رويترز: صور أقمار صناعية تكشف عن معسكرٍ خطير تبنيه إثيوبيا لتدريب ميليشيا الدعم السريع    اللواء الركن (م) أسامة محمد أحمد عبد السلام يكتب: البغلة في إبريق (شيخ اللمين)    الدولار يواصل التراجع أمام الجنيه فى منتصف تعاملات اليوم    دراسة: السمنة وراء واحد من كل عشر وفيات بالعدوى على مستوى العالم    آبل تستعد لأكبر تغيير فى تصميم آيفون منذ سنوات مع iPhone 18 Pro    تعادل الهلال والإتحاد يؤكد تأهل الرابطة لدورى النخبة ويشعل المنافسة على البطاقتين الأولى والثانية    الأهلي شندي يُسمّي جهازه الفني الجديد بقيادة علم الدين موسى وإسلام الفاضل    دعوى ضد ميتا ويوتيوب بشأن إدمان الأطفال للتطبيقات    أسباب ارتعاش العين وطرق العلاج    سفير السودان بالنمسا يدعو الاتحاد الأوروبي لممارسة الضغط على مليشيا الدعم السريع المتمردة وداعميها    مدير السكة الحديد: استئناف رحلات قطار عطبرة – الخرطوم خطوة في مسار التعافي الاقتصادي    رئيس شركة نتفليكس يكشف عن تدخل ترامب فى الصفقة الجديدة.. اعرف التفاصيل    درة تكشف عن دورها فى مسلسل "على كلاى".. شخصية مركبة ومعقدة    مني أبو زيد يكتب: القبيلة والقبائلية في السودان بعد حرب الخامس عشر من أبريل    مسؤول سوداني يغادر إلى تركيا    الأهلي شندي يشكر المدرب النضر الهادي    وزير الطاقة يوجه بالعمل على زيادة التوليد الكهربائي    السودان.. وزير الشباب والرياضة يصدر قرارًا    وزير المعادن: السودان ينتقل من تعدين الذهب إلى عصر المعادن الاستراتيجية والطاقة النظيفة    بدر للطيران تدشن رسميا خط بورتسودان دنقلا    دوري أبطال أفريقيا يشتعل.. 3 أندية تتأهل رسميًا وصراع مفتوح على 5 بطاقات    ارتفاع في وارد المحاصيل الزراعية بسوق القضارف    رحمة أحمد تفاجئ الجمهور بظهورها بالحجاب على البوستر الرسمى لمسلسل عرض وطلب    عثمان ميرغني يكتب: كبري الحلفايا...    بإطلالة نارية وقرد صغير.. رامز جلال يلمح لمقالبه في رمضان    وزير الشباب والرياضة يلتقي وكيل جامعة الدلنج ويبحث أوضاع كلية التربية الرياضية    علامة تحذيرية لمرض باركنسون قد تظهر فى الأنف قبل سنوات من التشخيص    شاهد بالصور.. كان في طريقه للتوقيع لفريق الخرطوم.. لاعب سوداني يتعرض لإصابة نتيجة انفجار "دانة" تسببت في بتر يده ورجله والنادي يكرمه بعقد مدى الحياة    شاهد بالفيديو.. قائد ميداني من أبناء "المسيرية" يعلن انشقاقه من الدعم السريع ويقسم على المصحف بسحب كل أبناء القبيلة من المليشيا    شاهد بالصور.. مواطن سوداني محتجز بأحد إقسام الشرطة بمصر يرسل رسالة لأقاربه على قطعة "كرتون" (أحضروا لي ملابس)    شاهد بالفيديو.. افتتاح مستشفى بمواصفات عالمية بمنطقة شرق النيل بالخرطوم والجمهور يشببها بأكبر المستشفيات بالخليج    مدير عام قوات الجمارك: لن نتهاون في حماية الوطن من سموم المخدرات والسلاح    مجموعة الهلال السوداني.. صنداونز يقتنص التعادل ويبقي آمال التأهل في دوري الأبطال    الأهلي يبلغ ربع نهائي أبطال أفريقيا.. والجيش الملكي يهزم يانج أفريكانز    الجمارك في السودان تحسم جدل رسوم بشأن الأثاثات والأجهزة الكهربائية للعائدين    أفراد من الشرطة يلقون القبض على السائق الخاص بالقائد الميداني لمليشيا الدعم السريع "جلحة" داخل "ركشة" بحي بري    هلال كوستي يدشن برامجه الثقافية بليلة ثقافية كبرى وتكريم رموز النادي والمجتمع    شاهد بالفيديو.. سرقة محل مجوهرات بشارع الوادي بأم درمان وقيمة المسروقات تقدر ب(ترليون) جنيه    محاولة أوكرانية جديدة لإفشال مفاوضات السلام بعيداً عن ارض المعركة    رفض الزوج شراء سجائر لها فقتلته.. جريمة زوجة مصرية تثير الجدل    توصيات المؤتمر القومي لمعالجة قضايا الشباب    لجنة أمن ولاية الخرطوم تؤكد المضي قدما في تنفيذ موجهات رئيس مجلس السيادة لبسط الأمن وفرض القانون    ضبط اسلحة ومخدرات بكسلا    حريق كبير في سوق شرق تشاد    رسالة أخيرة في بريد الرئيس البرهان قبل تمرد الحركات المسلحة الدارفورية    ترامب يحذر إيران: الوقت ينفد والهجوم القادم سيكون أشد    مباحث الخرطوم تعلن توجيه ضربة موجعة لمافيا السيارات..إليكم التفاصيل    تلفزيون السودان يستأنف البث المباشر من مقرّه الرئيسي    وزير الصحة: التبغ عدو الحاضر والمستقبل و فاتورته الصحية تفوق عائداته الضريبية    هل قتل السحر الأسود الإسرائيلي عبد الناصر؟.. كتاب جديد يكشف خفايا خطيرة في مصر    سباق اختراق الضاحية باكورة بطولات الاتحاد العربي لألعاب القوى    شركة اتصالات في السودان تعلن عن توقف خدمات    "مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ"!    أحمد الشاكر: انا أعجز عن شكر جميع الإخوة الأشقاء في المملكة العربية السعودية    ترامب للإيرانيين: واصلوا الاحتجاج.. المساعدة في الطريق إليكم    السودان..حصيلة صادمة بمرض شهير في ولايتين    إسحق أحمد فضل الله يكتب: (حديث نفس...)    "كرتي والكلاب".. ومأساة شعب!    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



محاورة بعض أفكار الأستاذ/ محمود محمد طه .. بقلم: نوري حمدون – الأبيض – السودان
نشر في سودانيل يوم 20 - 04 - 2011

ليس من شك عندي أن الأستاذ / محمود محمد طه واحد من المفكرين القلائل الذين أنجبهم السودان . و لو لا ذلك ما أرهقت نفسي بمحاورة أفكاره عبر هذا المقال . و أومن بأن تلاميذه – إن قرؤوا كلامي هذا – سيردون علينا ردا علميا هادئا و مثمرا و سيصبرون علينا صبرا حكيما طالما تعودناه منهم .. و لم نكن نعتقد أننا سنفتقدهم في يوم من الأيام في أركان النقاش أو ساحات الفكر البناء . و أرجو أن يكون مقالي هذا ركن نقاش آخر .. محوره كتاب الأستاذ ( الرسالة الثانية ) الأساس في الفكرة الجمهورية.. و قد خرج النقاش بالعشرة نقاط التالية :
1- ليس صحيحا أن كل الأفكار الجديدة المميزة للفكر الجمهوري التي دعا لها الأستاذ/ محمود محمد طه مستفادة مباشرة من نصوص بعينها من القرآن الكريم . و ربما أن الصحيح أنها مستفادة من التفكر الحر في الحياة و الطبيعة من حولنا و ليس في أغلبها لها علاقة بنصوص القرآن الكريم . يستفاد هذا الفهم من (الأصول) التي ينادي بها الأستاذ باعتبارها مراد الإسلام . فالأستاذ يتحدث عن أن الإسلام رسالتان . كلتا الرسالتين بلغهما النبي . و إنما وقع التفصيل في حق الأولي و تنتظر الثانية مجئ رجلها . و أن الرسالة الثانية هي السنة التي بمعنى شريعة النبي الخاصة في عبادته و في سلوكه مع الناس . و مما لا شك فيه أن الإسلام لا يحتوي على نصوص بهذا المعنى . إن ما وقع من الأستاذ في ذلك هو الإجتهاد و الرأي . و للجميع الحق في الإجتهاد . و في ذلك يقول الأستاذ على ورثة القرآن - أن يدعوا إلى الرسالة الثانية ، تبشيرا بالعهد الجديد الذي أصبحت البشرية تشعر بالحاجة الملحة إليه ، ولكنها تخطئ طريقه ، وإنما طريقه في المصحف ، ولكن المصحف لا ينطق ، وإنما ينطق عنه الرجال .. قال تعالى في ذلك : (( بل هو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم وما يجحد بآياتنا إلا الظالمون )).. الطريق في المصحف بمعني الحافز على الإجتهاد . الفكر الجمهوري آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم مثل الأستاذ .. و لكنه ليس أيات بينات في سطور الكتاب المنزل على النبي . و هذا الكلام لا نسوقه تحقيرا للإجتهاد أو تسفيها للتفكر و لكن لتوضيح سبب نفور الناس من الأستاذ و قد إعتادوا على ضرورة الإرتباط بالقرآن في إستنباط الأفكار و الأحكام . و معلوم أن القرآن قد سكت عن أشياء كثيرة .
2- ليس صحيحا أن العلم لا يفضي الى إيمان بالله , و ليس صحيحا أنه أخذ يحل محل الدين شيئا فشيئا و لكنه لن يستطيع أن يحل محله نهائيا . بل الصحيح أن العلم هو المعرفة التجريبية المحسوسة و التي كانت في يوم من الأيام هي الغيب نفسه . فمنطقة عمل العلم هي عين منطقة عمل الدين – الغيب . و معلوم أن الغيب في كل مستوياته سيصبح يوما ما واقعا ملموسا كالجنة و النار و الملائكة و الذات العليا نفسها . و عليه فالدين بمعني الغيب سيصبح يوما ما علما صرفا . و ما وظيفة الدين الا أن يصبح الأمر كذلك . فالذي نعتقده أن الدين كان يقدم إجابات للأسئلة العلمية التي يطرحها الإنسان . و كذلك يفعل العلم . كل الفرق ان العلم يقدم الإجابات بالطريقة المحسوسة و التي يمكن أن تخضع للتجربة . و العلم إستغراق في الطبيعة و الحياة المحسوسة من حولنا بالعقل و الذي ثبت أنه دوما يؤدي الى عتبة الذات العليا و لكن دون أن يدعي معرفة الذات . و على العكس فالعلم يثبت أن معرفة العقل لأسرار سلوكيات الذات الألهية تتناقض مع العقل . و نحن نعتقد أن الإنسان لا يملك من أدوات المعرفة سوى العقل . و عليه فالصحيح أن العلم هو الإمتداد الطبيعي للدين . فالدين هو الذي يشير مجرد إشارة الى الغيب , بينما العلم هو الذي يجعلنا نعقل و ندرك بحواسنا ذلك الغيب . و عليه أيضا فالعلم هو المفضي الى الإيمان بالله .
3- ليس صحيحا أن الرسالة الثانية التي عرضها الأستاذ و سماها (طريق العهد الجديد) و (طريق المسلمين على الأرض) موجودة في ما سماه (الآيات المكية) , بل الصحيح عندي أنها موجودة في الفكر الخاص بالأستاذ الذي هو نتيجة للنظر المدقق في الحياة و الكون و الإنسان جميعا . فرغم أن الرسالة في أحد جوانبها هي سنة الرسول في خاصة نفسه .. الا أن الخلاصات التي يقدمها الأستاذ في نهاية حديثه عن الرسالة الثانية تشير الى مبادئ الديمقراطية و الإشتراكية . كما تشير الى المساواة التامة بين الجنسين و الى تجنب التعدد و الطلاق و تجنب إعتبار المرأة على النصف من الرجل في الشهادة و الميراث . كما تشير الى إعتماد غير طريق العنف و القوة لإحداث تغيير إجتماعي ما و تشير الى حرية الإعتقاد . فأين في القرأن المكي نجد كل ما أشير اليه أعلاه . إن آيات الإسماح المنسوخة بآية السيف ربما كانت فعلا تشير الى حرية الإعتقاد . لكن آية الشورى و آية لست عليهم بمسيطر و آية يسألونك ماذا ينفقون قل العفو لا يستفاد منها شئ يشبه الفعل الديمقراطي أو الإشتراكي . ليس في الأمر غضاضة أن يقدم الأستاذ حلولا لمشاكل العصر عبر التفكر الحر في الطبيعة .. ففي ذلك , لم يكن محتاجا لإستعارة نصوص تتبع لبناء فكري ضخم يقوم على مرتكزاته الخاصة المعبر عنها بعبارات في رأينا لا تحتمل التاويل لمجرد أن نعطي أفكارنا إسما إسلاميا .
4- و ليس صحيحا أن تطوير الشريعة يتم بالإنتقال من نص ناسخ ضمن الآيات المدنية الى نص منسوخ ضمن الآيات المكية . فكما أسلفنا فليس كل ما يدعو له الأستاذ مسنود بآيت من النصوص المكية . و الصحيح أن كل المنسوخ متعلق بآيات الإسماح التي إقتبس منها فكرة الحرية الفردية المطلقة . و إذا كان الأستاذ يدعو لأفكار أخري غير الإسماح من نحو ما أشرنا إليه أعلاه فسنده من النصوص غير موجود في الآيات المكية . خصوصا عندما نسمع الأستاذ يقول : الشريعة الإسلامية شريعة كاملة .. وهذا صحيح .. ولكن كمالها إنما هو في مقدرتها على التطور - .. وتطور الشريعة ، كما أسلفنا القول ، إنما هو انتقال من نص إلى نص .. قوله : (( ما ننسخ من آية )) يعني : ما نلغي ، ونرفع من حكم آية .. قوله : (( أو ننسئها )) يعني نؤجل من فعل حكمها.. (( نأت بخير منها )) يعني أقرب لفهم الناس ، وأدخل في حكم وقتهم من المنسأة .. (( أو مثلها )) يعني نعيدها ، هي نفسها ، إلى الحكم حين يحين وقتها .. .. فليس النسخ ، إذن ، إلغاء تاما ، وإنما هو إرجاء يتحين الحين ، . فالنسخ عند الأستاذ مستفاد من عبارة (ننسئها) . و التي بين القرآن أنه يأت بخير منها أو مثلها . و (مثلها) هي التي فسرها الأستاذ بمعنى (نفسها) . و عبارات القرآن تحدثت عن شيئين يأتيان كبديل للمنسوخ أو المنسأ .. الأفضل (خيرا منها) أو الشبيه (مثلها) . و في إعتقادي لا مجال للإحتمال الثالث و الذي أتي به الأستاذ وهو إعادة الآية نفسها . ف (نفسها) ليست هي (مثلها) . و عليه فعبارة ننسئها ليس معناها نؤجلها . و ما نسخه الله فلن يعيده مرة ثانية أبدا .
5- ليس صحيحا أن المأذون بتبليغ الرسالة الثانية أو الثالثة أو غيرها هو (نبي) و ليس صحيحا أنه (رسول) . فالصحيح أن المأذون هو أنا و أنت و الأستاذ و جميع الناس الذين بإمكانهم ممارسة الإجتهاد و إستخلاص المعاني من القرآن و الحياة . فالرسالة الثانية إن أسميناها كذلك هي إجتهاد آخر و فكر جديد . الا أن الأستاذ يقول : = من المأذون؟ - هم يعترضون على أن تكون هناك رسالة ، تقتضي رسولا ، يقتضي نبوة ، وقد ختمت النبوة ، بصريح نص ، لا مرية فيه .. وإنه لحق أن النبوة قد ختمت ، ولكنه ليس حقا أن الرسالة قد ختمت - ومعلوم أن كل رسول نبي ، وليس كل نبي رسولا .. و قد أوضح الأستاذ أن النبوة معناها التلقي عن الله عبر الوحي الجبريلي .. و هي التي ختمت . أما التلقي عن الله كفاحا فقد كان و ما زال و سيظل قائما في معني تلقي المعرفة من الله بغير واسطة . و يفهم من كلامه أن المأذون رسول في معنى أنه يبلغ الناس رسالة ما , و أنه نبي في معنى أنه منبأ عن الله بغير واسطة جبريل . و الإشكال الذي أوقعنا فيه الاستاذ أنه أراد أن يعبر عن معانيه بالإستلاف من عبارات الاخرين . و ال (الآخرين) هنا هي القرآن و التراث الإسلامي . فلقد تحدد لدي الناس حين الحديث عن الإسلام معنى (نبي) و (رسول) . فلا أجد مبررا لإستعمال هاتين الكلمتين و كان من الممكن إستعمال غيرهما دون إدخال الناس في سوء فهم . فالأستاذ في نهاية المطاف مجتهد يجوز في حقة أن يصيب و أن يخطئ .. و في ذلك لم يكن محتاجا لأن أن يستعير جلباب أحد حتى يقنع الناس أو يوصل أفكاره اليهم .
6- ليس صحيحا أننا نستطيع أن نتحدث عن (الروح) و عن (التسيير و التخيير) لمجرد أننا نمتلك عقولا مطالبين بإعمالها . إن الخوض في مثل هذه الأمور بلا شك ضرب من ضروب التفكر في الذات . و هو أمر كان الإسلام محقا حين نهى عنه من زاوية أن الله لا تدركه العقول . و معني ذلك أننا لا نستطيع أن نصل الى علم بكيفية سلوك الذات مع مخلوقاتها بخلاف ذلك العلم المنزل في الكتب السماوية . و هو في هذه الحالة علم الذات نفسها عن نفسها بنفسها . و هو بلغة الرياضيات ( معطي) . و قد أسهب الأستاذ كثيرا في الحديث عن هذا الجانب .. و كان معظم حديثه معرفة لدنية من النوع الذي عرف به الصوفية . و كلام الصوفية دائما – مثل كلام الكهان زمان – لا تستطيع أن تفهم منه شئ .. و هم يعلمون أن الناس غالبا لن تفهم عنهم شيئا . فالمعرفة اللدنية في النهاية فردية . فالأستاذ مثلا يقول : والتسيير حرية ، لأنه يقوم على ممارسة العمل بحرية (( مدركة )) في مستوى معين ، = و نفهم أن الإنسان مسير في معني أنه بلا حرية , و لكن /التسيير حرية/ يجعلنا نفهم أن الإنسان مخير . فنحتار مع الأستاذ شيئا ما . و تعال نستمع اليه يقول : فكأن الإنسان مسير من التسيير إلى التخيير ، لأن الإنسان مخير فيما يحسن التصرف فيه ، مسير فيما لا يحسن التصرف فيه ، من مستويات الفكر ، والقول ، والعمل . = فنفهم أن الإنسان مسير .. و لكنه مسير الى التخيير .. فنكتشف أنه مخير إذن . و إذا دمجنا العبارتين أفادت أن الإنسان مسير في أن يكون مخير .. يعني مسير إذن . لكن الأستاذ يقول في آخر العبارة أن الإنسان مسير في أشياء و مخير في أشياء . و هذا بالضبط مثال للكلام الصوفي الذي قلت أنك لا تفهم منه شيئا محددا . و في إعتقادي أن الصوفية فائدتها أنها تهذب صاحبها بطريقة معينة و عبر أفكار معينة عليه أن يحتفظ بها الصوفي لنفسه لأنها غير قابلة للتداول مع الآخرين .
7- ليس صحيحا ما تفطن اليه الصوفية من أن أوهام العقول يجب إزالتها بتجويد العبادة . و ليس صحيحا أن العقل أمامه إمام هو (القلب) الذي هو صاحب الحاسة السابعة . فالصحيح أن العبادة الحقة هي إعمال العقول لهتك الحجب و معرفة الغيب بتحويله الى مدركات تجريبية محسوسة . و الصحيح أننا مخاطبون خطابا عقليا لندرك إدراكا عقليا كل قضايا الله و الدين و الغيب . لقد إنتهى الإستاذ الى الغاء دور العقل في هذه الجوانب حين قال : وأما الصوفية فقد تفطنوا إلى ذلك ، وعلموا أن أوهام الحواس ، وأوهام العقول ، يجب التخلص منها بأساليب العبادة المجودة ، التي تبلغ بهم منازل اليقين المحجبة بحجب الظلمات ، وحجب الأنوار . ومن الظالمين من يعتمد على العقل ، في فهم حقائق الدين ، كل الاعتماد .
و لكن على ماذا يكون الإعتماد لفهم حقائق الدين ؟ لقد تقدم الإستاذ بالإجابة حين قال : العقل ، حين يستحصد ، ويصبح قادرا على أن يذوق ،ويشم ، ويلمس ، ويرى ، ويسمع ، كل شئ ، وفي لحظة واحدة . فإذا بلغ العقل هذا المبلغ ، فإنه يعرف قدر نفسه ، ويعلم أن مكانه خلف القلب لا أمامه ، فالقلب هو وسيلة فهم حقائق الدين .. و دور العقل أن يقف بنا عند باب القلب , ليس الا .. ليقوم القلب بتقديم فهم حقائق الدين . الا أن المشكلة أن الوصول الى تلك العتبة /عتبة القلب/ ليس سهلا و إن حدث لا يدوم طويلا .. و إنما هو لحظة خاطفة تنبجس فيها حقائق الدين إنبجاسا . يقول الإستاذ : طاعة العقل للقلب هي أشق الأشياء عليه ، وهي لا تتحقق إلا الفينة بعد الفينة ، وفي قمة السلوك المجود . ولا يطول المكث فيها ، لأنها خارج الدهر .. وهي مقام (( ما زاغ البصر، وما طغى )) وعندها يشاهد السالك من ليس يحويه الدهر .. هذا مقام الشهود الذاتي بسقوط كل الوسائط ، في تلك اللحظة يبلغ القلب مبلغ الحاسة السابعة . فالقلب يعطيك لحظة معرفيه خاطفة خارج الدهر ينقل اليك من المعارف ما ليس يحويه الدهر .. إنها بالتأكيد لحظة وصول الأنسان الى الله . و نحن بكل تأكيد نحترم الصوفية .. لكننا لا نستطيع أن نمضي معها الى هذا المدى .
8- ليس صحيحا أن النبي بدأ بدعوة الناس الى الإسلام فلما لم يطيقوه نزل عنه الى ما يطيقون . فالنبي دعا الناس الى الإسلام و استمر يدعو اليه حتي وفاته , كما أن الناس منهم من أطاقوه و منهم من لم يطيقوه و ظل هذا الحال الى يوم وفاته و سيظل الى يوم الدين . فالأستاذ دائما يقول أن الناس كانوا (غلاظا) و ما كانوا يطيقون . و يتركنا أمام إحتمالين : إما أنهم غلاظ فعلا و إما أنهم غير غلاظ.. فإن كانوا غلاظ يكون السؤال ( ألم يكن الله على علم بتلك الغلظة التي كبدت الرسول ثلاثة عشر عاما هدرا ؟) .. فالصحيح أن الأعوام لم تهدر .. و أن الناس ما كانوا غلاظا .. فقد هاجر النبي الى مكة و معه خير رجال مكة .. أبوبكر و عمر و عثمان و علي . لقد إنتصرت الدعوة عندما صنعت هذا الأساس الذي حمله الرسول الى يثرب ليتواصل المشوار .. لا كما قال الأستاذ لتبحث الدعوة عن طرائق أخرى أكثر مناسبة لأولئك الغلاظ .. فكانت شريعة السيف . و لعل الأستاذ يعتبر أن ما لم يطيقوه كان مبادئ التوحيد و عدم الشرك . و نحن نعلم أن الجزيرة العربية في ذلك الوقت كانت مهيأة أكثر من أي وقت آخر لدعوة التوحيد بسبب وجود الأديان الكتابية (اليهودية و النصرانية) و وجود (الحنيفيون) الى جانب (الصابئة) .. إضافة لمعرفة المشركين أنفسهم بالله الذي كانوا إنما يعبدون الأصنام الذين هم الأسلاف (الأولياء) لتقربهم الى الله زلفى . و عليه فلم تكن هناك غلظة .. و لم تكن هناك رسالة أولى و ثانية .. و لم تكن هناك آيات أرجئ العمل بها إنتظارا لمجئ وقتها .
9- ليس صحيحا أن التغيير الإجتماعي يجب دائما أن لا يتم عبر طريق القوة و العنف . فالقوة و العنف واحدة من الطرق التي عبرها يتم التغيير الإجتماعي . و هي الطريقة التي إختارها النبي في عهد الآيات المدنية حين أعمل السيف في الرقاب دفاعا أو هجوما فدانت له الجزيرة العربية في وحدة كاملة أحدث بها و من خلالها تغييرا إجتماعيا لم يسبق لحجمه مثيل في تاريخ البشرية . و سبق للرسول نفسه أن إستعمل طريق (التسامح) و (التي هي أحسن) و حقق صنع الأساس الذي كان هو خير لبنات الحضارة الإسلامية و الذي إنطلق به الرسول الى المدينة و منها الى كافة الناس . فليس صحيحا أن طريق العنف و القوة ثغرة في فكر ماركس أو منغصة في فعل النبي . و لكن الصحيح أنها القاعدة الذهبية القائلة : لكل مقام مقال .
10- ليس صحيحا أن الرق نتاج حروب الإسلام مع الكفار , و أنه بذلك عقوبه لهؤلاء الكفار لعدم إحسانهم التصرف في الحرية الفردية التي كانوا يمتلكونها – بمعنى أنه مصادرة لتلك الحريات التي إسئ التصرف فيها . فالأستاذ يقول : . ومن أصول الجهاد في سبيل الله أن يعرض المسلمون على الكفار أن يدخلوا في الدين الجديد ، فإن هم قبلوه ، وإلا فأن يعطوهم الجزية ، ويعيشوا تحت حكومتهم ، مبقين على دينهم الأصلي ، آمنين على أنفسهم . فإن هم أبوا عليهم هذه الخطة أيضا ، حاربوهم ، فإذا هزموهم اتخذوا منهم سبايا ، فزاد هؤلاء في عدد الرقيق السابق للدعوة الجديدة . فنحن نعلم أن مؤسسة الرقيق كانت موجودة و سائدة قبل حروب الإسلام . كما نعلم أنها تقوم على بيع و شراء تلك السلعة العابرة لآلاف الكيلومترات و المصنوعة (مجازا) في مصر و الشام و الروم و فارس . و نعلم أن حروب الإسلام كانت محدودة في عهد النبي و هو عهد التشريع . و الذي نفهمه من تشريعات الإسلام هو تقليص التعامل بأقصى ما يمكن حتي لا يبقى هناك رقيق لأن الإسلام لا يعرف للرقيق مبررا , خصوصا المبرر الذي طرحه الأستاذ .
محاورة بعض أفكار الأستاذ/ محمود محمد طه
بقلم / نوري حمدون – الأبيض – السودان
Nuri Hamdoon [[email protected]]


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.