بعثة المنتخب تصل بورتسودان وسط إهتمام كبير    منتخبنا يتدرب صباح الخميس بإستاد بورتسودان    قائمة صقور الجديان لوديتي السعودية    تعديل وزاري مرتقب في السودان يشمل ست حقائب وزارية    11 دقيقة إضافية من النوم ليلا تساعد فى الوقاية من النوبات القلبية    13 حزمة لغوية جديدة لترجمة محادثات "واتساب"    سناب شات" يحوّل الصور إلى فيديو بالذكاء الاصطناعي    كواليس صادمة... كيف تعطلت صفقة تسليح الجيش السوداني في اللحظات الأخيرة؟    بالصورة.. الصحفي السوداني الشهير حسين خوجلي يستعيد بصره وسط سعادة أصدقائه ومتابعيه: (عودة البصر لصاحب البصيرة والوان وحمدا لله على السلامة أبو ملاذ)    الباشا طبيق : السيطرة على الكرمك تعيد تشكيل الخريطة العسكرية في السودان    هل يكون محمد صلاح الصفقة الكبرى القادمة بالدوري الأمريكي بعد جريزمان؟    جلسة مع محمد صبحى في الزمالك.. اعرف السبب    استمرار محاولات الأهلي لإنهاء أزمة الشرط الجزائي مع توروب    يارا السكري تكشف لليوم السابع تفاصيل دورها فى فيلم صقر وكناريا    شاهد بالصورة.. فاتنة الإعلام السوداني تخطف الأضواء بأحدث إطلالة لها والجمهور يطيل الغزل في جمالها: (يا دووب كدة عيدنا)    باسم سمرة: الناس بقت تناديلى ب«زكى».. ونجاح عين سحرية توفيق من ربنا    ذكرى رحيل أحمد حلاوة.. ممثل جمع بين الهندسة والدكتوراه فى فلسفة الفنون    نصائح لوقاية مرضى حساسية الصدر من التقلبات الجوية والرياح    مشروبات تساعد على حرق الدهون بعد كحك العيد    اكتشاف مرض وراثي جديد يسبب الشيخوخة المبكرة والقصور الإدراكى    شاهد بالصور. الفنانة مروة الدولية تفاجئ الجميع وتعتزل الغناء وعازفها الشهير ينشر مراسلات واتساب بينهما أكدت فيها تمسكها بالقرار    بالصور.. مدارس أبو ذر الكودة تلزم أسرة طالب بدفع غرامة قدرها 100 ألف جنيه بسبب كسره مفتاح مروحة بالفصل ومتابعون يتصدون للدفاع عن المؤسسة    شاهد بالصورة والفيديو.. في تقليعة جديدة.. شباب سودانيون يلطخون صديقهم العريس ووزيره ب"ظهر الصابون" و"البودرة"    الهلال يواجه ضغط المباريات في رواندا    جبريل يلتقي المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة إلى السودان    مهلة أخيرة للمخالفين: خيارات متعددة لمعالجة أوضاع التأشيرات المنتهية في السعودية    كيف تفاعل النجوم مع خبر رحيل صلاح عن ليفربول؟    ضبط 2800 قندول بنقو بالجزيرة في عملية نوعية لمكافحة التهريب    تعطيل الدراسة في الخرطوم    "تمبور" يكشف عن توجيهات صادرة جديدة    ترامب يصدر أوامره ويكشف تطورات مثيرة مع إيران    طهران ترد على تهديدات ترمب    هل مخالفة ترامب خلل في الكون؟!    هل تستطيع أمريكا احتلال جزيرة خارك الإيرانية؟    الأمن يداهم مخزن يبيع الوقود المهرب لعصابات التنقيب عن الذهب    تراجع معدّل التضخّم في السودان    بادي يصدر مرسوم تنظيم أعمال التعدين التقليدي وضبط آليات التعدين بالنيل الأزرق    رئيس الأهلي مدني وابنه يتعرضان لحادث مروع    المباحث تنهي مغامرات شبكة إجرامية متخصصة في الإحتيال علي أصحاب المحلات التجارية عن طريق اشعارات تطبيق بنكك المزيفة    شركة كهرباء السودان تحديث حول سير أعمال الصيانة الطارئة للشبكة القومية    توقّعات بارتفاع غير مسبوق في أسعار النفط    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    الشيخ بن زومة.. إلى جنة الخلد    أغلى علبة كعك في مصر تشعل مواقع التواصل    قيم الهلال المتوارثة يجب أن تبقى أبد الدهر    بنك السودان المركزي يصدر توجيهًا للمصارف    إبراهيم شقلاوي يكتب: الزراعة ما بعد اقتصاد الحرب    في زمن الضجيج.. القرآن بوصلة المعنى والسكينة    د.مزمل أبو القاسم يكتب: دموع الباز.. وزاهر! (2)    السودان.. الدفاع المدني يستعين ب"التوك توك"    طفح جلدي في رقبة الرئيس ترمب يثير تساؤلات حول صحته    ملتقي التحصين للعام 2025 ينعقد بحضور التحالف العالمي للقاحات والشركاء    صوت لا يغيب.. محمد رفعت ورحلة الآذان الخالد في رمضان    أجهزة الأمن السودانية تنهي مغامرات لص الصيدليات في عطبرة    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    السودان.. فكّ طلاسم"تبيدي للمجوهرات" في الخرطوم والتحقيقيات تفجّر مفاجأة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



عَتُودُ الدَّوْلَة (7) .. بقلم: كمال الجزولي
نشر في سودانيل يوم 14 - 09 - 2009


ثَوابِتُ الدِّينِ أَم مُتَحَرِّكاتُ التَّدَيُّن؟!
Kamal Elgizouli [[email protected]]
(أخشى أن تكون الحريَّة قضية (ظرفيَّة)، نطالب بها عندما
يكون (الظرف) غير مناسب لنا، وهنا يكون السقوط الرهيب)!
راشد الغنوشي
(43)
لقد كان من الممكن، بالطبع، تلقي أطروحات حركة الإسلام السّياسي في بلادنا، كاجتهادات وتدابير (بشريَّة) تتعلق بسياسة (الدُّنيا)، ومناقشتها، من ثمَّ ، على هذا الأساس، وفق المعايير التي يخضع لها (الفكر البشري)، لو لم يؤثر أهلها أن يردُّوها، ابتداءً، إلى ضرب من (التديُّن بالسّياسة) أو (توبة الدولة إلى الدّين)، على حدّ شائع مسكوكاتهم الاصطلاحيَّة، مما يصوّرونه، حثيثاً، على أنه وحده الالتزام ب (صحيح الدين)، جاعلين ثنائيَّة (الإيمان والكفر) هي معياريَّة أرائهم البشريَّة، لا (الصواب والخطأ) كما ينبغي. وعلة ذلك، في تقديرنا، هي الذهنيَّة (الأحاديَّة) نفسها القائمة في أساس بنية (الإقصاء) و(الإحلال) الفكريَّة. فالترابي، مثلاًً، يرى أن من وجوه (الكسب) الذي هيَّأته انتفاضة أبريل 1985م للجبهة الإسلاميَّة القوميّة، ليس، فقط، إعادة تنظيم صفوفها، وتوسيع عضويَّتها، ومنافسة الأحزاب الأخرى في مناخ الحُرّيَّات الديموقراطيَّة المستعادة، آنذاك، بل الطمع في ".. استيعاب القدرات الشعبيَّة القبَليَّة والصوفيَّة، ومحاولة إدراج المجتمع (كله) في الحركة؛ فقد أخذت الجَّماعة تتحوَّل (بطبيعتها) نحو أن (تكون) المجتمع" (الأقوس من عندنا الترابي؛ الحركة الإسلاميَّة في السودان، ص 35)، بل أن تكون، فى حقيقتها، نموذج المجتمع المسلم المرجو (المصدر، ص 77). ولا تقتصر هذه الذهنيَّة على محض اهتبال (فرصة) قد تتهيأ للحركة، من خلال (مفاوضتها) للمجتمع، ل (إقناعه)، في ظرف تاريخيّ مُواتٍ، ب (تمكينها) منه (كله)، و(إخضاعه) ل (سلطتها)، بل تتجاوز ذلك إلى جعل مهمَّة (تذويب) المجتمع بأسره، و(صهره) أجمعه في (ذاتها)، غاية (سلطويَّة) أعلى تتصوَّب نحوها بكليَّاتها، قصداً وعمداً، بعد أن تتجسِّد هي نفسها في ما يطلق عليه د. الترابي (الجماعة الهادية)، بحيث يكون (انبثاث) هذه الجماعة ".. في المجتمع بما يحيله (كله) إلى مثالها .. (ينبغي) أن (تسعى) الجماعة (للتمكن) في مجتمعها، تدرُّجاً، حتى تستنفد جدوى تميُّزها عنه بصفّ وصورة"، وبالنتيجة "تصبح (هي) المجتمع الجديد القائم بالدين" (أقواس التشديد من عندنا المصدر ، 130).
وبما أن المشروع مطروح في إطار سعي (الجَّماعة الهادية) ل (التمكين السّياسي)، في مجتمع موصوف بأنه غارق، أصلاً، في (واقع مزر)، حسب تعبير الترابي، فإن وضوح التوجُّه نحو (إحالة) هذا المجتمع (كله)، طوعاً أو كرهاً، بالطبع، إلى (مرجعيَّة الجَّماعة)، أجهرُ من أن تعتمه غلالة الدَّعوة الناعمة ل (استنفاد) الجَّماعة لجدوى (تميُّزها) عن هذا المجتمع؛ مثلما أن (حُجَّة) تأسيس المجتمع القائم ب (الدّين)، في هذه الحالة، لا تبرح كونها محض غطاء، على نحو ما، لمشروع المجتمع المحكوم ب (الدَّولة الدّينيَّة)؛ ولا يعنى كلاهما، في نهاية المطاف، سوى سعي (الجماعة) الحثيث ل (فرض) نمط (تديُّنها) هي ب (السّياسة) على المجتمع، أي، بلغة الدُّنيا، (فرض سُلطتها) عليه (كنخبة حاكمة)، بالضرورة، خاصة و".. قد توافر لها .. رصيد (موثوق به) من الفكر (المركز) الذي (يؤمن) عليه من (الضَّلال)، و .. توافرت فيها، أيضاً، عناصر (عضويَّة قويَّة) .. يُعوَّل عليها .. أن (تحمل) الجماهير بقدوتها وقوتها إلى (مستوى أعلى)، و .. استوت لها خبرة عميقة .. تمكنها من (الإحاطة) بقطاعات (الشعب) دون انحلال في روابط (الجَّماعة)، أو ارتباك في نسقها" (أقواس التشديد من عندنا المصدر ، ص 125 126).
(44)
ولا ينفكُّ د. الترابي يتوسَّل إلى فكرته هذه بمنهج الاستدراكات (الواقعيَّة) على (المثال)، ولكن في سياق يعج بالمفارقات الضَّاجة، والتناقضات الصارخة، ونختار من صور ذلك ثلاثاً:
أولاها: أن (التعدديَّة) لدى د. الترابي قيمة مدَّخرة للممارسة داخل (الجَّماعة الإسلاميَّة) وحدها، أو لحركتها في إطار (دولتها الدينيَّة) فحسب. فإذا حدث وأغرى (تراث الفتن)، على حدّ تعبيره ".. بمذهب يرفض التعدُّد .. ويسعى لاستئصاله (فإنه) يركب فتنة أكبر أو .. ينكر أصل ما فطر الله عليه البشر من تباين في الملة أو الجَّماعة أو الرأي. ولا ريب أن الجَّماعة .. بعد تجاربها قد عرفت التعدُّد وجوداً كما عرفت التوحُّد وجوباً، لكنها لم تبلغ بعد أن .. تطوّر تصوُّرات التعدُّد في سياق مجتمع إسلامي متمكن ذي سلطان سياسي متوحِّد" (المصدر، ص 115 116).
وثانيتها: أن (الحريَّة) التي تقترن ب (التعدُّد) هي، لدى د. الترابي، قضيَّة (ظرفيَّة)، ينظر إليها من زاوية مصلحة (حركته) وحدها. فعلى أيَّام دكتاتوريَّة النميري، التي صادرت حُريَّات وحقوق الشعب كله، أبرمت الحركة معها (صفقة) نالت بموجبها هامشاً معتبراً من (الحريَّة)، حيث ".. توخَّت رخصة تلك الحريَّة لتبنى (قاعدتها) و(قوَّتها) .. لأنها لم تكن ترجو (الإصلاح الإسلامي) إلا بتمكنها في السودان"، و ".. قدر من الحريَّة للأعضاء .. ضمانٌ ل (تديُّن) أوسع وأوقع أثراً، ول (وحدة) قوامها الوجدان والسلطان معاً" (أقواس التشديد من عندنا المصدر ، ص 34 ، 78).
ولا بأس، لأجل تجسيم المفارقة والتناقض هنا، من أن نستدعى موقف المفكر الحركي الإسلاموي التونسي راشد الغنوشي من هذا (النوع) من (الحريَّة)، إذ يقول: ".. النضال من أجل الحريَّة هو من جوهر النضال من أجل الإسلام، وإذا اعتبرت الحركة الإسلاميَّة أن الحريَّة ليست قضيَّة جوهريَّة فذلك سقوط رهيب! والذي أخشاه أن تكون الحريَّة قضية (ظرفيَّة) بالنسبة لنا، نطالب بها عندما يكون (الظرف) غير مناسب لنا. وهنا يكون السقوط الرهيب. إننا نطالب بالحريَّة للإنسان أياً كان" (محاور إسلاميَّة، ط 1989م، بيت المعرفة، ص 143).
وثالثتها: أن موقف د. الترابي من قضيَّة (الديموقراطيَّة)، التي تتوقف ممارستها على توفر شرطي (التعدُّديَّة) و(الحرّيَّة)، ظلَّ يتراءى دائماً، وكلما تناءت السُّلطة عن أن تتركز، بالمطلق، بين يديه، كما لو كان أكثر تقدُّماً ممَّا هو عليه لدى كثير من أئمَّة الإسلام السّياسي. فهو، على العكس، مثلاً، من أبي الأعلى المودودي، أعلن، على أيام وضعيَّته الثانويَّة في تحالفه مع النميري، عن رفضه للمفهوم التقليدي ل (الإجماع)، من حيث هو إجماع (الصحابة) أو (علماء) الدّين، مؤكداً أنه (الرأي العام) ل (جمهور المسلمين). ومن ثمَّ رأى أن "الحكومة، في الدَّولة الإسلاميَّة، يجب أن يقع اختيارها من قبل الشعب، وبناءً على الإرادة الحُرَّة لأغلبيَّة المسلمين" (قضايا التجديد في الفكر الإسلامي، الخرطوم 1982م، وأيضاً: قضايا الحرية والوحدة ، الخرطوم 1982م ضمن د. عبد الوهاب الأفندي؛ الإسلام والدَّولة الحديثة، مرجع سابق، ص 101). غير أن د. الترابي نفسه سرعان ما يعود، وقد آل الأمر إليه أوائل تسعينات القرن المنصرم، ليحدّد، بذهنيَّة (الإقصاء) و(الإحلال)، طبيعة (السُّلطة) في (الدَّولة الإسلاميَّة)، محكماً عليها قبضة (الحركة) التي ينبغي ألا تكتفي، فحسب، ب (التمكن) في (مجتمع) مثقل ب (واقع الانحطاط)، و(العجز)، و(الحظ القليل) من المقاصد (الإيمانيَّة)، بل عليها أن تعمد إلى (صهر) هذا المجتمع كله (صهراً) في (ذاتها)، و(صبِّه) أجمعه (صباً) في قالبها، (فتبتلعه) بأسره (ابتلاعاً) داخلها، حتى لا يعود ثمَّة (مجتمع) أو (دولة) خارج (الحركة). وكفى بذلك مفارقة لأبجديات (الديموقراطيَّة)!
(45)
وما كان أغنى د. الترابي عن كل هذا التناقض لو لم تتعاور أداءه موجبات (التمكين)، ومقتضيات (الكسب) السلطاني، في وسط سياسي غير مُواتٍ، وبيئة شديدة الفرادة، تعدُّداً وتنوُّعاً، فلربَّما كان أسهم في رفد حركة الفكر والثقافة والسّياسة في بلادنا عموماً، وداخل الجَّماعة المسلمة على وجه الخصوص، بعوامل النصاعة والتفتح، فهو القائل، فى ساعة، ولا بُدَّ، من ساعات الصفاء الفقهوفكريّ النادرة، مستخدماً، بقصد أو بدونه، (قانون نفي النفي)، أحد أهمّ قوانين الدياليكتيك الماركسي: ".. إن بين العرف الاجتماعي والتجديد الدّيني شيئاً من الجدليَّة التاريخيَّة؛ يأتى التجديد بتقويض بعض الأعراف القديمة تدرجاً، إما لأنها صيغت من قيم ليست من (الدّين)، أصلاً، بسبب (الغفلة)، أو لأنها صور (لعلاقات) كانت تعبر تعبيراً وافياً عن (التديُّن) في (ظروف) سالفة، ولم تعُد كذلك في (سياق تاريخي) جديد. ثم (يُحيي) التجديد القيم الدّينيَّة (الأصيلة)، ويوحى (برؤى) جديدة في صور (التعبير) عنها في السياق الجديد، (فيقترح) سُنناً سلوكيَّة جديدة تجسّد (التديُّن) الاجتماعي، وتنشر روح (الدّين)، حيث تمضي بها تقاليد سارية، وذلك حتى تدور الدَّورة، ويأتي زمان (تجمُد) فيه أشكال السُّلوك المتقادمة، وتغدو التقاليد (عائقاً) لنشوء تعبير متجدّد عن (التديُّن) .." (أقواس التشديد من عندنا د. الترابى؛ الحركة الاسلاميَّة ..، ص 171 172).
ولئن كان د. الترابي قد صمت عن بيان المعياريَّة التي يمكن، بالإحالة إليها، التفريق بين ما هو (دين) وما هو (غفلة)، الأمر الذي ربَّما يحيط بشئ من الغموض، إن لم يكن التناقض، تصوُّره لمدى التأثير المتبادل بين (الواقع) و(المثال)، فإن سداداً كثيراً، مع ذلك، يصيب طلاقة استخدامه للمنهج (الجدلى)٭ في النظر إلى تبدُّل الأزمنة والأمكنة، وتغيُّر السياقات التاريخيَّة، كخلفيَّة للتحوُّلات التي تطرأ على أنساق (التديُّن) (المتحرِّك)، باعتبار ذلك، بداهة، انعكاس آخر للاقتصاد السياسي للمكان والزمان المحدَّدين.
(46)
مهما يكن من شئ، فإن الإقرار باستحالة استنساخ (المثال)، على خلفية الوعي بأثر تبدُّل الأزمان وحراك السياقات التاريخيَّة، لا يصحُّ، في ذات الوقت، أن يُتخذ تكأة للقطع مع ذلك (المثال)، وإدارة الظهر له نهائيَّاً. بهذا الاحتجاج الصارم يجابه د. عبد الوهاب الأفندى أطروحة د. الترابي، ويستفيض في ما يسمّيه (المعضلة الخلدونيَّة)، أو الإشكاليَّة التى أثارها عبد الرحمن بن خلدون (ت 808 ه 1406م)، بتناوله لعلاقة (الواقع) ب (المثال) فى المجتمع الإسلامي، متبنيَّاً (الواقعيَّة) كحلّ يتمثل "في إخضاع المثال للواقع٭٭، والحقّ للقوَّة .. حين أعلن أن نموذج الخلافة الراشدة نموذج (وقتي) لا يصلح لعالمنا الذى يحكمه النقص والفساد" (د. عبد الوهاب الأفندي؛ الإسلام والدَّولة الحديثة، دار الحكمة بلندن، ص 5). ويتخذ الكاتب الإسلاموي موقفاً نقدياً من هذه الأطروحة الخلدونيَّة، واصفاً إيَّاها بأنها ".. لا تختلف كثيراً عن أطروحات مكيافيللى وهوبز التي مثلت أساس ولب الفكر السّياسي الحديث، وهى، في نفس الوقت، نقيض النظرة الإسلاميَّة الحقة التي تسعى إلى إخضاع (الواقع) ل (المثال)، وليس العكس" (المصدر، ص 6). ويرمي الأفندي إلى إدارة (الواقع) بشروط المبادئ العامَّة ل (المثال)، لا على طريقة (سرير بروكست) فى الأسطورة ٭٭٭!
ويستفيض الكاتب في تناوله الناقد للتنصل الفكري عن (المثال) بمبرّرات (الواقع) المتخثر، فيعرض ل (المقدمة) التى ضمَّنها ابن خلدون أطروحته المعروفة حول الأسباب (الطبيعيَّة)، أو (الاجتماعيَّة) بالمصطلح الحديث، والقائمة فى (عصبيَّة) التماسك العشائري، وما يقوم مقامها من ولاءات، باعتبارها الرباط الحافظ لتماسك الوحدات الاجتماعيَّة، والمشكل، من ثمَّ، لأساس السُّلطة السّياسيَّة، كما يضاهي هذا الاتجاه ب (المكيافيلليَّة)، نسبة إلى المفكر الإيطالي نيكولو مكيافيللى (1496 1527م)، الذي شدَّد في كتابه (الأمير) على علو مكانة المنطق الخاص بالممارسة السّياسيَّة، وقوانينها الباطنيَّة، فوق أي اعتبارات أخلاقيَّة أو غيرها؛ وإلى ذلك (الهوبزيَّة)، نسبة إلى المفكر البريطاني توماس هوبز (1588 1679م)، الذي أكَد، أيضاً، في كتابه (اللوثايان Leviathan ٭٭٭٭) على أن (الأمن) و(النظام) يفترضان، عمليَّاً، وجود قوَّة قاهرة يسلم لها الجميع بسلطان مطلق لا يتقيَّد بغير مرجعيَّته الذاتيَّة، ومنطقه الخاص (المصدر، ص 14 18 19).
وبصرف النظر عن موقفنا من مضاهاة الكاتب، في السّياق، لنظريَّتي ابن خلدون وماركس بنظريَّتي مكيافيللي وهوبز، فإن ما يهمنا إبرازه هنا هو نقده هذا لمقابلة (المثال) ب (الواقع) مقابلة تهدره، بالكلية، فتسقطه من حسابات الممارسة السّياسيَّة!
(47)
غير أن المدهش، حقاً، هو أن رخصة التحلل من (المثال) تكتمل، في أطروحة د. الترابي، كما قد رأينا، باسم (المثال) نفسه، فينفسح المجال واسعاً لشتى صنوف (الإسلام المؤجل) لحساب (واقعيَّة) تتأسس على مبرّرات العجز، وانحطاط (الواقع)، وبؤس الإيمان، وليس على تحدّيَّات التطوُّر، ومستجدَّات (الواقع) الشَّاخصة في أفق الفكر الإسلامي المعاصر، والذى لم ولن يكون شيئاً مذكوراً إذا ما انبتَّ عن (مثاله الأعلى)، لينتهى أمره برمته إلى محض دعوة جهيرة لتأسيس (دولة دينيَّة) غريبة عن الإسلام، عن مبادئه، ومثله، ومنظومة قيمه، ومقاصده الكلية؛ دعوة تستبدل تحقير الإنسان بتكريمه، ومصادرة العقل بتوقيره، وتحلُّ الظلم محلَّ العدل، والقهر محلَّ الحريَّة، والقمع محلَّ الحوار.
فإذا كان الاستبداد السّياسي، تحت غطاء (السُّلطة الدينيَّة) أو (الحكم بالحقّ الإلهي)، قد شاع، بعد انقلاب الخلافة الرَّاشدة إلى ملك عضود، في أغلب فترات الدَّولة الإسلاميَّة؛ وإذا كانت حلقات المأساة ما تنفكُّ تتصل إلى يوم الناس هذا، يفاقم منها (واقع) الجمود الذى حاق ب (العقل) المسلم لما يربو على الألف عام؛ فإن شيئاً من ذلك لا يصحُّ أن ينهض مبرّراً للابتعاد عن (المثال) واستعادة النماذج السيئة.
(48)
يرتب د. الترابي على استحالات (المثال)، اليوم، في (واقع) المسلمين المزري، موقفين متعارضين تماماً: فعلى حين يحضُّ حركته على نسبة (نظامها السّياسي) إلى هذا (الواقع)، لا إلى (المثال)، فإنه يستمسك، في ذات الوقت، بما يسميه (الطبيعة الدينيَّة) لهذا النظام السّياسي، رغم كون (الطبيعة الدينيَّة) أدنى لأن تتجلى (كمثال) بالأساس! وبالتالي ترتبك أطروحته ارتباكاً شديداً من وجهين:
فمن الوجه الأول: لا يعود مفهوماً كيف يتخذ (طابعاً دينياً) مثل هذا (النظام السّياسي) المؤسَّس على (التحلل) من (مثال) دولة الراشدين، والمنتسب إلى (الواقع) المزري، المثقل ب (العجز) و(قلة الإيمان)! بل لا يعود مفهوماً كيف يمكن أن يصبح مثل هذا النظام (هادياً) للمسلمين في حركة حياتهم ".. من حيث يقومون اليوم .. ليسلكوا الطريق بإذن الله إلى كمالات الإسلام!" (د. الترابي؛ خواطر في الفقه السّياسي .. ، ص 6).
أما من الوجه الآخر: فإنه بمستطاع أعجل نظر أن يلمح أن د. الترابي يطابق بين مطلوبات (التوحيد) في (الإيمان) وفي (النظام السّياسي)، بقوله: إن الإسلام ".. دين توحيد يجعل الحياة كلها، محياها، ومماتها، ونسكها، وشعائرها، وقوانينها، وأسس بيعها وشرائها، وسياستها .. وأخلاقها، وأسس معاملاتها، معاشاً وسياسة، كلها عبادة .. ولكن الله سبحانه وتعالى يبتلى الناس عبرها (فيشركون) بعض (إشراك)، أو كلَّ (إشراك) .. في مجال (السّياسة) كما .. في كلّ مجالات الحياة .. في العِلم وفي الاقتصاد " (أقواس التشديد من عندنا المصدر نفسه).
وهنا ينطرح السؤال: إذا كان (الشّرك) بالله سبحانه وتعالى يعنى، ببساطة، أن يُعبَدَ معه غيره: "لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم وقال المسيح يا بنى إسرائيل أعبدوا الله ربى وربكم إنه من يشرك بالله فقد حرَّم الله عليه الجَّنة ومأواه النار وما للظالمين من أنصار" (72 ؛ المائدة)، أي من يجعل معه "فى العبادة غيره" (الجلالين)، أو "يعبد معه غيره" (ابن كثير)، أو "يعتقد معه موجداً" (القرطبي)؛ فما هو المعنى الذي أراده د. الترابي بموضوعته عن (الشّرك في السّياسة)، في حين أن هذه (السّياسة)، كما قد رأينا، هي من (الفروع) التي تحتمل الاختلاف بمعايير (الصواب والخطأ)، وليست من (الأصول) التي تستتبع التوحيد والتوحُّد: الألوهيَّة، والنبوَّة، واليوم الآخر، والتي تستتبع (الإيمان والكفر)، "فالخطأ فى .. الإمامة .. لا يوجب شئ منه التكفير" (أبو حامد الغزالي؛ فيصل التفرقة ..، ص 15"، لكونها ".. ليست من (أصول) الاعتقاد" (الشَّهرستاني؛ نهاية الإقدام، ص 478)، "بل هي من (الفروع) المتعلقة بأفعال المكلفين" (الأيجى والجرجانى؛ شرح المواقف، ص 261)، "فلا هي من أركان الإسلام، ولا من أركان الإيمان، ولا من أركان الإحسان" (ابن تيمية؛ منهاج السنة، ص 70)، إنما هى "سلطة بشريَّة يقيمها الناس رعاية لمصالحهم العامَّة" (ابن خلدون؛ المقدمة، ص 168)؟!
ولما كان من المستبعد الحصول على إجابة شافية تفض مغاليق هذا التناقض، فإن الاستنتاج المنطقي الوحيد، للأسف، والذي يمكن أن ترسو على ساحله كلُّ هذه الأشرعة المملوءة برياح الاستفهام المتعجّب، هو احتياج (حركة الترابي) المُلِح لتأسيس (دولتها/ نظامها السّياسي) على النمط الثيوقراطي الاستبدادي الذي يعمد إلى نفى (الآخر) نفياً عدميَّاً، ثم لا يكون ملزماً بالتحاكم، فى ذلك، لأيَّة مرجعيَّة أخرى سوى المنطق (السُّلطاني) الخاص، وقانونه الباطني، بحكم طبيعة المشروع نفسه القائم فى بنية (الإقصاء والإحلال)، والمتجه، أجمعه، نحو نفي المجتمع بأسره، عن طريق اختزاله إلى صورة (الحركة) التي ينبغي أن يتوفر لها من عوامل (التمكين) ما يؤهلها ل (الإحاطة) بقطاعات الشعب، بحيث ".. تصبح هي المجتمع الجديد القائم بالدّين" (د. الترابى؛ الحركة الإسلاميَّة في السودان ..، ص 125 126 130). وغير خافٍ، بالطبع، أن المقصود ب (الدّين)، هنا، هو نمط (التديُّن) الطليق، المتحرر من سلطة (المثال)، والذي تعتمده (الحركة) والقائمون بأمر (دولتها/نظامها السّياسي)، ليس لفرضه، فحسب، على (المجتمع الجديد)، بل لامتصاص (المجتمع) و(الدولة) بكاملهما، وقولبتهما في صورة هذه (الحركة)، الأمر الذي يضعها، بلا شكّ، في حالة نزاع مستمر مع (المجتمع) و(الدَّولة)، فتستنفرهما، بالضرورة، لمصادمتها، غلباها أو غلبتهما!
وربما أعانتنا على استيعاب هذه الصورة شهادة العميد طيار (م) فيصل مدني مختار، عضو مجلس قيادة إنقلاب (الإنقاذ)، وأحد الذين (مكنوا)، بقوَّة السّلاح، لسلطة (الحركة) في سنواتها الأولى، حيث يقول عن الفترة من 30 يونيو 1989م إلى مايو 1991م: "في هذه الفترة برزت بشكل واضح هيمنة (التنظيم) على (مقاليد الأمور)، وكانت (الدَّولة) .. مهمشة تماماً .. وقد ذهبت للدكتور الترابي في بيته بالمنشيَّة وقلت له: إن هذه الإزدواجيَّة سوف يأتي يوم إما أن (تبلع) الدَّولة التنظيم، أو أن (يبلع) التنظيم الدَّولة، أو أن يقع بينهما أمر لا يعلم منتهاه إلا الله" (أقواس التشديد من عندنا ، من حوار أجراه معه ضياء الدين بلال ، صحيفة "الرأى العام" ، 1/7/2000م).
(49)
إن النزوع لإحلال (طلاقات التديُّن) محلَّ (ثوابت الدّين)، توسُّلاً لإنجاز (الإحاطة) ب (المجتمع)، وتذويبه، بالكامل، في جسم وعقل (الحركة) و(سلطانها) المتخفف من قيود (المثال)، يُجلى، ولا بُدَّ، نموذجاً حيَّاً لأطروحة الكواكبي التي سبق أن عرضنا لها حول احتياج (الاستبداد) لتدعيم (سلطانه) بمماهاته، لا بمبادئ (الدّين)، وقيمه، ومقاصده الكليَّة، وإنما، فقط، بقدرته الاستثنائية على التأثير في نفوس البشر، حتى يتيسَّر استرهابهم لحساب هذا (الاستبداد)، بحيث ".. يعظمون الجبابرة تعظيمهم لله" (عبد الرحمن الكواكبي؛ طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد، ص 36 37).
الدولة (الدينيَّة)، إذن، وليست (الإسلاميَّة) من زاوية الهويَّة الحضاريَّة التاريخيَّة، والفارق بينهما جلي، هي المطلب الرئيس ضمن شعار (التديُّن بالسّياسة)، وفق غالب الصورة التي يجرى طرحه بها، من حيث هو اختزال (المثال) إلى محض (طاقاته التأثيريَّة)، لا أكثر ولا أقل، واحتطاب (الواقع) بما يتيح من سوح التبحبُح فى أكناف (مقاصده السلطانيَّة) دون قيد أو شرط!
لذا، فإن أحوج ما يحتاجه أيُّ مشروع نهضوي في بلادنا، بالثقل الإسلامي التاريخي فيها، هو التخلص من ذهنية (الدَّولة الدينيَّة) التي جابهتها البشريَّة بمحض الفطرة السليمة، بينما لا نزال نرزح تحت سنابك استلابها، رغم أننا لا نكفُّ عن التباهي بأن لدينا ما هو أرفع من محض الفطرة السليمة: الرسالة الخاتمة التي تعلمنا أن ما آتانا الرسول (ص) فإليه، أما أمور (دنيانا) فنحن أدرى بها، إشارة إلى الحديث الشريف الذي يكاد د. الترابي يتحاشاه في كل إسهاماته الفكريَّة!
(نواصل غداً بإذن الله)
الإشارات:
٭ في حديثنا في ندوة (الأخوان المسلمين)، بقاعة الشارقة، مساء الاثنين 5/11/2001م، حول (تداعيات أحداث 11/9 على الساحة السودانيَّة)، أشرنا، عرضاً، إلى استخدام د. الترابي، أحياناً، لمنهج الدياليكتيك الماركسي، فقاطعنا د. الحبر نور الدائم، أحد أبرز قادة (الأخوان) المناوئين لتيار د. الترابي، معلقاً بتفكُّه: "دي من مصايبو"! ثمَّ استدرك قائلاً: "دي من مصايبكم يا كمال" .. فانفجرت القاعة بالضحك! وعندما رددنا عليه بأن الإسلام يحضُّ على أخذ الحكمة من أي طريق، كونها "ضالة المؤمن"، بقول الرسول (ص)، سارع للتأمين على ذلك، قائلاً بالحرف: "نعم .. نعم ، ليس ثمة ما يمنعني دينيَّاً من أخذ الحكمة من ماركس أو لينين أو ستالين"!
٭٭ لا يقلل هذا، موضوعيَّاً، من قيمة الإسهام العلمي الخلدوني في الكشف الباكر عن بعض الأشراط الباطنية للتطوُّر الاجتماعي، كنشوء (الدولة) على (العصبيَّة) باعتبارها أداة (ملك) ضروريَّة للعمران.
٭٭٭بروكست قاطع طريق أسطوري، كان لديه سرير يمدّد عليه ضحاياه، فإن كانوا أقصر من السرير مطهم، وإن كانوا أطول بتر سيقانهم!
٭٭٭٭ وحش بحري يرمز إلى الشَّرّ في الكتاب المقدَّس.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.