بسم الله الرحمن الرحيم أشعر منذ عدة أيام عند مطالعتي لصحيفتنا الغراء "سودانايل" إن هناك شبة توافق بين بعض الأقلام – لا أقول إنه متعمدا- في توجيه الانتقادات للخبير الاستراتيجي والمفكر الفذ صاحب اليراع النافذ والفكر المتقد والبصيرة الصائبة أستاذنا الكبير هاني رسلان. وذلك لا لجريرة ارتكبها سوي أنه تناول بالنقد قضايا تمس الأمن القومي المصري – بلده ووطنه- وتعرض في سرده لها إلى بعض المواضيع المتعلقة بالسودان خاصة في الجنوب. وكل من درس العلوم السياسية أو اشتغل بالسياسة أو حتي مجرد مهتم أو مطلع بها يعلم علم اليقين أن السودان يمثل العمق الاستراتيجي للأمن المصري، ومن هنا كان الاهتمام المصري بالسودان منذ قديم الزمان، أي حتي منذ زمن الحضارة النوبية في الجنوب والفرعونية في الشمال. ومن هنا كذلك كان اهتمام مركز الإهرام للدراسات الاستراتيجية والذي يعتبر أكبر مؤسسة بحثية ليس في مصر فحسب بل في الوطن العربي والشرق الأوسط وأفريقيا، وكم أتمني أن يكون ببلادي الحبيبة مؤسسة مثيلة له، بالشأن السوداني في التاريخ الحديث، ومن هنا كان اهتمام الأستاذ الدكتور هاني رسلان وتخصصه بالشأن السوداني لأنه الشخصية الأولي في هذا المركز العملاق المعنية بملف السودان. للحقيقة والتاريخ أنا لم اتشرف بمقابلة الأستاذ الدكتور هاني رسلان إلا مرة واحدة في عمري، وهذه كانت خلال المشاركة في تظاهرة مؤتمر الإعلاميين الثاني بالخارج التي نظمت في شهر مايو المنصرم من العام الجاري 2009م. وحتي لقاءنا كان لقاء عابرا تعرفنا من خلاله على بعضنا البعض واتفقنا على أن تكون لنا جلسة مع بعض خلال أيام المؤتمر غير أن زحمة المؤتمر وتتابع برامجه – الذين شاركوا فيه يعرفون ذلك جيدا- لم تتح لنا فرصة الجلوس معا مرة أخري خاصة وإنه كان ضمن المجموعة التي اختارت السفر إلى دارفور، وكنت ضمن من قرر رؤية الرد – أي سد مروي. غير أنني سبق أن تعرفت على الدكتور هاني قبل ذلك بكثير عبر ما يخطه يراعه وما تجود به خواطره وما تتمخص عنه أفكاره. وأعتقد إن الرجل زخرا ليس لمصر فحسب بل لكل باحث وأكاديمي ومثقف، ولكل قاريء يدرك ما بين السطور ويغوص في المعاني ولا يكتفي فقط بظواهر الكلمات ورسمها. فالرجل بحق موسوعة وأعتقد – وفق رؤيتي الشخصية التي قد يتفق أو يختلف معي فيها الآخرون- إنه يكتب بموضوعية ولا يعتمد في مصادره على جهة محددة، بل تجده يستند إلى مصادر عدة من بينها وسائل الإعلام الإسرائيلية نفسها ومصادر غربية مختلفة، وهو كثيرا ما يشير إلى هذه المصادر كلما سمح المقال والمقام بذلك، لأنه- كما نعلم جميعا- ليس لزاما على الإعلامي الإشارة إلى مصادره. ما دفعني للكتابة حول هذا الموضوع ما ورد في مقال الأستاذة سارة عيسي – التي أكن لها كل تقدير واحترام ولو أنني لم اتشرف بالتعرف عليها بعد سوي من خلال ما تكتب في صحيفتنا الغراء سودانايل، وكذلك ما ورد في رد فرمينا مكويت منار ممثل حكومة جنوب السودان بمصر والشرق الأوسط وجامعة الدول العربية. إثنان في مقام كل من الأستاذة سارة والأستاذ مكويت يستحقان قطعا كل احترام وتقدير. لذا أحسست أنه من واجبي – والتناصح هو ديدننا ليس فقط على منبر سودانايل- أن أشير إلى أنه من الضروري توخي الحذر في اختيار الكلمات والتعابير عند التعرض للحديث عن شخص معين أو موضوع بذاته، ذلك أن الأستاذة سارة أو قيادات الحركة الشعبية قد عودونا دوما أسلوبهم السلس ولياقتهم العذبة واختيارهم لكلماتهم وتعابيرهم بعناية شديدة صرحا منهم على مشاعر الآخرين، وهم في ذلك يتبعون مقولة الحكيم الذي قال "ما تفعلة نقطة العسل بالذباب لا يفعلة برميل حنظل". قد يكون ما ساقه الدكتور هاني قد مس بعض الأماكن الحساسة من جسد الحركة، وقد يكون ما قاله هو ما تروج له جهات ما في السودان، ولكن حتي في مثل هذه الحالات تظل الموضوعية هي سيدة الموقف. لأن أي موضوع خرج عن الموضوعية يكون قد فقد تأثيره على القارئ حتي وإن أعيدت قراءته مائة مرة. ورد في مقال الأستاذ مكويت وصف الدكتور هاني "بالجهل ووصمه بأنه يتبع عاطفة عمياء ولا يعرف تأثير ما يكتب، وأنه واحد ممن تستغلهم بعض الجهات في السودان". والله إن هذا لا يصح في حق الدكتور هاني رسلان الرجل العلامة والقامة المستقيمة واليراع الفريد واليد البيضاء، كما إن هذا لا يصح في حق حكومة جنوب السودان ولا في حق الحركة الشعبية ولا في حق مكتبها في مصر ولا في حق الأستاذ مكويت!!! أما الأستاذة سارة فقد أشارت إلى أن الحكومة تحتاج إلى آلة إعلامية فكانت أن أسست قناة المستقلة وقناة الشروق، أي كأني بها تريد القول بأن الدكتور هاني رسلان يعتبر جزء أصيلا من الآلة الإعلامية التابعة للحكومة من خلال ترديده لما يقوله خمسة وعشرون مستشارا ملتفون حول الرئيس. واتهمته مرة بالترويج لشائعات دعم إسرائيل للحركة الشعبية في جنوب السودان، ثم عادت مرة أخري واتهمته بإنه فقط يعيد ما سبق وبثه برنامج "ساحات الفداء" أبان حرب الجنوب الثانية. فإذا كان التلفاز السوداني هو من بث ذلك، فما ذنب الدكتور هاني إن اعتمد على التصريحات الرسمية للحكومة كمصدر من بين مصادر معلوماته الكثيرة، وهو ذات الشيء الذي يفعله مع الحركة الشعبية وأجهزتها المختلفة حين الاستناد إلى ما يصله من معلومات عنها. ثم إن الاتصال بين حركات التمرد في الجنوب وإسرائيل ليس بالشيء الجديد. فكثير من قادة حركة التمرد الأولي في جنوب السودان تحدثوا صراحة وفي لقاءات بثها التلفاز السوداني وشاهدها كثير من متابعي برامجه بأن إسرائيل مهتمة جدا بالشأن السودان وتري في قضية الجنوب فرصة للتأثير على صانعي القرار في الخرطوم، لذلك كانت تقدم الدعم السخي من أسلحة متطورة وخبراء لحركات التمرد في الجنوب. ورغم أن كل هذه القيادات التي تتحدث اليوم بكل صراحة عن هذه العلاقة مع إسرائيل ورغم أن هناك العديد من الكتب والبحوث الغربية باللغات المختلفة اليت تتحدث اليوم عن علاقة إسرائيل الوثيقة بحركات التمرد في جنوب السودان، إلا أن الجميع- سواء في حركات التمرد أو في إسرائيل أو وسائل الإعلام الغربي- كانوا ينفون وجود أي شكل من أشكال العلاقة بين حركات التمرد وإسرائيل، ناهيك عن تلقي الدعم المادي والإسلحة الخفيفة والثقيلة والتدريب عبر خبراء جهاز المخابرات الإسرائيلي - الموساد. أنا شخصيا أعتقد إن ذلك شيء طبيعي في الحرب، لأن التأكيد على وجود مثل هذه العلاقة مع إسرائيل كان سيتسبب في إحداث خسائر كبيرة للحركة من جانب، ومن جانب ثان كان سيسهل على الحكومة خلق إجماع حولها وكسب تأييد الشارع العام السوداني والعربي والإسلامي. فإذا كانت إسرائيل كانت تقوم بذلك في عهد الرئيس الراحل نميري – رحمه الله- وهو الذي كان مواليا للغرب، وهو من في عهده تمت عملية ترحيل الفلاشا إلى إسرائيل، فما بالنا اليوم؟ إي إنه من الوارد بشدة أن تكون هذه العلاقة مستمرة حتي اليوم، وهذا ما يمكن أن يبرر ما ساقه الدكتور هاني رسلان استنادا إلى مصادر مختلفة من بيها الإعلام الإسرائيل وجهاز الموساد! مقالي الأستاذة سارة والأستاذ مكويت أثارت العديد من ردود الأفعال بين قراء سودانايل، فمنهم من علق على ما كتب باستخدام تعابير تخرج بنا عن الموضوعية المطلوبة ولا تؤدي إلى الهدف الذي نرجو مما نكتب. ما أريد أن أخلص إليه هو أن نلتزم جميعنا بالموضوعية في الطرح والنأي بأنفسنا عن كيل التهم غير الموثقة والشتائم غير المبررة في حق الآخرين وأن نعود أنفسنا على طرح قضايانا بأسلوب مقبول وأن نسوق ما يدعم حديثنا من دلائل وبراهين وأمثلة، لأن ذلك هو النهج الحضاري الذي يساعدنا على إمعان النظر في إيجاد حل تعاوني جماعي وفاقي للمشكلة المطروحة وليس النظر في المشكلة ذاتها مما يعقد الأمور أكثر فأكثر. أرجو أن أكون قد وفقت فما هدفت من مقالي. وللأستاذه سارة والأستاذ مكويت وللقراء الكرام كل الود والاحترام، وأرجو المعذرة إن لم أوفق في ذلك فهو من نفسي والشيطان. والله الموفق،،، [email protected] د. خالد علي عبد المجيد لورد مدير مركز السلام للدراسات الاستراتيجية والتنموية بفيينا – النمسا