والي الشمالية يتفقد انطلاقة العمل بمستشفى محمد زيادة المرجعي للأطفال بدنقلا    الشرطة المجتمعية بولاية سنار تدشّن قافلة دعم تكايا رمضان بولاية الخرطوم    سهير عبد الرحيم تكتب: مشاهداتي في جلسة مجلس السلم والأمن الأفريقي    النتيجة تؤهل النيل لدوري النخبة مينارتى يواصل إنتصاراته.. يفوز على الوحدة بثلاثية ويعزز صدارته للمجموعة الأولى    المريخ يبارك انتخاب رئيس إتحاد سيكافا وأعضاء اللجنة التنفيذية    مريخ الممتاز يؤدي مرانه الختامي للقاء ملوك الشمال    مساعد قائد الجيش يكشف عن فساد وزير كبير    إبراهيم جابر ينفي خبر حل اللجنة العليا لتهيئة بيئة العودة إلى الخرطوم    إبراهيم شقلاوي يكتب: مسرح ما بعد الحرب لدى يوسف عيدابي    الصحفية سهيرة عبد الرحيم: (شعرت للحظة أن وزير الخارجية المصري سيهتف داخل القاعة "جيش واحد، شعب واحد" من فرطٍ حماسه في الجلسة)    شاهد بالفيديو.. والدة الفنان الراحل محمود عبد العزيز: (اتخذلت في هذا المطرب!! وكل من كانوا حول الحوت منافقون عدا واحد)    وزارة المالية توقع إتفاق مع بنك التضامن الإسلامي لتقديم خدمة إيصالي    شاهد بالفيديو.. على أنغام أغاني "الزنق".. لاعبو حي الوادي يحتفلون مع راعي الفريق ونائب رئيس إتحاد الكرة أسامة عطا المنان بمناسبة زواجه    شاهد بالصورة.. اللاعب هاني مختار يتوشح بعلم السودان في جلسة التصوير الخاصة بناديه الأمريكي    شاهد بالفيديو.. بتواضع كبير "البرهان" يقف بسيارته في الشارع العام ليشرب عصير من الفواكه قدمه له أحد المواطنين بدنقلا    وزير الخارجية والتعاون الدولي يلتقي رئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي    شاهد بالفيديو.. فتاة سودانية تبهر راغب علامة وأنغام بعد ترديدها أغنية هدى عربي في برنامج مسابقات والسلطانة تدعمها وتحتفي بها    وزارة الشباب والرياضة تواصل انفتاحها على الولايات    ارتفاع في اسعار محصول الذرة واستقرار سعر السمسم بالقضارف أمس    وفاة ثالث رضيع تناول حليبًا ملوّثًا بفرنسا    مشروبات طبيعية تدعم مناعتك.. روشتة حمايتك من العدوى    دراسة تربط طنين الأذن بالإنتاجية في العمل    إلغاء رحلة قطار إلى الخرطوم..إليكم تفاصيل    جوجل تسهّل إزالة المعلومات الشخصية والتزييف العميق من نتائج البحث    "ميتا" تبني مركز بيانات بقيمة 10 مليارات دولار    إضافة علامة تبويب الإعدادات بواجهة "واتساب"    انطلاق دورة متخصصة لتطوير الأداء الرقمي برعاية وزير الشباب والرياضة    كباشي يحيي صمود مواطني شرق النيل ويوجه بزيادة محولات الكهرباء ومكاتب السجل المدني بالمنطقة    تطور حاسم بقضية "الاعتداء الجنسي" في منزل لامين يامال    الإدارة العامة لشرطة تأمين التعدين تنفذ حملة منعية وكشفية لمكافحة التعدين العشوائي بولاية البحرالاحمر    الإدارة العامة لشرطة تأمين التعدين تنفذ حملة منعية وكشفية لمكافحة التعدين العشوائي بولاية البحرالاحمر    هيئة مياه الخرطوم: تحصيل فاتورة المياه لا يشمل القطاع السكني حتى الآن    ارتفاع طفيف لأرباح زين السعودية إلى 604 ملايين في 2025    مسلسلات رمضان.. هل تقع أيتن عامر فى حب ياسر جلال فى مسلسل كلهم بيحبوا مودى    الدولار يواصل التراجع أمام الجنيه فى منتصف تعاملات اليوم    مسؤول سوداني يغادر إلى تركيا    السودان.. وزير الشباب والرياضة يصدر قرارًا    دوري أبطال أفريقيا يشتعل.. 3 أندية تتأهل رسميًا وصراع مفتوح على 5 بطاقات    مجموعة الهلال السوداني.. صنداونز يقتنص التعادل ويبقي آمال التأهل في دوري الأبطال    أفراد من الشرطة يلقون القبض على السائق الخاص بالقائد الميداني لمليشيا الدعم السريع "جلحة" داخل "ركشة" بحي بري    هلال كوستي يدشن برامجه الثقافية بليلة ثقافية كبرى وتكريم رموز النادي والمجتمع    شاهد بالفيديو.. سرقة محل مجوهرات بشارع الوادي بأم درمان وقيمة المسروقات تقدر ب(ترليون) جنيه    محاولة أوكرانية جديدة لإفشال مفاوضات السلام بعيداً عن ارض المعركة    رفض الزوج شراء سجائر لها فقتلته.. جريمة زوجة مصرية تثير الجدل    حريق كبير في سوق شرق تشاد    رسالة أخيرة في بريد الرئيس البرهان قبل تمرد الحركات المسلحة الدارفورية    ترامب يحذر إيران: الوقت ينفد والهجوم القادم سيكون أشد    مباحث الخرطوم تعلن توجيه ضربة موجعة لمافيا السيارات..إليكم التفاصيل    تلفزيون السودان يستأنف البث المباشر من مقرّه الرئيسي    وزير الصحة: التبغ عدو الحاضر والمستقبل و فاتورته الصحية تفوق عائداته الضريبية    هل قتل السحر الأسود الإسرائيلي عبد الناصر؟.. كتاب جديد يكشف خفايا خطيرة في مصر    سباق اختراق الضاحية باكورة بطولات الاتحاد العربي لألعاب القوى    شركة اتصالات في السودان تعلن عن توقف خدمات    "مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ"!    أحمد الشاكر: انا أعجز عن شكر جميع الإخوة الأشقاء في المملكة العربية السعودية    السودان..حصيلة صادمة بمرض شهير في ولايتين    إسحق أحمد فضل الله يكتب: (حديث نفس...)    "كرتي والكلاب".. ومأساة شعب!    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



مصر .. شرعية الجمهورية السابعة .. بقلم: علاء الدين حمدى شوَّالى/كاتب مصري
نشر في سودانيل يوم 07 - 04 - 2014

منذ نشأتها 3425 ق.م بعد توحيد مملكتى الشمال والجنوب على يد الفرعون مينا، تعددت أطر شرعية الحكم وقوالبها فى الدولة المصرية ، وتغيرت أدواتها وأشكالها وفقاً لعوامل كثيرة بيئية وسياسية واجتماعية مرت بمصر عبر تاريخها الطويل، لنصل الى مرحلتنا الحديثة التى نستهل فيها إرهاصات جمهوريتها السابعة خلال اسابيع قليلة قادمة إن أراد الله تعالى.
فمن شرعية الفرعون الإله، الى شرعية ظلال الله فى الأرض، الى شرعية القاب النصرة والتأييد منتسبة له تعالى أو لدينه الحنيف، الى شرعية القهر والاستبداد، الى شرعية ذهب المعز وسيفه، الى ومضة زمنية بسيطة من شرعية الدستور، الى شرعية الزعيم، الى شرعية كبير العائلة، الى الشرعية البوليسية، الى شرعية مغلفة بغلالة رقيقة من دستور نقضها إطار الأهل والعشيرة، عاشت مصر وعانت، ازدهرت وانحدرت، فلا تعرف أكان إزدهارها تحت القهر أم بين ومضات الحرية، أبنت حضارتها العتيدة سخرة أم عبادة ؟ أكانت انتصاراتها الكبيرة طاعة وقناعة أم خوفا وارتعاداً ؟ إنه أحد الأسرار المصرية فى خزائن كهنوت تاريخها الطويل، ذلك الذى توازى هناك .. مع بداية النور.
ولأن الشرعية ببساطة هى "رضا المحكوم بقرارات الحاكم" إختياراً أو فرضاً، تسليماً بالقضاء والقدر أَو إعجاباً، فقد ميَّز العالم الألمانى "ماكس فيبر"، أحد مؤسسى علم الإجتماع الحديث، بين ثلاثة نماذج للشرعية، هى التقاليد، الزعامة أو الكاريزما، شرعية الدستور.
وإذا تناولنا الحالة المصرية، وحسب فهمى البسيط غير المتخصص، فشرعية التقاليد هى تلك التى استندت الى موروث دينى او قِيَمِى بأى درجة، فبدأت بشرعية الفرعون الإله التى صيغت بذكاء ودهاء ومعرفة كبيرة بمكنون النفس المصرية وارتباطها الشديد بالنيل والأرض، فأرجع فرعون اسباب ألوهيته لكونه مالك مصر {وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ }الزخرف51، بمعنى أن مصر، بكل ما تحملة الكلمة من زخم، هى التى منحته الإلوهية ! وهنا وجب على الشعب المرتبط بأرضه الإعتراف بشرعية الفرعون كاملة والا تعرض لغضبة الأرض ونقمة النيل، فَصنَع لمصر حضارتها الكبيرة التى أبهرت العالم، ولازالت، بكل موروثها المتأصل فى وجدان هذا الشعب الطيب، والتى انتهت مع دولة الفراعين فلم تتكرر بعدها أبداً، رغم أن الشعب هو نفسه وعبقرية الأرض هى نفسها، فقط تغيرت آلية الحكم، لتظهر شرعية القيَّم من زعماء القبائل والعائلات، تلك التى نمت مقابل رفض المصريين النفسى لسلطة الاحتلال بصوره المختلفة وعدم الثقة فى عدالتها ، ثم الفتح الاسلامى فالولاية من قبل الخلفاء الراشدين بشرعية انتسبت للدين مرة أخرى، فعدلت الى حد كبير جعلها فى غنى عن أى دعم إضافى بعد قبول الناس لذلك الدين والرضا باحكامه، ليستمر ذلك الرضا متناسبا مع قوة دول الخلافة التالية التى انتسبت لخلافته صلى الله عليه وسلم استجلاباً الشرعية ليس إلا، إذ أن جميع من تلى خلفائه الأربعة الراشدين ،صلى الله عليه وسلم، وحتى سقوط نظام الخلافة مع سقوط الدولة العثمانية اكتوبر 1923، انتزع دولته وأسسها بالسيف والدم، ثم أورثها ذويه بنظام البيعة الصورى وليس بالشورى كما أوصت تعاليم الدين التى شرعت سلطة الأغلبية كحجر الزاوية فى بناء الدولة.
بمعنى أن شرعية التقاليد هنا تلبست الدين تضليلاً للمحكوم وتغطية لسلطة السيطرة، فكان نتاجها الرضا النسبى بقرارات الحاكم طمعاً فى ذهبه أوخوفاً من سيفه، وخلالها، ومع انتزاع العباسيين الحكم من الأمويين، نلحظ بداية ظاهرة الصاق ألقاب القوة والحكمة بالخليفة " السفاح، المنصور، المهدى، الرشيد" وكأنما استشعر الخليفة نقصانا ما فى شرعيته، لتبدأ بعدها ارهاصات عصور الضعف والتوتر بعد ان خلع الأمين بن الرشيد أخيه المأمون من ولاية العهد ووضعها فى ابنه موسى الناطق بالحق، ليعود المأمون فيحارب أخيه طيلة أربع سنوات فيقتله فى النهاية وينفرد بالخلافة، باسم رسول الله صلى الله عليه وسلم !!! ثم بروز نفوذ الجيش، من وقتها، وتدخله فى "تعيين" الخلفاء، فاحتال الخليفة لنفسه فألصق اسمه بالدين دعما لشرعيته وخداعاً للمحكوم كالمعتصم بالله، المتوكل على الله، المستعين بالله، المعتز بالله، المعتضد بالله .. الى آخره.
ثم ليبدأ الإنشقاق على دولة الخلافة بشرعيتها الدينية المزعومة التى لم يستطع المغامر المنشق أن يدعى نفس إطارها، والا فلا معنى لإنشقاقه، فسعى لإمتلاك الشرعية وإستجلاب رضا المحكوم بنفس تضليل خلفاء الضعف فربط اسمه أيضاً بدعم السماء او بالقوة، كما ظهر مع حكام الدولة الفاطمية كالمعز لدين الله، العزيز بالله، الحاكم بأمر الله، الحافظ لدين الله، ثم الدولة الأيوبية ودولتى المماليك التى فخمت جميعها من الحاكم بالقاب شخصية كالملك الناصر، الملك الكامل، الملك العادل، شجر الدر المستعصمية عصمة الدنيا والدين، المظفر، الأشرف، المنصور.
لتدخل مصربعدها فى عصور بطش منغلقة خلال حكم الدولة العثمانية بداية من سنة 1517 ميلادية، استمدت شرعيتها فقط من رضا المحكوم قهرا وخوفاً وسطوة، وليعود حاكمها، بنفس التضليل، مستنداً الى خلافته المزعومة لرسول الله، صلى الله عليه وسلم، ولكن بشرعية عزَّزها استتباب المُلك وأدواته بعد القضاء على أغلب الدويلات المنشقة، فلم يعد الخليفة بعدها فى حاجة لدعم شرعيته بألقاب اضافية لها بعدها الدينى أو الشخصى مكتفياً بنصل السيف وسن الرمح وكيس الذهب ! لتدخل مصر معها فى عصور ظلام عميق غاب فيها العلم الدينى والدنيوى فأفرزت أعاجيب كثيرة، وأضافت للدين خرافات كارثية مازلنا نعيشها حتى اليوم، وليستمر ظلامها الى أن بدأت ارهاصات الشرعية الدستورية مع ضعف دولة الخلافة ثم سقوطها.
بدات مرحلة تأسيس مصر الحديثة على يد محمد على 1805، وظهرت خلالها إرهاصات الشرعية الدستورية لتبلغ ذروتها مع ثورة 1919 ثم دستور 1923 الذى أنتج مرحلة استندت فيها الزعامات الوطنية الى رضا الشعب وقناعته بالوفد كضمير للأمة ومعبرٍ عن آلامها وآمالها، وقناة التوصيل بين واقعها وأحلامها الكبيرة، ذلك وقتها بالتأكيد!، فأفرزت سلطة شرعية الأغلبية مالكة الإرادة صانعة التقدم صاحبة السطوة والنفوذ، ولننظر مثلا لسعد زغلول لما تولّى الوزارة والحكم فى يناير سنة 1924 فاستدعاه الملك فؤاد وقال له .. " اننى ارفض تماماً المادة 23 من الدستور لأنى أنا مصدر السلطات، انا الملك من نسل الملوك"، وكانت المادة تنص على أن الامة هى مصدر السلطات، فيهب سعد واقفاً مستندا لجبل الإرادة الشعبية يقول للملك .. "لتقل ماتشاء، ولكنى اقولها لك.. لست انت المسيطر على هذا الدستور، ولكن المسيطر عليه هو الشعب الذى وضع الدستور واراده".
تلك هى شرعية الأغلبية وقتها كما أشرنا، قبل أن تبدأ فى الإنسحاب تدريجياً مهيئةً المناخ الجيد لثورة يوليو 1952 ، التى بررت حركتها بتخلى حزب الأغلبية وقتها، الوفد،عن دوره الطبيعى والتاريخى، وتحوله من حزب الرعاع والبسطاء ومدرسة الوطنية المصرية الأصيلة، الى حزب وجاهة اجتماعية ومأوى لباشاوات ذوى توجهات خاصة وكبار الملاك وبعض أغنياء الحرب، فخرج عن حدود توكيله وعن قضيته المحورية، اعنى الاستقلال الوطنى بكل صوره، لتنتهى فترة حلم الشرعية الدستورية، ولتبدأ شرعية الزعامة او الكاريزما مع تولى جمال عبد الناصر رئاسة الجمهورية الثانية، بعد محمد نجيب، وحتى وفاته 1970.
بدأت مرحلة شرعية الزعيم أو الكاريزما وانتهت، ولازلنا مع رأيى المتواضع، خلال فترة حكم عبد الناصر، وهى ذلك النوع الذى يستند فى استقراره الى تجاوز المحكوم وتغاضيه عن أخطاء الحاكم قناعة بأنه الزعيم الملهم الواحد الأوحد، وبالتالى فكل خطاياه انجازات، وكل قمع يمارسه هو موجه لأعداء الشعب، وكل سلبية إنما فعلتها حاشيته دون علمه، وكل ظلم يقع يجب الصبر عليه استعداداً للمعركة الفاصلة التى لا يعلو عليها أى صوت !
وكعادة أى زعامة مستبدة، بنى ناصر شرعيته على حالة الاستنفار الدائم للقوى الشعبية وخلْق عداءات تدغدغ موروث الخيلاء الفرعونى لدى البسطاء، من عينة "انا مش خرع زى المستر إيدن" يقصد رئيس الوزراء البريطانى انتونى ايدن أثناء حرب 1956، وذلك إما استعداداً لمعركة المصير مع العدو الغاشم الخارجى أو القوى الرجعية الداخلية التى لابد من وجودها أصلاً ليوجد الزعيم نفسه !!! وإما للتفرغ لوهم معارك البناء والتنمية، اضافة الى تركيز الخطاب السياسى على أولويات أهم من المطالبة برفاهيات العدالة والحرية والديمقراطية، والتأكيد على ان الزعيم هو من صنع للشعب كرامته، كما قالها ناصر يوم حادث المنشية الشهير " ... فقد وضعت فيكم العزة، فليقتلونى فقد وضعت فيكم الكرامة، فليقتلونى فقد أنبت فى هذا الوطن الحرية والعزة والكرامة " !!، فالوطن لم تخضَّر أرضه الا تحت حذاء الزعيم، ولم تثمر عزة وكرامة وحرية الا بعد أن غرسها الزعيم ورعاها ! ذلك بين إعلام سام وتغييب متأصل وتأييد غوغائى غير مسبوق، وديماجوجية رهيبة توارى معها كل همس لعقل يدرك بالمقدمات الملموسة ما البلاد مقدمة عليه من نتائج.
ويبدو أن الشعب لم يحتمل ذلك الكم الهائل من الحرية والعزة والكرامة، فكانت سلسلة الهزائم المتتالية بما فيها هزيمة 1967 التى مازلنا نحيا أثارها وتبعاتها حتى اللحظة، والتى ربما كسرت شموخ ناصر داخله، الا انها لم تفقده شرعية الزعامة التى لازلنا نرى تواصلها مع شباب صغار ربما ولد اباؤهم أنفسهم بعد وفاة عبد الناصر ! نجدهم يرفعون صوره اليوم بعد اقتراب النصف قرن على وفاته، فى دعاية كبيرة لم يستغلها الحزب الذى يحمل اسمه وفكره !! وليظل لغز الرضا هو نفسه بين مصر الفرعون ومصر الزعيم !!
وبوفاة عبد الناصر، الزعيم الشعبى غير السياسى حسب رأيى، انتقلت مصر الى جمهوريتها الثالثة باحثة عن شرعية جديدة مع بروز السادات كسياسى محنك مكنته قيادته الحكيمة، فى بداياتها، للتحول من الهزيمة الى نصر اكتوبر المجيد، الذى هو الأول فى تاريخ مصر الحديث، إلا أنها لم تمنحه شرعية الزعامة المتوقعة كاملة، الى جانب افتقاد النظام كله لشرعية الدستور التعددية منذ مجلس قيادة الثورة الى هيئة التحرير الى الاتحاد القومى فالاتحاد الاشتراكى والتنظيم الطليعى، فاصبح الأمر ولا أدوات سياسية تتفق مع الانفتاح على الغرب الديمقراطى يمكنها تحقيق معادلة "رضا المحكوم بقرارات الحاكم" سلمياً، مع احتياج السادات، حسب نصيحة الغرب، لكيان اغلبية يساند توجهه للسلام مع اسرائيل بحث عنه فى محاولته ان يرأس حزب الوفد الجديد فكان قرار تجميد الوفد لنفسه 1978، فلم يكن أمامه إذاً وقد اغلقت المنافذ إلا العودة لإكتساب رضا المحكوم عن طريق الحل الأسهل فى اى زمان ومكان، أعنى شرعية القيم والتقاليد بصورتها السيئة التى ظهرت فى عصور الضعف كما تقدم شرحه، فأطلق السادات على نفسه القاباً شعبية مثل "كبير العائلة المصرية"، أو ألقاباً رسمية مثل "الرئيس المؤمن"، مع محاولات محمومة لخلق صور ذهنية تعبر عن القيادة والهيبة كارتداء الجلباب البلدى، أو الزىّ العسكرى الغريب المزين بوشاح القضاء ونياشين عديدة غير مفهومة ! ذلك، وغيره، للإيحاء بالبعدين القيمى والدينى الذين ترفض الطبيعة النفسية المصرية الخروج عليهما تحت أى مبرر، مع طيف بسيط من تعددية سياسية صورية وليدة غير مؤثرة ضاق بها صدر السادات نفسه !
الا أن واضع ذلك السناريو المختلط لترقيع ثوب الشرعية، لم يفطن للتغير المتسارع فى منظومة القيم الشعبية نتيجة الحراك الإجتماعى الذى خلفته سياسات التأميم والاشتراكية ثم الإنفتاح الإقتصادى، من انقلاب للهرم الإجتماعى وتبديل لسلم الأولويات والإهتمامات والتابوهات القيمية المتوارثة كما يقول استاذنا الدكتور جلال امين فى كتابه القيم "ماذا حدث للمصريين، فكانت النتيجة أشبه بمسرحية هزلية من الكوميديا المأساة لم يجد الشعب مفراً من متابعة فصولها البلهاء التى احتُتِمَت بحادث المنصة المأساوى الذى أنهى عهد الجمهورية الثالثة بصورة غير مسبوقة، لتبدأ جمهورية جديدة باحثة عن شرعية من أى نوع !
بدأت الجمهورية الرابعة، وانتهت، ولا وجود لتعددية دستورية حقيقية ولا كاريزما زعامة ولا اهتمام شعبى بقيم مجتمعية او تقاليد، اللهم نسبياً فيما يخص الدين، فانصرف الناس عن كل عمل عام إلا إذا وسوس فى صدورهم وسواس بالدين وأحكامه.
ولم يكن مبارك بالرجل الذى يجيد التمثيل أو تقمص الأدوار التاريخية الصعبة او إرتداء المسوح الدينية، فبدأ عهده بشرعية من صبر المحكوم وصمته وتفاعله مع الحالة الأمنية المضطربة بعد اغتيال السادات، سرعان ما تحولت الى شرعية الإستبداد المطلق والخوف من الدولة البوليسية ومؤسساتها الأمنية التى أصبحت تتحكم فى أدق خصوصيات المواطن، ولتستمر كذلك، حسب رأيى، حتى 2005 حين بدأ النظام فى تجميل صورته فأخذ باسلوب أشبه بمبدأ " الأوتوقراطية الليبرالية" وهى نظام غير ديموقراطى تتركز فيه السلطة بيد حاكم غير منتخب، أو منتخب بطريقة صورية، لكنها تحترم حريات الشعب وحقوق افراده بنسب تتفاوت من حاكم لاخر وما يسمح به من هامش للتعبير غير الملزم لسياساته، او بمنطق حرية الصراخ ، أو حرية تعبير قد لا تتبعها حرية بعد التعبير، على حد رأيى !
ذلك رغم وهم التعددية السياسية طوال عهد مبارك بوجود أحزاب كثيرة تحولت صغارها الى دكاكين أنشأها النظام نفسه مقابل الإسترزاق السياسى، وفهم كبارها قواعد اللعبة جيداً واستوعبوا دورهم المرسوم كعنصر من عناصر معادلة ماذا يريد النظام لبقائه وما المقابل ؟!
فالنظام لم يكن، وما زال، يريد أكثر من قشرة الغطاء الديموقراطى أمام المجتمع الدولى بإدعاء وجود أحزاب معارضة تؤرق مضجعه فلا يمكنه تمرير ما يشاء ! فحين اتهموا مبارك فى الغرب بديكتاتورية نظامه أجاب " كيف وعندى حزب الوفد اقدم الأحزاب الليبرالية فى المنطقة ؟!" ، وهى حرفياً نفس اجابة مرسى بالمناسبة حين اتهموه بتحويل مصر الى دولة دينية !
بمعنى أن نظام مبارك فى الجمهورية الرابعة زاد فى فساد الحباة السياسية ووضع اللحن والنوتة الموسيقية الدائمة للعبة الكراسى الموسيقية الحزبية، لتبقى الكراسى ثابتة .. الشخوص ثابتة .. اللحن لا يتغير، المتغير الوحيد هو النظام عازف اللحن .. مبارك فطنطاوى فمرسى فمن سيأتى ! وليظل السوس ينخر فى الهيكل الديمقراطى المزعوم، وليتحول الشارع الى تكتلات وحركات سياسية حقيقية غاضبة موجودة وملموسة على الأرض، جميعها خارج الإطار الحزبى المنبطح المستأنس الذى شكل جزءً كبيراً من صناعة نظام مبارك وطواغيته وما جاء بعده، ويعدّ ادواته الآن لصناعة طاغوت جديد !
فكانت النتيجة الحتمية ذهاب مبارك ونظامه الى حيث ألقت، أعنى كما هو متصور ! ليأتى نظام طنطاوى ومجلسه بطريقة غريبة متناقضة بنيت على انتهاك صريح لدستور تكفل مواده الانتقال الحضارى السلمى للسلطة، كما حدث بعد وفاة عبد الناصر والسادات، إلا أن بعضهم أراد أن يتصدر مجلس طنطاوى المشهد دون مبرر معروف للعامة يستدعى ذلك، اللهم، وحسب رأيى الشخصى، الا لتمكين فصيل معين من القفز على السلطة ! فعطل العمل بالدستور وحل البرلمان، رغم ان البيان الأول بعد خلع مبارك تحدث عن الإبقاء على الدستور وتفعيل الأحكام الصادرة لتصحيح اوضاع مجلس الشعب، لنفاجأ بقرار التعطيل والحل بعد قرار الإبقاء بساعات !!! ولتدخل البلاد فى دوامة من الكر والفر وعدم الاستقرار والفوضى الأمنية مازالت ملموسة حتى اللحظة، وليفرز مجلس طنطاوى الجمهورية المصرية الخامسة.
بدأت الجمهورية الخامسة بعد انتخابات فاز فيها التيار السياسى الوحيد المنظم المتواجد فى الشارع بين الناس، اعنى جماعة الإخوان، اتفقنا أو اختلفنا معها، فتوسدت السلطة دون انتباه الى انها فازت بانتخابات الرئاسة بأصوات تفوق كثيراً مجموع عدد أصواتها الحقيقية وأصوات المتعاطفين معها، وبتصويت انتقامى ضد المرشح الآخر الفريق شفيق، وأن هذه الأصوات تمثل وحدها كتلة حرجة سهلة الإنقلاب فى أى لحظة اذا وجدت المبرر، وتمثل كتلة متفجرة اذا اتحدت فى المستقبل مع ما يقترب من نسبة ال 50% التى صوتت لشفيق، لتكون النتيجة ما لا يقل بأية حال عن 75% أو يزيد من مجموع عدد الأصوات التى شاركت فى انتخاب الرئيس وقد عادت ترفضه، وهو ما جرى بالفعل فى 30 يونيو 2013 بعد أن أضاعت الجماعة بغبائها السياسى الفرصة الرائعة التى اتيحت أمامها كاملة لتغيير وجه مصر الى الأفضل، لولا انها آثرت الإنفراد بكل شىء، ومكنت محاسيبها من كل شىء، وطعنت فى كل شىء، واستعدت الجميع مؤسسات وتيارات، لتكون النتيجة ما وصلنا اليه الآن من حال لا تخفى على أحد، ولتأتى جمهوريتنا السادسة، وان كانت مؤقتة، الا انها تستحق ان تحمل تسلسلها فى منظومة الجمهوريات المصرية بكل ما أحاط بها من تفاعلات، خاصة وقد إضطر الجيش للغوص فى أدواتها، ربما خلاف توقعاته وعلى غير رغبته، بعد اكتشافه فجيعة غياب الساسة والسياسة عن الساحة !
ثم نأتى للتطلع الى جمهوريتنا السابعة ومن أين ستستمد شرعيتها ؟ وهو ما يستدعى اعتبار حالة الشارع السياسى المصرى وكيف أصبح خلواً من جميع القوى السياسية دون استثناء ! إذ لا أحزاب بالمعنى السياسى المتعارف عليه، لا وجود لقوى ضغط مستقلة بعد اختراق أغلبها وقصقصة أجنحة بقيتها، لا تيارات أيدولوجية أو فكرية يمكنها إقناع رجل الشارع المتوتر بأداء ما من أى نوع، لا محاولات لإحتواء ذلك الشباب الغاضب المتفجر، لا ملامح لخطة محددة لإصلاح سياسى، لا شىء على الإطلاق يوحى بوضع سياسى أفضل ولو على خطوات أو مراحل تدريجية تستحق الصبر والإنتظار، اللهم رغبة شعبية بعواطف جارفة لصالح المشيرالسيسى لا علاقة لها بالحسابات السياسية، وكأنما كفر الشعب بكل من وما سواه !
إذاً من السخف الحديث عن ديمقراطية أو تعددية أو شرعية دستورية مطلقة منتظرة والحال على فقرها السياسى الملموس، وانما سنظل نغوص ونطفوا فى تفريدات مذهب "الأوتوقراطية الليبرالية" الذى يقرره الزعيم ويراه، كما عرضنا له فى المقال، كأفضل البدائل المتاحة فى ظل رؤية سياسية واحدة فرضها غياب رؤى الآخرين، ووضع اقتصادى غير جيد ووضع اجتماعى وأمنى يحتاج للكثير من الإنضباط، اعنى أفضلها للنظام لا الشعب، النظام الذى يستحيل أن يكون نظاما ومعارضة فى نفس الوقت !
أفاعى الإستفهام كثيرة غامضة، ستتكفل المائة يوم الأولى من حكم الرئيس السابع بالإجابة عنها، وإن كانت المقدمات تؤدى الى نتائج، فإما احتواء للجميع وتدخل حاسم من الدولة لضبط الإيقاع وإنشاء وارساء حياة سياسية تعددية سليمة تفرض تيارات الإصلاح الداخلى فرضا على احزاب مدينة البط، وإما هو المزيد من إحكام السيطرة لمنع ما لن تتحمله أواصر الدولة من جديد ، فالتنظيم السياسى، كما سبق وكتبت، لا يواجه الا بتنظيمات سياسية قوية يحجم بعضها بعضا ان تجاوز أو تمادى أو آلهاه الكرسى الرفيع أو ألهه ! ذلك هو الحل الوحيد، وذلك هو ما تفتقده مصر، وإلا فهو النموذج المُرضِى لقوى الشر المتربص من كل مكان .. يومان شبه ديمقراطية ويوم للجماعات المتطرفة ويومان للفوضى ويومان للجيش ثم يومان لشبه الديمقراطية ويوم للجماعات المتطرفة ويومان للفوضى ويومان للجيش، ثم ... واللهم لطفك.
ضمير مستتر!
يقول تعالى : (الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ) الحج 41.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.