مساعد قائد الجيش يكشف عن فساد وزير كبير    إبراهيم جابر ينفي خبر حل اللجنة العليا لتهيئة بيئة العودة إلى الخرطوم    إبراهيم شقلاوي يكتب: مسرح ما بعد الحرب لدى يوسف عيدابي    الصحفية سهيرة عبد الرحيم: (شعرت للحظة أن وزير الخارجية المصري سيهتف داخل القاعة "جيش واحد، شعب واحد" من فرطٍ حماسه في الجلسة)    شاهد بالفيديو.. والدة الفنان الراحل محمود عبد العزيز: (اتخذلت في هذا المطرب!! وكل من كانوا حول الحوت منافقون عدا واحد)    شاهد بالفيديو.. على أنغام أغاني "الزنق".. لاعبو حي الوادي يحتفلون مع راعي الفريق ونائب رئيس إتحاد الكرة أسامة عطا المنان بمناسبة زواجه    شاهد بالفيديو.. في مشهد مؤثر.. كابتن طائرة "سودانير" المتجهة إلى العاصمة الخرطوم ينهار بالبكاء أثناء مخاطبته الركاب    وزارة المالية توقع إتفاق مع بنك التضامن الإسلامي لتقديم خدمة إيصالي    شاهد بالصورة.. اللاعب هاني مختار يتوشح بعلم السودان في جلسة التصوير الخاصة بناديه الأمريكي    شاهد بالفيديو.. بتواضع كبير "البرهان" يقف بسيارته في الشارع العام ليشرب عصير من الفواكه قدمه له أحد المواطنين بدنقلا    وزير الخارجية والتعاون الدولي يلتقي رئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي    شاهد بالفيديو.. فتاة سودانية تبهر راغب علامة وأنغام بعد ترديدها أغنية هدى عربي في برنامج مسابقات والسلطانة تدعمها وتحتفي بها    وزارة الشباب والرياضة تواصل انفتاحها على الولايات    ارتفاع في اسعار محصول الذرة واستقرار سعر السمسم بالقضارف أمس    عثمان ميرغني يكتب: إثيوبيا والسودان: تشابكات الحرب والأمن الإقليمي    وفاة ثالث رضيع تناول حليبًا ملوّثًا بفرنسا    مشروبات طبيعية تدعم مناعتك.. روشتة حمايتك من العدوى    دراسة تربط طنين الأذن بالإنتاجية في العمل    جوجل تسهّل إزالة المعلومات الشخصية والتزييف العميق من نتائج البحث    "ميتا" تبني مركز بيانات بقيمة 10 مليارات دولار    إضافة علامة تبويب الإعدادات بواجهة "واتساب"    إلغاء رحلة قطار إلى الخرطوم..إليكم تفاصيل    انطلاق دورة متخصصة لتطوير الأداء الرقمي برعاية وزير الشباب والرياضة    وزارة الشباب والرياضة تواصل انفتاحها على الولايات ووكيل الوزارة يشهد ختام دورة شهداء السريحة بولاية الجزيرة    رشيد الغفلاوي يلتقي قيادات الاتحاد السوداني لكرة القدم    المريخ يواصل تدريباته بقوة بكيجالي والدامر    ماساة قحت جنا النديهة    كباشي يحيي صمود مواطني شرق النيل ويوجه بزيادة محولات الكهرباء ومكاتب السجل المدني بالمنطقة    تطور حاسم بقضية "الاعتداء الجنسي" في منزل لامين يامال    الإدارة العامة لشرطة تأمين التعدين تنفذ حملة منعية وكشفية لمكافحة التعدين العشوائي بولاية البحرالاحمر    الإدارة العامة لشرطة تأمين التعدين تنفذ حملة منعية وكشفية لمكافحة التعدين العشوائي بولاية البحرالاحمر    هيئة مياه الخرطوم: تحصيل فاتورة المياه لا يشمل القطاع السكني حتى الآن    ارتفاع طفيف لأرباح زين السعودية إلى 604 ملايين في 2025    مسلسلات رمضان.. هل تقع أيتن عامر فى حب ياسر جلال فى مسلسل كلهم بيحبوا مودى    الدولار يواصل التراجع أمام الجنيه فى منتصف تعاملات اليوم    مسؤول سوداني يغادر إلى تركيا    السودان.. وزير الشباب والرياضة يصدر قرارًا    دوري أبطال أفريقيا يشتعل.. 3 أندية تتأهل رسميًا وصراع مفتوح على 5 بطاقات    مجموعة الهلال السوداني.. صنداونز يقتنص التعادل ويبقي آمال التأهل في دوري الأبطال    أفراد من الشرطة يلقون القبض على السائق الخاص بالقائد الميداني لمليشيا الدعم السريع "جلحة" داخل "ركشة" بحي بري    هلال كوستي يدشن برامجه الثقافية بليلة ثقافية كبرى وتكريم رموز النادي والمجتمع    شاهد بالفيديو.. سرقة محل مجوهرات بشارع الوادي بأم درمان وقيمة المسروقات تقدر ب(ترليون) جنيه    محاولة أوكرانية جديدة لإفشال مفاوضات السلام بعيداً عن ارض المعركة    رفض الزوج شراء سجائر لها فقتلته.. جريمة زوجة مصرية تثير الجدل    حريق كبير في سوق شرق تشاد    رسالة أخيرة في بريد الرئيس البرهان قبل تمرد الحركات المسلحة الدارفورية    ترامب يحذر إيران: الوقت ينفد والهجوم القادم سيكون أشد    مباحث الخرطوم تعلن توجيه ضربة موجعة لمافيا السيارات..إليكم التفاصيل    تلفزيون السودان يستأنف البث المباشر من مقرّه الرئيسي    وزير الصحة: التبغ عدو الحاضر والمستقبل و فاتورته الصحية تفوق عائداته الضريبية    هل قتل السحر الأسود الإسرائيلي عبد الناصر؟.. كتاب جديد يكشف خفايا خطيرة في مصر    سباق اختراق الضاحية باكورة بطولات الاتحاد العربي لألعاب القوى    شركة اتصالات في السودان تعلن عن توقف خدمات    "مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ"!    أحمد الشاكر: انا أعجز عن شكر جميع الإخوة الأشقاء في المملكة العربية السعودية    السودان..حصيلة صادمة بمرض شهير في ولايتين    إسحق أحمد فضل الله يكتب: (حديث نفس...)    "كرتي والكلاب".. ومأساة شعب!    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



طريق برليني .. بقلم: د.أمير حمد برلين ألمانيا
نشر في سودانيل يوم 20 - 09 - 2013

رغم برودة الطقس في هذا المساء إلا أنني أحس بدفء وحنو يسري في أوصالي . الطريق طويل , طويل جداً أمامي ومتعرج بتقاطعات عديدة . المارة الألمان يسرعون في اتجاهات متفاوتة كأنهم في سباق مع أشباح .
_لا شيء سوى ان سبر هذا الطريق .
همست إلى ذاتي وسرت عكس قوانين السير !!! الإشارة حمراء ألا أن السكون مخيم وما من سيارة أو دراجة بخارية تنفلت كقذيفة طي هذ السكون المطبق .اجتزت الطريق وأنا أنظر بسخرية إلى الإشارة الحمراء وهي تحدق في بدورها باحمرار غاضب.
- أيها السيد حذاري !!!.
هتفت خلفي سيدة ألمانية هرمة متكئة إلى عصاة . من أين أنت هذه الألمانية !!.الاتنام !!ولماذا تقف هامدة هكذا في انتظار إشارة المرور الخضراء لتجتاز الطريق ؟ لم أجبها تابعتها بنظراتي وهي تجتاز الطريق المسائي الشاغر حتى من نباح كلب أو كلمة ة واحدة للمارة أو سكان العمارات على حافتي الطريق . أجنبي أنا لا أعير النظام اهتماماً ربما لأني شاعر كما قال توماس الألماني المسئول . لم يكن يجتاز الطرقات إلا عندما تضيء إشارة المرور الحمراء فيلعنه السائقون ويشتمونه بأبشع الألفاظ ويتابعونه بضوضاء أبواق سياراتهم.
توماس يغني دائماً:
وحيداً في الليل ,
أجتاز الطرقات تحت المطر
مالي أنا وتوماس ! الطريق طويل والطقس بارد إلا أنني أحس بدفئ بعد يدب في أوسالي . كم مرة جبت هذا الطريق مثقلا بتذكارات ومجابهة وحوارات مع ذاتي !! لكن لماذا وقفت هذه الألمانية في انتظار إشارة المرور الخضراء ؟ ما من سيارة أودورةزشرطة ؟ كأن من الممكن أن أسالها إلا أنني أعرف الإجابة مسبقاً .
_إشارة حمراء تعني التوقف !!!
ربما خفت أن تواصل الحديث . ستسألني دون شك من أي دولة أنت ؟ سأظل غريباً في ألمانيا شئت أم لم لا. ما من فائدة أن ذكرت لها بأني أعيش هنا زهاء ربع قرن ستنذهل وتستغرب أكثر .
_لماذا إذا تخالف قوانين السير وانت مواطن الماني ؟ .
لن أصمت أنا . الألمان يخالفون اللوائح الألمانية كذلك . ولكن هؤلاء ألمان وهذه دولتهم لماذا تقيس نفسك بهم ؟ من قال هذا ؟ لا يهم .الطريق طويل أمامي لاا أسمع سوى وقع اقدامي الرتيب وأنفاسي المتلاحقة . أعرف أكثر من ثلاثة ألمان كانوا يسابقون أنفاسهم لاجتياز الجدار البرليني الفاصل بين المدينتين. أحدهم هو "شرودر" الذي توفي قبل عامين كان يجوب معي هذا الطريق في الليل يتحدث دون انقطاع عن تلك الليلة التي اجتاز فيها المنطقة المحظورة , الفاصلة بين برلين الشرقية والغربية . نباح الكلاب البوليسية , الليل , ضوء المصابيح اليدوية , وضحكات العسكر وهم يجوبن ون الطريق الفاصل . ظل شرودر يضخم ويطيل في كل مشهد في تلك الليلة حتى صار من أبطال هذه المدينة.
- ما رأيك لو كتبت قصة عن مغامرتك يا سيد شرودر.
- هذا غير ممكن ! ماذا سأكتب غير أني ركضت كالكلب المسعور في ليل دامس تناهبته قوات مراقبة الحدود .
- ليس الأمر هكذا كما تظن هناك كتاب مختصون بصياغة السير الذاتية والمغامرات التاريخية كحادثتك يا سيد شرودر .
كان يبتسم باعتزاز ويهز رأسه فخوراً حين يسمع مغامرة تاريخية . لم يعد أحد يذكر شرودر في هذا الحي البرليني أثر أن كان المارة يستوقفونه في الطريق ليحدثهم أو يوقع لهم اسمه . انفاسي المتسارعة تلاحق خطوي تباعاً في هذا الطريق. لم أعد أعرفه وقد كان من قبل مكتظاً بالمقاهي التي تحمل اسم الأدباء والفلاسفة الألمان وبعض المراقص التي يرتادها السود الأمريكان وإلجامايكيون وكذلك الأفارقة . مقهى وحيد منفرد عند التقاطع حيث نزل معتم لللمومسات
ضباب
ضباب
وضوء ضئيل بباب
يدلف رجل
يخرج آخر
اه
تعم الفضاء
لمومس تنادي
تبث الحب
اهات ودمع اكتئلب
(((أيا هذا العذاب
متى خلاصي ؟؟؟
متى أختم
قصة هذا الكتاب
يقولون عنها الكثير
حين يسري الصمت في يم الظلام
(امرة تحترف الغرام
شبق
في دمها الوحشي
حرب
على الفضيلة والوءام )
أمرأة
تناجي قطها
دميتها الحرير
(يقولون عني الكثير
كم نافقوا
خانوا عهود نسائهم
سبقوا
خطاهم لهفة
لأمسية معي
كم
هربوا احلامهم
تلك المحظورة الحمراء
كطفل مفرد
يبكوا على صدري
وأنا
تلك المنبوذة الشقراء
أشتات فتاة
من بسعف دمعتي !
من
يصعي الى مر احتراقي
من
سوى هذا المواء
وطيفي الساهر المفرد
على المراة !!!
ضباب كثيف يكلل سماء برلين هذا المساء . أين أقراص النجوم , القمر اللؤلؤة. وسمار الصيف في منحنى الظرقات؟ أين ليل الصحراء ,اقراص النجوم القمر اللولوة وفيه سماء خالصة الزرقة في السودان ؟ صمت مخيم حولي . خطواتي توقع لحناً رتيباً مكرراً كأسطوانة مشروخة هل كان من الممكن أن يحدث شيء آخر في هذا الطريق قبل سقوط الجدار او بعده ؟ لا أدري .
الألمان والأجانب معاً أصبحوا أكثر جموداً أو ربما ازدت أنا شفافية وجنوناً؟
_لماذا هذه الهجرة إلى الداخل دوماً؟ لن تجد شيء سوى الفراغ يا صديقي
هكذا قال لي إيرلندي زميلي لي " معجب ب"صامويل بيكت "
مالي أنا وكل هذه الترهات , أتبعها فتهربمني مبتعدة ,ادنيها فتغرب عني لتعود من جديد .
وحدي وعزلة الطريق الأفعوان.من يأنس من ؟ كفاي متكورتان طي "جيوب" معطفي وعينايا (قدم الخطوات ) مبعثرتان بين أشباح ماره تترآى وتختفي سراعاً. لافتة زرقاء بإضاء كابية لمقهى جذبتني اليها فاقتربت منها وضغطت أنفي على زجاج واجهة الصقيلة
ك( أوشوا) الطفل المعوق لسيدة روسية التقيتها هنا في هذا المققهى المفرد بعينه عند تقاطع هذا الطريق المديد .
كظل , كفراشة تمايست النادلة بين رواد المقهى ووقفت وهلة قبالة زبونين لتلبي طلب ما ,اومات برأسها وهي تدون في قصاصة ملصقة على دفتر بني . نظرت الي واشارت مبتسمة بان ادخل .
نعم.كمشهد سينمائي دارت تلك الامسية في مخيلتي . الشمعة التي تتوسط الطاولة ,همهمة الرواد صرير باب المقهى وموسيقي البلوز المناسبة في انسجام مع اضواء المقهى الخافتة وبائع الورود الهندي المطوف بين العشاق في المقهي .
آه لقد انتهى عهد الرومانسية ولم يبق سوى القشور ومكياج مزيف .
قلت في نفسي وانا اجااس السيدة الروسية في هذا المقهى عينه ,في مساء ربيعي , صافية سماؤه حتى كدت أن أعد النجوم وأجرها من ذيلها لتشاركنا الانخاب .
- ماذا نود إيها السيد ؟ سالتني النادلة وهي تسجل الطلبات على دغتر من الورق المقوى.
- قهوة خالصة ؟
لم يمض وقت طويل حتى قدمت الي لكثر اأبنها بابتسامة جذابة . شرعت تحدثني عن "يوشا" ابنها المعوق , لا أدري كيف تذوقت القهوة في ذلك المساء والحزن يعصر قلبي وهي تتحدث عنه.
- في روسيا نخبئأ الأبناء المعوقين . تلزمنا الدولة بالتخلي عنهم ووضعهم تحت كفالتها في دور المعوقين . كثيراً ما نطالب بإجهاضهم ان وضح الفحص الطبي عن ماهية تعوق الطفل المتوقع ؟.
قلت لها وأنا أحاول الاتزان :
_ولكن .... لكن هناك دون شك حلول. قد قررت ولادته"أوشوا " . هو الآن صبي . لطيف لا أعتقد وجود موانع من نموه الفطري ؟.
- هكذا تقول ,تتمنى !!
ضحكت بمرارة ونظرت إلى كأسها وقطع الثلج تطفو فوقه سايحة كأحلام بيضاء على واقع مفجع .
- كانوا يحاولون إقناعي بأن أسلمه إلى دور حضانة المعوقين و حيث ما تواجدت معه يعتبرون حياتي هباءا دون جدوى لأني ألازم مخلوق مشوه .
- ماذا يحب أوشوا؟
- ماذا تعني ؟
- هل له هواية ما مثلاً أو عن ماذا يرغب ان يتحدث ؟
لست باحثاً اجتماعياً أو منقذاً للبشرية . أنا مخلوق مستضعف كذلك في المغترب الاوربي !!أ هكذا فضيت إلى ذاتي فيما بدأت هي بالتحدث بجمل مرتبكة متقاطعة .
- لا أدري تماماً. هو مزاجي جداً. أتفهم ذلك , ولكنه يتميز بحاسة مميزة
- ماذا تعنين ؟
- إنه يشخص الناس جيداً ؟ يعرف من هو بنوايا خيرة أو متصنع باللطف تجاهه لأجل التقرب إلى !
نظرت إليها مجدداً (سيدة في نهاية العقد الثالث دون شك حلوة الملامح بلون برونزي على النقيض من ذويها الروس ناصعي البياض.)
كان المساء حولنا رائعاً ومأسوياً معاً إذ ظل أوشوا وحيداً يضغط أنفه على الزجاج أوليتني أصابعه وينظر بتردد وحياء إلى الزوار . شرب الحليب ومنحته أمه ورقة بيضاء وقلم ليرسم .لم ألاحظ ما رسمه . قالت لي أنه يشخص الناس في رسومات . ضحكت وقلت لها إنه شاعر دون شك.
- من يدري "أوشوا" يستيقظ في الليل ويشرع النافذة حينما يسطع القمر أو تتراءى بعض النجمات بين نثار الغيوم
حدثتني عن ابنها وحدثتها عن غربتي وعن وطني. لم يستوقفها شيء مما ذكرت سوى حديثي عن المتصوفة وحلقات الذكر. سألتني :
- ولكن هل يمكن " أوشوا" أن يشارك في مثل هذه الحلقات .
- نعم . وربما توحوه زعيماً على الذاكرين .
تذكرت .... تذكرت وجوهاً عرفتها من الدراويش .لا يختلفوا كثيراً عن"أوشوا " كانوا يعقدون حلقات الذكر ويتمتعون بحب الناس ويأخذ بقولهم "المقلوب " كفلسفة مستعصية لا يستطاع فكل طلاسمها إلا بالتأمل والرؤى ودعتها كما أودع كل مرة محاولا سدى ان لا التفات إلى الوراء . مد أوشوا لي بالقصاصة التي كان يرسم عليها .
- نظرت إلى القصاصة ( دائرة بيضاء تحيطها تخطيطات سوداء مترادفة تشكل دهليزا مفتوحة . )
ولكن ما هذه الدائرة البيضاء وسط كل عوالم السواد هذه يا أوشوا؟ سألته . لم يجب , ضغط أنفه على زجاجة الحليب ونظر إلى أمه . لم ترد هي كذلك . الطريق طويل أمامي و ساهر .الى متى أجوبه وأنا أقصر انحسر كظل . كل خطوة تسوقفني عند "معلم " في تلفافية الثعبانية .
طرقا ت متفرعة ومباني شاهقة في الأعالي كجني انفلت من عنق زجاجة سحرية . أحس بدفء بعد يسري في أوصالي ,قدماي هما عيناي اتبعهما دون تردد . كم مهرت هذا الطريق ذهاباً واياباً. ماذا منحني ؟أسمعه يرد : منحتك روعة النزهة. استحال السكون حولي الى حزن شفيف عندما شارفت نصب تذكاري تحفه عقود ورود يانعة بعد .
"نصب ل عائشة التركية.ضحية قتل وحشي" لا أعرف عنها الكثير سوى ما رواه المارة هنا في ذات صباح أحد وأنا أتصفح جريدة الصباح البرلينية.سمعتهم يلهون بذكرها قبالي على مقعد خشبي عتيقفي المنتزه العام : ألماني أشيب وسيدتان لا شك أن إحديهما زوجته والأخرى ابنته لجلوسهما متلاصقين ومسح المرأة جواره لشعر الفتاة . لا أدري ربما هما أقرباء فقط في هذه البلاد التي تشح فيها ابتسامة وادعة والربت على الكاهل والترهات البريئة سمعتهم يتحدثون وأنا أتظاهر بقراءة الصحيفة :
- أحرقها والدها ؟
- لا لا أخوها ... ولكن لماذا كل هذه الوحشية ؟
- قتلها بأكثر من طعنة بمدية .قال بأنها عار على العائلة...لطخت سمعتها بما مارسته .
- يبدو أنها كانت على علاقة بشاب ألماني. هكذا الأتراك لا يقبلون حرية المرأة. أعرف أكثر من تركي يمارس الجنس مع الألمانيات ؟ لماذا لا يقبلون بحرية المرأة إذاً قررت فعل ما تود ؟ .
- لا أدري. يبدو أن ذهنية الرجل المتصلت لم تزل راسخة فيهم .أين يعيشون؟ وفي أي عصر!!
- لم يندمجوا بعد في مجتمعنا الألماني ! هل أتيت بفتات الخبز لنطعم البط في البحيرة !
نظرت الشابة إلى حقيبتها وأخرجت كيس ورقي ورفعت نظراتها فرأتني انظر اليهم .مقفت متأبطة ذراع السيدةوالسيد جوارها ثم ساروا في اتجاه البحيرة .ها انا قبالة
النصب التذكاري الناصع البياض وقد تركزت عليه أضواء قادمة من بعيد نصيأه فلاحت عليه تخطيطات سوداء وأخرى ملونة متداخلة لم أستطع قراءتها سوى سطرمنها بخط أسود كثيف "إلى الجحيم أيتها العاهرة وجماة جواره بخط مهتز (نامي غريرة العين اايتها الثائرة الرائدة )وخربشات ونقوش وقلبين متداخلين .
_هذا عالم فوضوي يديره الجشع والاجدوى .
زحمت مسمعي هذه العبارة ليوناني زمهري القامة يعمل في دار للطباعة جواري. جاء يعمل هرباً من العطالة في بلاده.شق سكون الطريق قرع أجراس كنيسة متواتر . عددت الضربات.. أثني عشر تماماً, لم أكن أدرك في بادئ الأمر هدف ضربات الأجراس المرتبط بإعلان الوقت إلا فيما بعد , حينما زارني ألماني لأوقع مع سكان الحي في قائمة على اعتراض على ضجيج الأجراس كل ساعة لإعلان الوقت او القدوم للقداس لاسسيما يوم الأحد وفي الأعياد المسيحية : قال وهو يهز رأسه.
- لا يمكن السكوت على هذه الضوضاء .
أعرف أنه ألماني شيوعي يقف ضد بناء الكنائس ويمقت الدفاع عن الأديان . قلت له بان العالم تغير ولم يعد كارلس ماركس ألا متحفاً أثرياً. قلت له ذلك وليتني لم أتفوه به فقد أبحر لأكثر من ساعة في التحدث عن كارلس ماركس (نبي العصر )وسيادة الرأسمالية وتحول الكنيسة إلى أداة مسخرة"للسياسة. الطريق طويييييييل يهدهده قرع أجراس كنيسة تترنح كضروغ بقرة حلوب .
في ليل كهذا لا يمنح سوى الصمت والغور في الذات أحس, أحس بالعزلة وقرع عنيف على باب ذاكرتي الموصدة . من ترى القادم من قصي.من ؟ الطريق طويل يكاد ينتهي ليبتدأ يلوي إدراجه .وانا المفرد هنا ابطا حينا وااخب السير حينا اخر ولكن الى اين في هذا المساء !!الطريق هامد وطويييييييييل يأخذ مني فيمنحني مجددا . خطوة أثر خطوة سرت قدماً لأنتهي عند "الينبوع" النافورة. المياه صافيه تندلق من رأسه الأسد ما أروعه في الربيع وما اجمل الغشاق ماثلين أمامه كنساك في معبد بوذا .
من كان يتوقع أن تنشأ هذه النافورة؟ ما من ساكن الماني واجنبي على امتداد هذا الطريق كان يتهيأ أنتعاش الساحة بهذه النافورة الأنيقة, عروسة الموكب بؤرة حقل الزهور حولها . كلهم حضور هنا العازفون والبهلوانات والرسامون والعشاق ... آه العشاق فرادى خزانى وأزواج ينخلون الحب رسومات على جذوع الأشجار ومقاعد الحديقة العتيقة ..برغمان . هو النحات الرسام مشيد النافورة.سكن فترة جواري وانتقل إلى حي آخر حيث قضى نحبه. كنت أصغي للموسيقى الكلاسيكية والبلوز المناسبة من اسطواناته العتيقة. سألني :
هل تزعجك الموسيقى التي أستمع إليها ؟ هل أقلق راحتك ؟
- لا يا سيد ببرغمان
وددت أن أقول له بأني أنام غرير العين لسماعها , ألا إنني أثرت الصمت .كانت شقته متحف أثري في كل زاوية لوحة وشابلونة ألوان ولوحات وأوراق سميكة وأزميل ومطرقة. لا أدري كم من تمثال داخلها وكم من حسناء جاءت إليه ليرسمها أو ينحت لها تمثالا مكور النهذين كهذا التمثال المشفق على نفسه من حمل نهذين ممتلئين بسخاء .لابد ان اسيد بيرغمان نسي كفيه فوقهما !!
_اتحب نحت تماثيل نصفية فقط !!
_إلى أدنى النهدية فقط .
ضحك وواصل قائلا : إلى هنا فقط إلى هنا . وعقد كفيه فوق نصفه الأسفل. أقمنا له تأبيناً حول النافورة التي كان يحلم بأن نجد مكانها في هذه الحديقة التي أحبها كفنه . كانت أعز عليه من أسرته وأصدقائه .
لم تبك ابنته على وفاته. صامتة وقفت يميني وقالت للقس المشبع
_كان أبي على الورق وظل أباً روحياً براً لفنه.لم يحفل بنا ولم نحفل به .لم أعثر على صورة فوتوغرافيةا وتذكار واحد لنا وسط صوره ورسومه المترادفة حتى سقف الغرفة .
. أنا الآن وحدي أمام باب غرفتي أتردد من فتح بابها ولا أستطيع بعد التجوال . قدماي أضربتا عن المشي ولم أعد أحس دفئاً بعد يسري في أوصالي فقط تعب كألم ممض . نظرت من أعلى الدرج إلى الطريق الليلي الطويل مرة أخيرة فرأيت الشارة حمراء ورجل مشدود القوام يقف قبالتها في انتظار الشارة الخضراء كقذيفة شق الليل المطبق صوت توماس المتسول وهو يجلس متدثرا بمعطف بالي في زاوية مهملة عند منعطف الطرق الطريق ككلب منبوذ
_اللعنة على النظام واللوائح . اللعنة
وحيداً في الليل ,
أجتاز الطرقات تحت المطر
وحيدا
Amir Nasir [[email protected]]


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.