قوات الدفاع المدني تنفذ حملة واسعة النطاق لمكافحة نواقل الأمراض وإصحاح البيئة بمحلية جبل أولياء    المريخ في اختبار صعب أمام أمام روستيرو عصرا    دعم إفريقي واسع للهلال السوداني..سيكافا والرواندي في المقدمة واتحادات موريتانيا والسنغال والكاميرون تلوح في الأفق    وزارة الداخلية توضّح بشأن دوي انفجار هزّ منطقة شرق الخرطوم    الصفا الأبيض يهز شباك الرفاق... وانطلاقة قوية في الدورة الثانية    تطوّرات في ملف شكوى الهلال ونهضة بركان    بالصورة والفيديو.. شاهد لحظة القبض على أخطر شبكة تقوم بسرقة العربات و"اسبيراتها" بالخرطوم بعد كمين محكم    شاهد بالفيديو.. الممثل ذاكر سعيد في فاصل كوميدي : (لا أشجع فريق برشلونة ولا ريال مدريد أشجع الفريق البرهان "ضقل" بالمليشيا كورة مرقهم في الخلا)    شاهد بالصورة والفيديو.. ضحكات ومزاح بين الفنانة إيمان الشريف و "البرنس" في لقاء داخل سيارة الأخير    بالصورة والفيديو.. شاهد لحظة القبض على أخطر شبكة تقوم بسرقة العربات و"اسبيراتها" بالخرطوم بعد كمين محكم    شاهد بالفيديو.. الفريق أول ياسر العطا يحظي باستقبال تاريخي من جنود الجيش والمستفرين بعد ساعات من تعيينه رئيساً لهيئة الأركان    شاهد بالفيديو.. الفنانة إنصاف مدني تفاجئ الجميع وتقتحم بث مباشر لزميلتها ميادة قمر الدين: (أنا مفلسة أعملوا لي مبادرة)    "تأسيس" و"صمود" يدينان استهداف أسامة حسن في غارة مسيّرة على نيالا    تطور جديد في جلسة محاكمة منيب عبد العزيز شمال السودان    يوم اليتيم.. نصائح لدعم اليتيم نفسيا في يومه السنوي    صمود يحذر من كارثة إنسانية مع استمرار العمليات العسكرية في النيل الأزرق    ماجد المصرى: شخصية راغب الراعى مرهقة بسبب تعدد علاقته داخل الأحداث    محمد مهران يكشف أصعب مشهد فى كواليس مسلسل درش    ماذا يحدث لجسمك عند التوقف عن تناول منتجات الدقيق الأبيض لمدة أسبوعين؟    ما حقيقة زيارة وفد إيراني إلى السودان سرًا؟    "العاصفة الحمراء" التي ضربت دولا عربية.. هل هي خطيرة؟    "يديعوت أحرونوت": واشنطن بدأت عملية إجلاء طارئة ل60 ألف أمريكي من مصر    الدولار يتراجع مع تصاعد توقعات التهدئة في الشرق الأوسط    بالصورة.. أبعدوه حتى لا يرى قبرها ويقوم بنبشه.. قصة مؤثرة تدمي القلوب لشاب سوداني معاق ذهنياً في يوم وفاة والدته التي كان متعلق بها ومداوم على مسك "ثوبها"    شاهد بالفيديو.. "ماما كوكي" تتحدث عن قضية الساعة.. مطربة شهيرة تقيم علاقة عاطفية مع "البرنس" بعد طلاقها من زوجها وردة فعل أهلها جاءت صادمة لها    المغرب يثبت نفسه بين الكبار ويواصل الهيمنة عربيا في تصنيف فيفا    أدوية منسية في المنزل قد تهدد صحة العائلة.. تخلص منها فورا    نوع نادر من السرطان.. ما هو التليف النخاعى؟    سوداني يسأل: (أنا مغترب وحصلت مشكلة بين زوجتي وزجة أخي واخوي اتصل علي قال لي طلقتها ليك هل الطلاق واقع؟)    اللجنة الإقتصادية العليا تصدر عدداً من القرارات المهمة لتحقيق استقرار سعر الصرف    السودان.. وفاة لاعب كرة قدم    وزير المعادن ونائب المدير العام المفتش العام للشرطة يدشنان مركبات لتعزيز مكافحة تهريب المعادن وتأمين مواقع التعدين    السودان.. وزير يشرع في تكوين قوّة عسكرية ضاربة..ماذا هناك؟    ارتفاع وارد واسعار الذرة والسمسم بسوق القضارف    قالت إنّها خرجت من آلية تحديد أسعار الوقود..الطاقة تكشف تفاصيل 20 باخرة في محيط البحر الأحمر    عثمان ميرغني يكتب: فساد.. الفساد..    شراكة استراتيجية بين "الشباب والرياضة" و"الصناعة" لتمكين المبتكرين ودعم الإنتاج الشبابي    السيسي للرئيس ترامب: لا أحد يمكنه وقف الحرب في المنطقة إلا أنت    مصر.. الدولار يقترب من 54 جنيها لأول مرة    وجبة سمك تُنهي حياة 3 سودانيين بالقاهرة وتتسبب في إصابة 4 آخرين بحالة تسمم غذائى حاد    رئيس الوزراء يصدر قرارًا بشأن الرسوم الجديدة في المعابر    محمد عبد الباسط يكتب: لهذا تحركت باكستان الآن للوساطة بين أمريكا وإيران    الخليج الضحية الكبرى: إيران وجهت 83% من هجماتها إليه… و17% فقط إلى إسرائيل    مهلة أخيرة للمخالفين: خيارات متعددة لمعالجة أوضاع التأشيرات المنتهية في السعودية    ترامب يصدر أوامره ويكشف تطورات مثيرة مع إيران    الأمن يداهم مخزن يبيع الوقود المهرب لعصابات التنقيب عن الذهب    رئيس الأهلي مدني وابنه يتعرضان لحادث مروع    المباحث تنهي مغامرات شبكة إجرامية متخصصة في الإحتيال علي أصحاب المحلات التجارية عن طريق اشعارات تطبيق بنكك المزيفة    الشيخ بن زومة.. إلى جنة الخلد    قيم الهلال المتوارثة يجب أن تبقى أبد الدهر    في زمن الضجيج.. القرآن بوصلة المعنى والسكينة    د.مزمل أبو القاسم يكتب: دموع الباز.. وزاهر! (2)    السودان.. الدفاع المدني يستعين ب"التوك توك"    طفح جلدي في رقبة الرئيس ترمب يثير تساؤلات حول صحته    صوت لا يغيب.. محمد رفعت ورحلة الآذان الخالد في رمضان    أجهزة الأمن السودانية تنهي مغامرات لص الصيدليات في عطبرة    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    السودان.. فكّ طلاسم"تبيدي للمجوهرات" في الخرطوم والتحقيقيات تفجّر مفاجأة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



رسائلُ "مختار السردار" السرية .. بقلم: جمَال مُحمّد ابراهيْم
نشر في سودانيل يوم 17 - 06 - 2013


رسائلُ "مختار السردار" السرية *. .
جمَال مُحمّد ابراهيْم
[email protected]
لم تكن رسائل "مختار السردار" لصديقه "براون"، رسائل عادية. ما شدّ انتباهي هو تلك اللغة الإنجليزية الرصينة والصافية التي كُتبت بها الرسائل. سودانيٌ يخاطب صديقه البريطاني، وقد بعدتْ بينهما المسافات، بما لم يُتح لهما أن يلتقيا عبر كل هذه السنوات الطويلة، والتي فاقت الثلاثين أو أكثر من الأعوام، إلّا عبر وريقات تسافر بين الشتيتين، شمالاً وجنوباً . جنوباً وشمالا ، وفي هذه الصياغة اللغويّة الباهرة.
درسنا التاريخ من كتبٍ معروفة في المدارس وفي الجامعات . كتب بعضها انجليز مثل ب. م. هولت . ونجت ونيوبولد وآركل. شوّام مثل نعوم شقير وإدوارد عطية . بعضها كتبه سودانيون : مكي شبيكة . سعيد القدال . أبو سليم . محمد عمر بشير . زلفو . يوسف فضل. كثيرون كثيرون الذين كتبوا . ما كنت أفتقده في هذه المراجع الأكاديمية، هو تلك اللمسة الإنسانية في قصص التاريخ. ذلك الخيط الحميم الذي لا يراه من يرى التاريخ سلسلة من المواقف . حزمة من الرؤى. وجهات نظر تتضارب . قرارات تناقض بعضها بعضا. مواجهات بين طرف وطرف. صراعات تدور بين أعداء كانوا من قبل أصدقاء، حتى تنعطف مسارات التاريخ، ولكن دون أن تنكسر. حكوا لنا في التاريخ أن هذا وطنٌ سليبٌ قاوم بألويته الزرقاء والسوداء والبيضاء، مستعمراً جاء بلبوسِ الرّحمة والحداثة في الظاهر، ولكنّه أضمر الطغيان الغاشم والاستغلال الكولونيالي البغيض. كيف لي أن أفهم التاريخ بضميرٍ حيّ يتجاوز المثالب، لا بضمير مسلوب يحسبها مناقبا ، فيما لا تتيح لنا المآزق سانحة لالتقاط أنفاسنا، فنستخلص النظام الغائب من الفوضى المُحدقة. . ؟
غير أنّي قرأتُ في رسائل السّوداني "مختار السردار" لصديقه "براون"، ما شدّني إلى استكناه طبيعة الأمور في السنوات التي سبقت نيل البلاد استقلالها في 1956، وسنوات الحُكم الوطني الأولى. لم أجد تلك الحِدّة في التفاعل، بين شخصين رأيتهما على نقائض واختلافات. بدا لي كلٌ ما جاء من "السردار" ومن "براون" ، وبرغم أنهما محض شخصين عاديين، كأنه صادر عن ممثلين كبيرين على خشبة مسرح ابتناه كولونياليون دهاة .
اشتطاط القوم وحماسهم في مقارعة قوى الإستعمار، كان طاغياً ، بحيث لم تكن الألوان تلوح بوضوح. كنت أتذكّر ما قرأت عن الحركة الوطنية السودانية وتحوّلاتها، قبيل نيل البلاد استقلالها ، وما جاء عن بروز تيارٍ خافت الصّوت في الخرطوم، لكنه جهير الرؤى ، نادى بإلحاق البلاد بمجموعة بلدان "الكمونولث"، تلك التي استقلت عن بريطانيا ، ولكنها احتفظت بشعرةٍ مثل شعرة معاوية ، أو هيَ شعرة قصر "بكنجهام": إستقلال كامل، ولكن تظلّ السيادة معقودة بيدِ اليزابيث الثانية.
الذي لاحظته، أن الصّوت المنادي بالحفاظ على هذه الشعرة، لم يبرح مساحة خفوته ، ثم لم نسمع به من بعد، ولم يرصده كتّاب التاريخ من أهل البلد. فيما أنا أطالع رسائل "مختارالسردار"، خطر ببالي ما تصوّرته احتمالاً بعيداً ، وهو أنْ يكون " السّردار" من اتباع هذا التيار . قلّبت نظري في الرسائل من جديد . سعيتُ لأن أقرأ ما وراء سطور الرجل ، مقاصده ، آماله ، تطلعاته ، ولكن لا شيئ دلّني بوضوح على وجهة سياسية لوّنت كتابته . أكثر همومه كانت حول أحوال هيئة السكك الحديدية ، واسترساله في سرد نواقصها، وتدهور نظامها بعد رحيل الإنجليز. لمس السياسة لمساً خفيفاً في بعض رسائله، لكنه لم يفصح بما يشي بمواقف قاطعة فيها .
كتب "مختار" ، في رسالة من رسائله العديدة، التي بعث بها إلى صديقه البريطاني "براون"، في أواسط سنوات الخمسينات من القرن العشرين:
( . . وما كنت أودّ أن أزعجك بوصف الحال الذي نحن عليه في هيئة السكك الحديدية. لقد جاءت "السّودنة" بوبالٍ كبير إذ تبوأ مناصب كبيرة فيها، نفر من الإداريين الذين عرفوا بضعف القدرات، بل وبضعف الشخصية إن أردت الصراحة . ولأنّ ال"إس آر" عرفت بالإنضباط ، فقد جرى تحويل عددٍ معتبرٍ من كوادرها الكبار إلى هيئات حكومية أخرى. ذهب بعضهم إلى وزارة الحكومات المحلية . آخرون إلى "وكالة الشئون الخاصة"، وقد غيّروا إسمها قبيل إعلان الإستقلال إلى "وزارة الخارجية ". بعضهم تم تعيينه سفيراً على الفور . آخرون انتدبوا لوزارة الداخلية والحكومات المحلية . . هكذا خسرتْ الإدارة عناصرها الصلبة، وبقي الضعفاء في مراكز قوّة . . ! بقي قليل من المقتدرين، وهم نفر قليل، يحاولون أن لا تفلت الأمور من سياقها المعتاد . ذلك السياق الذي ورثناه عنكم . . . .)
هذا كلامُ رجلٍ له نظرٌ عميقٌ في الذي يقع من حوله. لكن لا يخفي الرجلُ تعلقه بأساليب العمل التي رسّخ قواعدها بريطانيون، جاءت بهم حكومة "الحاكم العام" ذلك الذي عينته وزارة المستعمرات من لندن، واعتمده ملك في مصر ناقص النفوذ . يدهشني كلام مهنيّ صافٍ يصدر عن الرجل، فيما تمور الساحة في البلاد بتيارات حماسيّة ، ألهبت المشاعر بعد جلاء الانجليز . سألتُ نفسي : أليس في هذا الوفاء لصديقٍ انجليزي بعيد، ما يشي بميولٍ خفية تتودّد للإنجليز ، وإمّا جرى الإفصاح عنها، فقد تودي بصاحبها إلى تهلكة وخسران كبير. . ؟
كتبَ "السردار" في رسالة أخرى :
(. . . لقد افتقدت ما كنت تزوّدني به من مجلات وصحفٍ انجليزية وكُتُبٍ من سلسلة "بنجوين" المعروفة. كثيراً ما كنت أمرّ على "سودان بوكشُب"، مكتبة السودان ، فأجد فيها ما يسدّ حاجتي ، ولكنك تعرف الحال الذي نحن عليه بعد رحيل الإدارة البريطانية، خاصة في مجال الثقافة والتعليم. كل شيء ثمنه غالٍ حتى معينات التثاقف من كتب وصحف ومجلات . أما "دار الثقافة" ، فقد طال عهدي بها . كل شيء آخذ إلى تحوّل كبير . نحاول أن نفتح صفحة جديدة كبلد مستقل . لكن التباس علاقات السودان مع مصر، يكاد يشِلّ حراكنا السياسي والاجتماعي والثقافي في البلاد . . )
لم تعجبني بعض نصوص رسائل "مختار" لصديقه القديم "براون" ، بسبب اللغة المتحذلقة التي كتبت بها، وكأنّ كاتبها يريد أن يستعرض مقدرته في الكتابة بالانجليزية . ثم هالني الأسلوب الذي اتّسمَ بتعالٍ لافت، استهجنت صدوره عن سوداني . في تلك السنوات التي لم نشارك بحضورها ، ولا متابعتها، إلّا ممّا قرأنا في كتب التاريخ ، كانت الحركةُ الوطنية في أوجها، ولم تكن ثمّة تيارات تتعاطف علانيةً مع مصر، ناهيك عن التماهي مع المستعمر البريطاني . سودانيٌّ وطنيٌّ يُراسل إدارياً إنجليزياً كان في خدمة حكومة الاستعمار، لا تعكس خطاباته غير إعجابٍ وافتخار كبيرين بالرّجل الانجليزي، هكذا دون أن يراجعه ضميره فيوقظ مشاعر الوطنية النائمة في دواخله، لأمر يثير الريَبِ والشكوك. . أم أنّ ثمة منطق يفسر هذه المشاعر الطيبة تجاه رمز من رموز الاستعمار ، كبر وزنه أم قلّ. . ؟
من بين كثيرٍ من الألقاب التي كان من المتوقع أن يطلقها عليه أقرانه في إدارة السكك الحديدية، اختاروا له لقب "السّردار" ! مَن اطلقه على "مختار"، فقد لمسَ في الرجل شعوراً متماهياً مع الإنجليز الحاكمين، بان جليّاً في مظهره ربما، أو في مسلكه، أو ربما عبّر به بلسانٍ فصيح. . لم يكن "مختار السردار"، على جبنٍ، فيداري مواقفه التي تباينتْ مع مواقف الكثيرين من أبناء جيله في سنوات الخمسينات من القرن العشرين.
كتابة "مختار" ليست من قبيل كتابات الحنين والنوستالجيا الكولونيالية فحسب، بل هي الاستغراق المخيف في التماهي معه. قرأتُ في رسالة من رسائل الخمسينيات، كتبها لصديقه البريطاني "براون" ما يلي :
(. . سيد "براون" ، أقول لك صادقاً: إنّي كفرت بمن يديرون شأن البلاد عندنا. مع ما ألاحظ وأتابع من انحدار أحوالنا ، فإني أحتفظ بأفكاري لنفسي. لا يعجبني الكثير، ولم أنخرط في أيّ من الأحزاب السودانية القائمة. لا أناقش أحداً من معارفي في هذه الأفكار، فقد يرتاب من لا أعرفه فيوقعني فيما لا تُحمد عقباه . الحذر مطلوب ولكن الصّدق مع النفس أجدَى وأكرم. . هل تصدّق أن وشايةً أوقعت جاراً لي في مشكلة مع الشرطة السّريّة ؟ لقد وشوا به لأنه ظلّ يعتمر قبعة انجليزية، ويلتزم بلباس البدلة كاملاً وبربطة العنق . لا يسهر إلا في "صالة غوردون الموسيقية" التي تعرف، ولايدخل إلّا المطاعم التي كان يرتادها الإنجليز قبل رحيلهم . صار إمساكك بالشوكة والسكين مدعاة لجرّك إلى معتقلات الأمن، صدّق أو لا تصدق . . ! أنا شخصياً لن أخلع قبعتي الإنجليزية التي رأيتني معتمرها، منذ أيامنا البعيدة في "كسلا" ، وفي عطبرة كما في الخرطوم. لكن من يدري ، قد يفاجؤني واشٍ ذات يومٍ فيدفع بي إلى غياهب السّجون . . ! )
يا لغرائب الصدف . . !
جاءني الرّجل الإنجليزي العجوز ليقترح عليّ مساعدة جمعية "كيتشنر"، لتستعير بارجة اللورد القديم المهملة في الخرطوم، فإذا أنا أمام قصة صديقه الضائع في السودان، كاتب الرسائل المشوّقة والمثيرة. حين التقيته في قلب عاصمة الضباب ، أرادني أن أتحرّى عن مكان صديقه صاحب اللقب المريب : "السردار" ، فسحرتني في الإبّان، حفيدته الجميلة وأسرتْ لبّي، بذات القدر الذي أسرتني به رسائل ذلك السوداني الغامض : "مختار السردار". .
فتحتُ رسالة أخرى من رسائله، أجتزيء منها ما يلي :
( . . قتلوا أسراً كاملة في الجنوب ، في مدينة إسمها "توريت"، وقبل أشهر قليلة من إعلان الاستقلال من منبر البرلمان . لكأنّ أبناء الشمال- وهم تجّار ومقيمون منذ عقودٍ طويلة- كانوا من أشاعوا تجارة الرقيق هناك ! لقد أفسد الحكم البريطاني باتباع سياسة إقفال المناطق الجنوبية، خيط الودّ الذي كان من الممكن أن يحفظ البلد من القتل والنزاعات. هل كان التفكير حقيقة يسير باتجاه إلحاق جنوب السّودان بدولة يوغندا . . ؟ هذا ما سمعته من بعض الناس، وبعض ما كتبت صحفنا هنا . وحقيقة لا أعرف مبرراً لفشل الإدارة البريطانية، والتي استفردت بحكم السودان فعلياً لأكثر من خمسة عقود، في تمييع تلك الاختلافات وذلك التباين بين الشمال والجنوب. أما كان ممكناً تسوية الأمور مع الحركة الوطنية المتحمّسة لنيل الإستقلال ، إستبطاءه لفترة تتيح ما يساعد على إذابة التباينات والاختلافات بين الشمال والجنوب ؟ ألا ترى عجلة في تسيير الأمور عندنا ؟ قليلون هم الذين انزعجوا مما وقع في "توريت" وأدركوا خطورته . . )
هذا مقتطف مثير مما كتب العجوز "السّردار" لصديقه الانجليزي "براون". أعجبتني جرأة الرجل في مخاطبة صديقه "براون". بالطبع لم يكن "براون" من متخذي القرار، أو من المؤثرين في الإدارة الاستعمارية في البلاد في ذلك الزمان، لكنّي اقرأ ما في الرسائل من أمورٍ حساسة، بعينٍ محايدة ، باعتبارها فضفضة بينَ رجالٍ من هنا ومن هناك ، مشوا على الجمر ذات يوم ، وساءهم أن يصل الحال إلى ما هو عليه من قتالٍ ومن تنازع . نظرت في تاريخ الرسالة وعرفت أنها تتناول أوضاع البلاد عشية الإستقلال في عام 1956 . لاحظت هنا كيف يمسّ "السردار" أمور السياسة مسّاً لا يجرّم كاتبه بأيّ حال . .
تثيرني رسائل "السّردار" كلّما تصفحت رسالة بعد أخرى، لما وجدتُ بين طيّاتها من متعة حقيقية ، وعمق في عرض الأحوال . تحسّرتُ إذ لا أجد طريقاً لرسائل "براون" لصديقه "السردار" ، فهي التي تكمل فراغات الصورة، فتتضح ملامحها وأبعادها.
كتب في رسالة من رسائله الأخيرة في ستينات القرن العشرين :
( تدهورَ الحالُ في السكك الحديدية بسبب التمرّد في جنوب السودان . امتدّ خط القطارات إلى مدينة "بابنوسة"، ولكن ما زال العمل في المديريات الجنوبية يحمل من المخاطر ما يخيف . البواخر هي الوسيلة الوحيدة المتاحة بأمانٍ للجنوب. مدينة "كوستي" التي تعرف ، وقد كانت مدينة صغيرة على عهدك ، هي الآن مدينة وميناء نهري تتسع خدماته كل يوم. لكن حال القطارات يحتاج إلى التفاتة، وللأسف لا يعير السياسيّون السكك الحديدية انتباها . لو فعلوا لحفظوا الّلحمة والصّلات التي تبقي البلاد كياناً واحدا ، وتزيد من التواصل بين القبائل والطوائف والتيارات السياسية ، إذ نحن في اختلافات اجتماعية وسياسية وقبلية واقتصادية، تفرّق ولا تجمع . .)
أثارت هذه الرسالة شجناً لديّ. لكم أعجبتني مسرحية للكاتب عبد الله علي ابراهيم ، هذا الأكاديمي العطبراوي العتيد، وأنا من المعجبين بكتاباته الأولى خاصةً، تلك التي عنوانها : "السكة حديد قرّبت المسافات". لكأنّ الأستاذ عبد الله ابراهيم قد استعار الفكرة وطوّرها، مما ورد في رسالة "السردار" هذي . . !
كانت الرسائل كنزاً خلبَ لبّي . نظرتُ في رسائل أخر تناول فيها "مختار السّردار" تفاصيل غريبة عن أحوال أسرته . كتب لصديقه "براون" وكأنه يشكو له :
( للأسف يا صديق ، أنكرني في خريف عمري أخواي ، وسافر كلّ واحدٍ منهما إلى بلد ولم يعودا يسألان عن حالنا في الخرطوم . الهجرة إلى السعودية وإلى بلدان الخليج التي استقلت حديثا ، صارت ظاهرة متنامية ، وهذه بلدان تحتاج لبناء هياكلها وأسس تنميتها، ولنا في السودان مهارات وخبرات، وحكوماتنا طاردة كما قد تعلم. أحسّ أنهما خذلا ذكرى والدي "حاج الزين" . كان أبي سلطوياً طاغياً ولم يدعني أكمل تعليمي واضطرّني للتوظيف مبكراً، حتى أوفر تكلفة تعليم أخوي . ما كان لي أن أجادل والدي وقتذاك . قبلت بالتضحية ، ولكن ها أنذا وحيداً في شيخوختي، إلا من رفقة "يوسف" إبني الذي أجبرته للبقاء معي . حتى "يوسف" قبل ذلك على مضض. كل يوم يأتني بحجة ، وبأنّه ضاق ذرعاً بالبلد ولم يعد يتحمّل متاعب المعيشة . في الحقيقة لم يكن هو يعرف أنّي على علم بخلفية نشاطاته السياسية التي يخفيها عنّي . لا أريد أن أفصّل لك في هذا الخطاب ولكن عسى أن تجمعنا الأيام من جديد . . من يدري . . ؟ )
"السّردار" رجل نابه ، وإنْ تطرق لموضوعات سياسية حساسة، لكنه يحرص أن لا يلقي بكلامٍ في رسائله، يسبب له حرجاً أو لغيره متاعب. نظرت في تاريخ هذه الرسالة : يوليو 1972. هذا تاريخ يوافق الفترة التي كان الجنرال نميري يوطّد أسس وأركان حكمه، بعد أن أطاح في مايو 1969 بالحكومة المنتخبة ، وقلب الطاولة على السياسيين الوطنيين وفيهم رموز كبيرة ، مثل الزعيم الكبير إسماعيل الأزهري. هل كان من المتاح "للسّردار" أن يتناول بفصيح العبارة، أحوال البلد والظروف العامة التي دفعت بشقيقيه إلى الهجرة الطويلة إلى بلدان الخليج..؟
أما الرسالة المميّزة التي وقفتُ عندها طويلاً ، فقد آثرتُ أن أتركها لاطلاعكم ، فصلاً جديداً قائماً بحاله . .
* فصل من رواية"حان أوان الرحيل " - الدار العربية للعلوم- بيروت 2010


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.