قالت إنّها خرجت من آلية تحديد أسعار الوقود..الطاقة تكشف تفاصيل 20 باخرة في محيط البحر الأحمر    شاهد بالفيديو.. داخل حرم إحدى المدارس.. والي النيل الأبيض ينفعل على وزير التربية والتعليم ويحظى بإشادة الجمهور: (لن أذهب حتى ينتهي البناء)    شاهد بالفيديو.. الفنانة هدى عربي تخلع حذائها أثناء الحفل وتدخل في وصلة رقص مثيرة    اختبار نسخة مدفوعة جديدة من "إنستغرام"    "آبل" تستعد لإطلاق أول آيفون قابل للطي    النفط ينخفض 1% بعد تقرير ترامب إنهاء حرب إيران    "يغفر الله للجميع إلا باجيو!".. مأساة اللاعب الذي مات واقفا – فيديو    عيد ميلاد إيمى سمير غانم.. خطوات ثابتة واختيارات مدروسة فى مسيرتها الفنية    قرار لحكومة السودان بشأن معبر أدري    قيادي بحزب المؤتمر الوطني يحسم جدل مثير    صبري محمد علي (العيكورة) يكتب: *هذا ما قاله لي وزير التعليم العالي والبحث العلمي ظهر اليوم*    عثمان ميرغني يكتب: فساد.. الفساد..    والي الخرطوم يوجه وزارة التخطيط العمراني بتطبيق القوانين وتسريع إجراءات معاملات الأراضي    جهاز المخابرات العامة يدشن مبادرة العودة الطوعية للاجئين السودانيين من مصر    إكتمال فتح الطرق والشوارع الداخلية بمنطقة وسط الخرطوم    ارتفاع جديد في أسعار الوقود بالخرطوم    شاهد بالفيديو.. رمى عليهم عبوة ناسفة وهرب.. جنود بالدعم السريع يضبطون مرتزق من جنوب السودان في وضع مخل مع سيدة داخل "راكوبة" بمدينة الفولة    شاهد بالفيديو.. فنان "ربابة" سوداني يثير تفاعل الجمهور بعد ترديده أغنياته الشهيرة (صورة وصوت) في حفل حاشد بالسعودية    الهلال يواجه أُماجوجو لتوسيع فارق الصدارة    شاهد بالفيديو.. داخل حرم إحدى المدارس.. والي النيل الأبيض ينفعل على وزير التربية والتعليم ويحظى بإشادة الجمهور: (لن أذهب حتى ينتهي البناء)    الأهلي يخسر من ساردية بدوري شندي    (أماجوجو والنقطة 54)    برشلونة يتلقى دفعة معنوية قبل مواجهة أتلتيكو مدريد    شراكة استراتيجية بين "الشباب والرياضة" و"الصناعة" لتمكين المبتكرين ودعم الإنتاج الشبابي    كريم عبد العزيز وفريق مطلوب عائليا يبحثون عن دولة أوروبية للتصوير الخارجى    أزمة منشطات تشعل دوري أبطال إفريقيا.. الهلال السوداني يشكو نهضة بركان المغربي ل"الكاف"    أيهما أكثر فائدة القهوة أم عصير البرتقال صباحًا.. والكميات المناسبة    آلام الدورة ليست دائمًا طبيعية.. إشارات تكشف بطانة الرحم المهاجرة مبكرًا    فصيلة الدم تكشف احتمالية الإصابة بالسكري    السيسي للرئيس ترامب: لا أحد يمكنه وقف الحرب في المنطقة إلا أنت    "فيفا" يتّخذ موقفًا حازمًا بشأن مشاركة إيران في كأس العالم    مصر.. الدولار يقترب من 54 جنيها لأول مرة    سارة بركة: أحمد العوضى مجتهد بشكل كبير وبيحب شغله جدا    اختيار غير متوقع لمستقبل "الملك المصري"    وجبة سمك تُنهي حياة 3 سودانيين بالقاهرة وتتسبب في إصابة 4 آخرين بحالة تسمم غذائى حاد    بسبب ضعف الراتب.. وزير الثروة الحيوانية بالسودان يبحث عن عمل إضافي    رئيس الوزراء يصدر قرارًا بشأن الرسوم الجديدة في المعابر    محمد عبد الباسط يكتب: لهذا تحركت باكستان الآن للوساطة بين أمريكا وإيران    السكوت على هذا الأمر لا يرضي الله ولا رسوله!!    ارتفاع أسعار الذهب في السودان    الخليج الضحية الكبرى: إيران وجهت 83% من هجماتها إليه… و17% فقط إلى إسرائيل    مهلة أخيرة للمخالفين: خيارات متعددة لمعالجة أوضاع التأشيرات المنتهية في السعودية    ترامب يصدر أوامره ويكشف تطورات مثيرة مع إيران    الأمن يداهم مخزن يبيع الوقود المهرب لعصابات التنقيب عن الذهب    رئيس الأهلي مدني وابنه يتعرضان لحادث مروع    المباحث تنهي مغامرات شبكة إجرامية متخصصة في الإحتيال علي أصحاب المحلات التجارية عن طريق اشعارات تطبيق بنكك المزيفة    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    الشيخ بن زومة.. إلى جنة الخلد    قيم الهلال المتوارثة يجب أن تبقى أبد الدهر    في زمن الضجيج.. القرآن بوصلة المعنى والسكينة    د.مزمل أبو القاسم يكتب: دموع الباز.. وزاهر! (2)    السودان.. الدفاع المدني يستعين ب"التوك توك"    طفح جلدي في رقبة الرئيس ترمب يثير تساؤلات حول صحته    صوت لا يغيب.. محمد رفعت ورحلة الآذان الخالد في رمضان    أجهزة الأمن السودانية تنهي مغامرات لص الصيدليات في عطبرة    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    السودان.. فكّ طلاسم"تبيدي للمجوهرات" في الخرطوم والتحقيقيات تفجّر مفاجأة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



مجلة المجلة عن كتاب خالد عويس الجديد : إرهاصات الوعي ونكساته – الجذور الثّقافية للمسألة السودانية
نشر في الراكوبة يوم 05 - 05 - 2012


التاريخ: : الجمعة, 4 مايو, 2012
إرهاصات الوعي ونكساته – الجذور الثّقافية للمسألة السودانية
الحفر في التاريخ
بعد انفصال جنوب السّودان عن شماله، طغت المراجعات الغاضبة على انتاج النُّخبة المثقفة من الكتّاب السودانيين، فكتب حيدر إبراهيم عن حصاد الإسلاميين ومراجعاتهم، وكتب المحبوب عبدالسّلام عن دائرة الضوء ومثالب مسيرة الحُكم الإسلاميّة، وكتب حاتم السّر شهادته عن الممارسات الانتخابيّة، وكتب فتحي الضو والنور حمد وآخرون، وفي إطار المُعالجة الثّقافية للمُشكلة السُّودانية كان كتاب الباحث والإعلامي السّوداني خالد عويس، بعنوان: إرهاصات الوعي ونكساته الجذور الثّقافية للمسألة السّودانيّة، محاولة جادة لتعيين جذور المشكلة، واقتراح الحَل، مُلقِيًا في الرّاكد من البركة، حجرًا يحرّك الكوامِن، بالأسئلة.
عويس: السودانيون يتعلمون تاريخ الأمويين والعباسيين والأوروبيين ويُهمِلُون تاريخ النُّوبة!
في السّودان الإخفاقات الكُبرى هي محصلة الوعي الزّائف المُخاتل، فالعقل السوداني ليس قادرًا بحسب عويس إلا على طرح أسئلة هشة وسطحية مؤامراتيّة ومصابة بعلة الكبر تسعى لفرض الواحديّة الثّقافية، وتنبذ التعدد. لم يقصر عويس انتقاده لجنوبِ أو شمال، ولكِنّه صوّب نقده للظاهرة الإقصائيّة، وحدد مداخل الأزمة، متمثلةً في جِراح الهويّة، وخراب الأنظمة العسكريّة، وما أنتجته من احتقان سياسي، وتدهورٍ اقتصادي، ساهم في صنع دولةٍ فاشلة، سياسيًا وإداريًا، ترفع الضرائب وتحتكر التّوظيف على “لون ودين وتوجه سياسي"، تُرّحِل صراعات الحزب الواحد لتصبح صراعات الوطن، ولكن هل الصراعات السودانية إلا نتاج لوعي ثقافي مخاتل، ومشاكل مُتغاض عنها في الهويّة، فأي هوية للسودان يا ترى؟
السوداني التائه
تساءل عويس “من نحن؟"، ومضى يلوم العنصرية التي أعمت السوداني عن دراسة تاريخه العظيم، متمثلاً في الحضارة النوبية، ويتساءل ساخرًا “السودانيون يتعلمون تاريخ الأمويين والعباسيين والأوروبيين، ويُهمِلُون تاريخ النُّوبة"، ويُضيف “لا يزورون المتاحف بينما يحفظون أنساب العرب".
لا يظهر على الكتاب نفس الصراع بين الهويات، بقدر الحنق على إلغاء تاريخ لأجل آخر، يظهر اعتداد عويس بالحضارة النّوبيّة، فيبدأ بسرد المجد السّوداني الذي يرى فيه ارتكازًا للحضارة “السّويّة" للسودانيين، التي أُرّخت منذ العهد القديم، متمثلة في الأصول النوبيّة وحضارته التي ضمّ ملوكها يومًا ما مصر وفلسطين لملكهم (العام 608 ق.م)، وسرد ما سماه “تاريخنا الذي نَجهل" وردّ الجهل إلى ضمور الإحساس بالحضارة النُّوبية، بعد “سطوة" العرب بعد المملكة السّنارية(1504)، التي خلقت نوعًا من الانفصام عنها، واستغرب أنّ الحضارة النوبيّة تُدرّس باعتداد في مناهح أميركية بينما توصَف في السُّودان بسنوات “التيه والضلال" ونسب ذلك للمؤرِّخ السّوداني حسن مكي فأي دور لعبته المملكة السنارية؟
الذّهنية السناريّة
تقوم الأطروحة في الكّتاب على تحميل المملكة السّنارية، جزءً كبيرًا من زلزال الوعي الذي بعثر حاضر السّودان، فيُشير الباحث إلى أنّ الحضارة النوبية ضمرت بعد طغيان العهد “السناري" الذي ربط العروبة والإسلام بالشرف والفخار، وحمّل عويس الفترة السّنارية غالب الذنوب والأعطاب الفكرية والروحية التي أخلّت بالوعي السّوداني، ومكّنت لما قال أنها “سيطرة عربيّة" في السودان، وهاجمها بشراسة معرفية فهي عنده مملكة الفقراء والعجز الفقهي، ووجه من وجوه الانحطاط الروحي والتصوف السطحي، حتى انه انتقد الطَيب صالح، الذي يرى أن سنار أقامت دولة التّسامح، وعوّضت بها مملكة الأندلس الإسلامية، ولكن هذا كله لا يشفع عند عويس، الذي يقول إن السودان وتاريخه ووعيه ظلّ بفعل سنار معلقًا في الهواء، لأن وعي سنار “العروبإسلاموي"، يُعامِل كل القديم على أنه “ضلال وتيه" ويبدأ تاريخه من سنار فقط، فكان بفعل سنار بلد المحن، محن الثّقافة الاستعلائية، والعروبة الطاغية على كل المكونات.
وعاد ليجيب على الطيب صالح حينما سأل في مقاله الشهير الذي نُشِر على صفحات مجلة “المجلة" ذات يوم “من أين أتى هؤلاء؟" يقول عويس “أتى هؤلاء من وعينا.. وعي سنار"، معتبرًا حكم الرئيس السوداني البشير هو ترسيخ لوعي سنّار، وتتويج للمحن التي ولدتها.
محنة الثّقافة الاستعلائية.. دارفور “دم أسود"
قام عويس بمسح لتغطية الإعلام العربي والإعلام الغربي لأزمة دارفور، التي راح ضحيتها مئات الآلاف حسب التقارير العالمية وعشرات الآلاف حسب تقاير الحكومة السودانيّة فأظهر المسح أن اهتمام العرب بقضايا “فلسطين لبنان العراق" ضعف اهتمامهم بأزمة دارفور، على نقيض الإعلام الغربي، الذي اعتنى بها بما يتناسب وحجمها الإنساني، وأرجع الإهمال العربي للبعد الإنساني في دارفور، لأسباب أهمها العراقيل التي تضعها حكومة الخرطوم حسب الكاتب والتصور المسبق بأن الخلافات بين العرب أو داخل الدول، لا تأخذ اهتمامًا كبيرًا حينما يكون الطرف الآخر غريبًا، واستشهد بتجاهل بعض صحف الخرطوم لأزمة دارفور، واستطاع أن يربط ذلك بنسق ثقافي أساسه الاستعلاء على العرق الأسود، فالوعي السوداني يجد في القضية الفلسطينية (قضيّة مركزية) بينما لا يأبه لمقتل مليوني نسمة في جنوب السودان ولا حريق دارفور، فمن أين أتت هذه المحنة؟
هذه المحنة سببها “سطوة ثقافة عربية" على الثقافة الإفريقية، ولعنصرية “السودانيين العرب" ضد غير العرب، استصحب مسببات هذه النظرة وتراكمها، ولم يفته تناول الحواجز التي منعت تجاوز هذه العقبة الثّقافية، مثل إشكالية الجنوب الثّقافية وسياسة المناطق المغلقة الاستعمارية، بالإضافة إلى استمرار الحروب العربيّة، واستمرار نهج العنف.
أيًا كان الاتفاق مع عويس أو الاختلاف، ولكن سؤال الهوية والتصالح مع الآخر سؤال ملح، والتصالح مع الآخر ينبني أولاً بإصلاح ديني، ووطني، يجعل الجميع بكل هوياتهم في درجة واحدة.
السودان كما لا يرضى عليه عويس؟
محنة التدين والتديين.. ودولة الإسلام في السودان
الدّين هو المكوّن الأبرز في الشّخصية السّودانِيّة، ولعِب السَّاسة على وتره كثيرًا، فكان لابدّ من الطواف عليه، وعلى الأدلجة التي مُورِست باسمه، فاعتبر الكاتب انقلاب العام 1989 أنه جاء لتنفيذ “فكرة" إسلاموية لتوطين الإيديولوجية، مثّل لها عويس بشخصية الطيب مصطفى وهو صحافي ووزير سابق، اعتبر فرحه الهستيري بانفصال الجنوب، مثالاً لنزعة الواحدية الثّقافية التي تريدها “حكومة الإنقاذ" باسم الدِّين، وهي لون من ألوان ممارسات تسببت في شروخ الهوية، مثلها مثل تداعيات “الأسلمة القهرية لجنوب السودان"، كل هذه الترسبات والممارسات تزداد خطورتها في زمان دخلت فيه على السّودان تيارات سلفية، غير سودانيّة، لتدلي بدلائها في معركة الهوية، لتزيد الأمر تعقيدًا.
ابتلي السودان بحسب عويس بأنواع التدين التقليدي والتدين الشكلاني، فاستطاعت التيارات المؤدلجة أن تنمو وتتسع وتتغول على مساحة التسامح الهشة حسب وجهة نظره مستشهدًا بفتاوى د. عبد الحي يوسف “الذي عرّفه بأنه سروري" وحرّضت على مهاجمة المعارض في السّنوات الماضية، وقبلها حادث لشباب اعتدوا على كنيسة، وبعد أن جاءت دولة الإنقاذ الإسلاموية انشدّت إلى الخارج، وحشدت الشواهد، لكنها عجزت عن الوفاء بحقوق المواطن، بل أخفقت في احترام حقوق الإنسان، وهنا يتساءل “ما بين الشريعة والدولة الإسلامية"، “الزي الإسلامي أم القتل في دارفور"، ويستعجب أن تكون دولة الإسلاميين دولة شعارات زيف، ومجتمعها يستشري فيه التطرف، والإرهاب، ولكنه يضع إرهاص الوعي، في قيام تيار مستنير، يعيد فهم دينه بوجه جديد، ولكن هل يأت هذا من دون تعليم!؟
محنة التعليم
المؤسسة التعليمية منذ دولة الفونج، اتبعت منهج الاتباع ورفضت الابتداع، وعلى الرغم من أن العهد التركي استقبل إرساليات تبشيرية وبعض المدارس المتنورة، إلا أنّ رسالية المشروع الحضاري الذي جاء بحكومة الإنقاذ(1989)، والتأصيل الذي ادّعته، قدّم لما سماه كارثة بسبب التعريب الذي وصفه بالعبث الإيديولوجي، وزاد محنة التعليم أن صارت المناهج حسب عويس تُخرّب العقول، وتم أدلجتها وعسكرتها، فتحولت شهادات التعليم العالي لشهادات لا قيمة لها، وصعّدت الحرب، حينما محت الاعتدال الديني، واختتم ذلك بأن السودان بحاجة إلى تعليم يكرّس قيم الاعتدال وحقوق الإنسان.
خلاصات وإرهاصات..
ما الحل مع وعي زائف متشظ، تبسط مفهوم التاريخ لديه، فتولد الوعي المشوه؟ يقترح عويس أن يُمهّد لمعرفة علمية ومنهج صارم ودقيق، ويتم التخلّص من الذهنية التي تجعل من الماضي السحيق تيهًا وضلالًا، وممارسة نقد أنماط التدين، لهدم عيوب سنار، التي رسخت تدينا شعبيًا يذوب فيه الفرد في الجماعة، وتنقذه من التدين السلفي الوافد والإيديولوجي الشكلاني، فيبقى بحسب عويس الأمل في تيارات الإسلام المستنير التي توازن بين الحاجات الروحية والمادية. وهذا لا يتم بغير إدارة حوارات بين النخب.
الخلاصة..
كتاب خالد عويس، فيه الكثير من الرؤى، التي لا ينفك يتحاور حولها المثقفون، ولكن جرأة الكاتب، كانت محرّكًا للعقل، ليدخل في نقاش حاد مع الكتاب، رفضًا لمحتواه أو تأييدًا له أو بين بين، لك أن تختلف معه حد الاختلاف، أو تتفق معه حد الاتفاق، ولكن غرض الكتاب ليس هذا ولا ذاك، وإنما هذا الذهاب والإياب مع الأفكار، وهذا التفكير، فالمطلوب من الكتاب هو النقد، فالعقل الناقد هو وحده ما يبني الأمم السليمة، في عالم معاصر، خاصة وأن كارثة بحجم انفصال الجنوب، تستدعي أن يقف عليها المفكرون مليًا.
على حد تعبير الكاتب “هذا الكتاب يحاول الإجابة عن بعض الأسئلة المتصلة بالوعي السّوداني، ويقترح أسئلة أخرى على العقل السوداني".
الدولة والاقتصاد بيد المؤمنين بنظرية الهوية العربية!
خالد عويس: السوداني “سجين" وعي زائف
* انفصال جنوب السودان، ماذا غير في خارطة الوعي، وإلى ماذا يؤشر وفق قراءتكم للواقع السوداني؟
انفصال الجنوب كان من المفترض أن يضع الوعي السوداني مباشرة أمام سؤال “التنوع"، فهو أكبر علامة على الفشل في إدارة التنوع، تنوع الأعراق والثقافات والأديان، بل وحتى الأفكار. الوعي السوداني “سجين" وعي زائف مفارق لتاريخه الورائي، كما هو مفارق للقيم التي انتظمت العالم اليوم. قلةٌ قليلة من السودانيين انتبهت لحجم المأزق الذي نعيشه على مستوى الوعي، أما الغالبية فقد انصرفت إلى الاصطفافات العرقية والتحيِّزات الثقافية. نحن أمةٌ لا تقرأ. وإن قرأت لا تحسن القراءة، وبذا أضحت قراءة التاريخ وعلوم الاجتماع والسياسة والفكر، أمراً منفصلاً عن الواقع، بل ومناقشات هذه الأمور كلها أضحت من قبيل “الفلسفة"، وهو مصطلح في الذاكرة الشعبية ينشأ على تخوم التهويمات وعدم الجدية. أنت “متفلسف" في السودان يعني أنت غير جاد وغير مسؤول. الحقُّ إن العلم والشهادات العلمية المتفرعة أصلاً عن الفلسفة نظريةً وتطبيقاً محض تفاخر اجتماعي. قل لي كم يكتب السودانيون كل عام في أيِّ مجال؟ وكم هو عدد من يحملون “شهادات عليا" في مجالات لصيقة الصلة بالكتابة، وبضرورة العمل في حقل الوعي والاستنارة؟ أما مؤشرات انفصال الجنوب وفق قراءة الواقع، فهي أن هذا الفشل في إدارة التنوع سيستمر، وسيتنزف السودان أكثر فأكثر. بل ان الاصطفافات الحادثة حالياً، والحروب المدمرة، والانهيارات الأخلاقية والثقافية والاقتصادية كلها تشي أن “أقاليم" أخرى في السودان، ستختار المضي في حال سبيلها، طالما أن “النخبة" الحاكمة، وفي ركابها مجاميع نخبوية واجتماعية تتغنى ب"إنجاز" فصل الجنوب. السودان في تقديري مقبلٌ على أسوأ أيام في تاريخه كله، هي حصيلة تراكم وعيٍّ متشظٍ وزائف وسطحي بالأنا والآخر، بالحياة والوجود.
* بماذا تبرر ندرة المراجعات على مستوى النخب السياسية السودانية؟
الظروف كلها ربما لا تساعد. لكن الظروف ليست سبباً كافياً. فمع النفي والقمع والملاحقة، هناك أسباب أخرى. منها أن “الشخصية السودانية" شخصية “شفاهية"، ليست قادرة غالباً على مجالدات الكتابة ورهقها إلا في ما ندر. محمد أبو القاسم حاج حمد ود. حيدر إبراهيم ومحمود محمد طه ومحمد إبراهيم نقد وفرانسيس دينق ومنصور خالد والصادق المهدي وحسن الترابي وأسامة عبدالرحمن النور ومحمد عمر بشير وغيرهم انصرفوا إلى ذلك، لكنه غير كاف. غير كاف لأن قضايا السودان معقدة للغاية وتحتاج في سبيل حلها إلى جهود أكبر للحفر في مجالات التاريخ والاجتماع والتربية والتعليم والتنظير الثقافي والسياسي وتحليل “الميثولوجيا" والنقد.. نقد العقل والبنى المعرفية. هذا كله شبه غائب، والمحاولات في هذا الصدد تبدو كجزر معزولة. أصلاً العقل ذاته ليس عقلاً ناقداً متشككاً، إنما هو عقل “تلقيني" بل وفي بعض الأحيان “تلفيقي".
خالد عويس
* هل ترتبط المحن التي أشرت إليها في كتابك بمحن على المستوى العربي أو الأفريقي؟ أو البلدان مزدوجة الانتماء؟
على الأقل، المفكر الكيني، بروفسور علي المزروعي، يشير إلى ذلك في ما يتعلق بأفريقيا جنوب الصحراء. فهو يشير وأنا أوافقه من دون تردد إلى ضعف بنيات ومفهوم الدولة والمجتمع معاً. كتابي يصلح لأن يكون كذلك، وإن كان يركز على السودان، كدراسة حالة تتقصى التاريخي والديني والثقافي والتعليمي. نحن ننظر دائماً إلى التاريخ على أساس “الأفقي" كالخطوط المعزولة، في حين أنه رأسي مركب ومعقد. يجب أن نفهم أن البداية مثلاً كانت في التجمعات البدائية قبل نحو 10 آلاف سنة، وهذه قادت لتجمعات حضرية أستأنست الحيوان وانتقلت إلى الفلاحة لتشيد “كرمة" كأقدم مدينة إفريقية جنوب الصحراء. وهذه أدت إلى الحضارة النوبية بكل جلالها الأخلاقي والاقتصادي والمعماري والفني. وبدورها قادت هذه إلى ما تلاها، وصولاً إلى “سنار" ودارفور وتقلي والمسبعات وسلطنات الدينكا والشلك والنوير وغيرها. ثمة اتصال بين هذه المكونات، وثمة تلاقح وتأثيرات متبادلة. لكن طبيعة النظر إلى “سنار" أنشأت خللاً عميقاً في الوعي التاريخي من خلال خلط “المقدس" ب"العرق".. في هذه الحالة، وعليه أضحى التاريخ، تاريخنا ما قبل سنار كمّاً مهملاً لا حاجة لنا به ونشأ الانفصام والفصل بين ذواتنا وذواتنا! انظر إلى المشكلات الحادثة خلال الثلاثين سنة الأخيرة.. الأكراد في العراق، الأمازيغ في شمال إفريقيا، التوتسي والهوتو في رواندا، جيش الرب في أوغندا، انفصال إريتريا عن إثيوبيا، مشكلة “الأرومو" في إثيوبيا، والطوارق في مالي، الأقباط والنوبيون في مصر، وليس نهاية ب"بوكو حرام" في نيجيريا. كل هذه المشكلات العميقة هي نتاج فشل في إدارة وفهم التنوع. عوض الاحتفاء به، نحن نزدريه، وهناك سببان في هذا لا ثالث لهما في تقديري، إما التعصب الديني والمذهبي، أو التعصب الإثني.
* في تعاطيه مع مفهوم الهوية، ومحاولة تنحيتها لتكون عربية أو افريقية محضة، ألا ترى أن للمثقف السوداني “ردة فعل توازي الخطأ" من دون أن يعي؟
المشكلة في أن أطرافاً ترى أن هويتنا عربية، ومستعدة لأن “تقاتل" في سبيل ذلك. وآخرين يرونها إفريقية، لكنهم الطرف الأضعف لأن الدولة والاقتصاد بيد المؤمنين بنظرية الهوية العربية.. بل و"المؤامرة" عليها. والحقيقة أن الهوية، هويتنا هي “سودانية" بمعنى أن الجامع لهذه الهويات المتنوعة هو هوية سودانية أكثر اتساعاً من مفهومي العروبة والإفريقانية في السودان! حسناً النوبة والبجا مثلاً ليسوا عرباً ولا هم أفارقة، بالمعنى الثقافي والعرقي، وهناك جدلٌ كبير حول أصولهما، فأين هو موقعهما من هاتين الهويتين؟ نتاج تلاقح العربي مع الإفريقي ماذا نسميه؟ إفريقياً أم عربياً؟ لفرانسيس دينق رؤية مهمة حول هذا الموضوع، تتمثل في أن هناك تلاقحات تاريخية حتى قبل الإسلام في السودان بين الأفريقانية والشرق أوسطية، من خلال تأثيرات الأديان والثقافات. نحن نفصل فصلاً مزريا بين عالمين: عربي وآخر إفريقي وكأن هذين العالمين ليسا متجاورين، وحصيلة هذا التجاور تداخل وتلاقح وتأثيرات متبادلة على مر التاريخ. أين المشكلة؟ المشكلة غالباً في الثقافة العربية وحمولاتها التاريخية بالنظرة الفوقية تجاه “الإفريقي"! هذا ما طرحه باحثٌ سوري في كتاب مهم له قبل سنوات. وهذا ما نعثر عليه في مؤلفات ابن خلدون والكندي وأشعار المتنبى، وهؤلاء كلهم اكتسوا قداسة “ثقافية" في الثقافة العربية. العلاقة بين هذين العالمين تعرضت لاختلال كبير بفصل الجنوب، ووجب على المثقفين العرب والأفارقة أن يتصدوا لمسؤولية تاريخية في مراجعات معمقة ومضنية، قبل أن يجري التصادم بين هذين العالمين المتجاورين المتداخلين. أنا أُحمِّل العرب المسؤولية الأكبر في هذا الخلل لأن الثقافة العربية مسؤولة إلى حد كبير عما يحدث.
* أقصد أن المثقف السوداني الذي يرد عروبة السودان، يمارس نفس دور الطيب مصطفى، ولكن في النقيض.
التطرف إن ارتدى قناع الدين أو العرق أو الثقافة، يظل لعيناً ومدمراً. ليس بالمقدور “رد" أي مكون ثقافي في السودان إلا بإقصائه ونفيه ثقافياً، بل وحتى جسدياً. هذا ما يحدث الآن! سنبصر نهاية النفق، حين نتيقن أن هذا الوطن إنما هو ملك ومعبر عن جميع أديانه وثقافاته وأعراقه التي تقف على قدم المساواة تماماً.
* انفصال الجنوب، لم يحقق السلام، وأفسد الوحدة، ولم تختف الاضطرابات، هل يؤشر ذلك إلى أن الإشكال ثقافي، وهم يحاولون حله سياسيًا؟
نعم هو إشكال ثقافي، والإشكال الأكبر أن من يتعاملون معه اليوم في موقع اتخاذ القرار تعوزهم أدنى درجة من الثقافة. بل أشك إذا كانوا يقرأون! هؤلاء متعصبون. والتعصب في أساسه جهل. ومشكلته أنه يفرز ردات فعل من الأطراف الأخرى فتغرق البلاد في طوفان من الحماقات والتعصب والإكراهات كالذي نراه الآن مشكلاً نوعاً من فوضى اللا معقول والعبث، ومتذرعاً بنظرية “المؤامرة" والتآمر الخارجي والتخوين في مناخ من التكفير والسطحية. حسناً سأشير إلى موطن الخلل: إنه الاستبداد.. الاستبداد بالرأي وبالحكم وبنمط التدين ونمط الثقافة. إما أن تكونوا معنا أو إنكم خونة وكفار وزنادقة. وهذا كله لمداراة المصالح والتكسب. المشكلة أن النخب الحاكمة تعمّق هذا الخطاب، بل وتفلته من عقاله، ليصبح في بيئة كالبيئة السودانية، طوفاناً هادراً من الجهل والتجهيل. من المسؤول إن لم يكن الوعي، الوعي الذي أنتج الاستبداد والاستعلاء والتعصب؟
الكتاب: إرهاصات الوعي ونكساته – الجذور الثّقافية للمسألة السودانية
الكاتب: خالد عويس
الدار: مدارك للنشر
سنة النّشر: مارس (آذار) 2012


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.