح من حديث البراء بن عازب قال: 'لما كان حين أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بحفر الخندق عرض لنا في بعض الخندق صخرة لا تأخذ فيها المعاول، اشتكينا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فجاء فأخذ المعول فقال: 'بسم الله' فضرب ضربة فكسر ثلثها، وقال: 'الله أكبر أعطيت مفاتيح الشام، والله إني لأبصر قصورها الحمر الساعة' ثم ضرب الثانية فقطع الثلث الآخر، فقال: 'الله أكبر أعطيت مفاتيح فارس، والله إني لأبصر قصر المدائن أبيض'، ثم ضرب الثالثة وقال:'بسم الله' فقطع بقية الحجر، فقال: 'الله أكبر أعطيت مفاتيح اليمن، والله إني لأبصر أبواب صنعاء من مكاني هذا الساعة'. وكان النبي صلى الله عليه وسلم ينقل بنفسه التراب يوم الخندق حتى أغمر بطنه أو اغبر بالتراب كما يروي البراء رضي الله عنه.
ويقوم النموذج الإسلامي في الإدارة الخادمة على أساس احترام العمال كأفراد وإعطائهم قدرًا أكبر من الشراكة في العملية الإدارية إشرافا وتوجيها ، والحرص على الاستنارة بآرائهم وإقرار الصواب منها، مع الحد بقدر الإمكان من التوجيه الصارم والتحكم المتعسف من جانب المشرفين . لقد كان رسول الله (ص) حريصا على التحفيز حتى في أحلك الظروف و من ذلك ما وصفه حذيفة بن اليمان رضي الله عنه عندما قال: لقد رأيتنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم الأحزاب، وأخذتنا ريح شديدة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: 'ألا رجل يأتيني بخبر القوم جعله الله معي يوم القيامة'. وانظر إليه صلى الله عليه وسلم في غزوة بدر وهو يضرب أروع النماذج في تجرد القائد، واستماعه لمرءوسيه، وإقرار صواب آرائهم، فعندما تحرك رسول الله صلى الله عليه وسلم بجيشه ليسبق المشركين إلى ماء بدر، ويحول بينهم وبين الاستيلاء عليه، فنزل عشاء أدنى ماء من مياه بدر، وهنا قام الخباب بن المنذر كخبير عسكري وقال: يا رسول الله أرأيت هذا المنزل، أمنزلاً أنزلكه الله، ليس لنا أن نتقدم ولا نتأخر عنه؟ أم هو الرأي والحرب والمكيدة؟ قال: 'بل هو الرأي والحرب والمكيدة' قال: يا رسول الله، إن هذا ليس بمنزل، فانهض بالناس حتى نأتي أدنى ماء من القوم 'قريش'، فننزله، ونغوّر ما وراءه من القُلُب 'الآبار' ثم نبني عليه حوضًا فنملأه ماء، ثم نقاتل القوم، فنشرب ولا يشربون, فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : 'لقد أشرت بالرأي' فنهض رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجيش حتى أتى أقرب ماء من العدو، فنزل عليه شطر الليل، ثم صنعوا الحياض وغوروا ما عداها من القُلُب، وبعد أن تم نزول المسلمين على الماء اقترح سعد بن معاذ رضي الله عنه على رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبني المسلمون مقرًا لقيادته، استعدادًا للطوارئ وتقديرًا للهزيمة قبل النصر، حيث قال: يا نبي الله ألا نبني لك عريشًا تكون فيه، ونعد عند ركائبك، ثم نلقي عودنا فإن أعزنا الله وأظهرنا على عدونا كان ذلك ما أحببنا، وإن كانت الأخرى جلست على ركائبك فلحقت بمن وراءنا من قومنا، فقد تخلف عنك أقوام يا نبي الله ما نحن بأشد لك حبًا منهم، ولو ظنوا أنك تلقى حربًا ما تخلفوا عنك، يمنعك الله بهم ينصحونك ويجاهدون معك. فأثنى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ودعا له بخير، وبنى المسلمون عريشًا على تل مرتفع يقع في الشمال الشرقي لميدان القتال [1]
الأساس الروحي للتحفيز في الإسلام
ان الإسلام برمته هو دين التحفيز "ما خلقت الإنس والجن الا ليعبدون وعبادة الله تعالى حق عبادته مرصود لها الجزاء الأوفى إتماما لمكارم الأخلاق التي كانت هدف بعثته صلى الله عليه وسلم . ومن أقل صور المكارم هذه شكر الناس على ما يقومون به من عمل طيب . وفي إطار التحفيز على العمل الطيب فقد جاء الإسلام وعاء جامعا للفضائل التي أتت بها الأديان السابقة "اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا فالمرضي للعابد المسلم هنا هو السلم والسلام والأمن والأمان والتكافل والبر وهو الرضاء والطمأنينة والتوازن والوسطية والاعتدال كعناصر رأيناها متناثرة هنا وهناك عبر نظريات القيادة ورأيناها في الإسلام منهجا متماسكا دقيق التعريف واضح النصوص.
من التعريفات التي تمت للتحفيز كما يبين الدكتور محمد مرعي في كتابه فن التأثير في الآخرين [2] فان التحفيز "هو مجموعة العوامل أو المؤثرات التي تدفع نحو أكبر الجهود في عمله والابتعاد عن ارتكاب الأخطاء في مقابل حصوله على ما يضمن تحقيق رغباته وإشباع حاجاته المتعددة وتحقيق تطلعاته التي يسعى لبلوغها خلال عمله" هنا نقول أن شمولية النظرة للعمل والحافز في الإسلام سبقت العصر في وضع مستوى الأداء وإيضاح العمل المطلوب أداؤه ومعايير ومستويات الجودة النوعية فيه ثم تحديد الحافز المقابل لأداء العمل على الوجه الأكمل . هنا حيث يقف الحق عز وجل رقيبا لأعمالنا التي يراها هو رسوله والمؤمنين برؤية تقويمية "وقل أعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنين" . لقد اختزلت هذه الآية الكريمة ما يعرف في الإدارة الحديثة بالتقييم الشامل . وربط الجزاء المتميز للعمل المتميز بالخالق جل وعلا يجعل للتحفيز أساسا روحيا قويا يتعدى حدود المنشأة الى أقطار السموات ويجعل للتحفيز بعدا أخرويا من الله تعالي ودنيويا دينيا من رسوله والمؤمنين وتلك شمولية تجعل لتعريف التحفيز هكذا بعدا روحيا وسيكولوجيا نقرأه في الآية الكريمة "وفي أنفسكم أفلا تعلمون " وفي الآية الكريمة "ونفس وما سواها فألهمها فجورها وتقواها قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها". ان بعث منظومة إسلامية إدارية في التحفيز ومناهجه ربما كان مبتدؤها أو مدخلها أساسها الوجداني القائم على بناء الثقة في الإنسان والنظرة اليه منتج لا كسلعة والا لما كلفه الله سبحانه وتعالى بأمانة اعمار الكون وصناعة حياة منتجة قائمة على البر والتقوى والتراحم و التكافل في رحابه .
ان الأساس الوجداني للتحفيز في الإسلام يقوم على فهم عميق للمقصود من ثقافة المنشأة أو المؤسسة لتأسيس ثقافة قائمة على التواددد والتراحم كعنصر من عناصر نظرية الذكاء الوجداني كأحد جوانب الإدارة الموقفية ، فالحديث الشريف "وتبسمك في وجه أخيك صدقة " هو دعوة الى توفير مفاتيح وجدانية ايجابية بين الناس أينما كانوا وإشاعة هذه النظرة على أساس المنشأة هو إشاعة لها على مستوى الدولة . ان من أهم وظائف ثقافة المنشأة أنها تسبغ سمة معينة على المؤسسة تميزها عن غيرها من خلال دور توجيهي وتشكيلي للأنماط السلوكية للعاملين وثقافة المنشأة بهذا الشكل هي شارتها الأخلاقية والوجدانية وباني سمعتها وعلاقتها التي تصلها مع المحيط الخارجي الذي تعمل فيه[3]
ان الله تعالي تولى بنفسه إيجاد المثل الأعلى في تحفيز العمل الطيب المتقن " ان الذين آمنوا وعملوا الصالحات انا لا نضيع أجر من أحسن عملا" حيث الأجر هنا يشمل سائر المزايا التي يمنحها الله تعالى لعباده الصالحين سواء كانت مادية أو معنوية والله سبحانه وتعالى يمنح الحوافز للعاملين في صورتها الايجابية (الثواب ) والسلبية (العقاب) فهو يعد الذين يعملون الخير بأن لهم ثواب كبير والذين يعملون الشر لهم عذاب عظيم قال تعالى "فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شر يره كما يقول تعالى " من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها ومن جاء بالسيئة فلا يجزى الا مثلها وهم لا يظلمون" والإسلام يجمع بين الجانبين الروحي والمادي ويجري بينهما توازنا محكما فيقول الله تعالى " وابتغ فيما أتاك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا واحسن كما أحسن اليك ولا تبغ الفساد في الأرض ان الله لا يحب المفسدين . ان قصة فرعون وموسى كما يرويها لنا القرآن الكريم هي قصة حوافز "فلما جاء السحرة قالوا لفرعون أئن لنا أجرا ان كنا نحن الغالبين " ، قال نعم وانكم اذن لمن المقربين حيث وعد فرعون السحرة وحفزهم بالأجر وادخالهم في زمرة خاصته ان هم انتصروا على موسى لبذل أقصى ما لديهم لكسب ذلك الرهان.
جانب للإدارة الموقفية في الإسلام
إن الإسلام الذي اختزل فضائل الديانات الإنسانية ليقف شاهدا على أن نظرياته في التحفيز شاملة ، لقد كان صلى الله عليه وسلم يوجه كل شخص من الصحابة رضوان الله عليهم الى ما يناسبه من مهام وفقا لما عنده من ميزات وقدرات وهو ما يعبر عنه كل من بول هيرشي وكن بلانشارد في نموذجهما الذي طرحاه للإدارة الموقفية[4] بمستوى الجاهزية للأفراد readiness level وفي ذلك فللنبي صلى الله عليه وسلم مقدرة عظيمة للدخول الى الآخرين كل حسب مفتاحه الملائم فيما يعرف لدي المحدثين بتقنيات التحفيزmotivational techniques فيقول صلى الله عليه وسلم : “عن أنس بن ملك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال أرحم أمتي بأمتي أبو بكر، وأشدهم في أمر الله عمر، وأصدقهم حياء عثمان، وأعلمهم بالحلال والحرام معاذ بن جبل، وأفرضهم زيد بن ثابت، وأقرؤهم أبيّ، ولكل أمة أمين وأمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح" . واذا كانت النظرية الموقفية وما قد يكون مرتبطا بها من تقنيات واستراتيجيات لتحفيز العاملين تتحدث عن وجوب توفر مهارات القيادة التي تمنح الحافز المناسب لميول واتجاهات العاملين ، فقد استعمل النبي (ص) الحوافز المادية مع بعضهم كما جاء في توزيع غنائم حنين واستخدم الحوافز المعنوية كما جاء مع جعفر بن أبي طالب فقال "ما أدري بأيهما أنا أفرح بفتح خيبر أم بقدوم جعفر" واستعمل الفخر والشهرة مع أبي سفيان رضي الله عنه في فتح مكة فقال "من دخل دار أبي سفيان فهو آمن "، وربما كان من المفيد أن نعيد بأن من أهم تجليات الإدارة الموقفية تركز على فهم محفزات المرءوسين كأساس لتحديد النمط القيادي في التعامل معهم . وفي هذا الاتجاه فان النموذج الموقفي الذي طرحه كل من بول هيرشي وكين بلانشارد المشار إليهما يطرح 4 أسايب قيادية تتراوح بين التوجيه والتدريب والتدعيم الى التفويض حسب قدرات المرءوس ومستوى جاهزيته تحفيزا ومهارة . أن تخير النمط القيادي الملائم يعتمد على درجة نضوج المرؤوسين أو الفريق الذي يعمل تحت قيادة المدير أو القائد والنضوج هنا يعنى قدرة الفرد على وضع أهداف يمكن تحقيقها مع وجود رغبة في تحمل المسئولية من أجل الوصول إلى النتائج المرضية. أن فاعلية القيادة تتأثر بدرجة كبيرة بالنضوج حيث تتدرج القيادة عند هيرشى بلانشارد من قيادة توجيهية إلى تدريبية إلى مساندة إلى تفويضية فعندما يكون الأفراد أو المرؤوسين غير ناضجين أو يدخلون العمل الأول فإن الأسلوب التوجيهي يكون هو الأنسب Coaching Style ويستخدم القائد أثناء أداء الموظفين مهماتهم أسلوب التدريب والذي يساعد على تطوير مهارات الاتصال وصقل المهارات التى يتم بنائها لديهم ، ثم يقل تدريجياً أسلوب القائد الموجه ويظل أسلوب القائد المساند الذي يدعم ويحفز إلى أن يصل الأفراد إلى مرحلة النضوج العالي فيكون أسلوب التفويض هو الأسلوب القيادي الأمثل في هذه المرحلة . وتبدو الإدارة الموقفية الإسلامية واضحة مع تفردها بنهج القيادة في تطوير قيادات فاعلة عبر ثقافة مجتمعية رائدة أساسها "ليس منا من لم يرحم صغيرنا ويوقر كبيرنا ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر" فأداء الأدوار بعد تحديدها على هذا النحو يرمي إلى إيجاد أرضية من الجاهزية النفسية بناء على القواعد المذكورة . وحين نعلم حض الإسلام على التسلح بالعلم والمعرفة وحثه على السعي في مناكب الأرض والتعارف بين الأمم والشعوب ، تبدو صورة الإدارة الموقفية بشكل خاص والإدارة العامة بشكل عام في الأسلام أشد نصاعة ووضوحا في بنائها لجاهزية فردية واجتماعية تقوم على الدافعية والعلم والانفتاح نحو تجارب الآخرين والاقتداء بالمتميز منها فيما يعرف في الإدارة الحديثة بالاقتداء بالتجارب الناجحة Benchmarking في دين جاء لإتمام مكارم الأخلاق. وبهذا فمن المؤكد أن النموذج الإسلامي في الإدارة الموقفية حدد بوضوح مفاتيح الجاهزية بدءا من دعونه الي بناء إدارة للمعرفة Knowledge Management تقوم علي العلم "أقرأ باسم ربك الذي خلق " وانتهاء بالدعوة إلى طلب العلم والمعرفة والتأمل في خلق السموات والأرض والعلم الإسلامي بهذا الشكل هو نظرية محفزة تنطلق من ذات الإنسان ليكون منتهاها الوصول الى قدرة الله سبحانه وتعالي والاعتماد عليه فيما يعتزم المرء أو يفعل.
تفويض المسئولية
إذا كان منتهى سعى النموذج الموقفي الذي طرحه كل من بلانشارد وهيرشي هو الوصول بالمرءوس إلى القيادة الذاتية لنفسه بما يمكن الرئيس من تبني نمط قيادي قائم على التفويض Delegation ، فان النظرة الإسلامية تشمل تحفيز الفرد والمنشأة معا كما يظهر من تأكيد الحديث النبوي الشريف على إقامة علاقة أساسها المسئولية وحسن الرعاية "كلكم راع وكلكم مسئول عن ، فالإمام راع ومسئول عن رعيته، والرجل راع في أهل بيته ومسئول عن رعيته، والمرأة راعية في بيت زوجها ومسئولة عن رعيتها، والخادم راع في مال سيده ومسئول عن رعيته، وكلكم راع ومسئول عن رعيته". وتنداح معايير التفويض الإسلامي مبنية على دعائم التفويض والمسئولية لتشمل الكون كله وتصبح عقدا أخلاقيا كونيا بين الرئيس والمرءوس الى آفاق عالمية في عالم يجتاحه الآن طوفان العولمة الذي يؤكد يوما بعد يوم تقدم المنظور الإسلامي في نظرته المبكرة لهذا الطوفان وحتمية سعى الإنسان في مناكب الأرض . ان هذه الحتمية يؤكدها في دراسة ضافية لطبيعة سوق العمل الدولي الباحث الأمريكي وليم جونستون 5 الذي يقول بأن الآلة الصناعية في الغرب لم تكن عبر القرون إلا ناظرة للإنسان كأحد عناصر الإنتاجية ولكن هذه النظرة تغيرت الآن وذاك تغير بات يعي بأن الإنسان في دورة العملية الإنتاجية ليس سلعة وإنما منتجا بل هو أساس التنافسية بين المنشآت بل الدول على نطاق العالم حيث أصبح الدارسون يتحدثون عن مهارات الإنسان كمادة نفيسة شأنها شأن أقراص الكمبيوتر وبرامجه فأصبح التنافس على مهارات الإنسان محتدما في سباق جبار على اقتناء المهارات العالية وتسابق الشركات الضخمة في العالم عابرة للحدود السياسية بحثا عن المهارات وكأنه واقع يشير إلى تكريم للعقل الإنساني الذي خلقه الله تعالي في أحسن تقويم وكرمه " ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا" في زمن يتحدث فيه الباحثين عن مجاعة وشيكة في المهارات تلقي بظلالها على قطاعات الإدارة والمال والأعمال وغيرها مما جعل حركة المهارات في العالم أكبر إيقاعا وأكثر انسيابية خلافا لما قال به في القرن الماضي آدم اسميث بأن العنصر البشري كعنصر من عناصر الإنتاج هو الأكثر ثباتا . وفي ظل شبح مجاعة المهارات تعددت دراسات علماء الإدارة عن الأسترلتيجيات الواجب اتخاذها اذا ما أرادت منشأة ما المضي قدما في إيجاد المهارات اللازمة لتنفيذ برامجها في الجودة والخدمة والربحية وتنمية الإنسان وإدارة تنوع قوة العمل .
نظرية الصحة العامة في الوظيفة Motivator-Hygiene Theory [5]
من النظريات الهامة التي يهتم بالتوقف عندها الدارسون في الإجابة على العوامل التي تجعل الناس يشعرون بالرضاء عن وظائفهم ويدفعهم لبذل المزيد من الجهد في العمل ، نظرية العالم الأمريكي فريديريك هرزبرج المعروفة بنظرية الصحة العامة في الوظيفة Motivator-Hygiene Theory . حاول هرزبرج من جامعة كيس ويسترن الإجابة على السؤال بطريقة جديدة فقام بإجراء مقابلات شخصية مطولة مع مهندسين ومحاسبين في 11 شركة مختلفة طالبا من العاملين إفادته عن حوادث معينة تجعلهم يحسون بالراحة والرغبة في العمل وأخرى تجعلهم يحسون بالضيق وعدم الرغبة في العمل وكان أول ما اكتشفه ان الميزات العادية من إجازات وتأمين طبي وتأمين شيخوخة وغيره لم تدفعهم كثيرا للقيام بجهد إضافي وسمى هرزبرج هذه العوامل العوامل الصحية أو عوامل الصيانة Hygiene or Maintenance factors فاذا كانت الشركة لا تقدمها غير الموظف من تفاعله مع الشركة وان قدمتها فهي ليست دافعا للعمل الإضافي . واكتشف هرزبرج أن عوامل الدافعية الحقيقية للعمل Motivators تتمثل في :
الحرية في العمل
الخلق
القدرة على تطوير الذات
التقدير
وتتعلق هذه العوامل بظروف العمل النفسية والاجتماعية والتنظيمية والجسدية وقد سماها هرزبرج عوامل الرضاء Satisfaction factors . ولكن المنظور الاسلامي في شموله وتوازنه يعي جيدا عوامل الصيانة أو العوامل الصحية فبداهة أن يحض على إعطاء العامل أجره قبل أن يجف عرقه ونستطيع إبراز العديد من النماذج في القرآن الكريم والتي تتخطى عوامل الصيانة لتنفذ إلى عوامل الدافعية في أعلى تجلياتها كقوله تعالى في سورة الأحزاب " هو الذي يصلي عليكم وملائكته ليخرجكم من الظلمات الى النور وكان بالمؤمنين رحيما" وقوله تعالى " وبشر المؤمنين بأن لهم من الله فضلا كبيرا" وقوله تعالى في سورة سبأ " ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات أؤلئك لهم مغفرة ورزق كريم". ومع قناعتنا كباحثين بأنه تنعدم المقارنة بين قيم السماء والأرض ، الا أن العقلية الغربية عاما بمنطقها البراجماتي تستلزم منا في اطار السعي لتأصيل نماذجنا الإسلامية إتباع منهج علمي يتخطى المشافهة والعمومية لينفذ الى أعماق الآخرين بالطريقة التي صاغوا بها نظرياتهم فلا تبخيس ولا تصادم وإنما الفائدة والاستفادة ومقارعة الحجة بالحجة . وهنا نشير إلى تفوق الطرح الإسلامي فى أنه تجاوز عوامل الصيانة والدافعية الى عوامل الترغيب في الصالحات والبعد عن المنكرات فمن آيات الترغيب مثلا قوله تعالى " قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله ان الله يغفر الذنوب جميعا انه هو الغفور الرحيم " وهذه من قمم اعتبار الإسلام لحقيقة أن الإنسان ليس آلة تدار وتحرك كيفما اتفق لكنه بشر له أحساس ومشاعر ولذا فحسن أداء العمل أو سوئه يرتبط بمشاعر العاملين نحو ذلك العمل لذا يدرك المدير الناجح كيفية التعامل مع العاملين لتفجير طاقاتهم المبدعة عن طريق التحفيز وإعلاء قيم عمل يحاسب عليها الله تعالى في الدنيا والآخرة.
. وكما جاء في الرحيق المختوم[6] فقد كان الرسول صلي الله عليه وسلم يحرض المؤمنين على القتال قبيل غزوة بدر قائلاً"والذى نفس محمد بيده، لا يقاتلهم اليوم رجل فيقتل صابراً محتسباً مقبلاً غير مدبر، إلا أدخله الله الجنة" وقال وهو يحضهم على القتال:"قوموا إلى جنة عرضها السموات والأرض"، وحينئذ قال عُمَيْر بن الحُمَام: بَخْ بَخْ. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "ما يحملك على قولك : بخ بخ ؟" قال : لا، والله يا رسول الله إلا رجاء أن أكون من أهلها، قال: "فإنك من أهلها". فأخرج تمرات من قَرَته فجعل يأكل منهن، ثم قال: لئن أنا حييت حتى آكل تمراتى هذه إنها لحياة طويلة، فرمى بما كان معه من التمر، ثم قاتلهم حتى قتل. ولنا في رسول الله (ص ) أسوة حسنة حين استخدم التحفيز في جميع مجالات الحياة وفي مختلف الظروف استثاره لهمم الأفراد لتحسين أدائهم وإتقانه والفوز في الدنيا وبالآخرة. ويذكر تحفيزه صلي الله عليه وسلم لسراقة بن مالك يوم الهجرة وهو يريد أن يلحق به مرة والثانية والثالثة فحفزه بأن له سوارَى كسرى إن رجع وترك الرسول صلى الله عليه وسلم. مع أن الله حَمَي رسولَه منهومن صور التحفيز النبوي تحفيزه صلي الله عليه وسلم المؤلفة قلوبهم بأن يعطيهم من الغنائم ومن عطايا بيت مال المسلمين تحفيزا لقلوبهم ليدخلوا الإسلام وتبدو صور . التحفيز المعنوي من الرسول صلى الله عليه وسلم واضحة وجلية حين قال لبني عبد الدار يوم فتح مكة وهو يعطى عثمان بن طلحة مفتاح الكعبة:"خذوها خالدة تالدة، لا ينزعها منكم إلا ظالم، يا عثمان، إن الله استأمنكم على بيته، فكلوا مما يصل إليكم من هذا البيت بالمعروف". وفي اتفاقه صلي الله عليه وسلم مع الأنصار بأن يهاجر إليهم فإن نصروه ستكون لهم الجنة وأكد صلي الله علي وسلم لهم ذلك يوم فتح مكة عندما ادخل الشيطان في روعهم أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد يتركهم ويلتف حول عشيرته وأهله فقال لهم صلوات الله عليه موعدكم معي عند الحوض يوم القيامة يذكرهم بوعده لهم زيادةًً فى التحفيز لقد كان له _ص) أسلوبا مميزا في التحفيز فعندما كان يحسن صحابى عمله كان يلقبه بلقب حسن فقد لقب خالد بن الوليد سيف الله المسلول. يقول عليّ رضي الله عنه في خطاب وجهَه إلى أحد الولاة: لا يكون المحسن والمسيء عندك بمنزلةٍ سواء, فإن فى ذلك تزهيدا لأهل الإحسان, وإساءة لأهل الإساءة وألزم كلا منهم ما ألزم نفسه:
مصفوفة ماسلو للحاجات الإنسانيةMaslow's Hierarchy of Needs[7]
وقد وضع ابراهام ماسلو أحد علماء النفس الأمريكيين ماسلو ثلاثة افتراضات أساسية حول الطبيعة البشرية يتكون منها أساس نظريته :- البشر كائنات حيوانية لا تشبع حاجاتها مطلقاً .- حالة عدم الاكتفاء أو عدم إشباع الحاجة هي التي تحفز الفعل البشري .- الحاجات تترتب على شكل هرم حيث الحاجات الأساسية في الأسفل والحاجات الأعلى في القمة .ينطلق مفهوم ماسلو على تحديد احتياجات الإنسان بناءً على أولويات مبتدئة في قاعدة هرم الحاجات الفسيولوجية أو الحاجات الطبيعية إلى الطعام والماء والملبس والمأوى هذه هي مستلزمات البقاء وبدونها نهلك . وحينما يكون الشخص تحت سيطرة الحاجات الأولية مثلاً فان جميع الحاجات الأخرى تتراجع إلى المنطقة الخلفية وتصبح الحاجة إلى الأكل والملبس والمأوى من أقوى عوامل التحفيز .وعندما نستوفي الحاجات الأولية خاصة بعد إشباعها تظهر الحاجة للأمن ويعبر عن هذه الحاجة بصور متعددة مثل رغبة الإنسان في الضمان الوظيفي وحساب الادخار والتامين الصحي... الخ . تظهر بعد ذلك الاحتياجات الاجتماعية فالبشر يحتاجون أيضاً إلى الرفقة وإلى حس الانتماء وهكذا فان المستوى الثالث في البناء الهرمي هو حاجات الانتماء فالناس يحتاجون إلى أن يكونوا مرغوبين من الآخرين وان يحسوا بأنهم جزء من فريق أو مجموعة .يلي ذلك الحاجة إلى الشهرة وتقدير الذات حيث يحتاج الإنسان إلى الاعتبار والاحترام والشعور بالانجاز واعتراف المجتمع بذلك لأن ذلك يضفي على الشخص الثقة بالنفس . فالإنسان يصبو للشهرة ويتطلع إلى السمعة الحسنة والعرفان والأهمية والاستحسان.في أعلى قمة الهرم تأتي الحاجة إلى تحقيق الذات وتعني الحاجة لتحقيق طموحات الفرد العليا في أعلى مرتبها مثل الجاه والعزة وتحقيق الذات.
ومع أنه لم يقم دليل علمي بأن حاجات الإنسان تتدرج بالطريقة الهرمية التي حددها ماسلو الا أن منطقية نظريته تكمن في تقديرنا إلى اتساقها مع المنطق العام للأشياء فهي تبدأ بالحاجات الأساسية للفرد فالواحد منا لا يمكنه منطقيا أن يتطلع لاقتناء سيارة وهو جائع أو خائف يفتقر إلى الأمن والطمأنينة وبذلك تتسق هذه النظرية في بنيانها المنطقي مع نص القرآن الكريم في سورة قريش "وأطعمهم من جوع وآمنهم من خوف " و لا تتسق النظرية مع الإسلام فيما جاءت به من أن حاجات البشر لا يمكن إشباعها مطلقا "إن الإنسان خلق هلوعا اذا مسه الشر جزوعا وإذا مسه الخير منوعا الا المصلين الذين هم في صلاتهم خاشعون" فللإسلام أساليب اشباعية لحاجات الفرد تتخطى عنصر المادة لتهيئ للإنسان مصدرا تحفيزيا وجدانيا يقوم على الخشوع والقناعة وانتظار النعيم الأخروي في تصميم بديع لحزمة محفزات المسلم الرابطة بين الدنيا والآخرة وهذا هو النموذج الذي نقترح جلوه والتوافر على بعثه وإظهاره كسابق للعصر فان " أكرمكم عند الله أتقاكم " و "ان هذا لهو الفوز العظيم " فالمنهج القرآني في اكتماله يقوم بوضع معايير الأداء Performance standards وحوافز تطبيقها في علاقة وثيقة بين الأرض والسماء.
نحو تأكيد الجاهزية الإسلامية
تعددت النظريات التي تحاول الإجابة على السؤال ما الذي يحفز الناس ويجعلهم أكثر حماسا للوفاء باحتياجات وأهداف المنشأة ، وقد عرضنا سواء بشكل مباشر أو غير مباشر لبعض هذه النظريات وحاولنا اجراء مقاربات نظرية بينها وبين النهج الإسلامي في إدارة الموارد البشرية حيث يعتبر تحفيز العاملين إحدى دعاماتها الرئيسية وتحدونا قناعة راسخة بأن نظرية التحفيز في الإسلام هي مجمل أسلوب هذا الدين في الحياة وإتقان العمل فنظرية التحفيز الإسلامية سبقت العصر في تحديد عوامل الدافعية والصحة العامة للوظيفة ، وهي نظرية وجدانية البعد الهية السلوك والمقصد دينية ودنيوية معا عرفت أسس تقييم الأداء منذ قرون ران فيها على البشرية الظلم والظلام " وقل أعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنين". ان ربط التحفيز بالجزاءين الدنيوي والأخروي على هذا النحو مؤشر لرسالة عالمية من مبادئها أن يعمل المرء لدنياه كأنه يعيش أبدا ولآخرته كأنه يموت غدا.
هذا ونخدم بالدعوة الى تطوير منهج إسلامي في إدارة الموارد البشرية غايته إحداث نقلة هائلة ورشيدة في حركة مجتمعنا لا تلغي الآخرين وإنما تتبارى معهم بقوة ووضوح الطرح. ولدينا وطيد الأمل في أن يتضمن هذا المنهج وظائف الموارد البشرية الحديثة مثل أنظمة الاختيار والتعيين والتدريب وإدارة الأداء والتعاقب الوظيفي والترقيات والنقل والفصل والتحفيز فما بالنا لا نقوم بتطوير برامج حضارية إسلامية في هذه المجالات والسعي لجعل منشآتنا دائمة التعلم learning organization قادرة على صنع المعرف وإدارة دولاب الدولة في عالم سريع التغير يؤمن بأن البقاء للأصلح. أن علينا أن نحقن بطريقة منهجية ومنظمة في إطار أساليب الدعوة الإسلامية معارف المسلمين الإدارية بحيث لا تكون معرف المسلمين متناثرة هنا وهناك لأن هذه الدعوة أسلوب حياة كامل في الإدارة والعلوم والآداب والفنون والاقتصاد والاجتماع وغيرها ,
أستاذ جامعي وكاتب صحفي مقيم بالولايات المتحدة. متخصص في الموارد البشرية والقيادة التنظيمية وباحث في مجالات الملكية الفكرية.
شاعر ومترجم
[1] المباركفوري- الرحيق المختوم
[2] محمد مرعي –فن التأثير في الآخرين
[3] Ford, Moore &Milner (2005) Racial Identity, Centrality and Giftedness. Retrieved October 28, 2009 from http://www.highbeam.com.
[4] Hersey (2008) The Situational Leadership, Jossey-Bass, California
[5] Johnston , William , Global Labor Marhrket,Harvard Business Review, 1993
[6] المباركفوري ، الرحيق المختوم
[7] Daft, Richard) 2004) Management


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.