قبل أيام قليلة كنت أتابع معركة انتخابية من نوع آخر . جرت تلك المعركة الانتخابية على بعد آلاف الأميال ولكن عبر هذا الجهاز السحري وهذه الشبكة العنكبوتية استطعت أن اتابع تفاصيلها وكأني اعيشها تماماً. وقبل أن اعلق على هذه الانتخابات اتعرض لهذه التجربة لتي ابتدرها إبن خالي المهندس أحمد حسن الهدي الذي أمضى ما يقرب من 30 عاماً في مجال خطوط الأنابيب ومواقع البترول منذ أن كان تحت الأرض وأصبح فوق الأرض وجاب السودان شبراً شبرا وانطلق في العالم شرقا وغربا من السويد الى اليابان الى هنقاريا والهند وغيرها من الدول المتقدمة في مجال الانابيب والنفط ينهل من معين المعرفة في هذا المجال المتخصص ، فأصبح خبرة فارقة في هذا الزمن ، وعندما حط عصا الترحال في الخرطوم تذكر شجرة العائلة والعلاقات الأسرية التي تربط بين أفرادها ببعضها البعض وحادثني في أمرها ، واكتشفنا أن عائلتنا الكريمة - ما شاء الله - قد أصبحت عبارة عن ( أمم متحدة ). لم يبق مكان في الكرة الأرضية إلا وتجد لنا فيها فرع ثابت أو غصن طري من العائلة.. حتى صغارنا تعلموا النزوح ( هروباً ) في اقاصي المعمورة. قدم لي المهندس احمد اقتراحاً بأن نسعى نحن الكبار لبذل جهدناً في ربط صغارنا ببعضهم البعض بعد أن تفرقوا أيدي سبأ واكتشفت أن أبنائي لا يعرفون إلا القليل عن أبناء أختي ، وقس على ذلك ، وقررنا أن نتستفيد من هذا الموقع الاجتماعي ( الفيسبوك ) وندعو كل شبابنا وعجائزنا ان ينضموا لنا. وكانت التجربة مذهلة ومثيرة ومبدعة ، وبدأ التواصل . وكان مما يفرح القلب أن تتحدث مع أبنة أختك وهي طالبة جامعية مثقفة ومنفتحة على العالم بعد أن تركتها وهي صغيرة تلعب بالطين في حواري المدينة. وتوسع الأمر حتى صرنا مدمنين لهذا الموقع نفتحه صباحا ومساءاً ونتلقى اخبار العائلة بكل جوانبها بافراحها واتراحها ونتبادل همومها. قادتني هذه التجربة وانا اتابع موقع الفيسبوك قبل ايام قليلة إذ وجدت ابني ( صفوان) الطالب في جامعة ( الملتميديا ) بماليزيا يخوض معركة انتخابية كانت مفاجأة لي . شدني هذا الأمر وقلت كيف يدير هذا الشاب الجديد على الممارسات الانتخابية معركته وهو لم يعايش اي تجربة انتخابية من قبل ، و كانت آخر انتخابات عامة في السودان في الثمانينات الميلادية وكان وقتها في رحم الغيب ولم ير النور بعد .. والآن وقد بلغ الواحد والعشرين عاماً فكيف يخوض هذه الانتخابات؟ ترشح الطالب السودني (صفوان على عثمان ) للفوز برئاسة اتحاد الطلاب الأجانب في جامعة (الملتميديا) بماليزيا ، وأدار معركته عبر الفيسبوك مخاطبا زملائه الطلاب الاجانب ببرنامجه وكانت معه مجموعة من المتطوعين من مختلف الجنسيات صوماليين واريتريين ونيجريين وهلم جرا. شىء غريب طبق نموذجاً مصغراً لتجربة حملة الرئيس الأمريكي ( أوباما ) الانتخابية في أمريكا الذي استفاد من شبكة الانترنت والفيس بوك والبلاك بيري والتويتر في التواصل المباشر مع ناخبيه... حتى الشعار الذي رفعه أوباما كان هو شعاره في الانتخابات ( شعار التغيير)... وكما قال لي ( صفوان ) : لقد استاء الطلاب الأجانب من عمل لجنة الاتحاد السابقة باعتبارها لم تفعل شيئاً ، وانشغلت بنفسها عن خدمة قضايا ومشكلات الطلاب والتفاني في حلها .. ولهذا كان شعار التغيير هو الشعار ( الجاذب) ، ورفع المرشح السوداني شعاراً واحداً محددا وهو يخاطب جمهور الناخبين ( باصواتكم نستطيع أن نغير هذا الوضع ) ، حملة موسعة خاضها عبرالفيسبوك فكسب الرهان. وقال لي : لقد وقف معي الطلاب المهمشون من السودانيين والصوماليين والاريتريين وغيرهم.. وبذلوا جهدا كبيراً حتى تحقق فوزي. ترشح لرئاسة اتحاد الطلاب الأجانب ثلاثة : واحد سوداني وأثنان من الطلاب اليمنيين - والطلاب اليمنيون هم الأكثر عدداً وسط الطلاب الأجانب في (جامعة الملتميديا) الماليزية وتجاوز عددهم مائتي طالب فيما يبلغ عدد الطلاب الأجانب أكثر من 1500 طالب. وسبقت اللحظات الأخيرة وقبل التصويت انسحاب احد المرشحين اليمنيين حتى يفسح المجال لزميله اليمني الآخر للفوز على المرشح السوداني .. وهو أمر حسبه الطلاب اليمنيون محسوماً اعتماداً على الأغلبية التي يملكونها و السيطرة الدائمة على رئاسة الاتحاد في دوراته السابقة ، ولكن خاب فألهم فقد أحرز الطالب السوداني صفوان على عثمان أغلبية ساحقة لم تحدث من قبل في تاريخ الجامعة ، وهو أول سوداني يفوز برئاسة اتحاد الطلاب الأجانب في جامعة ( الملتميديا ) الماليزية. العملية الانتخابية بالنسبة لاتحاد الطلاب الأجانب بسيطة في تفاصيلها ولكنها درس عميق في الديمقراطية تكشف عن تنافس حر ونزيه وشفافية كاملة ، وهؤلاء الشباب الذين يخوضونها قطعاً سيتعلمون منها الكثير. وتفرض لوائح الانتخابات أن يتم الترشيح لرئاسة الاتحاد بعد إجازة المرشح من قبل لجنة مشكلة من رئيس الاتحاد السابق وعضوية آخرين من الاتحاد الذين بيزكون المرشح وتكون من أهم مؤهلاته المشاركة في أعمال تطوعية في الجامعة وله سابق معرفة بالعمل العام ويكون ممارساً لنشاط طلابي ، ولا تستطيع هذه اللجنة أن تأتي بمرشح غير مناسب أو مرشح يتوافق مع هواها وغير مؤهل وإلا فإن الطلاب سيلفظونه ، حيث الرأي العام الطلابي قوي .. وبالتالي تحرص اللجنة على إختيار المرشح بالمواصفات اعلاه. وتعطي اللوائح رئيس الاتحاد سلطات واسعة ... فله الحق في اختيار أعضاء اللجان التي تعمل معه وان يقوم بتغيير رؤساء اللجان المنتخبين معه ( نظام رئاسي )... والانتخابات تتم بحضور المرشحين ولا مجال لأي تزوير ، وادارة الجامعة تتعامل مع هذا الاتحاد تعاملاً راقيا ولا تتخذ اي خطوة أو إجراء يمس الطلاب الأجانب إلا بالتشاور مع الاتحاد الذي يضم 20 عضوا من مختلف الجنسيات وكل لجنة تختار 5 أعضاء للعمل كل في مجل اهتمامه. والجامعة تدعم الاتحاد بميزانية مالية وتوفر له كل التسهيلات.وأيضاً يهتم رئيس وزراء ولاية ملاكا التي تقع فيها الجامعة بهذا الاتحاد ويقدم له دعماً مالياً ويشارك في كافة مناسباته ، وترتفع ميزانية الاتحاد بحسب الأنشطة التي يقوم بها. كان فوز الطالب السوداني صفوان علي عثمان مفرحاً للطلاب السودانيين ومختلف الجاليات الاخرى فهي المرة الأولى التي يفوز بها طالب سوداني خاصة وأن عدد الطلاب السودانيون بدأ يرتفع في الأعوام الأخيرة واقترب من المائتي طالب ، ويأتي عددهم بعد الطلاب اليمنيين. في ليلة الفوز قرأت بعض التعليقات الطريفة في الفيسبوك فقد وصفوا الفائز بأنه أوباما السوداني وقال الطالب الصيني ج. ك ( مبروك حضرة الرئيس أوباما ) وقالت الطالبة النيجيرية س. أ ( مستر برزدنت .. حان وقت العمل ) ....وقال الطالب الصومالي ي.ب : ( التهنئة لك وفي انتظار تنفيذ البرنامج ..... وقال الطالب السوداني أ. ع : ( مبروك ، و عقبال رئاسة السودان ) !! وقال المرشح السوداني الفائز أن المسألة أصبحت تحديا كبيراً بعد أن وضعت الأغلبية الساحقة ثقتها في ... ولا أريد ان أخيب ظن زملائي خاصة من السودانيين الذين يتولون هذا المنصب لأول مرة ، واتمنى أن أوفق في هذا العمل ، وقد دعوت جميع الطلاب أن يقفوا معي حتى نحقق لهم شعار التغيير!! فهل تكون هذه التجربة سنة أولى في مسار العمل العام والذي يمكن أن يقود الى مستويات اعلى ورئاسات أعلى. لقد كنا في السودان سباقين في العملية الانتخابية الطلابية على مستوى العالم الثالث وكانت انتخابات جامعة الخرطوم في السبعينات تجري بكل شفافية ... وكان الشعب السوداني بكل اطيافه يتابعها ، فخرج منها قادة وسياسيون ومفكرون في عصرها الذهبي قبل أن تحل مرحلة ( السيخ ، والعنف ، والمولوتوف ) ويتطور الأمر إلى الاغتيالات السياسية فتنجرف عجلة الديمقراطية في الجامعة لتخرج لنا جيلاً مسخاً مشوها ًمترعاً بالعنف والحقد وغابت السماحة والصراع التنافسي الشريف. لقد رضعنا من ثدي الديمقراطية مع مطلع الاستقلال قبل نصف قرن ، وكنا نسمع في تلك الأيام ونحن صغار في السن الشعارات الجميلة الخالية من الاسفاف دون تجريح من مرشح لآخر ،ولا يزال يرن في أذني شعار ( بحري لمين .. لنصر الدين ) وهو نصرالدين السيد مرشح الحزب الاتحادي الديمقراطي وقتها .. في تنافس راقي ... هؤلاء الذين ماتوا وهم لا يملكون من حطام الدنيا شىء .. فما بالك بما يجري اليوم من مرشحي أصحاب العقارات والعمارات والشركات والمؤسسات ومكاتب في الخليج ولندن وماليزيا وجنوب أفريقيا وجزر الواق واق .. وهلم جرا !! جاءنا أصحاب( زعيط) و(معيط) ... وأصحاب (الحلاقيم) الكبيرة ليحدثونا كيف نصوت ، واين تكون مصلحتنا !! انتظرنا ... غرايشون .. وجيمي كارتر .. وباسولي .. وإحسان أوغلو .. وعمرو موسى ... وكل من هب ودب جاءوا ليعلمونا النزاهة ، والشفافية ، ونسوا أبو الوطنية اسماعيل الأزهري ، ومحمداحمد محجوب ، ويحي الفضلي ، ومبارك زروق ، وعبدالرحمن المهدي وغيرهم من الشخصيات التاريخية التي رسمت صورتنا الرائعة وعطرتها بعبق التاريخ فخرجت الانتخابات خالية من كل زيف وخطيئة وتقبلها الجميع بصدر رحب ولم يراقبها أحد إلا ضمير المتنافسين. كنت أومن بأن هذا الجيل الجديد هو الذي سيغير ما لحق بنا من تردي ... وهو جيل التغيير القادم ومن يراهن عليهم فهو الكاسب ! وإذا كان هذا الجيل يستخدم التكنولوجيا في الوصول الى المجتمع فماذا يفعل هؤلاء القدامي الذين لا يعرفون غير هذا الميكرفون السحري والصوت الذي لايمل النباح صباحاً مساءً ؟ ... وماذا سيكون حالنا بعد 10 سنوات أو عقد من الزمان .. حيث يستخدم هذا الجيل الفيسبوك والتويتر والبلاك بيري وغيرها من ابداعات العقل البشري في التواصل. ومن لا يملك النفس القوي المتجاوب مع هذه المتغيرات سيجد نفسه خارج اطار التاريخ!! هل تذكرون أن ( اليوتيوب ) هز أمة بحالها عندما تسربت تلك اللقطات من خارج أسوار إيران فاهتز نظام أحمد نجادي ولايزال يعاني حتى اليوم بعد مرور أكثر من عام على الانتخابات !! أنا أعرف يا إبني صفوان أنكم من جيل جديد يتطلع لغد أفضل متسلحاً بالعلم والتجربة النزيهة وأنك لست من أصحاب البيوتات الكبيرة المعروفة أو تقف وراءك طائفة أو شيخ نافذ أو مجموعة عقائدية ( صماء ) صار زعماءها كالدينوصورات لا يستطيع أحد أن يزحزحهم عن مكانهم ، و لا تملك من المال والعقارات ما يفتح امامك طريق السلطة. لقد شددت اهتمامي من قبل بحب الاطلاع وعندما أسررت لي برغبتك في الدخول لعالم الصحافة عبر التأهيل الجامعي زجرتك زجرة واحدة ، فنحن لا نعرف عملية ( التوريث ) !!! فيكفي ولي أمرك الذ ي أمضى أكثر من 40 عاماً في بلاط صاحبة الجلالة الصحافة !! عملية (التوريث) التي أزكمت انوفنا بعد أن صارت حقاً مشاعاً في امتنا العربية .. فبعد أن يحكم دولنا رؤساء سنوات وسنوات تتجاوز أحياناً ربع قرن يلتفتون ولا يجدون إلا الابن الذي لا يأتيه الباطل بين يديه ولا من خلفه فهو ( الوريث ) الشرعي والذي رضع من ثدي القائد الاعظم ولا خيار غيره فيفرض على الشعب المسكين المكلوم!! ولكن لا شىء يمنع أن تتطلع في يوم من الأيام لرئاسة هذا الوطن الغالي الذي نأمل أن يكون حتى ذلك الوقت سليماً معافى لم تلحقه لعنة (التشرزم ) .. وتحقق رغبة زميلك الطالب الذي تمنى لك هذا المنصب وكأنه يستقرى المستقبل ... فأنا أعرف ان اهتماماتك الرياضية والأكاديمية والثقافية تسبق اهتماماتك السياسية ولكن تطلعك لخدمة زملائك من هذه الجنسيات المختلفة فهو شرف كبير ، وقد تكون خطوة في طريق طويل يفتح لك المجال لما هو أكبر من ذلك !! علي عثمان المبارك – صحفي