نتحمل المسؤلية كاملة مع حكومة الثورة    بعد دورة من العنف.. مدينة الجنينة تتحول إلى معسكر كبير بدارفور    بنك أمدرمان الوطني يطلق النسخة المطورة من تطبيق أوكاش    وزير الري الإثيوبي: انتهينا من المخارج السفلية لسد النهضة    إسبانيا تؤكد رغبتها في زيادة حجم التبادل التجاري مع السودان    بنك السودان يعلن السعر التأشيري للدولار الأمريكي ليوم الخميس 22 أبريل 2021    وفاة مرضى كورونا بمركز عزل بسبب إهمال الاطباء    منها تراجع الذاكرة.. أعراض خطيرة لنقص فيتامين B12 عليك الحذر منها    مسؤول: بايدن يستعد لإعلان وصول الولايات المتحدة لهدف 200 مليون جرعة لقاح مضاد لكورونا    المريخ يغادر إلى القاهرة نهاية الشهر الحالي    رئيس الإتحاد المحلي للكرة الطائرة بنيالا يشيد بدور الفرقة(16)في الجانب الرياضي    حركة/جيش تحرير السودان تعزى في وفاة ادريس ديبي    بيان من لجنة تطبيع النادي الأهلي مدني حول اللاعب عباس الشاذلي    السعودية.. إغلاق 23 مسجداً مؤقتاً في مناطق متفرقة من المملكة    إصابة نجم ريال مدريد بفيروس كورونا    بوتين: سنرد بحزم على أي استفزازات تهدد أمننا    سهير عبد الرحيم تكتب: 1400 جثة    رئيس الوزراء يصل عطبرة وسط احتجاجات للجان المقاومة    ورشة الأطر القانونية تشيد بجهود مصرف الادخار    مباحث شرطة ولاية الخرطوم تضبط شبكة لسرقة المركبات والدراجات النارية    فرنسا: مؤتمر باريس لدعم جهود إعفاء ديون السودان الخارجية    السعودية تدعو إيران مجددا للإنخراط في المفاوضات وتفادي التصعيد    تذمر وغضب المواطنين لعودة قطوعات الكهرباء    دابة الأرض    السودان: القوات المسلّحة قادرة على حماية كلّ شبرٍ من الأراضي المحرّرة    عودة تداول أسهم (سوداتل) بسوق أبوظبي للأوراق المالية    أبريل شهر التوعية بالتوحد (كلموهم عني انا طفل التوحد)    ورشة لشركاء السلام حول القانون الدولى الإنسانى لتعزيز حقوق الإنسان    نادي امدرماني يشطب(10) لاعبين دفعة واحدة    إدانة الشرطي شاوفن بكل التهم المتعلقة بمقتل جورج فلويد    ضياء الدين بلال: كَشْف حَال…!    هاني عابدين يواصل سلسلة حفلاته الرمضانية    الفنان عصام محمد نور ل(كوكتيل): أنا فاشل جداً في المطبخ.. ورمضان فرصة لكسب الأجر    مجزرة 8 رمضان .. بقلم: أمل أحمد تبيدي    محاكمة مدبري انقلاب 89م .. أسرار تنشر لأول مرة    كورونا في رمضانها الثاني على التوالي: فيروس يغيّر موازين الدنيا .. بقلم: د. محمد بدوي مصطفى    وفاة الدكتور الشاعر علي الكوباني    وزير الصناعة : توقعت إلغاء المالية للكثير من الرسوم بسبب كورونا    "سبورتاق" ينفرد بتفاصيل اجتماع "الفيفا" و"شداد"    هدى عربي .. سوبر ستار    وفاة استشاري الطبّ الشرعي والعدلي علي الكوباني    إسماعيل حسب الدائم يقدم المدائح عقب الإفطار    السوداني: مدير الطبّ العدلي: دفن 10 من الجثث المتحلّلة اليوم    واتساب "الوردي".. تحذير من الوقوع في فخ القراصنة    الموت يغيب الشاعر د. علي الكوباني    السودان.."9″ ولايات تتسلّم لقاح تطعيم"كورونا"    صور دعاء 10 رمضان 2021 | صور دعاء اليوم العاشر من شهر رمضان الكريم    الجبهة الوطنية العريضة تطالب بالتحقيق في قضية الجثث المجهولة    لجان المقاومة تتمسك بالتصعيد حتى حل مشكلة الجثث    مقتل جورج فلويد: إدانة الشرطي السابق ديريك شوفين في القضية    بالفيديو: جامع زوجته ولم يغتسل إلا بعد الفجر فما حكم صيامه؟.. أمين الفتوى يجيب    احذر .. لهذه الأسباب لا يجب النوم بعد السحور مباشرة    تجميد مشروع دوري السوبر الأوروبي (بي إن سبورتس)    شاهد بالفيديو.. الفنان محمد بشير (الدولي) يعيش حالة من الرعب والذعر بعد تورطه في قتل مرافقة له بالقاهرة    المريخ يُسجل هداف دوري الأولى العاصمي (الحلنقي)    صور دعاء 9 رمضان 2021 دعاء اليوم التاسع من رمضان الكريم مكتوب    صور دعاء اليوم 8 رمضان 2021 | دعاء اللهم ارزقني فيه رحمة الايتام    إذا زاد الإمام ركعة ماذا يفعل المأموم؟    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





21 أكتوبر .. بقلم: د. احمد محمد البدوي
نشر في سودانيل يوم 20 - 10 - 2014


[email protected]
(هذا النص يتلافى غلطات عرت النص الأول مع جزيل الشكر والامتنان للفاضل د. محمد جعفر الصادق) ( في حزته عبارة عامية موغلة في فصاحتها وواردة بنصها ومعناها السوداني في المعجم)
مدخل
هذه الدراسة ستظهر في كتيب وستشتمل على ملحق يتضمن بعض قصيد أكتوبر:
ملحمة هاشم وصبح وردي الفيتورية وشهر عشرة فضل الله الأمينية وكذلك متاريس أستاذنا الفاضل مبارك حسن الخليفة الأمينية والمنسدلة الوردية قصيدة صاحبنا محمد المكي بلدينا والكابلية قصيدة عبد المجيد الحاج التي هبت في جنح الدجى
وذلك بعد الحصول على موافقة الشعراء أو مَن ينوب عنهم في حالة الكابلية
وهذا استئذان مرفوع إليهم ولكنه سيقترن باستئذان مقدم مباشرة إليهم.
قصيد أكتوبر 1964
د. أحمد محمد البدوي
أكتوبر السودانية 1964، واقعة تاريخية جرت في مدى منعرج، ربما كان علوا ناهضا يصعد إلى مراقي الجبال، وربما كان هبوطا منحدرا من صبب،يُهرع إلى واد منخفض الكينونة غير ممرّع، ولا ينطوي رصيده على قطرة ماء، ربما عناه المتنبي بقوله: وثبن الجبال، وخضن البحار.
إنها اهتياجة نسخت الديكتاتورية المتغطرسة التي ترتدي سلطتها الطيا لس العسكرية المكشرة الأنياب، وآتت ظافرة بآية النهار: ديمقراطية وحرية تعبير وتظاهر، ومدارج من الفوضى الخفية والمعلنة، المنمة والعفوية الاعتباطية.
د. عبد القادر محمود أستاذ الفلسفة الإسلامية، في جامعة القاهرة جاء إلى السودان لأول مرة في حياته، محاضرا في الجامعة. وبعد أيام من وصوله قادما من القاهرة، إن لم تكن ساعات، جرت وقائع أكتوبر،
أي أنه شهد المناسبة التاريخية في حزتها لحظة انفجارها، على المكان، حين جاءها المخاض ، فأوت إلى الجامعة، فخرجت الشوارع بالمظاهرات المتكدسة، الملتهبة بشعاراتها الرافضة، زئيرا بالوعيد وشررا يقدح في العيون، وبتطلع إلى المجهول.
يقول عبد القادر:
سمعتُ القوم في الشوارع يرددون هُتافا بينا سمعته:
* روح أكتوبر لن تَموت!
فعلمت أن هذا شعب صوفي قح! متمكنة الصوفية من نفسه.
ولهذا يقول حفزني ما سمعتُ فعكفت على إعداد هذا الكتاب عن الصوفية في السودان.
يريد أن يدرس تركيب هذا الشعب من حيث التكوين الديني المحض الذي بلغ حد البروز في مظاهرة معادية للحكومة العسكرية الديكتاتورية، ولكن المفارقة التي لم يعرض لها أنها تطالب بحقوق مدنية دنيوية أو قل متماهية مع النَفس العلماني : الدنيوي.
ومن الممكن أن نتفق على تقبل هذا المفهوم، إذا تسنى لنا تخريجه وفق ثصور يرى أن الصوفية ذات دلالة رمزية- مجازية هنا، بحيث تغدو الصوفية مصطلحا شفافا يدل على نزعة شعرية خاصة وملتهبة ، وبين الصوفية والشاعرية منطقة تداخل وامتزاج، تصل حد الاتحاد بالحلول أو الحلول بالاتحاد. وليست النزعة الشعرية المميزة لأهل السودان، وقفا على الشعراء، وإنما هي طبيعة فطروا عليها، وسمت مغروس في مكامن جيناتهم.
كثير من سلوك القوم وأقوالهم، يخرج من خانة الانفعال الشعري، أكثر من أن يلتزم الخضوع لأقانيم العقلانية الباردة، بمعنى غلبة الوجدانية وتألقها في معارج حياتهم.
وفق هذا المجتلى، يغدو أكتوبر نفسه نوعا من القصيد الشعري العظيم، وسيغدو الشعر الذي يستجيب لوقع الهبة عليه،بمثابة شعر متولد من شعر. مثل وصف أبي نواس للخمر، في حالة التذوق المطلق : تولُد أضواء من أضواء.
من قبل المعركة في أيام أكتوبر التي تغلب فيها فيضان الشارع على حصون مدججة بالمدافع، بدا الشعر في بداية الأمر، أول أيام انقلاب نوفمبر 1958، يسفر عن مناوأة، أشهرها: قصبدة شاكر مرسال تلك الرائجة:
وُلدت سفاحا فما أنت حر فواجه مصيرك أو فانتحر
وقد يعمد الشعر إلى التلفع بالتعمية في المناوأة، مثل قصيدة محمد المكي إبراهيم، أيام قضية لوممبا، مرددا فيها: حكومة البلجيك حكومة البلجيك.
وسيرت الندوة الأدبية – وهي جمعية أدبية- يومئذ مظاهرة متضامنة مع لوممبا في ميدان الأمم المتحدة بالخرطوم، من بضعة أفراد، انهالت فيها الشرطة معتدية بالضرب على المتظاهرين، وعلى راسهم عبد الله الشيخ البشير، ولم تمتد يد الرحمة إلى رئيس الندوة نفسه: عبد الله حامد الأمين، لزيم كرسيه المتحرك، ولم يُعف من العنف والمدافعة. ولتكتمل ألوان المشهد، فمن الأناشيد الممجدة للحكومة الدكتاتورية التي كنستها أكتوبر: نصوص ذات حظ من الجمال، مثل "بلبل طار وغنى، يحكي للعالم عنا" وملحمة إسماعيل حسن:
صحا العملاق من رقدته وتمطّى في البوادي وزأر.
مما يتصل بقدرة الشعر على أن يظهر هو بجمال الفن، في موقف لا يخلو من قبح، ربما لدى أغلبية أو هو موضع إجماع.
الغالب على شعر أكتوبر أنه منشور مقروء في الصحف أولا، ولكن الرائج منه هو شعر مُغنّى شعر التحم باللحن والموسيقى.!
أول الشعر المغنى المموسق قصيدة الفيتوري التي أداها محمد وردي في أول الأيام، ودماء الشهداء لما يجف نجيعها بعد، وصدى الهتاف مايزال أخضر ريان وصادحا في الآفاق، ولم ينحسر من الملموس إلى أغوار الذاكرة، وهي قصيدة منشورة في ديوان الفيتوري الأول: اغاني أفريقيا الصادر عام 1956، كشط وردي كلمة :يا أفريقيا فصارت في مكانها كلمة: ياسوداننا وليس من فرق حتمي بينهما، وانسحب مؤدى القصيدة من تاريخ سابق إلى الارتباط العضوي، بمناسبة تاريخية لاحقة، ومثلما يجيز الشعر لنفسه أن يحول الأشياء إلى دلالة رمزية مفارقة لدلالة الأشياء الحقيقية، فكذلك يمكن أن يحول الشعر نفسه من دلالته الأولى الملتصقة بمشيمته، إلى دلالة رمزية على شيئ آخر مختلف، لم يكن في الحسبان.
وفي بلد آخر، وبعد أكثر من ربع قرن، ارتبطت القصيدة بلحنها وبوردي منشدها، بمناسبة إطلاق العقيد القذافي سراح كل المعتقلين السياسيين، إلى درجة أن المناسبة التاريخية، سميت " أصبح الصبح" وماتزال هذه القصيدة من بين رتل من قصيد معروف، يؤدي بثها إلى استحضار أجواء أكتوبر وخاصة في شعور المعاصرين للحدث.!:
أصبح الصبح
تبدأ الأنشودة بالصبح، ويبدو السجن مرتبطا بالليل فبدت رامزة بالحذف، ولم يخبرنا بمآل الحزن ولكننا بالبداهة نعرف أن الليل الموحش الباطش انصرم. في معية البطولة والتضحية والاعتزار بالوطن ' وتأتي الأبيات من بحر الرمل: فاعلاتن فاعلاتن: متراقصة في لحن يبعث الابتهاج في النفوس, ووردي معلم وموسيقار، ومن قابلية النشيد للأداء الجماعي يدخل جو المدرسة والعرفان الصوفي الجماعي.
وتنهال الأناشيد الوجدانية من وردي مدرارة متنوعة وحافلة، وفي علو دائما، بالفصحى والعامية.
ثم ياتي أداء وردي لقصيدة محمد المكي إبراهيم الذي أفرد قدرا حميما من شعره لأكتوبر، في حزًتها، في أوانها وهي حارة، وتلك سمة كل الشعر الأكتوبري: استجابة منفعلة بالحدث الغلآّب.
وعندئذ التقت قمتان: قمة في القصيد الأكتوبري الفصيح، وقمة موازنة في اللحن المترنّم.
باسمك الأخضر ياأكتوبر الأرض تغني
الحقول اشتعلت قمحا ووعدا وتمني
الإيقاع مرة أخرى من بحر الرمل الراقص، سبق أن غنى من قصيده:
لم يكن إلا لقاء وافترقنا
كالفراشات على نار الهوى جئنا إليها وافترقنا،
وغنى الكابلي: يا ضنين الوعد أهديتك حبّي، من فؤاد يبعث الألحان، شلالا نديّا
والتاج مصطفى من شعر التجاني:أيها النائم في مهد أغانيً ولحني.
تعتمد القصيدة على ثلاثة أصوات، ما نسميه في العربية: الالتفات، متجانسة مع معمار النص الصوت الأول: خطاب موجه إلى ضمير المخاطب: أنتَ، وهو أكتوبر. وهو الحاضر.
الصوت الثاني: ضمير الغائب: هو، الماضي المجيد: وهو الأمس.
الصوت الثالث: نحن،وهذا ضمير يكثر وروده في قصائد الشاعر : الأكتوبرية، ويتصل بالمستقبل.
ففي المخاطب يروي أصداء ماحدث مما هوماثل الآن.
وفي الماضي، نشهد كمون الحدث في رحم الغيب، يتحدر إلينا من أبهاء التاريخ.
وفي ضمير المتكلم، ربما مناجاة نفس، هو تناول شعري للأمل، الأمل في المستقبل، إنه باختصار الحلم، وكل القصيدة حلم، والضمائر في كل قسم تتمازج وتتداخل، ولكن الحلم هنا أبهى وأزهى.
ولقد وقع على صميم الحق، د. عبده بدوي حين وصف القصيدة بقوله: " سوف تظل هذه القصيدة الرحبة ذات النفس الملحمي درة في هذا التيار الأكتوبري" ( الشعر في السودان، عالم الكتب، الكويت،1982، ص 248.)
وفي رمزية القصيدة نضيف هنا مثول الصبح (أطل) والسجن وعملية التحول المذهلة، بصيرورة القيود جدائل عرس ، استخدم هذا الاشتقاق العجيب: انسدلت: الكلمة وحدها في مكانها وموسيقاها ذات شنة ورنة ووقع عجيب، وذلك منحى صوفي فيه مذاق الكرامات، بتحول الشيء إلى ضده، وبروز رمزية الخضرة والماء،وأن المستقبل من جنس أكتوبر الأخضر، الصخر فيه يغدو خضرة!
ويبدو لي والله أعلم أن أناشيد أكتوبر، وعلى رأسها هذه القصيدة أداء وشعرا هي امتداد لأناشيد السودان أيام الحركة الوطنية ضد الاستعمار، ممثلة في : صه ياكنار، رائعة محمود أبو بكر، التي أبرزها ملحنة مموسقة إسماعيل عبد المعين، ونصها حافل بالأمل في غناء وجداني، وهي خرجت من جلباب الأناشيد العرفانية الصوفية التي تضمنت معنى الحماسة والفروسية.
الآن قبل أن نبارح هذه القصيدة نشير إلى أنها من بحر الرمل متجانسة مع ما ذكرنا من رصيفاتها. تأتي الأغنية في العامية السودانية، بمحمد الأمين في مستهل الطريق في العاصمة وهو يمشي برزانة ومسؤولية، فمن سماء أكتوبر الشتائية يسطع مع دوي انفجار قوي، يتآزر مع محمد وردي بالنشيد في أعلى مراقيه، ولعل محمد الأمين بلغ ذيوع الصيت وصار موضع إحماع، في نيل التقدير والمكانة، يوم تغنى لأكتوبر. وجاء نشيده متلبسا بموسيقى موازية مستنهضا للهمم. تلك ميزة محمد الأمين وموضع تألقه وتفرده، ويدل منحاه على أنه كان ما يزال يعيش جو الطلاب بالوجدان.
قدم نشيدا من الشعر الفصيح، ولكن قصيدة العامية السودانية' هي مجلى تفننه ومأثرته الكبرى.
ظهر مرتبطا اسما وموطنا بشاعر، كان ما يزال طالبا بجامعة الخرطوم وشهد الثورة شهود المشلرك الشاهد، وهو مع شاعره فضل الله محمد قدما من مدينة إقليمية واحدة: مدني، وظهرا متعاونين معا في النشيد والأغنية. عبر هذا الثنائي عن طور من الحداثة ممثلة في الحساسية الجديدة: أغنية عن البنت غير المكترثة بالآخر وهي عاكفة على قراءة جريدة أو تحاول أن تبدو كذلك.
منطلق نشيد الثنائي قومي الروح، ويمارس أداء رسالة سامية، بترسيخ القيم من معاني الحقوق باكثر من مجرد الفرح بالحدث والتهليل:
مبدأ الحريّه أوّل
لا بيحوّل لا بيؤول
والسلام سكة حياتنا مهما وقت السكه طوّل
ينطوي على ما يجب أن يكون أسّا في بناء المجتمع. من أعظم ما قيل من الكلم الشعري الجدير بالخلود. حتى في العامية ، يبدو إيقاع هذا الشعرمن بحر الرمل!
وأتى هاشم صديق بالملحمة مثل عصا موسى تحتل الصدارة ولكنها لاتنسخ غيرها وإنما تتوجه، وتبدو متأزرة ومكملة له ومتجاوزة من حيث التناول، سعت إلى تجاوز الحدث المفرد على عظمته، لتتغنى غناء مطلقا ومساويا للطغيان، تروي ماكان، وتأمل مبشرة بما ينبغي ان يكون، وهنا صارت رفضا للطغيان، والظلم الباغي، فصارت هذه القصيدة مرفوضة وشاعرها من كل طاغية أتى من بعد أكتوبر.
تبدأ بالصبح " لما الليل الظالم طوّل، فجر النور من عينا تحوّل، كنا نعيد الماضي الأول" وفي مقطعها الأخير: "ولما يهل في فجرنا ظالم، نحمي شعار الثورة نقاوم". وهي هنا متوائمة مع السمت الذي رأيناه عند مكي: ماكان: الحدث، واستجلاب مآثر الماضي، والمستقبل، وهو هنا:
التصدي لأي ظلم قادم، في مكان التفاؤل الأخضر عند مكي.
وأخرجها محمد الأمين درّة في أداء جماعي متنوع، خرجت بالنشيد من الأغنية النحيلة كالقصة القصيرة إلى أفق الغناء المركب، الملحمة التي تتخذ سمت الرواية.
وصارت ضميرا للثورة، قادرة على استجلاب أجوائها في النفوس، وتحريكها أو بث الأريحية في حناياها.
الشعرالفصيح ولج باب الغناء منه نشيد الكابلي الذي كتبه عبد المجيد حاج الأمين:
هبَّت الخرطوم في جنح الدجى ضمّدتْ بالعزم هاتيك الجراح
ونشيد زيدان من شعر محي الدين فارس:
مرحبا أكتوبر الأخضر مرحى قد ترقًبناك أعواما طوالا
حيث الدجى الذي يأتي بعده الصبح في الأولى وأرتباط أكتوبر بالخضرة.
وكلا النشيدين من بحر الرمل.وهناك أشعار شتى من إبداع المجيدين والمجودين مثل: جيلي وشابو وتاج والمجذوب ، ومن بينهم أحمد محمد صالح في قصيدته : منها:
صاح فينا فأيقظ الراقدينا دمُ حرٍّ أثار داء دفينا
أشعل النار في الضلوع وأحيا أملا ضائعا وهاج شجونا
ما سكتنا عن ذلة وخنوع نحن نأبى لظالم أن نلينا
وهنا نبراته الشعرية الرصينة المألوفة التي تجرّد الأمر الخاص من أسره المحدود، ثم يقول عن الطغاة المزاحين عن عرشهم:
غصبوا الحكم واستباحوا حماه واستساغوا الحياة خصبا ولينا
لم يراعوا حقوق شعب أبيٍّ حارب الظلم والظلام سنينا
وحين نتذكر أن الحكم العسكري المُزال، اغتصب الحكم بالدبابة من حكم وطني ديمقراطي، وأن الشاعر كان يومئذ عضوا في مجلس السيادة : مجلس رأس الدولة الذي يضم أربعة آخرين:
الدرديري محمد عثمان وأحمد محمد يسن وعبد الفتاح المغربي وسرسيو إيرو، أي كان الشاعر يومئذ رئيس الجمهورية، أي نُزع منه الحكم عنوة وحيل بينه وبين ممارسة العمل الوطني وحُرم من حق مشروع، وصودرصوته،عندئذ نعرف أن الشاعر يصدر عن تجربته الخاصة فيصف ولغ الطغاة المبعدين في الفساد وفي ضوء هذا نفهم البيتين الأولين أن الشاعر يعني نفسه، ويفيد من تجربته التي تمثل تجربة المجتمع كله.
ومن بين قصائد هذا الجانب تصلح قصيدة عبد الله الشيخ البشير نموذجا للطبقة الأولى من عيون شعر أكتوبر.
كان الشاعر يعمل مدرسا للغة العربية بمدرسة خورطقت الثانوية (الأبيض) عدما جرت وقائع أكتوبر،ونشرت القصيدة في الجريدة الإقليمية: كردفان ، الصادرة يوم 12/11/1964، ص: 4، ومابين شبوب الثورة وانتصارها، من 22/10/ إلى26/ 10/ ومابين تبييض القصيدة وتسليمها إلى مكتب الجريدة في الأبيض لنشرها نحو يوم 8/11/، عندئذ يتمثل أمامنا تاريخ نظم القصيدة، في الأيام التي ترد بين الموقفين، وهي فترة قصيرة وإن اتسعت لتشمل كل الأيام العشرين الممتدة من قيام الثورة حتى نشر القصيدة، فالاستجابة في كل الأحوال سريعة ، والمدى الزمني قصير، مما يشي بأن يد التنقيح والمعاودة والصقل لم تمارس وظيفتها إلا بمقدار قليل، لأن " التحكيك" لا يتم إلا في فترة زمانية طويلة نسبيا، تمكن المعاودة من الصقل والتقليب والتفنن.
فالقصيدة، وفق هذا التصور، تحمل في تركيبها قدرا كبيرا من العفوية والتلقائية ومما ورد على الشاعر "الصوفي" من إلهام، والشاعر يمارس نظم الشعر مستعينا بالكتابة، ولكنه يحمع إلى ذلك ممارسة النظم الشفوي أيضا، بأن ترد الأبيات أو الجمل الشعرية إلهاما على الخاطرأو/ و يديرها وكأنه يحركها بلسانه قبل أن يسلمها للورق بالقلم مكتوبة. ففي القصيدة بقايا من جو الحدث ، لم يحن وقت تجاوزها بعد، وهو يتأتّى بتوالي الأيام، حتى تنتصب مسافة بين الحدث والنفس، أثار متبقية من الأريحية التي حركت نفس الشاعر أو حركة المجتمع من حوله، فكان الشعر استجابة مباشرة: اهتزاز الأريحية.
وليس لدى الشاعر نسخة من قصيدته هذه،وقت أن سألته عنها، بل قال لي هل معك شيئ منها، وهو يحفظ كثيرا من شعره' ولكنه قد يحمل في جيبه نسخا مخطوطة قصائده الجديدة، وقد يعروها التمزق والاهتراء.
هذه القصيدة من شعره الضائع ، فلم أرها بين شعره المتداول الذي أعيد نشر كثير منه على نحو أوآخر, الفصيدة من بحرالرمل! وهي عمودية قافيتها، همزة ساكنة. والتسكين يجانس الغناء ويناسبه.
وهي قصيدة طويلة يمكن أن نسميها ملحمة، فهي حقا ملحمة موازية للملحمةالتي صنعها هاشم صديق بعامية المدينة السودانية ،وانتزعت لنفسها سيرورة حافلة.
هي من القصائد البواكير لكنها تحمل في معمارها الميسم الذي ميز شعر أكتوبر: إعادة إنتاج الحدث، الاعتزاز بما جرى في ضوء المجد التليد، ما ينبغي أن يكون.
إنها قصيدة خصبة وحافلة، نؤثر أن ننشرها هنا كاملة،وكفى، وصدق من قا ل إن أفضل شرح للسيمفونية هو إعادة عزفها.
ومما يكمل البحث في قصيد أكتوبر أن نذكر هنا أمرين على الهامش:
أعاد الشاعرالمهندس إبراهيم عمر الأمين، نشر قصيدة سبق أن نشرها قبل أكثر من خمس عشرة سنة في مجلة سودانية، بعد أن أضاف إليها وعدل وأثبت ما أثبت، على أساس أنها أكتوبرية، وهو منحى من حق الشاعر أن يختاره. مطلعها:
يا طالب المجد لا تستكثر الثمنا
وكان في الأولى قال: من يطلب المجد الخ
الأمر الثاني: ذات ليلة قيل في الإذاعة إن قوى معادية لأكتوبر تناصرت وزحفت مدججة لإعادة سلطة القهر والفاسدين، فاحتشد الناس حتى الصباح جحافل في الشارع والميادين، وباسم التضحية من أجل الحيلولة دون الانتكاسة رقد بعض أصحاب العزم على الطرقات الرئيسة، أن تتوقف القوى القادمة أو تمر على أجسادهم.! وأقام الناس المتاريس بالسيارات وعربات القطار دحرجوها إلى الطرقات فأوصدوها وبالأجساد أيضا.! ولذا عرفت بليلة المتاريس.
واتضح أخيرا أن الأمر وهم وأكذوبة محضة، أثبت مرالأيام أنها أمر مدلّس.
ولكن هذه الواقعة ألهمت الشاعر مبارك حسن الخليفة قصيدة: أنشودة، أداها محمد الأمين، ولم يبق من الحادثة التاريخية غير هذه القصيدة المغناة:
المتاربس التي شيَّدتْها في ليالي الثورة هاتيك الجموع
وبنتها من قلوب
وضلوع
المتاريس أغاني الشهداء
المتاريس حُداء الكادحين المتاريس حلم لصغار يلثغون
وهذا يطرح قضية مهمة عن الحدث التاريخي المزيف أو الأكذوبة الناشز، يلد فنا راقيا. أن يخرج الحي الرائق ذو الطلاوة من السوء الميت التافه.
القصيدة من حيث الإيقاع جارية على نهج أكتوبرمن بحر الرمل.
أنجز شعر أكتوبر كتيرون ينتمون إلى كل المشارب، ولكن يبرز من بينهم الطلاب: محمد المكي وفضل الله، وهم من المشاركين في صنع الحدث نفسه في الشارع، ومنهم معلمون مثل: عبد الله الشيخ البشير، ومحي الدين فارس.
الاتفاق على بحر الرمل أمر عفوي، ومثله معمار القصيدة الأكتوبرية الثلاثي المقامات.
أما الفجر الذي تمثل في ذلك الشعر بدءا من أصبح الصبح، إلى هاشم صديق وعبد المجيد حاج الأمين في أنشودة الكابلي الخ فذلك أثرالتجاني يوسف بشير في إشراقة وهو رمز أساسي في شعره ويرتبط دائما بالوعي والأمل والمعرفة ارتباط الظلام بالقهر والألم وسوء الحال. والإشراق كلمة ومعنى وارد نصا في القرآن الكريم فألق التجاني المؤثر من نفح القرآن.
والصبح ميزته النور: الإشراق، وذلك من أسس الصوفية في السودان.
وفي ذلك الشعر رناتٌ من التجاني ولا سيما عبد الله الشيخ البشير فهو أكثر الناس إلماما بروح التجاني، وأول الشعراء صدوراً وجدانيا غن منحاه ومعجمه.
نص فصيدة عبد الله الشيخ البشير
صيحة الشعب البطل ضد الظلم المسلح
في صميم الليل دوّتْ في الفضاءْ ثورة عظمى تحدّتْ بالدماءْ
خاضَ لُجَيَها شبابٌ "باسلٌ" مُستثارٌ ' ظهرُه بالظلم ناء
أضرموا تنُّورها فاندلعتْ صيحةُ الشعب إذا ما قال: لاء
من دم القُرشي من أصحابه من عذابات الغيا رى السجناء
من دِما كلّ شهيدٍ زانه شارةٌ المجد وسيماء الإباء
مات مخضوبا دما،ياطِيبَه قانيا كالسيف مخضوبَ الرواء
صالَ حيّا واستوت في نعشه راية الأفق حمراء الرداء
من شبابٍ صعِدتْ أرواحُهم "ليلة المولد" نشوى للسماء
كلهم ثاروا وفاءً للعلا مرحبا بالثائرين الأوفياء
(10) همْ ضمير الشعب في عليائه وهمُ الفادون إن حان الفداء
(11) غُرس السودان في أعماقهم وفنَوا فيه هُياما وولاء
******************
(12) قل لمغرورينَ باتوا هُجّعَا في وَثيرٍ ناعمٍ جمِّ البَهاء
(13) في قصورٍ زُيِّنتْ أبهاؤها من حقوق الجائعين البؤساء
(14) قل لهم قد سكرتْ أبصارُكمْ فاستفيقوا، أين لا أين النجاء
(15) إن تكن قد سمنتْ أوداجكم وطغيتمْ تذهبون الخيلاء
(16) إن يكن ذا الليل غطَّى أعينا عن مخازيكمْ فللَّيْل انتهاء
(17) نحن قد ثرنا فلا منجى لكم وإذا ثُرنا فقد ثارالقضاء
(18) ما فعلتم بعدَ ما دانتْ لكم ستَّ سنواتٍ بها الريح رخاء
(20) ست سنوات رجونا خيرها جوعا ما أثمرتْ غير الشقاء
(20) ستُّ سنوات تباعا إنها ستّ رجعات تباعا للوراء
(21) ملَّت الأعينُ مرأى سمِجاً ملّت الآذانُ أقوالا هُراء
(22) ملَّت الأخلاقُ أسراراً فشتْ لستُ أحكيها ففي شذْقيَ ماء
***********
(23) جَمعوا أعوانَكم واصطنعوا خائري العزم وأحلاس الرياء
(24) أكرموا من شئتمْ من دمنا واملؤوا السجن بقوم أبرياء
(25) اغلقوا الأبواب في أوجهنا أطلقوا النار صباحا ومساء
(26) لن تَرُدّوا ثورةً عارمةً نحن خضناها ونحن الأقوياء
(27) نحن أُلنا شعلة ضاءتْ هنا في دياجي الغاب في أفريقياء
(28) نحن وشينا رُباها بالقنا ونفحناها غبير الشهداء
(29) وحثثناها فمجَّتْ علقماً وخضبنا يوم شيكان اللواء
*********
(30) النفير الحقُّ نادى فاسمعوا كيف دوّى في الأقاليم النداء
(31) أرايتَ النيل في غضبته هائج اللجة يرمي بالفناء
(32) والبراكين نشطتْ لهباً والرعود الهوج ضجّتْ بالرُّغاء
(33) أرأيتَ الصرصر العاتي وقد لفّ قلبه آماد القضاء
(34) ذاك أدنى ثورةً من هَبّةٍ هبّها الشعبُ غداةَ الاعتداء
(35) قد رأتْ عينايَ أسمى ما يُرَى وانتشت أذْنايَ من أحلى غناء
(36) موكبُ حرٍّ تلاه موكبٌ وحُداءٌ ثائرٌ يقفو حداء
(37) وضحايا ضُمختْ أثوابُها وصبايا ورجال ونساء
(38) وصغار دُردقٌ شاهدتهم لُثغا ضجوا هتافا لا بكاء
(39) وجراحاتٌ جرتْ ملحمةً لم يُداعبْها خيال الشعراء
(40) مشهدٌ ينداح في أقصى مدى ورؤى تنساح في النفس انتشاء
(41) هكذا شعبي فيا شمس اصنعي تاجه من ذائب في الأفق ضاء
(42) وانسجي منه وشاحاً أخضراً طُرِزَتْ ديباجتاهُ بالضياء
(43) قلّديه البدر في ريعانه وامنحيه الفجر موّارالسناء
(44) توّجي يا شمس شعبا بطلا عاف أن يرتدَّ خوفا للوراء
(46) امض ياشعب فآما د العلا بين مرهوبين بذل وعطاء
ا(47) امض ياشعبُ فمن حول الحمى تسهرالأفعى بنابٍ من دهاء
(48) ولها في غير وجهٍ نَفَقٌ ولها في غير وجه نافقاء
(49) لستَ بعد اليوم إلا مارداً هائلَ القبضة جبّار الذكاء
(50) يٌرسلُ الغَضبةَ من نظرته فإذا الظلم ركامٌ فهباء


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.