كباشي يحيي صمود مواطني شرق النيل ويوجه بزيادة محولات الكهرباء ومكاتب السجل المدني بالمنطقة    تطور حاسم بقضية "الاعتداء الجنسي" في منزل لامين يامال    مجلس شؤون الأحزاب السياسية بالسودان يعلن بدء تجديد البيانات    ولاية الخرطوم: توجيهات بإعداد وتنفيذ برنامج خاص لشهر رمضان وتكثيف المجهودات لاستقرار الخدمات الرئيسية    الإدارة العامة لشرطة تأمين التعدين تنفذ حملة منعية وكشفية لمكافحة التعدين العشوائي بولاية البحرالاحمر    الإدارة العامة لشرطة تأمين التعدين تنفذ حملة منعية وكشفية لمكافحة التعدين العشوائي بولاية البحرالاحمر    شاهد.. الفنانة مروة الدولية تغني لشيخ الأمين في حفل خاص: (الشيخ حلو لي والنظرة منك لي شفاء وبفهم مشاعرك بعرفها)    شاهد بالفيديو.. فنان سوداني يدون بلاغ في مواجهة زميله ويطالبه بتعويض 20 ألف دولار    هيئة مياه الخرطوم: تحصيل فاتورة المياه لا يشمل القطاع السكني حتى الآن    شاهد بالفيديو.. الفنان "الشبح" يرد على زميله "ريحان": (رددت الأغنية في حضورك وأنصحك بعدم البحث عن "الترند" بهذه الطريقة)    شاهد بالصورة والفيديو.. سيدة الأعمال ونجمة السوشيال ميديا الحسناء "ثريا عبد القادر" تستعرض جمالها بثوب "التوتل" الأنيق    مناوي .. استمرار الدعم السريع في ارتكاب جرائم ممنهجة بدعم خارجي يهدد وحدة السودان واستقراره    إلزام أبل وجوجل بتعديلات تعزز عدالة متاجر التطبيقات    "واتساب" تُتيح إجراء المكالمات من المتصفح    لجنة أمن ولاية الجزيرة تقف على ضبط 1880 قندول بنقو    ارتفاع طفيف لأرباح زين السعودية إلى 604 ملايين في 2025    دراسة تؤكد أن للضوضاء تأثيراً كبيراً على الطيور وتكاثرها    هدى الإتربي تكشف كواليس مسلسل "مناعة": تجربة مختلفة بتفاصيل إنسانية    رئيس الوزراء يتوجه إلى ألمانيا مترأساً وفد السودان المشارك في أعمال الدورة 62 لمؤتمر ميونيخ للأمن    مسلسلات رمضان.. هل تقع أيتن عامر فى حب ياسر جلال فى مسلسل كلهم بيحبوا مودى    مدينة على القمر خلال 10 سنوات.. هل يتراجع حلم المريخ؟    علاجك من أحلامك.. دراسة تتوصل لإمكانية استخدام أحلام الشخص فى العلاج النفسى    7 أطعمة للإفطار لا ترفع مستوى السكر في الدم    الرابطة والتوفيقية يتعادلان في مباراة الأحداث المثيرة    الموسياب يبدع ويقسو على الأمل بثلاثية نظيفة    وزير التعليم العالي السوداني: العودة إلى الدراسة خطوة استراتيجية    الهلال ينفرد بصدارة الدوري الرواندي    ضياء الدين بلال يكتب: قوش وآخرون... جرد حساب!    عاطف حسن يكتب: بنك الخرطوم.. اعتذارك ماااااا بفيدك .. !!    بالصورة.. أمر قبض في مواجهة الشيخ محمد مصطفى عبد القادر.. ما هي الأسباب!!    ارتفاع وارد الذرة واستقرار أسعار السمسم في بورصة محاصيل القضارف    الدولار يواصل التراجع أمام الجنيه فى منتصف تعاملات اليوم    مسؤول سوداني يغادر إلى تركيا    السودان.. وزير الشباب والرياضة يصدر قرارًا    دوري أبطال أفريقيا يشتعل.. 3 أندية تتأهل رسميًا وصراع مفتوح على 5 بطاقات    عثمان ميرغني يكتب: كبري الحلفايا...    شاهد بالصور.. كان في طريقه للتوقيع لفريق الخرطوم.. لاعب سوداني يتعرض لإصابة نتيجة انفجار "دانة" تسببت في بتر يده ورجله والنادي يكرمه بعقد مدى الحياة    مجموعة الهلال السوداني.. صنداونز يقتنص التعادل ويبقي آمال التأهل في دوري الأبطال    أفراد من الشرطة يلقون القبض على السائق الخاص بالقائد الميداني لمليشيا الدعم السريع "جلحة" داخل "ركشة" بحي بري    هلال كوستي يدشن برامجه الثقافية بليلة ثقافية كبرى وتكريم رموز النادي والمجتمع    شاهد بالفيديو.. سرقة محل مجوهرات بشارع الوادي بأم درمان وقيمة المسروقات تقدر ب(ترليون) جنيه    محاولة أوكرانية جديدة لإفشال مفاوضات السلام بعيداً عن ارض المعركة    رفض الزوج شراء سجائر لها فقتلته.. جريمة زوجة مصرية تثير الجدل    حريق كبير في سوق شرق تشاد    رسالة أخيرة في بريد الرئيس البرهان قبل تمرد الحركات المسلحة الدارفورية    ترامب يحذر إيران: الوقت ينفد والهجوم القادم سيكون أشد    مباحث الخرطوم تعلن توجيه ضربة موجعة لمافيا السيارات..إليكم التفاصيل    تلفزيون السودان يستأنف البث المباشر من مقرّه الرئيسي    وزير الصحة: التبغ عدو الحاضر والمستقبل و فاتورته الصحية تفوق عائداته الضريبية    هل قتل السحر الأسود الإسرائيلي عبد الناصر؟.. كتاب جديد يكشف خفايا خطيرة في مصر    سباق اختراق الضاحية باكورة بطولات الاتحاد العربي لألعاب القوى    شركة اتصالات في السودان تعلن عن توقف خدمات    "مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ"!    أحمد الشاكر: انا أعجز عن شكر جميع الإخوة الأشقاء في المملكة العربية السعودية    ترامب للإيرانيين: واصلوا الاحتجاج.. المساعدة في الطريق إليكم    السودان..حصيلة صادمة بمرض شهير في ولايتين    إسحق أحمد فضل الله يكتب: (حديث نفس...)    "كرتي والكلاب".. ومأساة شعب!    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



الجاه مجلبةٌ للمال والسلطة خادمٌ للبرجوازية ... بقلم /خليفة محمد الطيب - المحامي.
نشر في سودانيل يوم 08 - 08 - 2009


بسم الله الرحمن الرحيم
كتب الأستاذ /عادل الباز على صفحات سودنايل عن انعكاسات الأزمة المالية على السودان ونوه إلى خطاب سيادة وزير المالية الموجه إلى صندوق النقد الدولي في 22 أكتوبر 2008م الذي تَشَكَى فيه سيادة الوزير عن المعاناة التي يكابدها السودان بسبب الأزمة المالية العالمية ،وكيف أن سيادة الوزير طلب من الصندوق الدولي العون الفني ومراقبة برنامج الأداء لتعزيز النمو والاستقرار الاقتصادي وإعادة بناء احتياطيات النقد الأجنبي ..إلخ.
والذي أراه أن التدهور المالي وانخفاض نسبة النمو ليس السبب فيه الأزمة المالية العالمية وحدها وإنما هناك أسباب أخرى من صنع أنفسنا ومن خطل سياساتنا أدت إلى الانتفاخ الورمي الذي أصاب الجنيه السوداني وضاعفت من الطلب على النقد الأجنبي على النحو الذي نراه الآن.
على رأس هذه الأسباب أن الحكومة لم تحدد أولويات التنمية بطريقة تخدم مصالح العباد والبلاد وإنما تحكمت في ترتيب تلك الأولويات مصالح خاصة لفئات من المنتفعين والسماسرة والانتهازيين،وعلى سبيل المثال :أصابت الحكومة عملية التنمية في مقتل حين سمحت لشركات الاتصال بالتهافت على السودان على النحو الذي جرى ، وخلاف ما يرى الكثيرون من أن الاتصالات الهاتفية تعتبر أولوية تنموية ،فإن الرأي عندي أن الأمر ليس بهذا التبسيط والتسطيح ،ذلك أن الهاتف لا يعدو أن يكون وسيلة يستعان بها للربط بين حلقات مشاريع التنمية وتسريع وتسهيل إدارتها ومتعلقات عملها ونشاطها،فإذا كانت هذه المشاريع في نفسها غير موجودة فإن الهاتف لن يعدو أن يكون تزيداً وبهرجاً يتزين به الطفيليون ممن لا غرض لهم في التنمية الحقيقية ولا حاجة لهم في النمو والنهوض،وإنما همهم التكسب بلا مقابل يؤدوه،وحاجتهم العيش بالمجان ولو كان نتاج ذلك هلاك الحرس والنسل وبوار البلاد،فأنت اليوم تسمع مع كل صبح يوم جديد عن مصانع تعثرت وتوقفت محركاتها .. وتصك آذانك كل يوم أخبار عن مشروعات زراعية عتيقة مثل مشروع الجزيرة فتر نشاطها وتوقف نبض الحياة فيها ،وإذا بادرت وسألت المختصين عن تعثر تصدير اللحوم لعرفت أن السبب في ذلك ندرة المسالخ وأن الموجود منها –خاصة المسالخ الحكومية - قد تخلفت وأكل الدهر عليها وشرب ولم يعد أداؤها مقنعاً لمستورد اللحوم ،وقس على ذلك من تعثرات مشروعات التنمية الحقيقة، ومن جانب آخر تسمع مع إطلالة كل صبح جديد دعايات تستفز مشاعرك تروج لشركات هي في حقيقة أمرها مثل شركات التباكو تماماً لكن تجوزاً يسمونها شركات تنموية ،أسألك بالله ماذا يعني لي الهاتف النقال إذا تعرضت لحادث مروري ولا تتوفر سيارة الإسعاف التي يفترض الاتصال بها لتنقذني ، ماذا يعني لي الهاتف النقال وأنا أموت بأدواء التخلف من ملاريا وسل وتايفويد وبلهارسيا وغير ذلك من الأمراض،تصور بعين خيالك رجلاً مصاباً بالسل ويحمل في يده هاتفاً نقالاً ليتواصل به مع الآخرين ،ألا يحق لك أن تسقط عليه حالاً المثل السوداني القائل "عريان ولبسوهو سديري".
الكل يعلم هذه الحقائق ومع ذلك تغزونا شركات الاتصالات في اليوم الواحد آلاف الغزوات،لا لشيء إلا لأن متنفذاً ما يستفيد من ذلك الغزو ويشيد لنفسه من العمولة قصوراً آنيقات أو يوفر لأولاده منها سيارات فارهات على حساب شعبٍ يموت بالمثقبة وأدواء التخلف، وبعد أن بلعنا السيل وشكم منا الأنوف طفق البعض منا يجأر بالشكوى ولات حين تشكي،وبدأ بعض المسؤولين يلمحون على خجل واستحياء بأقوالٍ من مثل :إن تحويلات شركات الاتصالات إلى الخارج هي السبب في تضخم الجنية وزيادة الطلب على النقد الأجنبي.
نعم إن هذه الشركات سبب من بين أسباب أخرى أدت إلى انهيار الجنيه السوداني ،ذلك أن هذه الشركات في حقيقة أمرها لا تخدم أولوياتنا التنموية وإنما تلهف النقد الأجنبي الذي يصنعه المزارعون والرعاة والمغتربون والبترول أخيراً،وفي ظل غياب مشروعات التنمية المنتجة فهي لا تقدم لنا سوى "الكلام البشيلو الهواء" ولقاء ذلك تجفف جيوبنا وخزائننا من أي عملات أجنبية ، فتصور معي كم عدد أجهزة الموبايل التي يحملها الجمهور في أيديه،وكم هي كلفة أكسسواراتها من النقد الأجنبي ،وقل لي بعد ذلك ماذا قدمت لنا هذه الشركات؟ وفي ماذا خدمت قضية التنمية؟. الملاريا لا زالت تعشعش في كل بيت سوداني والتايفويد ينهش في أجساد أهل السودان لا يغادر منهم أحدا، والسل والبلهارسيا تقعدان الشباب عن العمل وعن التفكير والتدبير ، دع عنك الأمراض الفيروسية المستعصية.
للأسف إن أولويات التنمية رتبت بطريقة خاطئة "مشقلبة"، فجاءت الكماليات أولاً ، مع أن من أبجديات قضية التنمية أن نبدأ بالإنسان أولاً نوفر له الجو الصحي والتعليم الجيد والمهارة اليدوية الفائقة ، وبعد ذلك تلعب الجدليات دورها في النهوض بالإنسان وحينها يجوز له اقتناء الهاتف النقال اقتناءً يكون أكثر منطقية وقبولاً من الذي نراه الآن.كل ذلك أبته الحكومة على نفسها بسبب تحكم المصالح الخاصة، وانخدعت بأقوال الاختصاصيين غير الأمناء حين زينوا لها أن النهوض يكمن في فتح أسواقٍ تضارب في أوراق المال والسندات وأن قضية التنمية لن يخدمها خادم مثل خصخصة البنوك والمشروعات ،لكن نومتنا طالت وشمس فجرنا لم ولن تشرق ،ونحن ينظر لنا في عالم المال والاقتصاد رجالٌ غير ناصحين ،غدوتهم تاجر البندقية وأسوتهم الحسنى روتشيلد،وليتهم كانوا في طموح هذا الأخير الذي سرق العالم بأسره لأجل بني جلدته شعب الله المختار.
مسألة أخرى لها هي الأخرى قَسْمٌ ونصيب في تدهور الأوضاع الاقتصادية والمالية في سودان اليوم، إنها مسألة الانقسامات الأميبية التي طالت الوظائف الدستورية من غير ضرورةٍ ملجئة لذلك – اللهم إلا ترضية المؤلفة قلوبهم- ،ومن غير حاجة سوى انتهازية المتعلمين وترفعهم عن العمل المنتج واستمراؤهم الكسب السهل والثراء السريع،ولو كان استحداث هذا الاستوزار لأجل رفع الكفاءة والأداء لقبلناه لكنه للأسف كان قناعاً لتعطلٍ احتشم خلف برقع السياسة والسيادة وتقوت عينه بالحصانة والسلطان ،فكان عنتاً على الشعب وعبئاًَ على الموزانة، فالذي نعلمه أن الأجر مقابل العمل والحصانة للتمكين من الأداء ،فإذا فقدا فلا أجر ولا حصانة،إنقسامات أميبية في الاستوزار لا يبررها رفع الأداء ولا تجويد العمل لكن تبررها انتهازية المتعلمين وترضية المعارضين ،فأنت قد تلاحظ معي أن وزارة مثل وزارة المالية والاقتصاد الوطني والتخطيط الاجتماعي "سابقاً" كانت تشمل في داخلها شُعباً عدداً،فإذا بين عشيةٍ وضحاها تنقلب كل شعبةٍ إدارية من شعبها إلى وزارة لها بهرج وسلطان ،وتتحول الوظيفة الإدارية فيها إلى وظيفة دستورية لها مخصصات وكلفة تنوء عن حملها ميزانية الدولة،وقل مثل ذلك عن وزارة الثقافة والإعلام ووزارة التجارة ووزارة الصناعة والطاقة والتعدين..إلخ ،فالآن بلغ عدد الوزارات الاتحادية ثلاثون وزارة قولاً واحداً مع أن الكثير من هذه الوزارات كانت في السابق مجرد شُعب إدارية عليها مدراء إدارات وموظفو عاديون لا يحرسهم أحد ولا تخصص لأهلهم سيارات خدمة ولا تتقدمهم صافرات إنذار.
هذا التجييش في الوظائف الدستورية نلحظه كذلك في كم المستشارين الذين في نظري لا يؤدون عملاً ذو قيمة إذا ما نظرنا إلى الأمر من زاوية ما تنفقه الدولة عليهم ، ولا شك عندي أبداً أن مركز بحوث واحد مؤهل أنفع للبلاد والعباد منهم آلاف المرات ،وقل مثل ذلك عن المساعدين وغيرهم.
لقد تجاوز التجييش الدستوري الحدود المعقولة إلى درجة أنه أصبح مدعاة للتندر وإطلاق الطرف مثل قول أحدهم: " إننا كنا في أوائل السبعينات نحفظ أسماء الوزراء عن ظهر قلب ولكن اليوم البشير ذاتو ما عارفهم كم ناهيك أن يعرف أسماءهم " ،ولا شك أن هذا التندر له سنده من الواقع فاليقين والجزم أن رئيس الجمهورية نفسه لا يعرف أسماءهم،إذ النسيان وارد مع الكثرة الكثيرة.
إلى جانب هذه الوزارات الاتحادية فإن هناك تكلفة وزراء الولايات التي يبلغ عددها خمسة وعشرون ولاية مضافاً إلي ذلك المجالس التشريعية للولايات ومجلس تنسيق الولايات ، ولن ننسى البرلمان الاتحادي "المجلس الوطني" الذي تتجاوز عضويته الخمسمائة عضواً ، كل هذه الجيوش من الناس تتعطل طاقاتها وتتوقف عن الإنتاج بسبب بهرج ومسميات فضفاضة،وليت الضرر كان قاصراً عليها من تعطل هذه الطاقات لكنه للأسف متعدٍ حال حونها تتكسب وتتعيش على حساب المواطن الغلبان وليتنا رأينا طحينا،فما تنجزه هذه الجيوش من البشر كان في السابق يؤديه عددٌ من الناس جدُ محدود ،وكان الواحد منهم يعود إلى ممارسة مهنته سرعان ما خلص من تكليف السلطان لكن اليوم وللأسف الشديد أصبحت السياسة مهنة ،تقول للواحد منهم ماذا تعمل فيجيبك من غير أن يرف له جفن "سياسي" ، إلى أن أصبح مفهوم "الرجل السياسي" عندنا رديفاً للفهلوة والتعطل و"العيش بالمجان "،وفي ذلك فليتنافس المتنافسون،وعلى رأي ابن خلدون "الجاه مجلبةٌ للمال".وكما قال هوبز "إنها حرب الكل ضد الكل" وعلى حد قول ماركس " السلطة خادمٌ للبرجوازية".
إنني أعتقد أن الفصل الأول من الميزانية لأجل هذا التضخم الذي أصاب الوظائف الدستورية كله مبلوعٌ مبلوع، وقد يحسب البعض أنني أغالي وأبالغ فيما ذهبت إليه في هذا الصدد، لكن حسب المرء أن يلقي نظرة واحدة – ولو عجلى – على الجدولين "أ،ب" المرفقين بقانون مخصصات شاغلي المناصب الدستورية التنفيذية والتشريعية وامتيازاتهم وحصانتهم لسنة 2001 م ويحسب عدد الموظفين الدستوريين الذين تسري بحقهم الجداول المذكورة،عندها سيقف على حقيقة ما زعمت من أن التضخم الذي أصاب الوظائف الدستورية هو سبب من الأسباب المباشرة لتدهور التنمية ونضوب النقد الأجنبي خاصةً إذا ما علمنا أن هذه الوظائف قد تجاوز عددها الألوف ،كيف لا والمجلس الوطني عضويته خمسمائة عضو أو يزيد،فضلاً عن المجالس التشريعية الولاية ومجلس الولايات.
مسألة ثالثة في نظري أدت إلى تدهور الجنية وتراجع نسبة النمو وهي خطل وقصور السياسة الائتمانية أو الإقراض ، فالملاحظ أن الطريقة التي تتعامل بها البنوك بمباركة من البنك المركزي "بنك السودان" تشجع المضاربات غير المنتجة ، وهذا يلاحظ في تهافت الناس من قبل سنوات عددا على شراء صكوك المضاربات والمرابحات التي تطرحها شتى البنوك السودانية ، وليت تجميع هذه الأموال قد أفادت منه المشاريع التنموية المنتجة ،للأسف الشديد أعادت البنوك إعادة إقراض كثير من هذه الأموال للطفيليين الذين يضاربون في تجارة الحبوب أوفي يضاربون في الأوراق المالية التي تطرحها سوق الخرطوم وغيرها من أسواق المال الأجنبية،ولا شك أن في ذلك تشجيع على الكسب الطفيلي وتحفيز على الانصراف عن مجالات الإنتاج الفعلي، علماً بأن هذه المضاربات من النادر جداً أن تخضع لضريبة الدخل على عكس ما يتعرض له المنتج الحقيقي ،فأنت ترى الناس في عزوف من الدخول في المشروعات المنتجة بسبب تكلفة الإنتاج العالية جداً مقارنة بما عليه الحال في بلاد الله الأخرى ، فصناعة الدواجن والألبان تجدها توفر في كل بلاد الله منتجات في متناول الجميع بسبب انخفاض تكلفة الإنتاج بينما الأمر عندنا في السودان على غير ذلك وقس على ذلك في كافة ضروب الإنتاج، وهذه التكلفة العالية للإنتاج تؤدي من غير شك إلى مجافاة المجالات المنتجة والتودد للمضاربات والمرابحات ذات العائدات السريعة ،فقد لاحظنا خلال السنوات الماضية كيف أن أسعار العقار تضخمت بطريقة لا يقبلها العقل السليم،بلاد تعاني الفقر والفاقة وتشكو من ضمور القوة الشرائية لكن ترتفع فيها العقارات بصورة فلكية تضاهي ما عليه الحال في الدول الرأسمالية العتيقة وبلدان النفط الغنية .. لا يفسر هذا التناقض سوى نظرية المضاربة والسمسرة والجشع الذي يزيف الواقع ويصور الأمور على خلاف حقيقتها، والمتضرر من كل ذلك هو المواطن البسيط الغلبان لا من يتعيشون على شقاه وعذابه بلا جهد ولا عمل ..عاطلين ونفعيين وللأسف يحترمهم المجتمع ويعلي من قدرهم وشأنهم لا لشيء سوى لإجادتهم فن الفهلوة والعيش بالمجان.
هؤلاء المضاربون لما رؤوا هوان الحكومة على نفسها وعلى الناس لم يكتفوا بتخريب الاقتصاد بأيديهم ، وإنما أمعنوا زيادة في التخريب بالاستعانة بالأجانب ،فكم سمعنا عن لصوص في بلدانهم صاروا بقدرة قادر مستثمرين نالوا من الاحترام حتى صار يستقبل بعضهم رئيس الجمهورية وكبار المسئولين في الوقت الذي تتجاهل فيه بلدانهم كبار مسئولينا حتى لو جاءوا في مهام رسمية ، فكم حز في نفسي مثلاً أن أسمع أن وزيراً مسئولاً سودانياً يأتي في مهمة رسمية ولا يكون في استقباله نظيره وإنما يستقبله مسئول إدارة لا علاقة له بالوزارة أو المهمة موضوع الزيارة ،وأصبح الأمر عادياً إلى درجة أن المهانة وصلت بنا حداً أن يستقبل ممثلينا ورمز كرامتنا مدراء المطارات والخطوط الجوية في البلدان المضيفة،ولا نسمع من مسئولي الحكومة موقفاً واحداً يضع حداً لهذا الهوان الذي مس السودان والسودانيين جميعاً ، فكم حز في نفسي أن تحتج إسرائيل على حديث الرئيس أوباما مع مسئول إسرائيلي عبر الهاتف مع جلوس أوباما في مكتبه بصورة -أظهرتها الصحف ووسائل الأخبار – لا تليق ،بينما يهان أهل السودان جهرةً وعياناً فما لجرحٍ بميتٍ إيلام. كثيرون ممن سموا مستثمرين أجانب جاءوا إلينا بليل لينهبوا البلاد بمساعدة أبنائها البررة ممن يسمون رجال أعمال زوراً وبهتانا،ووجدوا من الاحترام والتقدير نصيباً لم يظفروا به في بلدانهم.. جاء الكثيرون منهم ليلجوا أبواباً لا علاقة لها بالإنتاج ،أولوياتنا التنموية هي الزراعة والثروة الحيوانية والصناعات التحويلية ، لكن للأسف لم يعمل في هذه المجالات إلا القليل جداً منهم والكثرة الكثيرة ضخت أموالها في مشاريع خدمية وطفيلية لا تحتاج إليها البلاد أصلا وإن احتاجت إليها فهي ليست ذات أولوية تنموية فهناك من المشروعات ما هو أولى منها إن كان المقصد هو فعلاً الانطلاق من مبدأ "فيد واستفيد"، واعتقد أنه بعد مرور بضع من السنوات تأكد للحكومة أن الاستثمار الأجنبي في السودان كان كذبة بلغاء وأن الذي حقق المقاصد لم يتجاوز نسبة 5% والباقي كان نهباً منظماً للأراضي ولأموال البلاد ، والذي يحز في النفس أكثر أن المسؤولين في حكومة السودان ضربوا صفحاً عن مبدأ المعاملة بالمثل الذي يحكم العلاقات الدولية بين البلدان ، حين سمحوا لكثير من الأجانب بأن يتملكوا أراضي أهل السودان وعقاراتهم بأثمان بخسة في الوقت الذي لا تسمح فيه كثيرًُ من بلدان هؤلاء الأجانب بأن يتملك السوداني فيها متراً واحداً وكأن أراضيهم يجري فيها ماء الكوثر أو سلسبيل الجنان ،وكأني بالنيل الذي نفخر به قد تأسنت مياهه وبارت ضفافه فأصبحت يباباً يحل لكل هائم طريد أن يتملكها بثمنٍ بخس بل تعرض عليه ويكون فيها من الزاهدين.
والآن بعد أن سبق السيف العزل بدأنا نسمع تَشَكِّي بعض المسؤولين عن التضخم وانخفاض نسبة النمو بل والاستعانة بمنظمات الغرب الكافرة "الصندوق الدولي" لتكون لنا مساعداً ومعينا،مع أن حقيقة الأمر أنها على نفسها جنت براقش.
والله نسأله العافية وهو الموفق والهادي إلى سواء السبيل،،،
خليفة محمد الطيب – المحامي.
khalifa alssamary [[email protected]]


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.