مصادر تكشف تفاهمات سرية لوقف استهداف مطاري الخرطوم ونيالا    المملكة مركز ثقل في حركة التجارة الدولية    شاهد بالصورة والفيديو.. سودانية تحكي قصتها المؤثرة: (أبوي وأمي اتطلقوا وجدعوني ودمروا حياتي)    مصر.. الدولار يقترب من 54 جنيها لأول مرة    البنزين الأوروبي والأميركي يتجه إلى آسيا    دراسة تحذر: الذكاء الاصطناعي يميل إلى "مجاملة" المستخدمين على حساب الدقة    رئيس الوزراء الباكستاني: نعرب عن تضامننا الكامل مع الشعب الإيراني الشجاع في هذه الظروف الصعبة    نتفليكس تزيل الستار عن أول صورة لشخصية جو كينيدى الأب فى مسلسلها الجديد    الأهلي يرفض قطع إعارة كامويش وعودته للدوري النرويجى.. اعرف التفاصيل    حقيقة مفاوضات بيراميدز مع أحمد القندوسى لضمه فى الصيف    سارة بركة: أحمد العوضى مجتهد بشكل كبير وبيحب شغله جدا    دار الأوبرا تحتفى بذكرى رحيل عبد الحليم حافظ بحفلين اليوم وغداً    لوك غريب ل فتحى عبد الوهاب والجمهور يرد: هتعمل دور الملك رمسيس ولا إيه؟    وجبة سمك تُنهي حياة 3 سودانيين بالقاهرة وتتسبب في إصابة 4 آخرين بحالة تسمم غذائى حاد    7 عناصر غذائية يحتاجها الطفل فى سن المدرسة لدعم نمو وتطور الدماغ    مناوي : ناقشت بسويسرا تطورات الأوضاع في السودان وسبل دعم السلام    اختيار غير متوقع لمستقبل "الملك المصري"    والي الخرطوم يعلن تركيب كاميرات رقابة حديثة في المعابر الحدودية التي تربط الولاية بالولايات الاخرى    جاهزية متكاملة واعتماد حكام دوليين لبطولة العرب للشباب في ألعاب القوى بتونس    حل لجنة المنطقة الشمالية بكوستي وتشكيل لجنة جديدة لإدارة مباريات الدرجة الثالثة    صبري محمد علي (العيكورة) يكتب: المنصوري يا مكنة    شاهد بالصورة والفيديو.. رجل سوداني يُدخل نفسه داخل "برميل" تفاعلاً مع أغنيات "الطمبور" والحاضرون يحملونه ويطوفون به ساحة الحفل    شاهد بالفيديو.. بفستان مثير المودل آية أفرو تنصح النساء بطريقة ساخرة: (الرجل مثل العصفور إذا مسكتي شديد بموت ولو فكيتي بطير والحل الوحيد تنتفي ريشه)    عاجل..بيان مهم للجيش في السودان    شاهد بالصورة والفيديو.. ظهور علم السودان على ظهر سيارة بأحد شوارع مدينة "غلاسكو" الأسكتلندية    وفاة داعية سوداني بارز    وزير الشباب ووالي الخرطوم يشرفان ختام الفعاليات الرياضية بالشقيلاب    هل يمكن علاج الكبد الدهنى؟.. دراسة جديدة تربط الوقاية بفيتامين ب3    شاهد بالصورة والفيديو.. مشجعة الهلال الحسناء "سماحة" تطالب إدارة ناديها بتقديم "رشاوي" للحكام من أجل الفوز بالبطولة الأفريقية وتشكر "أبو عشرين"    بسبب ضعف الراتب.. وزير الثروة الحيوانية بالسودان يبحث عن عمل إضافي    رئيس الوزراء يصدر قرارًا بشأن الرسوم الجديدة في المعابر    محمد عبد الباسط يكتب: لهذا تحركت باكستان الآن للوساطة بين أمريكا وإيران    السكوت على هذا الأمر لا يرضي الله ولا رسوله!!    ارتفاع أسعار الذهب في السودان    الخليج الضحية الكبرى: إيران وجهت 83% من هجماتها إليه… و17% فقط إلى إسرائيل    مهلة أخيرة للمخالفين: خيارات متعددة لمعالجة أوضاع التأشيرات المنتهية في السعودية    ضبط 2800 قندول بنقو بالجزيرة في عملية نوعية لمكافحة التهريب    ترامب يصدر أوامره ويكشف تطورات مثيرة مع إيران    هل مخالفة ترامب خلل في الكون؟!    الأمن يداهم مخزن يبيع الوقود المهرب لعصابات التنقيب عن الذهب    تراجع معدّل التضخّم في السودان    بادي يصدر مرسوم تنظيم أعمال التعدين التقليدي وضبط آليات التعدين بالنيل الأزرق    رئيس الأهلي مدني وابنه يتعرضان لحادث مروع    المباحث تنهي مغامرات شبكة إجرامية متخصصة في الإحتيال علي أصحاب المحلات التجارية عن طريق اشعارات تطبيق بنكك المزيفة    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    الشيخ بن زومة.. إلى جنة الخلد    قيم الهلال المتوارثة يجب أن تبقى أبد الدهر    في زمن الضجيج.. القرآن بوصلة المعنى والسكينة    د.مزمل أبو القاسم يكتب: دموع الباز.. وزاهر! (2)    السودان.. الدفاع المدني يستعين ب"التوك توك"    طفح جلدي في رقبة الرئيس ترمب يثير تساؤلات حول صحته    ملتقي التحصين للعام 2025 ينعقد بحضور التحالف العالمي للقاحات والشركاء    صوت لا يغيب.. محمد رفعت ورحلة الآذان الخالد في رمضان    أجهزة الأمن السودانية تنهي مغامرات لص الصيدليات في عطبرة    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    السودان.. فكّ طلاسم"تبيدي للمجوهرات" في الخرطوم والتحقيقيات تفجّر مفاجأة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



منهج الطيب زين العابدين وشوشرة الشوش ... بقلم: مصطفى عبد العزيز البطل
نشر في سودانيل يوم 26 - 08 - 2010


[email protected]
(1)
لم أحب لنفسى أن اكون فى معية اولئك الذين اعتادوا اعتراض استاذنا الاكاديمى الاديب الاعلامى الدكتور محمد ابراهيم الشوش، لا سيما فى المحافل الاسفيرية، فيقطعون عليه الطريق، ويرهقونه من أمره عسرا، ويأخذون بناصية كتاباته السياسية الراتبة بداعٍ وبغير داع. خاصةً وان الرجل قد اصبح منذ سنوات واحداً من "الحوائط القصيرة" فى مسارح المعارضة السودانية بصنفيها الحقيقى والجزافي، شأنه شأن بعض رفقائه من المثقفين السودانيين ممن نشطوا فى معارضة نظام الانقاذ حيناً من الدهر ثم انقلبوا باراداتهم المستقلة على اعقابهم، فنقلوا المدافع من اكتافهم اليسرى الى الاكتاف اليمنى، ثم آوتهم العصبة المنقذة فى فراديسها فضلاً منها ورضوانا. وقد اصبح القفز من فوق هذه الحوائط القصيرة رياضةً محببة، بوجهٍ أخص عند مناضلى (ومناضلات) الكيبورد. اذ رأينا كيف ان كل من أصابه الملل من هؤلاء فأبتغى تنشيط عضلات يديه ورجليه وتسرية الدماء فى اوصال جسده المعارض، انتفض ثم هرول بهمة وحماسة وقفز فوق واحد من تلك الحوائط (ولا ابرئ نفسى، والنفس أمّارة بتسور الحوائط القصيرة. وفى حالتى الخصوصية فقد اكتفيت خلال الاعوام الثلاث الماضيات بقفزة واحدة فقط فوق حائط الدكتور خالد المبارك، المستشار الاعلامى بسفارتنا بلندن، بالاضافة الى قفزتين اكروباتيتين سريعتين فوق حائط صديقى القصّاب محمد محمد خير. وهذه هى المرة الاولى، ان شاء الله، التى أتشرف فيها بالقفز فوق حائط الدكتور الشوش، أطال الله فى عمره وبارك فيه ونفعنا بعلمه).
ومن الصفات الثابتة لبعض السالكين فى مسالك السياسة السودانية انهم لا يعرفون لمعارضاتهم الهوجاء مناطق وسطى تنيخ فى عرصاتها نوقهم، فتستجم الرواحل وتتأمل عبرة المسير ريثما تستأنف حملة النفير. كما أنهم لا يقصرون مقت الحكومات والانظمة الممقوتة على الافكار والسياسات والمناهج والممارسات التى يقارعونها. بل ان المعارضة تمتد عندهم لزوماً فترد بالضرورة موارد التحقير والازدراء والملاعنة والافتراء، بالحق وبالباطل، على الشخصيات السياسية والاجتماعية والثقافية والفنية التى تختار عن قناعةٍ او مصانعةٍ او هوى، مفارقة معسكر المعارضة، والاقامة فى زمام الحكومات والانظمة، فيفجرون فى الخصام ويفحشون فى الكلام.
(2)
من عاداتى الراسخة ان أقرأ أعمدة الموالين للعصبة المنقذة من الكتّاب، وفى جملتهم الدكتور محمد ابراهيم الشوش، وأتأملها بروحٍ طيبة وصدر مفتوح ينأى عن التعصب ويتفادى مزالق نفى الآخر والاستخفاف بحجته. هكذا وعلى ذات النسق جاءت قراءتى لمقال الدكتور الشوش الأخير بصحيفة "الرأى العام" صبيحة الأحد الماضى بعنوان (الطيب زين العابدين وعين السخط)، ولكن هالنى ما وجدت عند استاذنا الشوش فى يومه ذاك من كثرة التخليط وشدة المماراة والاصرار على تنكب الواقع ومجافاته، بحيث لم تصدق عيناى أننى قرأت مادةً سطرها عميد سابق لكلية الآداب فى جامعة من أرفع جامعات السودان. كان اكثر ما حيّرنى وأهمنى في ما كتب الشوش اتهامه الدكتور الطيب زين العابدين بأنه (حاد عن طريق البحث العلمى السليم)، ودعوته اياه بأن يلتزم بالمنهج العلمى فى الحجاج. كتب الشوش: (نحن نتحدث عن منهج علمى يجب ان نلتزم به عند الموالاة والخصومة). نعم وأيم الحق. هو ذاك. الالتزام بمنهج العلم عند الموالاة والخصومة مطلوب. ولكن مصدر حيرتى هنا هو ان مقال الدكتور الطيب زين العابدين المشار اليه، وقد طالعته مثنى وثلاث، جاء فى شكله ومضمونه، اشبه بالعمل الأكاديمى الملتزم التزاماً صارماً بمعايير البحث العلمى، بحيث ظننت فى مبتدأ الامر أنه جزء من بحث اكاديمي جرى تصميمه ليطرح امام هيئةٍ ما بغرض استحصال درجة علمية، لا مقال عابر مسطور لاغراض النشر بصحيفةٍ سيارة. بينما جاءت محاججة الشوش أقرب الى "الشوشرة" وأدنى الى "الهتاف" منها الى النقد الموضوعى المستبطن للروح العلمية. وما رأيت - والحال كذلك - من قلب الامور رأسا على عقب، ثم سبق الى البكاء والشكوى، كما فعل الشوش فى مسعاه لتبخيس بضاعة الطيب!
(3)
استعرض الدكتور الطيب زين العابدين فى مقاله الاطر النظرية والاستراتيجية الحاكمة تاريخياً لرؤية الحركة الاسلاموية حول الجنوب فى مجالات الدعوة والتعليم والتنمية والاعلام والتنظيم، وفق رصد متسلسل دقيق لمراحل مناقشتها واجازتها منذ نهاية السبعينات داخل الهيئات الشورية والتنفيذية لتنظيم الحركة الاسلاموية. وهى الجهود الفكرية التى وصلت ذروتها بصدور "ميثاق السودان" عن الجبهة الاسلامية القومية فى العام 1987 ، الذى تولى كبر تأصيل موقف الحركة من قضية الجنوب تأسيساً على مبدأ المواطنة المتساوية بين المسلمين وغير المسلمين. وبعد ان ثبّت الطيب المرتكزات النظرية ووثق لها توثيقا محكماً، انطلق الى استعراض ومناقشة تطبيقات وممارسات حكومة العصبة المنقذة تجاه الجنوب خلال سنوات حكمها التى جاوزت العشرين، وأورد فى هذا الصدد ست نقاط محددة رأى فيها ان الحكومة استعدت الجنوب وخلقت مناخاً اقليميا سالباً، بدءاً من اعلان وتصعيد الحرب الجهادية المقدسة التى استثارت مخاوف دول الجوار وعزلت السودان عن محيطه الافريقى، والتضييق على الكنائس، وافساد الساسة الجنوبيين، وغير ذلك من التطبيقات الاقصائية، وصولا الى اتفاقية نيفاشا الذى وجدت العصبة المنقذة نفسها مضطرة الى ركوب قطارها بتأثير الواقع القسرى الناتج عن اخفاق السياسات والتطبيقات الانقاذوية خلال الفترة الممتدة من 1990 وحتى 2005م. وقد ابان الدكتور الطيب من خلال المقارنة كيف ان سياسات نظام الانقاذ فارقت الاطر النظرية والاستراتيجية ذات المنظور الوحدوى، كما رسمتها الحركة الاسلاموية بغية تقنين ودسترة اسس التعامل مع الشأن الجنوبى، مفارقة كاملة. ثم عرج الطيب الى معالجة السؤال المحورى فى مضمار هذا التحليل وهو: كيف تنكبت الحركة طريقها فوقفت بالسودان على مشارف الانفصال الزؤام من حيث كانت الوحدة هى المرام؟! وخلص الرجل الى ان العوامل الرئيسة التى تضافرت وراء حصيلة الواقع الأغبر تكمن فى ان نظام الانقاذ تأسس عن طريق الانقلاب العسكرى، وان همه انحصر فى تأمين قبضته على السلطة بأى ثمن بصرف النظر عن مشروعيته القانونية او الدينية او الاخلاقية، فضلا عن غياب الرقابة الشعبية وحرية النقد، وتراجع مكانة اهل الفكر والنظر فى قيادة السلطة، فى مقابل صعود نجم الجلاوزة من الكادرات الامنية والاستخبارية وأهل الطاعة من التنفيذيين. وانتهى الدكتور الطيب زين العابدين الى نتيجة ذات مغزى بالغ الخطر وهى ان الحركة الاسلامية مسئولة وطنياً وتاريخياً عن انفصال الجنوب وما قد يتبعه من تداعيات فى ولايتى جنوب كردفان والنيل الازرق واقليم دارفور، وربما شرق السودان.
(4)
ذلك هو ما جاء فى متن كتاب الطيب الذى حمله أمام شعبه بيمينه. وقد حرصت على الاستفاضة فى عرض فحواه لما حسبته من غزارة العصير فى كوبه ومتانة القيمة الموضوعية فى ثوبه، فضلاً عن
صدوره عن شخصية ذات وزن مقدر فى صفوف الحركة الاسلاموية. قد تتفق مع الرجل فى معطياته ومضمون تحليله وخلاصاته، وقد لا تتفق. أنت وما ترى. ولكن هل يستطيع أحد ان ينعت مثل هذا التحليل بأنه يحيد عن طريق البحث العلمى السليم؟ يجوز. بل هو مؤكد، اذ ان الدكتور محمد ابراهيم الشوش يرى ان الدكتور الطيب زين العابدين قد حاد فعلاً عن الطريق!
يأخذ الشوش على الطيب انه يقول ما لا يملك دليلا قاطعا عليه، ويطالبه بابراز الاثباتات القطعية على ما يكتبه. اقرأ هذه الكلمات الحاسمات: (ومن حق الحركة عليه ومن حق تلامذته عليه ان لا يقول الا مايملك إثباتا قاطعا عليه) .لتجف الاقلام اذن وتطوى الصحف، ولا بارك الله فى يد تكتب بعد اليوم دون ان تملك الادلة القاطعة والبراهين الساطعة على كل حرف تسطره! يا سبحان الله. كم هو عجيب امر الشوش هذا. الدكتور الطيب زين العابدين كاتب رأى فى صحيفة، وليس مخترعاً فى معمل ولا محققاً فى جناية، ومن الطبيعى الا يملك دليلاً قاطعاً على كل شئ يكتبه، فهو انما يكتب تحليله الخاص لمجريات الواقع السياسى من خلفية تاريخ حى شارك هو شخصياً فى صياغته. التحليل والرأى يتضمنان تفكيك الوقائع واستنطاقها وتفسيرها بمنطق استنباطى، وتبيان العلائق الجدلية بين عناصرها، ومحاولة تقديم افكار هادية تستبق المستقبل وتقود الخطى الي رحابه. الادلة و"الاثباتات القاطعة" مجالها التحريات الجنائية، والتحقيقات الحقوقية والادارية، والبحوث الكيميائية والبايولوجية، لا التحليلات الصحفية.
ومع ذلك فان التحليل الذى طرحه الدكتور الطيب يستند على أدلة ثابتة من حقائق ووقائع مرصودة مكتملة التوثيق، فكيف يكون اثبات مفارقة العصبة المنقذة للاطر النظرية التى صاغتها الحركة الاسلاموية، بأكثر مما فعله الطيب الذى تناول بالعرض ادبيات الحركة الاسلامية ذات المحتوى الوحدوى، وثيقة اثر وثيقة، عبر مراحل زمنية متعاقبة، ثم عرّج على السياسات والممارسات التطبيقية التى انتهجتها العصبة المنقذة مرحلةً مرحلة، ثم خلص من خلال العرض المقارن الى تبيان مفارقات التنظير وتناقضات التطبيق.
ومن غرائب ما قرأنا عند استاذنا الشوش مطالبته الدكتور الطيب بأن يفصّل مآخذه على النظام، وان يبرهن (كيف حاد النظام عن الجادة فى تطبيق المشروع الاسلامى بالصورة التى ادت الى رفض الجنوبيين، وهم الذين لم يعلنوا مرة واحدة عن قبولهم للمشروع الاسلامى بأى تطبيق آخر، وانما كان رفضهم مبدئياً)، وان (يبين بنداً بنداً كيف حاد زملاؤه فى الحكم عن هذه الاسس. ولو فعل وكان مقنعاً وكان طرحه موثقاً لما تغير من الامر شئ. ومع ذلك فقد قفز استاذنا الجليل الى الآخر واخذ يرسل الاحكام جزافاً، فهو يؤيد التهمة التى تصم الحركة الاسلامية بانها لا ترغب اصلا فى وحدة السودان). ونحن، وغيرنا، بحكم كوننا من المراقبين لسوح المثاقفة السياسية، نعلم – خلافا لزعم استاذنا الشوش - ان الدكتور الطيب زين العابدين ما برح بالفعل يكتب ويفصل، ويعيد ويزيد، عبر العقدين المنصرمين حول مآخذه على النظام وممارساته اجمالاً، وحول الاوضاع فى جنوبى السودان تخصيصاً، ويرفد الصحافة السودانية بمآخذه تلك بصورة اسبوعية راتبة دون كلل، حتى جاوز بالناس طور الاملال. وأكاد اجزم بأن الساحة السودانية لم تنجب فى عهدها الحديث من افاض فى تحرير البيان الناقد لسياسات وتطبيقات الحكام مثل الطيب. فاما ان استاذنا الشوش لا يقرأ، واما ان تكون على الآذان اقفالها.
ولكن يهمنا هنا ان نبيّن ان الشوش انما يفارق جادة الحق، وهو يتمادى فى الدفاع عن سياسات العصبة المنقذة وتطبيقاتها، حين يزعم ان الحركة الشعبية ترفض المشروع الاسلاموى من حيث المبدأ ولو جاء مبرأً من كل عيب، ومن هناك فلا وحدة مع المشروع، ولا مشروع مع الوحدة. والحق ان الحركة الشعبية لا ترفض المشروع الاسلاموى من حيث المبدأ. ذلك ادعاء لا يستقيم على ساقين. ونحن نعرف بطبيعة الحال ان الحركة الشعبية تصالحت مع البرنامج الاسلاموى فى عديد من تجلياته، ومثال ذلك توقيعها اتفاقية جنيف مع المؤتمر الشعبى الاسلامى عام 2001، ثم بروتوكول مشاكوس فى العام 2002. والحال كذلك فان الدفع بأن الحركة ترفض المشروع رفضاً مطلقاً من حيث المبدأ حجة مصطنعة لا تصف الحقيقة. ثم ان اتفاقية نيفاشا، التى شكلت الاطار الدستورى الحاكم منذ العام 2005، نصت فى بعض بنودها على اعطاء العاصمة وضعية دستورية خاصة واعفاء الجنوبيين فى الشمال من تطبيقات الشريعة، وهو ما اخفقت العصبة المنقذة فى الالتزام به. كذلك نادت الحركة الشعبية بحياد الحكومة الفدرالية فى أمر الدين حتى بح صوتها، وقد اخفقت العصبة فى التجاوب مع هذا المطلب ايضاً.
غير ان الثابت والذى لا نظن ان ينازعنا عليه منازع، هو ان المعضلات التى وقفت، ولا زالت تقف فى طريق الوحدة، اكثر تشعباً وتعقيداً من ان يحصرها احد فى التناقض المبدئى المُدعى بين المشروع الاسلاموى وأطروحة الوحدة؛ اذ لا علاقة لأغلب هذه المعضلات بالمشروع الاسلاموى ولا بالاسلام نفسه. ومن ذلك المشاكسات المتلاحقة، والنزاعات المتفاحشة حول قضية أبييى، وعائدات النفط، وترسيم الحدود، والاحصاء السكانى، وقوانين الانتخابات، والاستفتاء، وهيكلة الاجهزة الامنية، ودعم العصبة المنقذة للمنشقين على الحركة الشعبية وسعيها لاثارة الفتن فى الجنوب، فضلاً على الخلافات اللانهائية المحتدمة حول تقنيات تطبيق الاتفاقية، وهلم جرا.
(5)
ويتشكك الشوش فى دوافع الطيب ويفتش قلبه، ثم يتهمه بأنه يلتمس لنفسه مخرجاً، بحسبانه اسلاموياً فى أصل انتمائه العقدى والسياسى، بادعاء ان المشروع الاسلاموى لا يشكل فى حد ذاته وفى جوهره عقبة امام الوحدة، وان اللوم يقع على النخبة الحاكمة وتطبيقاتها الخاطئة. كما يتهمه بأنه، اى الطيب، يبحث لنفسه عن عذر يعفيه من البحث عن حل عاجل لانقاذ الوحدة فى هذه المرحلة الخطيرة من تاريخ السودان. ونحن نسائل الشوش هنا من منطق عقيدته ذاتها، وهو يقذف بحمم هذه التهمات الغلاظ فى الهواء: ما هى "الأدلة والاثباتات القاطعة" التى يملكها على ان الدكتور الطيب يلتمس لنفسه مخرجا بالقاء اللوم فى امر الانفصال على العصبة المنقذة، وانه يسعى لاعفاء نفسه من مسئولية البحث عن حل عاجل لانقاذ الوحدة؟ فليوافنا بها. ومن المؤكد ان الشوش يملك الادلة والاثباتات القاطعة، فمن غير المعقول ان يتهم غيره بمجافاة الروح العلمية فى الكتابة بايراد الاحكام دون تقديم "الادلة والاثباتات القطعية"، ثم يأتى بذات الخلق الذى نهى عنه فيرسل الاتهامات والادعاءات طليقةً فى الهواء بغير تمييز او احتراس!
وقد وجدت من أغرب الحجج على الاطلاق التى دفع بها الشوش فى مواجهة الطيب تلك الحجة بشأن منح الجنوب حق تقرير المصير. يستبشع الشوش تلميحات الطيب، بل لعلها تصريحاته، بأن العصبة المنقذة لا ترغب اصلا فى وحدة السودان، وان هدفها ينحصر فى الانفراد بحكم الشمال. كتب: (والقرينة الوحيدة التى فتح الله بها عليه لدعم هذه التهمة الخطيرة هى قبول عناصر الحركة الاسلامية الحاكمة منح حق تقرير المصير الذى يؤدى فى نظره الى انفصال محقق . وهذا ينافى الحقيقة كلية. فإقرار حق تقرير المصير للجنوب لم يكن من فعل عناصر الحركة الاسلامية داخل الحكم أو خارجه ولم تكن المبادرة به وانما دفعت اليه دفعا بواسطة القوى المعارضة وضمنته فى قرارات مؤتمر القضايا المصيرية بأسمرا عام 1995). زعم الشوش هنا يرتكز على فرضية لا اجد ما اصفها به سوى انها فرضية طريفة، بل لعلها ممعنة فى الطرافة، جوهرها هو ان أحزاب المعارضة السياسية السودانية مثلت قوة فاعلة عظيمة الأثر يُحسب حسابها فى الواقع السياسى السودانى ما بعد الانقاذ، وليس ادل على ذلك من ان العصبة المنقذة اضطرت للاذعان لمطلب منح الجنوب حق تقرير المصير بسبب ان، طيب الذكر، التجمع الوطنى الديمقراطى الذى كان على رأسه مولانا محمد عثمان الميرغنى وعلى أمانته العامة السيد مبارك الفاضل المهدى اعتمد ذلك المطلب فى مؤتمر عقده سنة 1995. وبحسب الشوش فان العصبة المنقذة لم ترد حقا ان تمنح الجنوب حق تقرير المصير الذى طالبت به الحركة الشعبية لتحرير السودان، ولكن اقرار الميرغنى ومبارك الفاضل وفاروق ابوعيسى والتيجانى الطيب وعبد العزيز خالد والنخبة من قادة تجمع اسمرا لذلك المبدأ وادراجه فى ادبيات التجمع اضطر النظام اضطراراً للقبول به. هؤلاء اذن هم المشتبه فيهم، او بالاحرى المتهمون الحقيقيون، الذين ضاع الجنوب على ايديهم، لا حكومة العصبة المنقذة. واعجب للشوش يأتينا بمثل هذه الخزعبلات ثم ينصح الطيب بالا يحيد عن الجادة، وان يلتزم ب (النهج العلمى القويم) ويطالبه بأن يبرز (الادلة والاثباتات القاطعة) على ما يكتب!
(6)
كنا نود لو اننا خصصنا هذه الزاوية بكاملها لتدارس مساهمات الدكتور الطيب زين العابدين الأخيرة حول قضية المشروع الاسلامى وتحديات الوحدة والانفصال، وهى مساهمات رصينة شديدة الثراء، تنضح بالوطنية وحب السودان. وتزداد خصوبتها لو ان اهل الرأى طالعوها وتدارسوها فى حزمة واحدة مع مقالات صنوه ورفيق دربه العقدى والسياسى، الدكتور عبد الوهاب الافندى، خلال الاسابيع القليلة الماضية، والتى عالج فى متنها أمر العقبات الحقيقية والمتوهمة فى شأن الزواج العرفى المتعثر بين المشروع الاسلاموى والمشروع الوحدوى. ولكن شوشرة الشوش شغلتنا، وثلمت قلمنا، وبدّدت مدادنا. ولله فى شوشه شئون. ويالتصاريف الزمان. من كان يتصور، فى اكثر تهويمات الخيال شطحاً، ان يأتى يوم ياخذ فيه الخلاف حول مستقبل السودان ووحدته بتلابيب رموز الحركة الاسلاموية، فلا يجدون من يراجعهم ويقرعهم ويرشدهم ويقوّم خطاهم غير استاذنا الدكتور محمد ابراهيم الشوش؟!
ولا يدهشنا ان نرى استاذنا يتخذ اكثر المواقف تشدداً فى موالاة العصبة المنقذة، بالمزايدة على قيادات حركية منظمة ذات نسب عريق فى الاسلاموية. وفى وعينا عبارة السياسى العربى الحكيم الذى خبر الدنيا وعرك دروبها: (من يشرق كثيراً يغرّب أخيراً). ولا أعرف من الشخصيات الثقافية السودانية من "شرّق" فى معارضة الانقاذ مثل ما فعل الشوش، فكان "تغريبه" وفاءً لنذارة الحكيم. اقرأ يا رعاك الله ما كتب الرجل يذم الانقاذ ويدين قادتها ويشنع على نظامها، ويتهمه بالاستهتار بوحدة السودان وعدم المبالاة بمصير الجنوب وعرضه للبيع بالثمن البخس مقابل تثبيت حكمها فى الشمال، وذلك فى زاويته "مصداق الحديث" بصحيفة "الفجر" اللندنية، بتاريخ الثلاثين من يوليو 1997 . كتب الشوش:(هذا النظام مستعد للتنازل عن أى شئ، وارتكاب أى شئ، فى سبيل الحكم وفرض سيطرته على الشعب السودانى، حتى وان تقلص الى سكان وسط الخرطوم. خط الانقاذ الاحمر اذن هو الانفراد بحكم الشمال فى أدنى حدوده، أما ما عدا ذلك فكل شئ مطروح للمساومة والتنازل والبيع والشراء).
ذلك ما كتبه الرجل فى الزمان الغابر، وهو يجالد النظام بسنان قلمه من المنافى البعيدة، وكان عهدذاك يحدثنا بأن نظام الانقاذ مستعدٌ لأن يبيع امه فى السوق بفلسٍ واحد فى سبيل البقاء السلطة. اقرأه يقول فى نفس المادة بزاويته من صحيفة "الفجراللندنية": (اذا كانت قضية الجنوب عائقاً دون ذلك الهدف فليذهب الجنوب واهله. واذا كانت مناصرة الجماعات الدينية المتطرفة واحتضان المعارضين لحكوماتهم يجلبان الضُر فليذهب هؤلاء مطرودين او مغدوراً بهم الى من يطلبهم، او الى الكهوف والجبال).
ولا تثريب على الشوش، كونه ترجّل عن حمار المعارضة واعتلى حصان النظام. لا مشاحة فى اجالة النظر واعمال الفكر، ولا ضير فى مراجعة النفس وتبديل المواقف. الناس ولدتهم امهاتهم احرارا. كل الذى نرجوه من الرجل - وقد كنا ولا زلنا نحسبه فى طليعة مثقفينا الوطنيين - أن يخفف الوطء فلا يسلك بنفسه وبنا سبيل المعاسرة، ولا يشتط فى مدح الانقاذ كما اشتط فى ذمها، وان يستقيم على منهج التقوى فى مناظرة خصوم اليوم، فلا يعاجلهم، من فوق اوراق جريدة "الرأى العام" شبه الحكومية، كما عاجل خصوم الامس من فوق أوراق جريدة "الفجر" المعارضة!
عن صحيفة (الأحداث)


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.