مزمل أبو القاسم يكتب مقال ساخن: (لم نرصد لهذه الحكومة إنجازاً واحداً حتى اللحظة بخلاف جرأتها على المواطنين وتفننها في فرض الجبايات والرسوم عليهم)    شاهد بالصورة والفيديو.. شبيهة هدى عربي تستعرض جمالها على أنغام ندى القلعة وساخرون: (شن جاب الكيكة للويكة وما استخرتي نهائي)    شاهد بالفيديو.. والدة الفنان الراحل محمود عبد العزيز: الحوت تعرض لظلم فادح من هؤلاء وهذا ما فعلته عندما علمت بتعاطيه "السجائر" وهو طالب في الثانوي    والي الخرطوم يوجه وزارة التخطيط العمراني بتطبيق القوانين وتسريع إجراءات معاملات الأراضي    بالصورة.. البرنس هيثم مصطفى وزيراً للرياضة في السودان    اكتمال عقد الجهاز الفني للكمال    قالت إنّها خرجت من آلية تحديد أسعار الوقود..الطاقة تكشف تفاصيل 20 باخرة في محيط البحر الأحمر    "آبل" تستعد لإطلاق أول آيفون قابل للطي    شاهد بالفيديو.. نجمة السوشيال ميديا السودانية هبة الجندي تعود للظهور بعد غياب طويل بتقرير إخباري عن الأحداث السودانية وتطورها    شاهد بالفيديو.. فنان "ربابة" سوداني يثير تفاعل الجمهور بعد ترديده أغنياته الشهيرة (صورة وصوت) في حفل حاشد بالسعودية    "يغفر الله للجميع إلا باجيو!".. مأساة اللاعب الذي مات واقفا – فيديو    النفط ينخفض 1% بعد تقرير ترامب إنهاء حرب إيران    اختبار نسخة مدفوعة جديدة من "إنستغرام"    عيد ميلاد إيمى سمير غانم.. خطوات ثابتة واختيارات مدروسة فى مسيرتها الفنية    قيادي بحزب المؤتمر الوطني يحسم جدل مثير    صبري محمد علي (العيكورة) يكتب: *هذا ما قاله لي وزير التعليم العالي والبحث العلمي ظهر اليوم*    قرار لحكومة السودان بشأن معبر أدري    عثمان ميرغني يكتب: فساد.. الفساد..    إكتمال فتح الطرق والشوارع الداخلية بمنطقة وسط الخرطوم    ارتفاع جديد في أسعار الوقود بالخرطوم    الهلال يواجه أُماجوجو لتوسيع فارق الصدارة    شاهد بالفيديو.. داخل حرم إحدى المدارس.. والي النيل الأبيض ينفعل على وزير التربية والتعليم ويحظى بإشادة الجمهور: (لن أذهب حتى ينتهي البناء)    (أماجوجو والنقطة 54)    برشلونة يتلقى دفعة معنوية قبل مواجهة أتلتيكو مدريد    شراكة استراتيجية بين "الشباب والرياضة" و"الصناعة" لتمكين المبتكرين ودعم الإنتاج الشبابي    كريم عبد العزيز وفريق مطلوب عائليا يبحثون عن دولة أوروبية للتصوير الخارجى    أزمة منشطات تشعل دوري أبطال إفريقيا.. الهلال السوداني يشكو نهضة بركان المغربي ل"الكاف"    أيهما أكثر فائدة القهوة أم عصير البرتقال صباحًا.. والكميات المناسبة    آلام الدورة ليست دائمًا طبيعية.. إشارات تكشف بطانة الرحم المهاجرة مبكرًا    فصيلة الدم تكشف احتمالية الإصابة بالسكري    السيسي للرئيس ترامب: لا أحد يمكنه وقف الحرب في المنطقة إلا أنت    "فيفا" يتّخذ موقفًا حازمًا بشأن مشاركة إيران في كأس العالم    مصر.. الدولار يقترب من 54 جنيها لأول مرة    سارة بركة: أحمد العوضى مجتهد بشكل كبير وبيحب شغله جدا    وجبة سمك تُنهي حياة 3 سودانيين بالقاهرة وتتسبب في إصابة 4 آخرين بحالة تسمم غذائى حاد    بسبب ضعف الراتب.. وزير الثروة الحيوانية بالسودان يبحث عن عمل إضافي    رئيس الوزراء يصدر قرارًا بشأن الرسوم الجديدة في المعابر    محمد عبد الباسط يكتب: لهذا تحركت باكستان الآن للوساطة بين أمريكا وإيران    السكوت على هذا الأمر لا يرضي الله ولا رسوله!!    ارتفاع أسعار الذهب في السودان    الخليج الضحية الكبرى: إيران وجهت 83% من هجماتها إليه… و17% فقط إلى إسرائيل    مهلة أخيرة للمخالفين: خيارات متعددة لمعالجة أوضاع التأشيرات المنتهية في السعودية    ترامب يصدر أوامره ويكشف تطورات مثيرة مع إيران    الأمن يداهم مخزن يبيع الوقود المهرب لعصابات التنقيب عن الذهب    رئيس الأهلي مدني وابنه يتعرضان لحادث مروع    المباحث تنهي مغامرات شبكة إجرامية متخصصة في الإحتيال علي أصحاب المحلات التجارية عن طريق اشعارات تطبيق بنكك المزيفة    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    الشيخ بن زومة.. إلى جنة الخلد    قيم الهلال المتوارثة يجب أن تبقى أبد الدهر    في زمن الضجيج.. القرآن بوصلة المعنى والسكينة    د.مزمل أبو القاسم يكتب: دموع الباز.. وزاهر! (2)    السودان.. الدفاع المدني يستعين ب"التوك توك"    طفح جلدي في رقبة الرئيس ترمب يثير تساؤلات حول صحته    صوت لا يغيب.. محمد رفعت ورحلة الآذان الخالد في رمضان    أجهزة الأمن السودانية تنهي مغامرات لص الصيدليات في عطبرة    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    السودان.. فكّ طلاسم"تبيدي للمجوهرات" في الخرطوم والتحقيقيات تفجّر مفاجأة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



حسن بلصة .. بقلم: الكيب محمود النور
نشر في سودانيل يوم 02 - 02 - 2014

رحِمَ الله صاحبنا حسن بلصة, الذي غيبَهُ الموت قبلَ أنْ يكون حاضراً في هذا الزمن الرديء, وإلاّ لكان له شأنٌ وأي شأن. فهو بطريقتهِ الميكافيلّية الفِطْرية, وركضه خلف المال, وطَرْقِهِ لكل السبل المشروعة وغير المشروعة لامتلاكه, يصلحُ لهذا الزمان الذي أصبح فيه أخذ الحقوق بالباطل, والاحتيال والغدر والخيانة، شطارة, يتباهى بها فاعلوها.
اسمه بشهادة ميلاده (حسن أدهم شبيب), إلا أن أفعالَه دعت إلى إلحاق صفة (بلصة) به, فلازمته ولازمها حتى مماته.
على أيامنا, كانت تلك الصفة,(بلصة)، سُبّة, لا يرضاها عامة الناس, من يمارسها ويقبل بها, يُصبح طريد العدالة والمجتمع, ويحاول حينها إخفاءَ فعلته عن الأعين بكل الطرق. لاحقا, وببقيةٍ من حياء, أخضعوها لعمليات تجميل, حتى تحظى بشيء من القبول, وزفّوها للناس بأسماء تدليلٍ شتى، إكرامية, دهن, تسليك, تسهيلات، عمولات. حتى إذا ما بلغ الأمر مبلغه من الانفلات، وخراب الذمم, صاروا يقولون، رشوة, هكذا, صريحة واضحة.
صاحبنا حسن ما كان يكترث بإخفاء فعلته, يأخذ بلصته جهاراً نهاراً. أصوله الغجرية التي ينحدر منها، لا ترى في التسول والنصب والاحتيال والخداع والسلب، ما يدعو للخجلِ أو التخفي. لذا فهو لم يذهب بعيداً, حتى أنه يبالغ أحيانا فيعرّف نفسه بها:
- محسوبك حسن بلصة
هيأ له عمله بالبوليس في فترةٍ ما, فرصةَ للبطشِ بكل مخالف للقانون والنظام, خاصةً أصحاب الدرّاجات, الذين يسهون عن وضع إضاءة عاكسة خلفية أو أمامية, وما أكثرهم حينها, خاصة أهلنا البسطاء من غرب النهر، الذين بطبعهم يخشون أهل السلطة، فأولئك هم صيد حسن بلصة الثمين. بالرغم من ذلك, لم يحدث يوماً أن أوصل أحدهم إلى المركز, فهو يكتفي بالإرهاب، والتلويح بالإدخال إلى الحراسة, ثم يفرِض بلصته فرضاً، وما على من تسوقه أقداره السيئة للوقوع بين يديه, سوى الدفع , وهو لا يغالي فيما يُدفع له من بلصة, شلن، أو على الأكثر ريال، وهو رسم مقبول من الطرفين.
حذره رؤساؤه حين فاحت رائحة أفعاله تلك, إلا أنه ضرب عرضَ الحائط بكل تلك التحذيرات, فلا دليل مادي يثبتها و لا شكوى رسمية, إن هي إلا أقوال تناقلتها الألسن:
-ناس حاسدين, ما عندهم أي دليل
يقولها (بلصة)،وهو يضرب بقدمه على بدالة دراجته الأنيقة،التي أغتصبها من أحد العجلاتية،عنوة واقتدارا،حين ضبطه وهو يدخن سيجارة بنقو بجِسرٍ قصيٍ من جسور النهر.
2-
صاحبناه زماناً, أو بالأحرى فرض هو صداقته علينا. فهو مهووس بمصادقة المتعلمين، وكبار الموظفين، ومن على شاكلتهم. يدّعي علماً وثقافة واطلاعاً، بالرغم من أننا نعلم تمام العلم، أنه بالكاد أكمل تعليمه الأولي. كثيراً ما تذمر منه صاحب المكتبة الوحيدة بالمدينة, حين يقوم حسن، بمطالعة كافة الصحف والمجلات وعناوين الكتب المعروضة، ثم ينسحب دون أن يشتري أياً منها 0
أضحكنا مرةً حين ذكر أنه وجد بالمكتبة رواية جديدة ليوسف السباعي، عنوانها (السَقَامات) لفظها هكذا ككلمة واحدة.
رحم الله مؤلفها, فهو بالتأكيد لم يخطر بباله هذا الاسم, فالعنوان الذي صاغه لروايته، يتكون من كلمتين:
( السّقّا....مات),
وهذه غير تلك يا حسن.
حاول جاهداً أن يتعلم اللغة الانجليزية, دفعه إلى ذلك، غيظه منّا ونحن نتخاطب بها أحياناً. للأسف نفض يده عن تعلمها وتركها لسببين, أولهما، أن مواعيد الدرس، تمنعه من اصطياد البلصات. ثانيهما والأهم, ضيقه من دفع رسوم الدراسة, فالقاعدة عنده أن يأخذ فقط.
صديقنا ( عمر ), كان يستهدفه دائما بسخريته، ويُدْخِله في اختباراتٍ عسيرة، بقصد إضحاكنا. عرض عليه ذات مرة صورة ( الموناليزا)، وسأله بخبث ظاهر:
- ياحسن، باللهِ عبّر لينا عن إحساسك بالصورة دي ؟
لم يفطن حسن للكمين الذي نُصب له، تطلّع في الرسم, اتكأ بخده على كفه المضمومة، متخذاً هيئة المفكرين والأدباء الذين يراهم في الصحف والمجلات, قطب جبينه، وكأنه يستدعي أفكاراً استعصت عليه, ثم نطق بعد هنيهة:
- يا خي شفت صورة ( ريّا )، في مطعم عمّك يوسف ؟, السمينة المشلخة، شُفتها ؟ والله أجمل من دي.
ثم ضحك ضحكته المميزة، التي تشبه نبيب التيس0
وهو بقوله هذا، يُشير إلى تلك اللوحات، التي كان يُزين بها أصحاب المطاعم والمقاهي جدران محلاتهم. لوحات بالحجم الطبيعي لنساءٍ بدينات, سمراوات, مشلخات, ناعمات, لامعات, عاريات كاسيات, على سُررٍ متكئات, يلبسن أنواعاً من الحُلي التي كانت سائدة حينها,كالزمام، والقشّة، والرشمة، والفِدو، والحجول، وتيلة الشّف، والفرج الله، والجدلة، و غيرها. تلك اللوحات التي برع في رسمها آنذاك، الفنان السوداني ( احمد سالم)0
الله عليك يا حسن بلصة, لقد جعلت الخواجة ( دافنشي)، يتململ غيظاً في تابوته0
3-
حقيقةً, مظهر صاحبنا يوحي لمن لا يعرفه, أن الرجل من ذوي الحيثية والمكانة, بطول قامته، وجسمه الممتلئ قليلاً, وشعره الناعم، الذي يجيد تصفيفه, وصوته الجهوري, وبياض بشرته المائل للاحمرار كعامة أهله0
وهو إلى ذلك يهتم بهندامه، يعتني به غاية الاعتناء, ومع رشّة من العطر، تكتمل الصورة البهية لحسن بلصة. وهذا مما يجعل (عمر) يستفزه قائلا:
- كلّو من البلصة
إلا أن (حسن بلصة)، لا يستجيب لاستفزاز عمر, بل يقابله بابتسامةٍ متسامحةٍ، الشيء الذي يغيظ (عمر)، فيُمعن في مشاكسته:
- بالله ياحسن قروش البلصة دي ما حرام ؟
إلا أن صاحبنا يرد عليه ببرود أعصاب، يزيد من حنق عمر:
- يا أستاذ
هكذا يناديه دائماً:
- يا أستاذ، الزول البَشيل منو البلصة ده، لو وصل المركز يتبهدل في الحراسة، ويتغرّم في الآخر، جنيهين تلاتة, أنا بعمل فيهو معروف, باخد منو بالكتير ريال, بطّال معاهو ؟
- بطّال
يجيبه عمر متحدياً:
- انت حكومة ؟ انت مهمتك توديهو المركز وبس، مش تعمل فيها فاعل خير
يضحك (حسن) وهو يضرب كفاً بكف:
- انت عارف يا أستاذ, أنا غلطتي الفكيتك من ناس المباحث لما قبضوك توزع منشورات, تذّكّر ؟
وهو بذلك يشير إلى انتماء عمر، لحزبٍ محظور قانوناً, والى حادثة القبض عليه، وهو يحمل أوراقاً تحضُ على مناهضة الحكومة. حينها يبلغ الغيظ بعمر مداه, فيخرج من الغرفة ساخطاً على اليوم الذي جعل حسن يخلصه من قبضة المباحث, حين يبلغ الباب، يلتفت نحو حسن ملوحاً بيده، ويخاطبه محتداً:
- يا خي إنا قلت ليك فكني منهم ؟ ما كان تخليني اتْقبِض، ولاّ حتى اتشَنق, انت مالك؟
ولا يتركه صاحبنا يخرج، قبل أن يزيد إشعال غضبه:
- كضاب, أول ما يدخلوك الحراسة, الجرسة تقوم
بكل غيظه وحنقه، يركل (عمر) الباب وهو خارج, ركلة تجعلنا نخشى أن ينهار سقف الحجرة فوق رؤوسنا.
إلا أننا لا نندهش لهذا التشاحن بينهما, فهو مسلسل متجدد الحوارات, نشهده يوميا, ونحن نعلم تماماً أن (عمر) سيعود بعد قليل، و قد تبدد غيظه, كتبدد دخان سيجارته التي يدخنها، وهو يعبر ساحة الدار جيئة وذهابا. وأنه و(حسن بلصة )، سرعان ما يقومان بترتيب أمر العشاء، والاستعداد للسهرة0
4-
لا ندري أخيرٌ أُريد به، أم أرادوا به شراً حين نقلوه للعمل بقسم رخص السير, إلا أنه، بحسب مجريات الأمور لاحقاً، تأكد لنا أن صاحبنا قد عثر على كنز لا ينضب من البلصات، التي تتجاوز قيمتها تلك التي يستلبها بشق الأنفس من أصحاب الدراجات، وغيرهم من عابري الطريق. والمؤكد أيضاً أن ذلك أودى به إلى نهايته، وفصله من عمله جراء مبالغته في قبض البلصة:
- عيني عينك
كما قال أحد معارفه, لدرجة أنه كان يحمل دفاتر رخص السير في جيبه، جاهزة مختومة، فقط يكتب الاسم ويضع الصورة.
كثيراً ما عكّر زبائنه مزاجنا, ونحن نستعد لبدء سهرتنا. بمرور الأيام، تكاثروا، وأصبح بعضهم يأتي من مدنٍ بعيدة وصلت إليها شهرة ( حسن بلصة) وتسهيلاته الخدمية. من الأبيض، ومدني، وكوستي، وشندي، وغيرها من مدن البلاد المختلفة.
حذرناه من مغبة ما يفعل، إلا أنه لم يكترث:
- حيحصل إيه ؟ يرفدوني ؟ أنا ذاتي دايرهم يرفدوني
ثم علمنا أنه وبمهارة وذكاء، استطاع استقطاب بعض أقرانه بالقسم، وبعض أصحاب الرتب الوسيطة, يتقاسم معهم ( الغلَّة)، كما كان يُسمي عائد البلصات. بالطبع فهو لن يعطيهم الأرقام الحقيقية لغلّته تلك. في النهاية، فصلوه، حين انكشف الأمر وكثرت الشكاوى, وخرج كالشعرة من العجين, دون محاسبة تذكر, وبحوزته كمية معتبرة من المال,شيّد منها منزلا, واكترى بصاً، وانطلق داخل السوق، يتاجر في أي شيء وكل شيء.
وظهرت مواهبه الحقيقية، حين قفز إلى مركب السياسة. حسن بلصة يجيد فطرياً قراءة المستقبل لكل أمر يخوض فيه. انضم لزمرة مؤيدي حكومة عبود, فنال نصيبه من مقاولات قرى حلفا الجديدة. في الوقت المناسب تماماً، كان أول من ركب موجة اسقاطها هاتفاً:
- نحو القصر، حتى النصر.
انضم لليساريين في بدايات أكتوبر، فتسيّد المسيرات و الليالي السياسية، بجُرْأته و صوته الجهوري، الذي لا يحتاج معه لمكبر صوت. ثم تركهم، مبرراً انسلاخه عنهم بقوله:
- تصور كان تحت تحت، يسموني (ميم نون)، يعني مغفل نافع, شوف بالله الناس ديل
نحن نعرف يا حسن بلصة أن الأمر غير ذلك.
ثم أصبح اتحادياً ديمقراطياً، وحين تغيّر اتجاه الريح، انضم لحزب الأمة. عاث بيعاً في رخص الاستيراد والتصدير، التي كافأه بها هؤلاء وأولئك وتدفق عليه المال. عرف في تنقلاته، من والى الخرطوم، ركوب السيارات الفاخرة، والطائرات، وحَجْز مقصورة خاصة بالقطار عند الضرورة. ازدادت حمرة وجهه احمراراً, وظهرت له كرش صغيرة يربت عليها ويسأل جلسائه:
- رأيكم شنو في الحنانة دي؟
الغريب في الأمر، أنه مازال متمسكاً بلقبه:
- ياجماعة اللقب ده بخيت معاي
ثم يضحك ضحكته تلك التي تشبه نبيب التيس0
5-
بتنا في أدنى قائمة صداقات واهتمامات حسن بلصة, جذب المال نحوه أنماطاً من البشر حطوا عليه كما يحط الذباب على قطعة سكر, أصبح لديه أصدقاء من علية القوم, أطباء ومهندسون,ومدراء, وكبار موظفين، وهذا ما كان يسعده كثيراً. ينصتون إليه بكلياتهم حين يتحدث, يضحكون في وجهه حين ينثر عليهم نكاته ودُعاباته السمجة, ويبدون إعجابهم بأفكاره الفجة, وهم أثناء ذلك، يتلذذون بأطايب الطعام والشراب على مائدته, التي يقدمها حسن وهو يعرف أن قيمتها ستُدفع لاحقاً من هؤلاء، كلٍ حسب موقعه. وبات مقصداً لكل من يريد تسهيل أمره مع أي جهة حكومية, وحسن بلصة جاهز لا يستعصى عليه شيء. أحيانا تصدر الموافقات من على طاولة العشاء عن طيب خاطر, وأحيانا أخرى يتعهد الأمر، مغلف منتفخ، مغلق، يوضع بخفة داخل درج المكتب المفتوح.
وحذراً من عدم الإيفاء بالالتزامات، يطلب حسن أتعابه مقدماً:
- الناس ما عندها أمان, بعدين حقي يروح شمار في مرقة, اشتكي لمين؟
هكذا يعلل طلبه0
تحاشيناه, كما تحاشاه عامة الناس, حاول جاهداً أن يضمنا لمجلسه, إلا أننا تجاهلنا محاولاته. ولقد أصاب عمر حين لخّص تلك المحاولات بقوله:
- صاحبك داير يقشر بينا قدام المنتفعين من هبالتو
ثم جاءت مايو, وبمجيئها تملّك الرعب حسن بلصة, فواجهة النظام الجديد, حمراء. ومواقفه السابقة مع أصحاب الرايات الحمر لا تسر, فلقد مسح بهم الأرض حين تركهم بعد مذبحة البرلمان الشهيرة، وإسقاط عضوية نواب اليسار منه. بجانب أنه لم يطل منهم لا أبيض ولا أحمر, أو كما قال:
- الجماعة ديل مقشطين, ما منهم فايده, فالحين في الكلام وبس.
اختفى حسن بلصة عن الأعين لفترةٍ حتى ينجلي الأمر, وكانت حينها هوجة الاعتقالات والمحاكمات لرموز الأحزاب ومن انتفع منها, على أشدّها, منهم من استطاع الهرب خارج البلاد, فطال التأميم والمصادرة ممتلكاته, و منهم من لم يستطع, فقبضوه وحاكموه وشهرّوا به. وكان صاحبنا في الموعد, قبضوا عليه, إثر وشاية ممن كانوا يتزلفون إليه أيام العز. صادروا كل ممتلكاته وأمواله. إلا أن صديقنا (عمر)، الذي أصبح نافذاً في ذلك العهد, أنقذه من دخول السجن, فعاد حسن بلصة, محبطاً, منكسراً, مقهوراً, فاقد الحيلة, إلى نقطة الصفر من جديد, لا يملك قوت يومه, أوصلته الحاجة والفاقة والعوز حد التسول.
6-
بعد حين من الزمان, مرت فيه مياها كثيرة أسفل الجِسر, تبدّلت مواقع الأشخاص, وتغيّرت مواقف سياسية من اليسار إلى اليمين, وتمت تصفية لحسابات مؤجلة بين الرفاق, وانشغل الناس بمتابعة ما يجري على الساحة من صراعٍ بين العسْكر والساسة, ومايدور من خلافات عقائدية بين الأطراف داخل منظومة السلطة0
وسط كل هذا الحراك والزخم, بات حسن بلصة مجرد ذكرى باهتة. توقع البعض أن حسن بلصة ربما هرب ليلتحق بالمعارضة. إلا أننا استبعدنا ذلك، لعلمنا بطبيعته الانتهازية, وأنه لا يجازف إلا إذا وثق من العائد المادي لمجازفته تلك. والمعارضة لن توفر له ما يتمناه, قال بعضٌ آخر أنه ترك المدينة لمدينة أخرى، لا يعرفه فيها أحد. حتى أكد لنا أحد معارفه، أنه موجود مع جماعته وأبناء جلدته, في ذلك الحي الغامض, المثير للريبة, لا يخرج منه إلا نادراً متدثراً بالظلام0
وشيئاً فشيئاً. نسيناه.
ثم حدثت حركة يوليو, تلك الحركة التي كانت قمة الصراع العقائدي بين رفاق الأمس. وما يهمنا من أمرها هنا, أنها كانت سبباً في ظهور حسن بلصة من جديد. فهو بجهالةٍ وقصر نظر وعدم إدراك، ، مدفوعاً بحقده الدفين على نميري وأقرانه، الذين يعتقد جازماً أنهم من تسبب في انهياره وإذلاله وإلحاق الأذى به. بكل تلك المرارات، برز من مكمنه ليرتكب غلطة عمره, إذ انحاز لمؤيدي الحركة, دون أن يتبصَر هوية القادمين الجدد. يبدو أن الحقد أفقده موهبته في قراءة المستقبل كما كان سابقاً.
خرج في مقدمة المواكب، مؤيداً ومناصراً, زاعقاً هاتفاً, ثلاثة أيام وهو يركض هنا وهناك, يحث الناس على مناصرة الوضع الجديد, أرسل برقيات التأييد, وطالب بضرب شرذمة مايو, حسب تعبيره, بيدٍ من حديد, فارتدت الضربة إليه بشكلٍ مأساوي، حين قُضيَ الأمر, وفشلت الحركة. اعتقلوه, أذاقوه ألواناً من التنكيل والتعذيب, ثم ألقوا به في غيهب السجن الحالك. فلم يحتمل سجن بدنه، وسجن ذله، وخيبته، وانكساره. فقضى نحبه، ذات ليلةٍ عاصفةٍ، مبرقةٍ، مرعدة ممطرة, تذمرَ فيها السجناء من دفنهِ في مثل تلك الليلة, إلا أنهم انصياعاً للأوامر, حملوه, وهم يصبون عليه أقذع ما في جعبتهم من شتائم, ثم قبروه كيفما اتفق0
[email protected]
///////////


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.