الأهلي شندي يشكر المدرب النضر الهادي    وزير الطاقة يوجه بالعمل على زيادة التوليد الكهربائي    افراد (القطيع) والشماتة في الهلال..!!    (بيراميدز والأهلي والملعب والبقية تاتي)    السودان.. وزير الشباب والرياضة يصدر قرارًا    وزير المعادن: السودان ينتقل من تعدين الذهب إلى عصر المعادن الاستراتيجية والطاقة النظيفة    بدر للطيران تدشن رسميا خط بورتسودان دنقلا    توجيهات بحجز جميع المركبات والشاحنات المخالفة لقرار حظر تداول الحديد الخردة ونقل الحطب بالخرطوم    ارتفاع في وارد المحاصيل الزراعية بسوق القضارف    وزير الشباب والرياضة بنهر النيل يؤكد دعمه لتفعيل العمل الشبابي والرياضي بالولاية    موعد تجربة سيري 2.0 لأول مرة على آيفون    "إيغاد" ترحّب باستئناف السودان المشاركة في المنظمة    عبلة كامل حديث السوشيال ميديا رغم الغياب    رحمة أحمد تفاجئ الجمهور بظهورها بالحجاب على البوستر الرسمى لمسلسل عرض وطلب    عثمان ميرغني يكتب: كبري الحلفايا...    انخفاض أسعار النفط والذهب والفضة يواصلان مكاسبهما    بإطلالة نارية وقرد صغير.. رامز جلال يلمح لمقالبه في رمضان    السودان.. الإعلان عن توفير 40 ألف وظيفة حكومية    السودان..تمديد فترة تسجيل طلاب الشهادة الثانوية للوافدين    ترامب يهاجم مغنيا شهيراً.. "رقصه مقزز وكلامه غير مفهوم"    مدير مستشفى سنار التعليمي يشيد بالمقاومة الشعبية والمنظمات لتطوير المستشفى    علامة تحذيرية لمرض باركنسون قد تظهر فى الأنف قبل سنوات من التشخيص    مشروب من مكونين يخفض وزنك ويحافظ على استقرار سكر الدم    شاهد بالصور.. كان في طريقه للتوقيع لفريق الخرطوم.. لاعب سوداني يتعرض لإصابة نتيجة انفجار "دانة" تسببت في بتر يده ورجله والنادي يكرمه بعقد مدى الحياة    شاهد بالفيديو.. قائد ميداني من أبناء "المسيرية" يعلن انشقاقه من الدعم السريع ويقسم على المصحف بسحب كل أبناء القبيلة من المليشيا    ليفربول يخسر أمام السيتي وهالاند يعود لهز الشباك ويكسر عقدة أنفيلد    شاهد بالفيديو.. افتتاح مستشفى بمواصفات عالمية بمنطقة شرق النيل بالخرطوم والجمهور يشببها بأكبر المستشفيات بالخليج    شاهد بالصور.. مواطن سوداني محتجز بأحد إقسام الشرطة بمصر يرسل رسالة لأقاربه على قطعة "كرتون" (أحضروا لي ملابس)    مدير عام قوات الجمارك: لن نتهاون في حماية الوطن من سموم المخدرات والسلاح    مجموعة الهلال السوداني.. صنداونز يقتنص التعادل ويبقي آمال التأهل في دوري الأبطال    الجمارك في السودان تحسم جدل رسوم بشأن الأثاثات والأجهزة الكهربائية للعائدين    الأهلي يبلغ ربع نهائي أبطال أفريقيا.. والجيش الملكي يهزم يانج أفريكانز    اكتشاف وجود علاقة بين الاكتئاب وهشاشة العظام    أفراد من الشرطة يلقون القبض على السائق الخاص بالقائد الميداني لمليشيا الدعم السريع "جلحة" داخل "ركشة" بحي بري    هلال كوستي يدشن برامجه الثقافية بليلة ثقافية كبرى وتكريم رموز النادي والمجتمع    السودان يرحّب بالقرار 1591    شاهد بالفيديو.. سرقة محل مجوهرات بشارع الوادي بأم درمان وقيمة المسروقات تقدر ب(ترليون) جنيه    محاولة أوكرانية جديدة لإفشال مفاوضات السلام بعيداً عن ارض المعركة    رفض الزوج شراء سجائر لها فقتلته.. جريمة زوجة مصرية تثير الجدل    توصيات المؤتمر القومي لمعالجة قضايا الشباب    لجنة أمن ولاية الخرطوم تؤكد المضي قدما في تنفيذ موجهات رئيس مجلس السيادة لبسط الأمن وفرض القانون    ضبط اسلحة ومخدرات بكسلا    حريق كبير في سوق شرق تشاد    صعود الذهب عالميًا يرفع أسعار المعدن النفيس فى قطر صباح الخميس    رسالة أخيرة في بريد الرئيس البرهان قبل تمرد الحركات المسلحة الدارفورية    ترامب يحذر إيران: الوقت ينفد والهجوم القادم سيكون أشد    مباحث الخرطوم تعلن توجيه ضربة موجعة لمافيا السيارات..إليكم التفاصيل    تلفزيون السودان يستأنف البث المباشر من مقرّه الرئيسي    وزير الصحة: التبغ عدو الحاضر والمستقبل و فاتورته الصحية تفوق عائداته الضريبية    هل قتل السحر الأسود الإسرائيلي عبد الناصر؟.. كتاب جديد يكشف خفايا خطيرة في مصر    سباق اختراق الضاحية باكورة بطولات الاتحاد العربي لألعاب القوى    شركة اتصالات في السودان تعلن عن توقف خدمات    "مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ"!    أحمد الشاكر: انا أعجز عن شكر جميع الإخوة الأشقاء في المملكة العربية السعودية    ترامب للإيرانيين: واصلوا الاحتجاج.. المساعدة في الطريق إليكم    السودان..حصيلة صادمة بمرض شهير في ولايتين    إسحق أحمد فضل الله يكتب: (حديث نفس...)    "كرتي والكلاب".. ومأساة شعب!    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



إرهاصات الوعي ونكساته – الجذور الثّقافية للمسألة السودانية للباحث خالد عويس .. بقلم: عمر البشير الترابي
نشر في سودانيل يوم 05 - 05 - 2012


http://www.majalla.com/arb/2012/05/article55234842
الحفر في التاريخ
بعد انفصال جنوب السّودان عن شماله، طغت المراجعات الغاضبة على انتاج النُّخبة المثقفة من الكتّاب السودانيين، فكتب حيدر إبراهيم عن حصاد الإسلاميين ومراجعاتهم، وكتب المحبوب عبدالسّلام عن دائرة الضوء ومثالب مسيرة الحُكم الإسلاميّة، وكتب حاتم السّر شهادته عن الممارسات الانتخابيّة، وكتب فتحي الضو والنور حمد وآخرون، وفي إطار المُعالجة الثّقافية للمُشكلة السُّودانية كان كتاب الباحث والإعلامي السّوداني خالد عويس، بعنوان: إرهاصات الوعي ونكساته الجذور الثّقافية للمسألة السّودانيّة، محاولة جادة لتعيين جذور المشكلة، واقتراح الحَل، مُلقِيًا في الرّاكد من البركة، حجرًا يحرّك الكوامِن، بالأسئلة.
عويس: السودانيون يتعلمون تاريخ الأمويين والعباسيين والأوروبيين ويُهمِلُون تاريخ النُّوبة!
في السّودان الإخفاقات الكُبرى هي محصلة الوعي الزّائف المُخاتل، فالعقل السوداني ليس قادرًا بحسب عويس إلا على طرح أسئلة هشة وسطحية مؤامراتيّة ومصابة بعلة الكبر تسعى لفرض الواحديّة الثّقافية، وتنبذ التعدد. لم يقصر عويس انتقاده لجنوبِ أو شمال، ولكِنّه صوّب نقده للظاهرة الإقصائيّة، وحدد مداخل الأزمة، متمثلةً في جِراح الهويّة، وخراب الأنظمة العسكريّة، وما أنتجته من احتقان سياسي، وتدهورٍ اقتصادي، ساهم في صنع دولةٍ فاشلة، سياسيًا وإداريًا، ترفع الضرائب وتحتكر التّوظيف على “لون ودين وتوجه سياسي"، تُرّحِل صراعات الحزب الواحد لتصبح صراعات الوطن، ولكن هل الصراعات السودانية إلا نتاج لوعي ثقافي مخاتل، ومشاكل مُتغاض عنها في الهويّة، فأي هوية للسودان يا ترى؟
السوداني التائه
تساءل عويس “من نحن؟"، ومضى يلوم العنصرية التي أعمت السوداني عن دراسة تاريخه العظيم، متمثلاً في الحضارة النوبية، ويتساءل ساخرًا “السودانيون يتعلمون تاريخ الأمويين والعباسيين والأوروبيين، ويُهمِلُون تاريخ النُّوبة"، ويُضيف “لا يزورون المتاحف بينما يحفظون أنساب العرب".
لا يظهر على الكتاب نفس الصراع بين الهويات، بقدر الحنق على إلغاء تاريخ لأجل آخر، يظهر اعتداد عويس بالحضارة النّوبيّة، فيبدأ بسرد المجد السّوداني الذي يرى فيه ارتكازًا للحضارة “السّويّة" للسودانيين، التي أُرّخت منذ العهد القديم، متمثلة في الأصول النوبيّة وحضارته التي ضمّ ملوكها يومًا ما مصر وفلسطين لملكهم (العام 608 ق.م)، وسرد ما سماه “تاريخنا الذي نَجهل" وردّ الجهل إلى ضمور الإحساس بالحضارة النُّوبية، بعد “سطوة" العرب بعد المملكة السّنارية(1504)، التي خلقت نوعًا من الانفصام عنها، واستغرب أنّ الحضارة النوبيّة تُدرّس باعتداد في مناهح أميركية بينما توصَف في السُّودان بسنوات “التيه والضلال" ونسب ذلك للمؤرِّخ السّوداني حسن مكي فأي دور لعبته المملكة السنارية؟
الذّهنية السناريّة
تقوم الأطروحة في الكّتاب على تحميل المملكة السّنارية، جزءً كبيرًا من زلزال الوعي الذي بعثر حاضر السّودان، فيُشير الباحث إلى أنّ الحضارة النوبية ضمرت بعد طغيان العهد “السناري" الذي ربط العروبة والإسلام بالشرف والفخار، وحمّل عويس الفترة السّنارية غالب الذنوب والأعطاب الفكرية والروحية التي أخلّت بالوعي السّوداني، ومكّنت لما قال أنها “سيطرة عربيّة" في السودان، وهاجمها بشراسة معرفية فهي عنده مملكة الفقراء والعجز الفقهي، ووجه من وجوه الانحطاط الروحي والتصوف السطحي، حتى انه انتقد الطَيب صالح، الذي يرى أن سنار أقامت دولة التّسامح، وعوّضت بها مملكة الأندلس الإسلامية، ولكن هذا كله لا يشفع عند عويس، الذي يقول إن السودان وتاريخه ووعيه ظلّ بفعل سنار معلقًا في الهواء، لأن وعي سنار “العروبإسلاموي"، يُعامِل كل القديم على أنه “ضلال وتيه" ويبدأ تاريخه من سنار فقط، فكان بفعل سنار بلد المحن، محن الثّقافة الاستعلائية، والعروبة الطاغية على كل المكونات.
وعاد ليجيب على الطيب صالح حينما سأل في مقاله الشهير الذي نُشِر على صفحات مجلة “المجلة" ذات يوم “من أين أتى هؤلاء؟" يقول عويس “أتى هؤلاء من وعينا.. وعي سنار"، معتبرًا حكم الرئيس السوداني البشير هو ترسيخ لوعي سنّار، وتتويج للمحن التي ولدتها.
محنة الثّقافة الاستعلائية.. دارفور “دم أسود"
قام عويس بمسح لتغطية الإعلام العربي والإعلام الغربي لأزمة دارفور، التي راح ضحيتها مئات الآلاف حسب التقارير العالمية وعشرات الآلاف حسب تقاير الحكومة السودانيّة فأظهر المسح أن اهتمام العرب بقضايا “فلسطين لبنان العراق" ضعف اهتمامهم بأزمة دارفور، على نقيض الإعلام الغربي، الذي اعتنى بها بما يتناسب وحجمها الإنساني، وأرجع الإهمال العربي للبعد الإنساني في دارفور، لأسباب أهمها العراقيل التي تضعها حكومة الخرطوم حسب الكاتب والتصور المسبق بأن الخلافات بين العرب أو داخل الدول، لا تأخذ اهتمامًا كبيرًا حينما يكون الطرف الآخر غريبًا، واستشهد بتجاهل بعض صحف الخرطوم لأزمة دارفور، واستطاع أن يربط ذلك بنسق ثقافي أساسه الاستعلاء على العرق الأسود، فالوعي السوداني يجد في القضية الفلسطينية (قضيّة مركزية) بينما لا يأبه لمقتل مليوني نسمة في جنوب السودان ولا حريق دارفور، فمن أين أتت هذه المحنة؟
هذه المحنة سببها “سطوة ثقافة عربية" على الثقافة الإفريقية، ولعنصرية “السودانيين العرب" ضد غير العرب، استصحب مسببات هذه النظرة وتراكمها، ولم يفته تناول الحواجز التي منعت تجاوز هذه العقبة الثّقافية، مثل إشكالية الجنوب الثّقافية وسياسة المناطق المغلقة الاستعمارية، بالإضافة إلى استمرار الحروب العربيّة، واستمرار نهج العنف.
أيًا كان الاتفاق مع عويس أو الاختلاف، ولكن سؤال الهوية والتصالح مع الآخر سؤال ملح، والتصالح مع الآخر ينبني أولاً بإصلاح ديني، ووطني، يجعل الجميع بكل هوياتهم في درجة واحدة.
السودان كما لا يرضى عليه عويس؟
محنة التدين والتديين.. ودولة الإسلام في السودان
الدّين هو المكوّن الأبرز في الشّخصية السّودانِيّة، ولعِب السَّاسة على وتره كثيرًا، فكان لابدّ من الطواف عليه، وعلى الأدلجة التي مُورِست باسمه، فاعتبر الكاتب انقلاب العام 1989 أنه جاء لتنفيذ “فكرة" إسلاموية لتوطين الإيديولوجية، مثّل لها عويس بشخصية الطيب مصطفى وهو صحافي ووزير سابق، اعتبر فرحه الهستيري بانفصال الجنوب، مثالاً لنزعة الواحدية الثّقافية التي تريدها “حكومة الإنقاذ" باسم الدِّين، وهي لون من ألوان ممارسات تسببت في شروخ الهوية، مثلها مثل تداعيات “الأسلمة القهرية لجنوب السودان"، كل هذه الترسبات والممارسات تزداد خطورتها في زمان دخلت فيه على السّودان تيارات سلفية، غير سودانيّة، لتدلي بدلائها في معركة الهوية، لتزيد الأمر تعقيدًا.
ابتلي السودان بحسب عويس بأنواع التدين التقليدي والتدين الشكلاني، فاستطاعت التيارات المؤدلجة أن تنمو وتتسع وتتغول على مساحة التسامح الهشة حسب وجهة نظره مستشهدًا بفتاوى د. عبد الحي يوسف “الذي عرّفه بأنه سروري" وحرّضت على مهاجمة المعارض في السّنوات الماضية، وقبلها حادث لشباب اعتدوا على كنيسة، وبعد أن جاءت دولة الإنقاذ الإسلاموية انشدّت إلى الخارج، وحشدت الشواهد، لكنها عجزت عن الوفاء بحقوق المواطن، بل أخفقت في احترام حقوق الإنسان، وهنا يتساءل “ما بين الشريعة والدولة الإسلامية"، “الزي الإسلامي أم القتل في دارفور"، ويستعجب أن تكون دولة الإسلاميين دولة شعارات زيف، ومجتمعها يستشري فيه التطرف، والإرهاب، ولكنه يضع إرهاص الوعي، في قيام تيار مستنير، يعيد فهم دينه بوجه جديد، ولكن هل يأت هذا من دون تعليم!؟
محنة التعليم
المؤسسة التعليمية منذ دولة الفونج، اتبعت منهج الاتباع ورفضت الابتداع، وعلى الرغم من أن العهد التركي استقبل إرساليات تبشيرية وبعض المدارس المتنورة، إلا أنّ رسالية المشروع الحضاري الذي جاء بحكومة الإنقاذ(1989)، والتأصيل الذي ادّعته، قدّم لما سماه كارثة بسبب التعريب الذي وصفه بالعبث الإيديولوجي، وزاد محنة التعليم أن صارت المناهج حسب عويس تُخرّب العقول، وتم أدلجتها وعسكرتها، فتحولت شهادات التعليم العالي لشهادات لا قيمة لها، وصعّدت الحرب، حينما محت الاعتدال الديني، واختتم ذلك بأن السودان بحاجة إلى تعليم يكرّس قيم الاعتدال وحقوق الإنسان.
خلاصات وإرهاصات..
ما الحل مع وعي زائف متشظ، تبسط مفهوم التاريخ لديه، فتولد الوعي المشوه؟ يقترح عويس أن يُمهّد لمعرفة علمية ومنهج صارم ودقيق، ويتم التخلّص من الذهنية التي تجعل من الماضي السحيق تيهًا وضلالًا، وممارسة نقد أنماط التدين، لهدم عيوب سنار، التي رسخت تدينا شعبيًا يذوب فيه الفرد في الجماعة، وتنقذه من التدين السلفي الوافد والإيديولوجي الشكلاني، فيبقى بحسب عويس الأمل في تيارات الإسلام المستنير التي توازن بين الحاجات الروحية والمادية. وهذا لا يتم بغير إدارة حوارات بين النخب.
الخلاصة..
كتاب خالد عويس، فيه الكثير من الرؤى، التي لا ينفك يتحاور حولها المثقفون، ولكن جرأة الكاتب، كانت محرّكًا للعقل، ليدخل في نقاش حاد مع الكتاب، رفضًا لمحتواه أو تأييدًا له أو بين بين، لك أن تختلف معه حد الاختلاف، أو تتفق معه حد الاتفاق، ولكن غرض الكتاب ليس هذا ولا ذاك، وإنما هذا الذهاب والإياب مع الأفكار، وهذا التفكير، فالمطلوب من الكتاب هو النقد، فالعقل الناقد هو وحده ما يبني الأمم السليمة، في عالم معاصر، خاصة وأن كارثة بحجم انفصال الجنوب، تستدعي أن يقف عليها المفكرون مليًا.
على حد تعبير الكاتب “هذا الكتاب يحاول الإجابة عن بعض الأسئلة المتصلة بالوعي السّوداني، ويقترح أسئلة أخرى على العقل السوداني".
الدولة والاقتصاد بيد المؤمنين بنظرية الهوية العربية!
خالد عويس: السوداني “سجين" وعي زائف
* انفصال جنوب السودان، ماذا غير في خارطة الوعي، وإلى ماذا يؤشر وفق قراءتكم للواقع السوداني؟
انفصال الجنوب كان من المفترض أن يضع الوعي السوداني مباشرة أمام سؤال “التنوع"، فهو أكبر علامة على الفشل في إدارة التنوع، تنوع الأعراق والثقافات والأديان، بل وحتى الأفكار. الوعي السوداني “سجين" وعي زائف مفارق لتاريخه الورائي، كما هو مفارق للقيم التي انتظمت العالم اليوم. قلةٌ قليلة من السودانيين انتبهت لحجم المأزق الذي نعيشه على مستوى الوعي، أما الغالبية فقد انصرفت إلى الاصطفافات العرقية والتحيِّزات الثقافية. نحن أمةٌ لا تقرأ. وإن قرأت لا تحسن القراءة، وبذا أضحت قراءة التاريخ وعلوم الاجتماع والسياسة والفكر، أمراً منفصلاً عن الواقع، بل ومناقشات هذه الأمور كلها أضحت من قبيل “الفلسفة"، وهو مصطلح في الذاكرة الشعبية ينشأ على تخوم التهويمات وعدم الجدية. أنت “متفلسف" في السودان يعني أنت غير جاد وغير مسؤول. الحقُّ إن العلم والشهادات العلمية المتفرعة أصلاً عن الفلسفة نظريةً وتطبيقاً محض تفاخر اجتماعي. قل لي كم يكتب السودانيون كل عام في أيِّ مجال؟ وكم هو عدد من يحملون “شهادات عليا" في مجالات لصيقة الصلة بالكتابة، وبضرورة العمل في حقل الوعي والاستنارة؟ أما مؤشرات انفصال الجنوب وفق قراءة الواقع، فهي أن هذا الفشل في إدارة التنوع سيستمر، وسيتنزف السودان أكثر فأكثر. بل ان الاصطفافات الحادثة حالياً، والحروب المدمرة، والانهيارات الأخلاقية والثقافية والاقتصادية كلها تشي أن “أقاليم" أخرى في السودان، ستختار المضي في حال سبيلها، طالما أن “النخبة" الحاكمة، وفي ركابها مجاميع نخبوية واجتماعية تتغنى ب"إنجاز" فصل الجنوب. السودان في تقديري مقبلٌ على أسوأ أيام في تاريخه كله، هي حصيلة تراكم وعيٍّ متشظٍ وزائف وسطحي بالأنا والآخر، بالحياة والوجود.
* بماذا تبرر ندرة المراجعات على مستوى النخب السياسية السودانية؟
الظروف كلها ربما لا تساعد. لكن الظروف ليست سبباً كافياً. فمع النفي والقمع والملاحقة، هناك أسباب أخرى. منها أن “الشخصية السودانية" شخصية “شفاهية"، ليست قادرة غالباً على مجالدات الكتابة ورهقها إلا في ما ندر. محمد أبو القاسم حاج حمد ود. حيدر إبراهيم ومحمود محمد طه ومحمد إبراهيم نقد وفرانسيس دينق ومنصور خالد والصادق المهدي وحسن الترابي وأسامة عبدالرحمن النور ومحمد عمر بشير وغيرهم انصرفوا إلى ذلك، لكنه غير كاف. غير كاف لأن قضايا السودان معقدة للغاية وتحتاج في سبيل حلها إلى جهود أكبر للحفر في مجالات التاريخ والاجتماع والتربية والتعليم والتنظير الثقافي والسياسي وتحليل “الميثولوجيا" والنقد.. نقد العقل والبنى المعرفية. هذا كله شبه غائب، والمحاولات في هذا الصدد تبدو كجزر معزولة. أصلاً العقل ذاته ليس عقلاً ناقداً متشككاً، إنما هو عقل “تلقيني" بل وفي بعض الأحيان “تلفيقي".
خالد عويس
* هل ترتبط المحن التي أشرت إليها في كتابك بمحن على المستوى العربي أو الأفريقي؟ أو البلدان مزدوجة الانتماء؟
على الأقل، المفكر الكيني، بروفسور علي المزروعي، يشير إلى ذلك في ما يتعلق بأفريقيا جنوب الصحراء. فهو يشير وأنا أوافقه من دون تردد إلى ضعف بنيات ومفهوم الدولة والمجتمع معاً. كتابي يصلح لأن يكون كذلك، وإن كان يركز على السودان، كدراسة حالة تتقصى التاريخي والديني والثقافي والتعليمي. نحن ننظر دائماً إلى التاريخ على أساس “الأفقي" كالخطوط المعزولة، في حين أنه رأسي مركب ومعقد. يجب أن نفهم أن البداية مثلاً كانت في التجمعات البدائية قبل نحو 10 آلاف سنة، وهذه قادت لتجمعات حضرية أستأنست الحيوان وانتقلت إلى الفلاحة لتشيد “كرمة" كأقدم مدينة إفريقية جنوب الصحراء. وهذه أدت إلى الحضارة النوبية بكل جلالها الأخلاقي والاقتصادي والمعماري والفني. وبدورها قادت هذه إلى ما تلاها، وصولاً إلى “سنار" ودارفور وتقلي والمسبعات وسلطنات الدينكا والشلك والنوير وغيرها. ثمة اتصال بين هذه المكونات، وثمة تلاقح وتأثيرات متبادلة. لكن طبيعة النظر إلى “سنار" أنشأت خللاً عميقاً في الوعي التاريخي من خلال خلط “المقدس" ب"العرق".. في هذه الحالة، وعليه أضحى التاريخ، تاريخنا ما قبل سنار كمّاً مهملاً لا حاجة لنا به ونشأ الانفصام والفصل بين ذواتنا وذواتنا! انظر إلى المشكلات الحادثة خلال الثلاثين سنة الأخيرة.. الأكراد في العراق، الأمازيغ في شمال إفريقيا، التوتسي والهوتو في رواندا، جيش الرب في أوغندا، انفصال إريتريا عن إثيوبيا، مشكلة “الأرومو" في إثيوبيا، والطوارق في مالي، الأقباط والنوبيون في مصر، وليس نهاية ب"بوكو حرام" في نيجيريا. كل هذه المشكلات العميقة هي نتاج فشل في إدارة وفهم التنوع. عوض الاحتفاء به، نحن نزدريه، وهناك سببان في هذا لا ثالث لهما في تقديري، إما التعصب الديني والمذهبي، أو التعصب الإثني.
* في تعاطيه مع مفهوم الهوية، ومحاولة تنحيتها لتكون عربية أو افريقية محضة، ألا ترى أن للمثقف السوداني “ردة فعل توازي الخطأ" من دون أن يعي؟
المشكلة في أن أطرافاً ترى أن هويتنا عربية، ومستعدة لأن “تقاتل" في سبيل ذلك. وآخرين يرونها إفريقية، لكنهم الطرف الأضعف لأن الدولة والاقتصاد بيد المؤمنين بنظرية الهوية العربية.. بل و"المؤامرة" عليها. والحقيقة أن الهوية، هويتنا هي “سودانية" بمعنى أن الجامع لهذه الهويات المتنوعة هو هوية سودانية أكثر اتساعاً من مفهومي العروبة والإفريقانية في السودان! حسناً النوبة والبجا مثلاً ليسوا عرباً ولا هم أفارقة، بالمعنى الثقافي والعرقي، وهناك جدلٌ كبير حول أصولهما، فأين هو موقعهما من هاتين الهويتين؟ نتاج تلاقح العربي مع الإفريقي ماذا نسميه؟ إفريقياً أم عربياً؟ لفرانسيس دينق رؤية مهمة حول هذا الموضوع، تتمثل في أن هناك تلاقحات تاريخية حتى قبل الإسلام في السودان بين الأفريقانية والشرق أوسطية، من خلال تأثيرات الأديان والثقافات. نحن نفصل فصلاً مزريا بين عالمين: عربي وآخر إفريقي وكأن هذين العالمين ليسا متجاورين، وحصيلة هذا التجاور تداخل وتلاقح وتأثيرات متبادلة على مر التاريخ. أين المشكلة؟ المشكلة غالباً في الثقافة العربية وحمولاتها التاريخية بالنظرة الفوقية تجاه “الإفريقي"! هذا ما طرحه باحثٌ سوري في كتاب مهم له قبل سنوات. وهذا ما نعثر عليه في مؤلفات ابن خلدون والكندي وأشعار المتنبى، وهؤلاء كلهم اكتسوا قداسة “ثقافية" في الثقافة العربية. العلاقة بين هذين العالمين تعرضت لاختلال كبير بفصل الجنوب، ووجب على المثقفين العرب والأفارقة أن يتصدوا لمسؤولية تاريخية في مراجعات معمقة ومضنية، قبل أن يجري التصادم بين هذين العالمين المتجاورين المتداخلين. أنا أُحمِّل العرب المسؤولية الأكبر في هذا الخلل لأن الثقافة العربية مسؤولة إلى حد كبير عما يحدث.
* أقصد أن المثقف السوداني الذي يرد عروبة السودان، يمارس نفس دور الطيب مصطفى، ولكن في النقيض.
التطرف إن ارتدى قناع الدين أو العرق أو الثقافة، يظل لعيناً ومدمراً. ليس بالمقدور “رد" أي مكون ثقافي في السودان إلا بإقصائه ونفيه ثقافياً، بل وحتى جسدياً. هذا ما يحدث الآن! سنبصر نهاية النفق، حين نتيقن أن هذا الوطن إنما هو ملك ومعبر عن جميع أديانه وثقافاته وأعراقه التي تقف على قدم المساواة تماماً.
* انفصال الجنوب، لم يحقق السلام، وأفسد الوحدة، ولم تختف الاضطرابات، هل يؤشر ذلك إلى أن الإشكال ثقافي، وهم يحاولون حله سياسيًا؟
نعم هو إشكال ثقافي، والإشكال الأكبر أن من يتعاملون معه اليوم في موقع اتخاذ القرار تعوزهم أدنى درجة من الثقافة. بل أشك إذا كانوا يقرأون! هؤلاء متعصبون. والتعصب في أساسه جهل. ومشكلته أنه يفرز ردات فعل من الأطراف الأخرى فتغرق البلاد في طوفان من الحماقات والتعصب والإكراهات كالذي نراه الآن مشكلاً نوعاً من فوضى اللا معقول والعبث، ومتذرعاً بنظرية “المؤامرة" والتآمر الخارجي والتخوين في مناخ من التكفير والسطحية. حسناً سأشير إلى موطن الخلل: إنه الاستبداد.. الاستبداد بالرأي وبالحكم وبنمط التدين ونمط الثقافة. إما أن تكونوا معنا أو إنكم خونة وكفار وزنادقة. وهذا كله لمداراة المصالح والتكسب. المشكلة أن النخب الحاكمة تعمّق هذا الخطاب، بل وتفلته من عقاله، ليصبح في بيئة كالبيئة السودانية، طوفاناً هادراً من الجهل والتجهيل. من المسؤول إن لم يكن الوعي، الوعي الذي أنتج الاستبداد والاستعلاء والتعصب؟
الكتاب: إرهاصات الوعي ونكساته – الجذور الثّقافية للمسألة السودانية
الكاتب: خالد عويس
الدار: مدارك للنشر
سنة النّشر: مارس (آذار) 2012
khalid ewais [[email protected]]


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.