الصادق المهدي يدعو الحكومة السودانية لتهيئة أجواء الحوار    البشير: السودان يقدم أنموذج الإسلام الوسطي المعتدل    الجزيرة تكشف عن دخول شركات صينية للإستثمار في زراعة القطن    تهدئة غزة تطيح بليبرمان.. استقالة وزير الدفاع الإسرائيلي    يُعرض للإجازة اليوم قانون الانتخابات.. السيناريوهات المتوقعة    البشير يوجه بجمع الصف وتوحيد الجبهة الداخلية    الحكومة تقدم رؤيتها بشأن إصلاح وهيكلة الاتحاد الإفريقي    "المركزي": تفاهمات لاستعادة المعاملات مع البنوك الخارجية    رئيس الوزراء يكشف عن ثلاث جلسات بمجلس الوزراء لمناقشة ثلاث قضايا    (400) لاجئ إثيوبي يصلون البلاد هرباً من اشتباكات قبلية    إتهام ضابط وزوجته بتهمة الاتجار بالمخدرات    أفرادها مبعدون من السعودية! شبكة منظمة لبيع سيارات الليموزين بالتزوير.. كيف وقعت في قبضة الشرطة؟    الهلال يخطط لمواجهة الاشانتي وكمبالا تاهباً للزنزباري    مجلس المريخ يدين الاعتداء على قريش وينفي صرف نثريات دولارية في الامارات    الأمن السوداني يكمل شطب كافة البلاغات المفتوحة في قضايا النشر    النيابة العامة السعودية تقول إنها تطلب الإعدام لمن أمروا وشاركوا في عملية قتل جمال خاشقجي    خلاف المطربة ...!    معالجة (261) من حفريات كسور المياه بمحليات الولاية    المريخ يعود للتدريبات ويفتح ملف مواجهة الاتحاد    مسؤول (السيستم) المُقال يتلكأ في تسليم (الباس ويرد)    الجالية السودانية تكرم زعيم الكرة الإماراتية وقطبي السودان    مهاجرون من بينهم سودانيين يقولون إنهم يفضلون الموت على النزول من سفينة راسية في ليبيا    ترامب يقيل مسؤولة في البيت الأبيض بطلب من زوجته    الإعدام لعضوي شبكة دولية تهرب الهيروين باستغلال ظروف الدول المضطربة    الأمن يروي تفاصيل اتهام مؤسس صفحة (ود قلبا) المعادية للنظام    "الكهرباء": دخول الشبكة القومية للكهرباء أبوزبد الشهر المقبل    ليلة المولد    الديموقراطية والاسلام .. بقلم: عبدالله محمد أحمد الصادق    البشير يوجه بتعزيز الإدارة الأهلية بشمال دارفور    أصدقاء جدية عثمان يمنحونها لقب (برنسيسة الشاشة)    وفد من نقابة الخدمات بمصر يصل الخرطوم في إطار البروتوكول الموقّع بين البلدين    بدء محاكمة (8) متهمين بينهم نظاميون بقتل سائق ب"جنوب دارفور"    الشرطة تحتوي أحداثاً طفيفة في محاكمة “عاصم عمر”    مصرع ( 4) أشخاص من أسرة في حادث مروري بطريق التحدي    شهود اتهام يكشفون تفاصيل مثيرة في مجزرة شمبات    وجه الأمانة العامة بصياغة مذكرة عاجلة مجلس الهلال يرفض قرار اتحاد الكرة بشان الأجانب    أغنيات (الهيافة) وكليبات (السقوط)..!!    “الشروق” تحصد الجوائز في مونديال القاهرة للأعمال الفنية والإعلام    “جمال حسن سعيد”: هذه قصة اسوأ (شحطة) تلقيتها من بوليس السواري    المريخ يفتح ملف مواجهة اتحاد العاصمة الجزائري    حكومة كسلا تشكو من تزايد ظاهرة استقالات المعلمين    ظهور حالات إصابة ب”الشيكونغونيا” في ولاية البحر الأحمر    بكتيريا في أدمغة البشر.. كيف وصلت وماذا تفعل؟    اليوم العالمي للتوعية بمرض السكري.. أرقام وحقائق "صادمة"    حل لغز "صدمة قاتلة" قد تشل الجسم بدقائق    الرئاسة اليمنية: هادي بصحة جيدة ولا صحة للأكاذيب مطلقا    البرلمان الأوروبي يدعو إلى فرض قيود على تصدير السلاح للسعودية    كاتب تركي يفند بالوقائع رواية إذابة جثة خاشقجي!    شروط لدخول المنتجات المصرية البلاد    المنتخب الوطني للشباب يتعادل مع سيشل    استقالة المصور ...!    الصحة: ظهور ميكروبات مقاومة للمضادات الحيوية    بسبب رفض قناة النيل الأزرق الانتقال للقمر عربسات... ملاسنات بين صحفيين... ومطالبات ل(الجنرال) بتوضيح الحقائق!    نانسي عجاج مهددة بالإيقاف عن الغناء!    وجدي ميرغني ينفي وجود صفقة بينه والأمن لبيع قناة (سودانية 24)    المجلس الأعلى للدعوة الإسلامية : اتجاه لتغيير مظهر الدعاة من "الجلابية" ل"التيشيرت"    لماذا لا يبادر الرئيس البشير بإيداع جزء من أمواله لدى الخزينة العامة؟ .. بقلم: د/يوسف الطيب محمدتوم/المحامى    هكذا وصف الاستاذ محمود (وضوء النبى) .. بقلم: عصام جزولي    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





أنس العاقب يكتب ... مع وردى .. ذكريات.... ومقالات
نشر في سودانيل يوم 22 - 07 - 2014


بسم الله الرحمن الرحيم
أم درمان
مايو 2012
المقالة الأولى
مقدمة لا بد منها
( كلٌّ نفسٍ ذائقةُ الموتِ وإنما تُوَفَّوْنَ أجورَكم يومَ القيامةِ فمَنْ زُحْزِحَ عنِ النَّارِ وأُدْخِلَ الجنةَ فقدْ فازَ وما الحياةُ الدُّنيَا إلاَّ مَتَاعُ الغُرُورْ ) صدق الله العظيم ( آل عمران 185) ثم البقاء لله وحده والموت هو سبيل الأولين والآخرين ، ورحمة الله تغشى محمد وردى فقد كان فقده أليما ولا أغالى إن قلت فى هذه اللحظات الحزينة الأسيانة أننا (بوفاة وردى لم نفقد فقط ذلك الفنان الضخم الخلاق بكل ما قدم من إبداع فى مجال الغناء على مدى خمسة عقود ولكن وردى رحمه الله كان يجسد موروثا حضاريا ثقافيا وفنيا عبر عشرات القرون التى شهدت أقدم الحضارات الإنسانية الفرعونية منها والنوبية ، وهى الإفريقية أصلا ومنشأ ووجدانا وتأثيرا على الحضارات الكونية منذ حوالى سبعين قرنا .)
لقد ورث وردى شموخ وعنفوان وديناميكية تلك الحضارات ومع إمتداداتها وعصورها المسيحية والإسلامية وكذلك التاريخ السودانى الحديث نسبيا منذ قيام سلطنة الفونج وبمواقفها وتطلعاتها وطموحاتها وإنجازاتها وإخفاقاتها وفى خضم هذا التفرد الحضارى الذاتى فقد تميزت شخصية وردى عن غيره ممن سبقوه ومن عاصروه فى تاريخ مسيرة الغناء بل وحتى على العظيمين خليل فرح وإسماعيل عبد المعين ( سنتعرض للمقارنة بين أولئك العظماء الثلاثة فى مقام آخر) .
ومن منطلق تركيبة الموروث الحضاري والمعاصر فإن وردى ملأ الدنيا إبداعا وشغل الناس والساسة واستقل بمكان بارز فى كتب التاريخ وذاكرة الوجدان السودانى الإنسانى وستبقى كذلك إن شاء الله .
حسنا ... وهل هذا كله ما يدفعنى للكتابة عن وردى بعد رحيله؟ نعم ولكن ليس فقط لأننى من محبى وردى وعشاق فنه واحدا من بين الملايين فى السودان والمنتشرين فى أركان الدنيا وكعضو نقابى وزميل دراسة تبادلنا رئاسة إتحاد طلاب معهد الموسيقى والمسرح فى مطلع سبعينات القرن الماضى وقبيل ان يدخل سجن (كوبر) معتقلا بعيد إنقلاب المرحوم الرائد هاشم العطا فى 19 يوليو عام 1971 الذى أطاح بالنميرى زعيم إنقلاب مايو 1969 وكان وردى من أوائل مؤيدى ذلك الإنقلاب قصير العمر .
وكذلك أكتب عن وردى كباحث وناقد وقد سبق أن كتبت عدة مقالات تحليلية فى عدة صحف عدد من أغنياته وأزعم هنا أن أحدا لم يسبقنى عليها من النقاد والكتاب سوى الموسيقار الباحث جمعه جابر رحمه الله الذى انبرى مدافعا عن وردى على إثر نشر مقالاتى تلك التى كشفت فيها السرقات الفنية فى ألحان عدد من المطربين وكان محمد وردى من ضمنهم...
وماذا تريد أن تقول إذن ؟ يسألنى هاجسى ويواصل التساؤل .. ؟ ألم تكن أنت من أكثر الكتاب هجوما ومشاكسة لوردى التى إبتدرتها فى أولى مقالاتك الصحفية عام 1974 تلك التى عرضتك لهجوم كاسح من كتاب ومعجبين ؟ أسئلة كثيرة ظلت ترد على الخاطر تجعلنى أكثر حماسا ويقينا بالكتابة عن الراحل وردى بعد غيابه عن الساحة التى أثراها بفنه ومواقفه المشهودة ...وبإجتهاداته الشجاعة ... أصابت أم اخطأت ,,,,لايهم ... المهم عنده كان إثبات المواقف وليكن ما يكون فقد كان وردى فى حياته لا يعرف اللون الرمادى مطلقا فى التعامل مع المواقف وردود الأفعال أيا كانت..
نعم كان بينى وبين الراحل وردى سجال فنى ونقدى وأشهد بأنه جعلنا أكثر قربا قبل أن يضعنا على طرفى نقيض بل كان وردى هو المبادر بتجسيرتلك الفجوة التى حفرتها معاول أقلام تخذت من مقالاتى منصات لا للدفاع عن وردى ولكن للتقليل من شأن موسيقى شاب حديث التخرج وأيضا من مكانة المعهد الذى تخرج فيه عام 1974 ولن أنسى مواقف كثيرة لوردى تجاهى حتى وهو( ماخد فى خاطرو) لكنه كان دائما ما يؤكد على ضرورة وأهمية النقد البناء الذى كان لى شرف إفتراعه فى منتصف سبعينات القرن الماضى بعد تخرجى وما أجتذب إليه أقلاما مقدره يتقدمها الراحلان جمعه جابر وعبدالله أميقو ثم انضم إليهما يوسف الموصلى والماحى سليمان ...
فى يناير عام 1976 إلتقينا( وردى وشخصى) فى مصلحة الثقافة وبعد التحية والسلام بادرنى متسائلا بشئ من عتاب غضوب ( يا فلان إنت ما عندك غير وردى ) طيبت خاطره بأننى لا أتعمد النقد لأجل النقد ولكنى أفعل ذلك بحسب القيمة الفنية والجماليه ثم سألته فى هجوم معاكس ( وأنت يا أستاذ هل نسيت هجومك على الفنان سيد خليفه على صفحات مجلة الصباح الجديد التى كان يمتلكها الصحفى الشاعر حسين عثمان منصور رحمه الله ثم هل تريدنى يا أستاذ وردى أن أكتب عنك أم عن المطرب فلان ؟ ) وفلان هذا كان مطربا يتسوق بالغناء الركيك الغث ومع ذلك وجد قبولا جماهيريا واستجابة من أقلام كثيرة وبعض من محررى الصفحات الفنية وكنت وقتذاك أتأهب للسفر مبعوثا إلى جمهورية ألمانيا الديموقراطية (المانيا الشرقية الشيوعية) فى دراسات عليا ونيل درجة الماجستير فى تخصص التأليف الموسيقى الذى نلت فيه البكالوريوس خريجا ثم مساعد تدريس فى معهد الموسيقى والمسرح عام 1974 .
نصحنى وردى قائلا فى مكتب الأستاذ صالح عركى الذى شهد لقاءنا ( لكن برضو حقو تدرس النقد الموسيقى إنت بتكتب كويس.... وماتنسى ناس المانيا الشرقيه ديل ناسنا حنوصيهم عليك ) قلت له مناكفا ( يا أستاذ هذه بعثه رسميه حكوميه ما جاتنى منكم) ضحكنا وافترقنا ... ومرت الأيام .
وفى يوم ألتقيت وردى فى إحدى الأمسيات بالمسرح القومى فى عام 1984 ودار بيننا حوار حول الغناء وتاريخ المسرح القومى ودوره فى الحراك الفنى وتطرق الكلام عن النقد الموسيقى وفجأة خطر لى سؤال خبيث وجهته للراحل وردى لاتحاشى تعليقاته الساخرة قلت له ( الناس يقولون إنك تهاجمنى سرا وعلنا لأننى كتبت عنك كثيرا وبعضهم يدعى أنك لا تتكلم معى ولكن بحكم الواقع والآن هذا ليس صحيحا مارأيك ؟) كنت أتخيل أنه سيرد على السؤال بكلام كثير كعادته عندما يستفيض فى الحديث بالتركيز واختيار العبارات المباشرة والساخرة لكنه بدلا من ذلك طلب منى أن نذهب سويا لدار إتحاد الفنانين المجاورة للمسرح القومى وهناك جلسنا ثم بعد قليل جالسنا الراحل على ميرغنى والأستاذ عثمان مصطفى ... تكلم وردى مباشرة مع عثمان مصطفى قائلا ( يا عثمان أنا عايز أعمل قعده لأنس فى جلسه خاصه جدا وعشان بيتى بعيد فى الخرطوم أقترح نعملها عندك فى المورده وكل التكلفه على حسابى ولا كلمه بس ناس بيتك ينظموها دا ذاتو كتير ) وكانت جلسة لاتنسى كنا فيها كلنا ندامى نتبادل الغناء والونس...يا رعى الله تلك الأيام .
هذا هو وردى الذى عرفته منذ أن استمعت إليه وهو يغنى لأول مرة فى إذاعة أمدرمان فى امسية من صيف عام 1957 وإلى آخر لقاء جمعنى به فى امسية السبت الموافق 19 نوفمبر المنصرم قبل وفاته بثلاثة أشهر بالضبط فى يوم حزين من فبرايرالماضى .
وأذكر هنا أننى كنت قد إتفقت مع الأستاذ الراحل وردى على عقد جلسات يروى لى فيها سيرة حياته لأعيد صياغتها ثم ننشرها للقراء فى جزئين واتفقنا أن نتطرق أيضا لمواضيع أخرى مرتيطة بالماضى وذات دلالات وتأثير على الحاضر ثم كيف ينظر ( وردى لمستقبل الحياة فى السودان وحركة الغناء والثقافة والسياسة) وكنا قد أعلنا ذلك الإتفاق قبل أربعة أعوام فى حفل بمنتدى الخرطوم العائلى فى ليلة أقيمت حول الثنائية المشهودة بين وردى والراحل الشاعر إسماعيل حسن وقدم لها الأستاذ الصحفى الزبير سعيد وكنت بالطبع أمنى نفسى بإنجاز وتحقيق هذه المهمة الصعبة الممتعة والمتعبة لنا صحيا ذلك لأن كلينا يعيش بكلية واحدة هو بواحدة مزروعة وأنا بعد استئصال الكلية اليسرى وفوق ذلك تبين أننى أعيش بقلب عليل ورهيف أتعبنى وأتعبته وبالمقابل تعرض وردى بعد زرع الكلية المتبرع له بها لحالات أستوجبت واستدعت مراجعة الأطباء فى الدوحه بدولة قطر الشقيقة وفوق ذلك إزدحام برنامجه بالحفلات والإحتفالات والمقابلات الإذاعيه والتلفزيونيه وكذلك إرتباطاته الإجتماعية فلم نتمكن من بدء الجلسات وبرغم تطاول المدة دارت بيننا أحاديث تلفونيه متباعدة ولقاءات عابرة على مدى سنوات الإنتظار وأخيرا جلسنا لأول مرة عشية السبت 19 نوفمبر الماضى فى حديقة منزله وتشاء إرادة الله أن تكون هى الأخيرة بيننا وقد أشرت إليها آنفا وٍسأعود لهذه المقابلة بالتفاصيل فى سياق هذه المقالات فى يوم من أيام وردى رحمه الله...
وهكذا عندما طلب إلى الأخ الشاعر الجميل محمد نجيب محمد على وهو االصديق والجار بالجنب مستكتبا فى صحيفة (اليوم التالى) الوليدة ناضجةً قبلت ولكنى لم أشا أن أكتب باكيا أو متباكيا ( فقد بكينا يوم وداعه كثيرا وما نزال) ونحن نعلم أن البكاء لا يعيد فقيدا ولا يفيد مفئودا فرأيت أن أكتب ولكن من زوايا اللحظات التى جمعتنى بوردى معجبا حينا ومغنيا حينا وناقدا ومتذوقا لفنه حينا آخر لعل فى ذلك ما يلقى الضوء على بعض جوانب مهمة فى سيرة الأستاذ الراحل بما يضيف لمحات وإضاءات ربما لم يكن من المحتمل الكشف عنها .
ومع ذلك أعترف لكم أننى ما أزال تواقا لكتابة سيرة هذا الفنان الإنسان المتفرد بإبداعه الفريد وفى شخصيته مستأذنا فى المقام الأول أسرته وذويه بأن يسمحوا للفكرة أن تنطلق ويعينوننى على إستكمالها أما ما سيتبقى من مراجع ومراصد واقوال وحكايات فأمرها سهل وميسور فما أظن أن أحدا من محبى وردى وخلصائه سيبخل علينا بالعون والنصح والتشجيع ....
ما سأكتبه هو لحظات سانحه أتاحتها لى أقدار الزمان ومشيئة الله واريحية وردى المعروفة عنه مع أهل الثقافة والإبداع الحقيقيين وما من شك أن حياة الراحل وردى كانت زاخرة بالإنجازات والفعاليات والمبادرات والمواقف والمصادمات وما تجود به الذاكره هوبلا شك قطرة فى محيط كبير تخفى أعماقه كنوزا واسرارا وإبداعات تبدو أمواجها هادئة رخاء وتلوح فى الأفق جبال من أمواج عاتيه قادمة لتكتشف الأجيال القادمة عظمة وعبقرية الذى لم يترك لنا فى بحر ألحانه الخماسية فرصة للإبحار معه واما أنا فقد إكنفيت بالجلوس على الساحل هادئا أداعب موجات ذلك الخضم وهى تتكسر على الساحل علها تجود علىَّ بصدفة من صدفاته تخفى فى جوفها قبسا من ذكريات مع إنسان عطيم خلده التاريخ قبل أن يغادر الدنيا إلى رحاب الله العزيز الغفور الرحمن الرحيم .
اللهم ارحم عبدك محمد عثمان وردى الفقير إليك ونسألك اللهم أن تنزله منزل صدق فى الفردس الأعلى مع والصديقين والشهداء والصالحين وحسن اولئك رفيقا وستبقى ذكرى محمد وردى باقبة لا تنسى ماظلت أعماله وإبداعاته خالدة فى ضمير الناس فى وطنه وفى كل بلد من بلاد الله يجمع شمل محبيه معجبيه....
ونلتقى بإذن الله فى مقالة أخرى مع الراحل وردى ... رحمه الله
أيام مع وردى ..... لا تنسى
نوافذ عبر الأزمنة والأمكنه .....
المقالة الثانية
1. كسلا ... قبل اليوم الأول
منذ ما وعيت الأشياء والناس من حولى وجدتنى مولعا بالغناء وبكل ما له علاقة به من مديح نبوى ورقص شعبى وحلقات الذكر إذ كانت مدينة كسلا فى خمسينات القرن الماضى زهرة مدائن السودان موقعا متميزا فى الشرق خضرة ومركزا جاذبا ليس فقط لكل سودانى قادم بلاد بعيدة (النوبه ، الكارا ، الشايقيه ، الجعليين ، الدناقله...) أو قريبة ( الرشايده ، الهدندوه ، والشكريه ....) بل كادت كسلا أن تصير موطنا للفلاتا والهوسا من غرب إفريقيا وجالية الهنود التى أتخذت لها مستوطنة مستقلة بها وكذا كان الأحباش واليونان والإيطال والإخوة اليمانية الذين كانوا يعملون بتجارة القطاعى وتوزيع الماء لالأخراج على السكان فى الأحياء القريبة من سوق كسلا.
كل هذه المجموعات كانت تعمل بالزراعة والتجارة وبعض الحرف الأخرى وكانت فى مناسبات عديدة تؤدى فنونها المحلية الذى كان دائما غناء فرديا وجماعيا مصاحبا بالرقص وغير قليل من تلك المجموعات السودانية والأجنبية ما كانت تستصحب المرأة فى تلك الفعاليات الجميلة الممتعه سوى قبيلة الرشايده وجالية الهنود وجالية الأحباش ( وبالمناسبة كانت هذه هى صفة سكان إثيوبيا قبل أن تستقل عنها دولة إريتريا ) بحسب ذاكرة طفل لم يتجاوز الخامسة بعد غنى له المرحوم سرور نهار أحد أيام الإحتفالات بالمولد النبوى الشريف ( وتلك قصة رويتها من قبل).
فى بيتنا فقد كان والدى الشيخ العاقب رحمه الله لا يفتأ يتلو القرآن فى هدأة الليل بصوت جميل أخاذ تغلب عليه نغمة حزينة شجية، وبالنهار كانت أمى رابحه بت رضوان رحمها الله تدندن دائما بغناء حفظته من التراث أو بغناء ألفت هى كلماته ولحنتها فصارت لها مجالس (ونسه) يومية مع صويحباتها من الجيران تستقبلهن أو يستقبلنها .كما كان لجار لنا راديو يفتحه منذ الصباح الباكر يوميا على برنامج إذاعة إم درمان الصباحى القصير وكنت أتسمع الأغانى التى يبثها الراديو وقليلا قليلا أصبحت أميز بين أصوات مطربى ذلك الزمان ثم توسعت التجربه وصارت شغفا وتنافسا بين أقران الحى وزملاء المدرسه وكنت وقتها من أشد المعجبين بالفنان أحمد المصطفى رحمه الله وغيرى كان يتباهى منافسا بالفنان عثمان حسين و الفنان إبراهيم الكاشف و حسن عطيه ثم إنضاف إليهم الفنان أبو داوود رحمهم الله ومع تعنصر هذه الذائقة كنت لا اخفى إعجابى بعدد آخر من الفنانين متجاوزا بذلك قوانين المنافسه الصارمة فكان من بين الذين أعجبت بهم الفنان التاج مصطفى والفنان عبدالدافع عثمان والفنان عثمان الشفيع .عليهم الرحمه... ثم فجأة فى مطلع الخمسينات انفجر صوت المرحوم الفنان إبراهيم عوض يهز عروشا كثيره فجذب إليه كثيرا من المعجبين على حساب الكبار ولكنى برغم ذلك ظللت على ولائى معجبا لا يتزحزح بفنانى المفضل أحمد المصطفى أو ظننت ذلك إلى أن ظهر فنان لم نعهد مثله فجذبنى إليه معجبا بالرغم منى وكان اسمه عبد الكريم الكابلى ولذلك حديث آخر فى حينه .
إذن كن المناخ الذى عشته وانا بعد صبى صغير كما أسلفت يعج ويضج بنشاطات فنية وثقافية غاية فى الثراء والتنوع والجمال وأذكر جيدا سماعنا ثم شهودنا مطربين كسلاويين فى ذلك الزمان أذكر منهم حسن حسين الصومالى وقد شهدته فى إحدى المناسبات يعزف على العود بصورة مبهره وكان صوته جميلا جدا وأذكر أنه فى تلك المناسبة صاحب بالعزف الفنان الخرطومى حسن درار وما زلت أذكر أغنيته ( عيونو السود الكحيله عيون الحور ما مثيله) الذى جاء ملبيا المشاركه فى تلك المناسبة كما كان فى كسلا عدد آخر من الموسيقيين والمطربين الرواد من بينهم عبد الكريم ابو شاخوره وحسين ابو عجاج وحسن الزكر.
من المدهش جذا ان يجد طفل صغير إهتماما من كثير من أصدقاء والدى العالم الأزهرى إمام جامع كسلا وفقيهها الوحيد الذى كان يقيم دروسا مسائية فى صحن المسجد ولا أنكر أبدا تأثير ذلك الشيخ الكبير على إبنه الصغي الذى كنته فقد أحفظنى إجزاء كثيره من القرآن الكريم بتلاوة مجوده وقصائد فى مدح الرسول صلى الله عليه وسلم وقصائد صوفية من تراث السادة المراغنه وأشعار كثيرة ثم أننى لسبب لا أدريه فى صغرى كنت مولعا بالغناء وحفظ كل ما أسمعه وترديده وهذه الموهبة الباكرة أثارت إهتمام الكثيرين والغريب أن والدى ذلك الرجل العلامه الفقيه الذى تجله كل مدينة كسلا وتقدره لم يكن يبدى أى إعتراض حول هذا الأمر وأظنه إكتشف موهبتى تلك فكان يهتبل فرصة ذهابنا مبكرين لأداء صلاة الفجر ويبدا فى تحفيظى كثيرا من الأشعارأذكر منها متن الأجرومية وجوهرة إبراهيم اللقانى وابيات من الفية إبن مالك التى إستعصت علىَّ .
و كنت كثيرا ما أهرب للسوق القريب من منزلنا الواقع فى زقاق الجعليين مضحيا أحيانا بالدافورى لأستمع للأسطونات فى مطعم (عطيه) الذى كان يبث غناء أحمد المصطفى فحفظت أغنية أهواك وكسرتها واغنية فينوس التى يغنيها أبوداوود وكسرتها وحتى هذه اللحظة لم أجد سببا لماذا حفظت الأغنيتين (الطويلتين) ولم أهتم كثيرا بحفظ الكسرتين ولا غيرهما من الكَسْرات ( وهى الأغنيات الخفيفة الراقصة) ويبدو أننى أخترت لذائقتى الإهتمام بالأغنية الطويلة لما تحمله من موسيقى متنوعه وطرب ليس موجودا فى الأغنية الخفيفة كانت هذه هى خلفية ذلك الصبى وهو يكبر متعايشا مع حالات الطرب وتزايد شغفه بالغناء والمغنين السودانيين ثم بالمغنين المصريين بعد أن صارالصبية وأبناء الحى يرتادون خفية دار سينما كسلا التى كان يمتلكها المواطن (إسلام السيوفى) رحمه الله وأحسن إليه فقد منحتنا السينما فرصة الفرجة على دنيا جديدة وفن جديد ما كان لنا أن نشاهده أونسمع به ... حتى الراديو كان بالنسبة لنا عالما ساحرا جميلا نتبارى فى التلصص لإستماع أغانى الإذاعه فى قهاوى السوق وفى متجر العم محمد الحسن عطا رحمه الله والد صديقنا وزميلنا عطا أوفى عصر كل جمعة فى نادى الموظفين وكنا نجتهد فى حفظ الأغانى الجديدة وترديدها مكايدة لمن لا يحفظون أغانى مطربيهم المفضلين وكنت أحد القلة من حفاظ الغناء يتقدم دفعتنا تلميذ موهوب فى الأناشيد ولاعب كرة قدم ممتاز ومشارك متمكن فى الجمعية الأدبية الأسبوعية اسمه عبد العظيم عبدالله يوسف ثم صار بعد إستقراره فى الخرطوم وأصبح مطربا معروفا بلقب عبد العظيم حركه رحمه الله. وأحسن إليه...
وإلى اليوم الأول الذى لاينسى مع المرحوم وردى .... إن شاء الله
أيام مع وردى ..... لا تنسى
نوافذ عبر الأزمنة والأمكنه .....
المقالة الثالثة
أول الأيام ..... أروما صيف 1957
تلك كانت أمسية لا أنساها فقد كنت أقيم مؤقتا فى مدينة أروما مع أحد أقرباء أمى باشمهندس مشروع القاش المرحوم عبد العظيم حبيب الله الذى ساعدنى لأعمل كصبى نجار فى الإجازة المدرسية فى ورشة مشروع القاش...
تبعد مدينة أروما حوالى 60 كيلومترا إلى الشمال الغربى من مدينة كسلا عاصمة المديرية وقد كانت أروما مركز إدارة مشروع القاش الذى كان يستزرع محصول القطن على مساحات شاسعة من دلتا القاش المروية موسميا بفيضانات خور القاش المتحدر من الهضبة الأثيوبية فلا غرو ان أصاب مدينة أروما إنتعاش إقتصادى أفضى إلى حراك إجتماعى وثقافى ورياضى وفنى مقدر.
وأثناء عملى فى ورشة مشروع القاش فى صيف 1957 أتاح لى خالى الشاعر عبد القادر رضوان حضور بروفات الحفل الذى كان سيقام فى مدرسة أروما الأوليه للفنان عبد العزيز داوود وفرقته المكونه من عازفى الكمان بدر التهامى وحسن الخواض وعازف إيقاع (لا استحضر اسمه) ربما يكون هو خميس جوهر المشهور بلقب ( خميس بونقز) وبهذا الحضور الذى لن أنساه وقفت لأول على العالم الحقيقى للفنانين وشهدت كيف تجرى عملية صنع الأغنية أو التدريب عليها (هى صناعة الألحان عند العرب القدماء)
لست أذكر التاريخ ولكنه كان أحد أيام يوليومن عام 1957 (وردى يذكر أنه كان يوم 19)....وكنت وقتذاك على مشارف السابعة عشرة صبى بدا يتكشف له عالم الغناء ويكشف له عن أسراره وخباياه وهى خاصية تميزت بها عن كثير من أقرانى فى نهاية المرحلة الوسطى وإلى حد ما وفى المرحلة الثانوية فى بورتسودان .
ظلت إذاعة أم درمان تنوه المستمعين معلنة تقديم صوت جديد بعد نشرة المساء مباشرة فى بادرة متقدمة جدا بمقاييس ذلك الزمان فلابد إذن أن إجتذب ذلك التنويه آلافا مثلى فى بقاع شتى من السودان وقد تناقل الناس ان المطرب الجديد الذى حُوِّل من مغنى شعبى طل يغنى فى برنامج (فى ربوع السودان ) إلى فنان مسجل يغنى فى البرنامج العام وقيل كلام كثير حول ملابسات هذا الترقى بأن مدير الإذاعة إتخذ هذا القرار بعدما تيقن من موهبة الفنان الجديد (بتاع الربوع)..... هذه الواقعه أكدها وردى نفسه فى محاضرة قدمها أمام أساتذة وطلاب كلية الموسيقى والدراما فى مارس من عام 2006 ) .
ظللت أنتظر شمس ذلك اليوم لتؤذن بالمغيب ولكنها كانت تتباطا أو هكذا خيلت لى لهفة الإنتظار ...وهو إنتظار لن يطول بالطبع فلابد للشمس من الغروب مؤذنة بشروق شمس يوم جديد لصوت جديد إسمه محمد وردى الفنان القادم من أرض النوبه مهد الحضارات السودانية القديمة التى قدمت للإنسانية مشاعل أضاءت العالم القديم بالعلوم والفنون فماذا كان سيقدم محمد وردى فى أمسية من أماسى يوم فى صيف 1957 ؟
إنتهت الأخبار أخيرا وجاء صوت المذيع يقدم الفنان الجديد .. لم انتبه لتقديم المذيع بل لم أعره إهتماما ، كنت فقط أنتظر سماع الصوت الجديد وربما كثيرون غيرى فى مدن سودانية عديدة ربضوا ينتظرون مثلى (سماع) ذلك الصوت القادم من أقاصى الشمال وأعترف أننا لم نكن نعرف مطلقا فنانا (حلفاويا) آخر سوى محمد وردى ولا جاء ذكر خليل فرح على ألسنتنا .... وبعد لحظات من الصمت والإنتظار جاء صوت المطرب الجديد هادئا فى لحن هادئ بسيط لأغنية الحب والورود :
يا طير يا طاير من بعيد فوق الغمام
من ربوعى أحمل الشوق يا حمام
تابعت الأغنية بإنتباه شديد وتركيز حتى انتهت ثم أعقبها بأغنيية (الليله يا سمرا ) فانتعشت الذائقة والإستماع معا للحن خفيف سريع وكورس (بناتى ) وبداية لظهور حقيقى لشخصبة صوت الوافد الجديد بحيوية براقه ...
أغنية الحب والورود (ياطير ياطاير) التى كتبها الشاعر الفذ إسماعيل حسن رحمه الله مع أن صوت وردى جذبنى إليه إلا أن لحن الأغنية لم يعجبنى ولا أثارت فى شئ من الطرب مقايسة بأغانى الكبار( أهواك) لأحمد المصطفى، (الفراش الحائر) لعثمان حسين , ( الملهمه) للتاج مصطفى ، ( رسائل) الكاشف ، ( فينوس) عبد العزيز محمد داوود ، (فيردلونا) لحسن عطيه (مرت الأيام) لعبد الدافع عثمان.... وغيرها من أغنيات كثيرة لمطربين مثل إدريس إبراهيم وعثمان الشيع وإبراهيم عوض وحسن سليمان وعبيد الطيب وعائشه الفلاتيه والعطبراوى وسيد خليفه وكل من سيقوا ذلك الفنان الواعد الجديد محمد وردى .... فزاد به المبدعون عددا وإن كان صدى نجاح محمد وردى الفنان ( الحلفاوى) لا يقاس بدوى نجاح إبراهيم عوض الفنان (الذرى) ومع ذلك لم يكن أحد يتصور أن ذلك الفتى النحيل الذى ترتسم على قسمات وجهه جدية واضحة وملامح شخصية راسخه مختلفة تماما عن الآخرين ولسوف تشق طريقها سريعا وفى أقل من عامين نافس أهل القمة بكل ثقة ثم أخذ يصعد ويصعد نحوالقمة يحتلها وقلوب الجماهير ثم لا يلبث يتقدم ليتحدى السلطة السياسية ويصادمها ويتحمل ما يحدث له بلا خوف أو تردد.
لا أدرى ولكن عن لى سؤال هل عندما لحن خليل أحمد أغنية يا طيريا طاير إستمع للفنان الشاب محمد وردى أم انه رحمه الله لحنها إستجابة لوساطة من الشاعر إسماعيل حسن أحد الذين إهتموا جدا بوردى وتقديمه للبرنامج العام (وفى هذا السياق اكد لى الباحث الموسيقار أمير النور أن الأغنية كانت أصلا ملحنة لتغنيها المطربة منى الخير رحمها الله فطلب إسماعيل حسن من الملحن خليل أحمد أن يمنحها لوردى ثم كتب كلمات أغنية الحمام الزاجل لمنى الخير ولحنها خليل أحمد وغنتها وسجلتها فى الإذاعة) وأهو كلو طير وحمام ... الغريب أن أغنية الحمام الزاجل وجدت شهرة واسعة بين المستمعين وتغنى بها كثيرون على عكس أغنية وردى التى إستهل بها مشواره الفنى ولربما وردى نفسه قبل بغناء اللحن وهو بعد مطرب ناشئ يشق طريقه وسط عمالقة الغناء رغم أنه كان يجيد ترديد أغنيات من سبقوه من المطربين وفى مقدمتهم الفنان إبراهيم عوض رحمه الله .
جاءت أغنية يا طير يا طاير بسيطة جدا فى قالبها اللحنى الثنائى الدائرىRondou Binary Form ولم تكن بها مقدمة موسيقية منفصله فجاءت المقدمة محاكاة متطابقة للحن مطلع الأغنية :
يا طير يا طاير من بعيد فوق الغمام
من ربوعى أحمل الشوق يا حمام
هل يمكن مقارنة هذا المطلع الشعرى بمطلع أغنية أهواك لأحمد المصطفى علما بأن المقدمةالموسيقية جاءت أيضا محاكاة للحن المطلع الغنائى:
يا غاير علىَّ وانا هايم فى دنيا هواك
لو تسأل عينىَّ تنبيك كم أقاسى معاك
فرق كبير بين شاعرية وبلاغة مطلع أغنية أهواك التى كتبها الشاعر صلاح أحمد محمد صالح وبين شاعرية مطلع أغنية (يا طير يا طاير) التى صاغها إسماعيل حسن أما لحن الأغنية فلم يكن جاذبا بل لم يكشف لنا اللحن معدن صوت وردى من ناحية المساحة والقدرة على الإنتقالات والتطريب والركوز المريح فى النغمات الغليظه فقد جاء صوت وردى محدودا فى مساحة ضيقه إنحصرت فى طبقة وسيطة تغلب عليها الغلظة وبلا ملامح صوت كاريزميه حتى وهو ينتقل للكوبليه الأول :
إن شاءالله تمشى ولىْ تعود / لى حبيبى تحمل الحب والورود
واحكى عنى وقول لو ياطير هل يعود / من فؤادى بيهو ليك أرسل سلام
ولو ان خليل أحمد قام برفع المقام اللحنى درجة واحدة لأتاح لوردى أن يقدم لنا على الأقل لمحة من مساحة صوته الواسعة التى ترتاح فى المنطقة الصوتية العليا ويؤكد ما ذهبت إليه عندما مازحت وردى مرة وقد كنا طلابا فى معهد الموسيقى والمسرح وقلت له ( يا وردى معقول تكون إشتهرت بأغنية "يا تير يا تاير" ضحك وقال أمام جمع من الطلاب ( أولا انا ما بنطق الطاء تاء أنا النوبى دا بنطق العربى أحسن منكم أن عمرى ما نطقت القاف غين زيكم ) قلت له (برضك رطانى المهم الأغنية ما كانت مناسبه ليك ) رد علىَّ ( طيب مالو خليل أحمد ملحن جيد وكتر خيرو وقف معاي هو وإسماعيل حسن ... بعدين صاحبك حمد الريح إشتهر بى أغنية (إنت كلك زينه) لحنها كلو واحد بعدين أغنيه ياطير يا طاير"مركزا على نطق حرف الطاء بشكل مسرحى هازل" لحنها كان ساهل ومريح لفنان جديد فى الدرجة التالته بس أقول ليك أنا تانى ماغنيت الأغنية كتير) وتجدر الإشاره إلى أن حمد الريح الذى نجح جماهيريا بأغنية إنت كلك زينه كان أيضا زميلا لنا فى معهد الموسيقى ولوردى فى الدفعة الثانية التى التحقت بالمعهد عام 1970 ، وما قاله وردى صحيح بدليل ان وردى نفسه فى تقديرى نجح بالأغنية الثانية (ياسمرا) التى ظل يغنيها باللغة النوبيه ثم قام إسماعيل حسن بتعريبها شعرا لتتماشى مع السياق اللحنى وقد قدمها وردى بعد أغنية يا طير يا طاير( الحب والورود) وهو يطل على المستمعين فى أمسية يوم من يوليو من عام 1957 والشاهد أن هذه الأغنية هى التى قدمت صوت وردى الحقيقى الذى جاء فى طبقة صوتية أعلى من الأغنية الأولى فوق ما تميزت به من حيوية إيقاعية وأداء لحنى تجاوبى بين وردى المغنى وكورس البنات ولاننسى أن إحساس وردى باللحن كان ينطلق متجانسا مع طبيعة وجدانه وحسه النوبى ذلك لأن لحن الأغنية نابع من واقع شعبى أصيل فنجح بها تماما مثلما نجح حمد الريح بأغنية ( إنت كلك زينه ) وكلتا الأغنيتين كانتا بالنسبى لهما خطوة فى مشوار إبداعى ناجح وطويل تجاوز أربعة عقود وإن إختلفت أساليبهما وإضافاتهما ولكننى هنا فى هذا السياق أعود فأقول أن ساحة الغناء التى كان يسيطر عليها عظماء الجيل الأول : أحمد المصطفى / إبراهيم الكاشف / حسن عطيه / عثمان حسين / التاج مصطفى / عبدالعزيز محمد داوود / عبيد الطيب / سيد خليفه ثم صلاح محمد عيسى / محجوب عثمان / رمضان حسن / إبراهيم إدريس ... ولكن من المؤكد أن مجئء إبراهيم عوض إنفتح الباب الذى كان من قبل مواربا يصعب الولوج منه فدخل وردى ساحة الغناء عبر بوابة إذاعة أمدرمان ثم جاء من بعده عبد الكريم الكابلى وزيدان إيراهيم وما أن أطل عقد الستينات إلا وقد أنفتحت الأبواب على مصاريعها لقادمين مبدعين جدد الأمر الذى تميز فيه عقدا الستينات والسبعينات بزخم إبداعى تسابق فيه الكبار والصغار بتقديم أجمل غناء على خشبة المسرح القومى وسجلته الإذاعة وبثه التلفزيون وكان وردى حاضرا حضورا مثيرا ومتميزا رحمه الله رحمة واسعة ورحم كل من رحلوا عنا وورد ذكرهم فى هذه المقالات .. آمين
وإلى يوم آخر لا ينسى مع الراحل وردى ... إن شاء الله
أيام مع وردى ..... لا تنسى
نوافذ عبر الأزمنة والأمكنه .....
المقالة الرابعة
اليوم الثانى .... الخرطوم جنوب 1960
كان أول يوم أشاهد فيه الفنان محمد وردى فى حفل جماهيرى أقيم على مسرح سينما الخرطوم جنوب التى كانت معروفة بإقامة مثل هذه الحفلات الغنائية .... كان ذلك فى خريف عام 1960 على ما أذكر....
السينما كانت ممتلئة على آخرها أمها جمهور ذواق ليس من بنهم شماسة أوعنقالة لأننا نحن أبناء الطبقة الوسطى من موظفين وعمال ومثقفين وطلبة الثانويات والجامعة وغيرهم من المواطنين العاديين كنا بمثامة الترمومتر لكل مناحى الحياة السياسية والإجتماعية والثقافية والفنية والإقتصادية ومن صلب هذه الطبقة الوسطى خرج هؤلاء الفنانون الذين جئنا سراعا لنستمتع بغنائهم الجميل فى ذلك الزمان الجميل .... أحمد المصطفى ..عثمان حسين .. حسن عطيه .. سيد خليفه ..إبراهيم الكاشف .. عثمان الشفيع ..إبراهيم عوض ..ومع كل هؤلاء العمالقة صعد وردى وغنى وأجاد وصفقنا له بحرارة فقد كان ذلك الشاب النحيل فارع الطول نجم الحفل بالنسبة لى ولآخرين ومنذ ذلك الوقت وقر عندى أن ظهور إبراهيم عوض كان بداية لزلزة عروش سبقته وأما ظهور وردى بأسلوبه الغنائى الجديد فقد أفضى إلى إنحسار الأضواء عن قمم من قمم الغناء وانصرف غير قليل من معجبيهم مع معجبين جدد لإبراهيم عوض ومحمد وردى ولتدور الأيام سراعا ويتقدم وردى على أنموذج إبراهيم عوض ويتربع على القمة لا ينافسه فيها أحد عقدا كاملا ثم تنازل عنه مختارا مهاجرا(مسافر فى بلاد الله) منذ قيام (حكم الإنقاذ) فى نهاية ثمانينات القرن الماضى مترحلا بين القاهرة وأسمرا وإديس أبابا وطرابلس وابوجا وصنعاء ليستقر به المهجر فى الولايات المتحده سنوات عدداولكن بعد ان دهمه المرض واستبد لهالشوق للوطن يعود إليه وردى فى (حكم الإنقاذ) متوسدا حب وتقدير وأهله وعشيرته وملايين من محبى فنه وشخصه .
فى حفل سينما الخرطوم جنوب غنى الفنانون وطربنا لغنائهم وصفقنا بقدر حرارة التجاوب مع الفنان الواقف فى مواجهتنا على مسرح تلك السينما وما زلت أذكر سيد خليفه الذى تمكن من سحر الجماهير بأغنية (ليل وكأس وشفاه) للشاعر حسين عثمان منصور واتبعها باغنية (أنشودة الجن) للتيجانى يوسف بشير وعثمان الشفيع وذكريات ود القرشى ورسائل الكاشف ورائعة أحمد المصطفى (أيام زمان) وشاعرها حسين عثمان منصور ومع اننى إهتبلت فرصة وجودى فى العاصمه وقررت ألا افوت هذه الفرصة بصحبة أحد لأصدقاء لنستمتع بليلة طرب أصيل وأشاهد فيها فنانى المفضل أحمد المصطفى وأرى عن كثب كل أولئك النجوم الزواهر الذين كنا نحلم برؤيتهم بلحمهم وشحمهم أمامنا فقد كنا نرفعهم فوق مستوى الناس صغيرهم وكبيرهم بل كنا فى نفس الوقت نقدر ونعجب بالموسيقيين من عازفين وملحنين .... برعى محمد دفع الله / حسن خواض / عزالدين على حامد / عبدالله عربى /على ميرغنى / عبداللطيف خضر ود الحاوى/موسى محمد ابراهيم/ وكثيرون غيرهم كانوا نجوما لا تخطؤهم العيون والأسماع وفى دواخلى كنت أتطلع لرؤية وردى رأى العين وأستمع إليه يغنى أمامى فتلك كانت المرة الأولى التى أشاهده أمامى وكان ينتابنى إحساس خائب ظل يخرك فى دواخلى بعض ظلال من ردود فعل سماعى الأول لأغنية ( يا طير يا طاير) برغم أن وردى قد إتجه بعد ذلك يلحن أغانيه لنفسه فقد كنت ومعى صديق فى كسلا قد استوقفتنا أغنية أول غرام ( ليالى اللقاء) كلمات الموسيقار على ميرغنى عليه الرحمه يقول مطلعها :
أول غرام يا أجمل هديه
يا أنبل موده يا نور عينيه
حبى ما هديتو ولا خلى اصطفيتو
واجمل من عيونك فى الكون ما رأيتو
لونك أبهى لون وكفاك العيون
آه للإبتسامه كالنغم الحنون
نظراتك لهيب وتثير الشجون
ليه قلبى سليتو وبالآلام رميتو
قول لىْ يا ظلوم إيه ذنبى الجنيتو
هذا جزء من تلك القصيدة التى تفيض عذوبة ورومانسية اتسم نسيجها اللحنى بالبساطة والتنوع وإطلالات تجديدية أضفت على القالب الغنائى بعدا تراوح بين غناء وردى الهادئ الأسيان وبين أداء لأوركسترا الصغيرة التى شاركها العود منفردا وآلة القانون من وراء حجاب الآلات الأخرى وفى هذا اسياق بدا وردى أنه سيقتحم بلا تردد محاولة التحول النغمى ونجح فى ذلك فى الكوبليه الرابع الأخير الذى مطلعه ( أنا ما زلت هايم) ...
أستطيع القول أن أغنية أول غرام هى الأغنية التى قدمت وردى الملحن الناجح وبها سيخطو منافسا ثم متجاوزا لا لموهبته فقط ولكن لأنها موهبة كما سبق وأشرت تنطلق من مخزون ثقافى حضارى قديم وموروث مع تراكم تجارب معاصره فى السودان الكبيربالإضافة لما كانت تقدمه الشقيقة مصر فى مرحلة ما بعد ثورة يوليو 1952 ثم جاء إنقلاب نوفمبر1958 مجهضا الديموقراطية الأولى .
ومن حسنات ذلك النظام العسكرى أنه برغم قصر مدة حكمه (6 سنوات) عرف عنه إنفتاحه وإهتمامه العميق بالرياضة والفنون والغناء على وجه الخصوص (إفتتاح المسرح القومى وإنشاء التلفزيون وإقامة ستاد الخرطوم )...
وردى إذن ينتمى لجيل ما بعد الحرب العالمية الثانية (1945/1949 ) ثم كان هو نتاج مرحلة الإستقلال الوطنى قصيرة العمر وتشاء القدار ان يجد وردى نفسه ضحية لكل تلك الإنقلابات العسكرية الأربعة ( 1958/1969/1971/1989 ) التى استولت على الحكم فى السودان حتى من تلك التى أيدها ثم انقلب عليها أو إنقلبت عليه ومن المفيد والمدهش إن كل نلك المحن والمواقف والإغتراب لم تحبط ذلك المبدع وردى بل زادته ثياتا وألقا وأثرت تجربته الغنائيه وعمقت نظرته للحياة بواقعها السياسى والإجتماعى والفنى فتحولت عنده ألى فن غناء وطنى رسالى فى التنادى بالهتاف الثورى الصاخب أحيانا بكلمات للشاعر الوطن محجوب شريف شفاه الله وعافاه :
حنتقدم ونتقدم ونرفع سد ونهدم سد
وإشتراكيه لآخر حد ......
أو مثلا .....
وبيك يا مايو يا سيف الفدا المسلول / نشق اعدانا عرض وطول
كما إتجه وردى أحيانا أخرى للشعر الرمزى الهادئ عميق المعانى التى تستجلى الحرية وتدعو لها بين مواءمة واندغام الحس العاطفى فى حب جارف للوطن المحبوب أوللمحبوبة الوطن وللإنسان والإنسانية جمعاء فهو يغن لعمر الطيب الدوش
ولما تغيب عن الميعاد
بفتش ليها فى التاريخ واسأل عنها الأجداد
واسأل عنها المستقبل اللسع سنينو بعاد
وافتش ليها فى الأعياد محل الخاطر الما عااد
وفى الأعياد وفى أحزان عيون الناس وفى الضل الوقف ما زاد
ثم بعيدا عن السياسة وهموم الوطن ظل وردى يقدم عناءً هزجاً مشبوب العاطفة مستخدما كل أشكال التلوين اللحنى والغنائى بين حرارة الإيقاع وطلاقة الأداء الذى يضفيه وردى دائما على أغنياته الخفيفة السارحة مرحا وعتابا فى حديقة الكلمات الملونه وهذه التى نمنمها الشاعر إسحق الحلنقى :
الحنينه السُكره سمحه والله ومقدره
جينا ليها نذكرا الحفله لازم تحضرا
نورت فى الحفله جات يلا غنن يا بنات
فى الفرح فى الأمسيات السعاده اليله جات
دى الحلاه الما بنقدرا
يمكن القول أن الشاعر إسماعيل حسن كان بمثابة عراب وردى الذى إحتضنه وكتب له حوالى عشر أغنيات فى العقد الأ من ظهور وردى عام 1957 وعندما اعتلى خشبة مسرح سينما الخرطوم جنوب تمنيت لو أنه غنى ( اول غرام) ولكنه بدلا منها غنى (ذات الشامه) التى الهبت مشاعرنا وأحاسيسنا ونحن فى فورة شباب جياش بعواطف مشبوبة لا تهدأ ولا تعرف النوم ومع طرب الغناء لإن أغنية ( ذات الشامه ) بكلماتها الجريئة المفعمة بلغة شاعرية جديدة كانت فى الحقيقة :
تنادى ، تستحلف ، تستجدى ، توصف ، تتغزل ، تتباهى ، تتحسس
تقول كلاما ما كان ممكنا قوله إلا فى أغنية ذات الشامه .
قلت لصديقى الذى جاء معى للحفل ( وردى يتغزل فى محبوباتنا عديل: أنظر كيف يناديهن : وحياتك/ وحياتى عندك / وحياة حبك ) واصلت هذا الحديث بعد أن فرغ وردى من وصلته التى ختمها بأغنية (الليله يا سمرا) تلك التى أعجبتنى أكثر من أغنية (يا طير يا طاير) يوم ان قدمته الإذاعة لأول مرة قبل ثلاث سنوات قلت لصديقى مؤكدا : الحمد لله أن محبوبتى ما عندها شامه لكنه غازلها قائلا ( وحياة أجمل بسمه عرف معناها) ، (وحياة حبى إليك من أول نظره ) ، ( وحياة أجمل صدفه عرفتك فيها ) نظر إلى صديقى بشئ من الإستغراب والدهشه وعلق قائلا ( يا اخى دا غنا وكل زول يتجاوب على هواهو زى ما قال المثل ودا هو سحر الغنا لكن الظاهر وردى حرك فيك مشاعرك وأظنك ياخى مشتاق ) ضحكنا ولم أعلق ولكنى بحكم شغفى بالغناء تذكرت أن هناك غناء تسمعه يعجبك ولكنه لا يحرك فيك شئا ... غناء جميل لكنه مسطح أما وردى فهو يمتلكك عندما يغنى ... يحتويك غناؤه يفتح مسامات الطرب الجمالى الذى يستحث ذائقتك على التأمل الملتاث والتساؤل الشفيف ... فلو أننا مثلا قمنا بتحليل كلمات أغنية ذات الشامه سنكتشف ان وردى حول التكرار وتشابه العبارات إلى ادوات للتعبير بصوته الفريد الذى يمتلك كاريزما طاغيه حتى لو ترنم بلا كلمات وهذه نعمة يهبها الله لمن يشاء ميزت وردى وتحدث بها... رحمه الله
وإن شاء الله نلتقى فى يوم آخر من أيام لاتنسى مع وردى ...رحمه اللله ...
أيام مع وردى ..... لا تنسى
نوافذ عبر الأزمنة والأمكنه .....
المقالة الخامسة
اليوم الثالث مايو 1971
مرت مياه كثيرة تحت جسر الأحداث فى السودان عموما خلال العقد بين عامى 1961 و1971 فقد شهدت تلك السنوات حراكا سياسيا وثقافيا وإجتماعيا شمل كل أطياف المجتمع السودانى من كسلا إلى الجنينينه ومن حلفا إلى نيمولى بكل خطوطها التى كانت تتقاطع وتمر عبر الخرطوم عاصمة سودان المليون ميل مربع .
وعلى الرغم من أن حكم عسكر إنقلاب 17 نوفمبر 1958 إجتهد ونجح فى أعوام قليلة فى إنفاذ خطة تنمية ناجحة فى مجالات الزراعة والصناعة والعمل الدؤوب لتأسيس البنيات التحتية التى أثمرت فى رصف الطرق البرية و مد السكة الحديد وإنشاء عدد من المطارات وغيرها من المنجزات الحيوية ولكن وأد الديموقراطبية وكبت الحريات ومطاردة المواطنين الشرفاء واعتقال قادة العمل السياسى كانت هى أيضا السمة الأساس لنظام نوفمبر حتى وإن بدا مستأنسا لكنه لم يأنف حتى من إعتقال الفنان محمد وردى الذى إنضم للمظاهرات التى انتظمت الخرطوم محتجة على أتفاقية مياه النيل التى عقدها السودان مع مصر عام 1959 فى القاهره وما دعا مواطنو النوبة لمعارضة قرار تهجير سكان المنطقة التى ستغمرها بحيرة السد العالى المزمع إقامته جنوب مدينة أسوان نتيجة للإتفاقية تلك ومن الغرائب أن وردى كان من بين الكثيرين االذين أيدوا إنقلاب جنرالات نوفمبر1958 بقيادة الفريق إبراهيم عبود وقدم وردى نشيده الشهير الذى كتبه لهذه المناسبة الشاعر إسماعيل حسن عراب وردى وصديقه الحميم تقول كلمات النشيد التى ظنت أن الإنقلاب سيحرر السودانيين من قبضة الطائفية الدينية وأسواق النخاسة الحزبية التى تردت فيها الحياة السياسية وقتذاك :
فى 17 بعثت ثوره ثورتنا السلميه
جيشنا الباسل هب وعلاَّ راية الجمهوريه
فى 17 هب الشعب طرد جلادو
فى 17 راح الظلم الله لا عادو
لا ساده لا رعاع لاضماير تتباع ....إلخ
ولا تمر أعوام قليلة حتى تنفجر ثورة 21 اكتوبر عام 1964 قثد كان الشعب يريد إسقاط نظام عبود وفعلها حيث شهدت معظم المدن السودانية فى المديريات الشمالية مظاهرات عارمة إنتهت بما عرف باستخدام سلاح العصيان المدنى السلمى الذى شل الحياة وأرغم الجنرالات على التنحى وتسليم مقاليد الحكم لحكومة رأسها أستاذ قادم من خلف الصفوف إسمه سر الختم الخليفه ...
بينما كانت والثورة مشتعلة فى ايامها الأولى زاد أوارها بث نشيد (أصبح الصبح) الذى كتب كلماته الشاعر محمد الفيتورى ولحنه وأداه محمد وردى وظلت تردده الجماهير وكان لى شرف حفظه وترديده فى مدينة كسلا ... كانت كلمات النشيد فى الأصل تعبر عن الثورة الإفريقية والتنادى بشعاراتها وهتافاتها والأنتصار بها لأجل الحرية والديموقراطيه والتقدم يقول النشيد :
"أصبح الصبح فلا السجن ولا السجان باقى
وإذا الفجر جناحان يرفان عليك
وإذا الحزن الذى كحل هاتيك االمآقى
والذى شد وثاقا لوثاقِ
والذى بعثرنا فى كل وادى
فرحة نابعة من كل قلب يا بلادى" ...
بنشيد "اصبح الصبح" رسخ وردى مكانته صوتا متقدما للثورة والتغيير لأجل الحرية والديموقراطية فقدم فى عام 1965 أغنياته الوطنية الشهيرة بالأكتوبريات التى صاغها شعراء من جيل أكتوبر 64 فى مقدتهم الشاعر صلاح أحمد إيراهيم رحمه الله والشاعر محمد المكى إبراهيم .
رسخت أقدام وردى فى الساحة الفنية وزاحم كوكبة العمالقة أحمدالمصطفى/عثمان حسين حسن عطيه/ عبدالعزيز محمد داوود/ إبراهيم عوض/عثمان الشفيع/ سيد خليفه/ وغيرهم ممن أتيحت له فرصة الظهور فى خضم الحراك الفنى الذى إنتعش فى أثناء حكم 17 نوفمبر العسكرى وذلك بإنشاء المسرح القومى وتحديث إذاعة أمدرمان وإفتتاح محطة التلفزيون السودانى عام 1962 وهو ما زاد من دائرة المستمعين والمشاهدين بالإضافة إلى ظهور عدد من الكتاب والنقاد فى الصحف ويعتبر وردى من أكثر الذين إستفادوا من
هذا الزخم الإعلامى الضخم فى سنوات الستينات قدم فيها أعمالا غنائية أكدت رسوخ أقدامه وموهبيه الفذة فى التلحين ففى سنوات قليلة قدم وردى لجمهور المستمعين مثلا: المستحيل/ خاف من الله/ ذات الشامه/ مافى داعى/من غير ميعاد/الحبيب االعائد/ الطير المهاجر/ الود وغيرها كثير من الأغنيات الخفيفة الراقصة : بينى وبينك والأيام/ صدفه/ عذبنى/ما بنساك/ماتخجلى/هديه/حرمت الحب والريده/يا ناسينا...... وغيرها
كانت العاصمة هى مركز الحراك الغنائى والزخم الجماهيرى وهى غاية ما يحلم به فنان من الأقاليم ينتقل إليها ثم يجاز صوته فى الإذاعة وتسجل له أغنية أو أغنيتان وإذا واتاه الحظ تطلب إحدى أغنياته فى برنامج ما يطلبه المستمعونومن ثم ينطلق نجمه بين عشية وضحاها وقد سبقنا من كسلا أخونا الفنان إبراهيم حسين الذى كان بلا منازع فنان كسلا الأول وبعد مشاركته فى مهرجان منافسات المديريات التسع من على خشبة المسرح القومى عام 1962 وجد ترحيبا عاصميا دفعه ليجرب حظه فى الإذاعة وكللت مساعيه بالنجاح فصار أحد رموز الغناء فى العاصمة ومن ثم فى السودان وخارج السودان
أما وبرغم أننى مارست الفناء العام فى مناسبات الأعراس إلا أننى كنت ميالا للغناء فى "القعدات" تلك التى تجمع دائما علية القوم من كل أطياف المجتمع من موظفين كبار/ أطباء/
تجار/ مثقفين/ ضباط جيش وشرطه وسجون/أساتذة جامعات / وسياسيين ... وهذا العالم هو الذى سعى حثيثا ونجح فى أن يتم نقلى إلى الخرطوم محاسبا فى وزارة الماليه عام1966 وظللت أتنقل فى "قعدات" العاصمة خليفة "للفنان عبد الكريم الكابلى ملك القعدات الذى تخلى عنها بعد ما اندمج فى الحراك الغنائى العام وأصاب نجاحا كبيرا وكذلك أتاح لى أمير القعدات الراحل زيدان إبراهيم أن أستأثر بالمجال بعد أن ظفر أخيرا بموقع فى خارطة الغناء وحتى منتصف عام 1969 لم أكن قد إلتقيت بالأستاذ وردى حتى بعد أن أجيز صوتى عام 1968 بتشجيع من بعض الأصدقاء بحجة أننى مؤهل للغناء فى الإذاعة كغيرى ممن إلتحقوا بالوسط الفنى .... إلى أن جاء أمسية رائقة فى يوم إستثنائى ....
كنت نجم قعدة أقامها خصيصا الأخ خضر محمد أحمد ( المليونير خضر الشريف) سكرتير زير الخارجية ( أظنه الشيخ على عبدالرحمن رحمه الله) وكان ذلك قبل عدة شهور من إنقلاب مايو1969 ... دعى للقعدة نفر من معارف وأصدقاء المضيف فى أحد بيوت السكك الحديد فى وسط الخرطوم وقبل أن أبدأ الغناء أطل علينا وردى بقامته المديدة وكان قادما من مشاهدة مباراة بين الهلال وفريق أوروبى ( وأظنه فريق سويدى) فى الحقيقة لم يخيفنى وجود وردى ولكنى إنزعجت وخشيت أن ينصرف إليه الحاضرون ولكنه لما علم بالأمر جلس واستمع وكنت قد قررت أن أغنى عددا من أغنياتى دفعة واحدة تحسبا لما قد يحدث لو بدأ وردى بفاصل غنائى طويل ولكنى إكتفيت بغناء ثلاث أغنيات باللغة العربية الفصحى ثم قام واحد من المتشبرين وطلب من وردى أن يبدى رأيه فى مستواى فرد بدون تردد بالحرف ( والله مش بطال ... يجى منو) طبعا شكرت الأستاذ وردى وفى داخلى كان يعتمل عدم رضى فكيف يقول وردى "مش بطال" والجرائد تكتب عن الواعد الجديد القادم من كسلا وتهلل له وتبشر له بمستقبل باهر ويأتى وردى ليقول ببساطه ( مش بطال) وبعد فترة حكيت ماحدث للراحل على ميرغنى فقال لى ( ياخى بختك وردى مافى زول بيعجبو فى الغنا حتى الكبار ... مش بطال معناها وردى عجبو غناك وأجازك بدون تردد ) ومن يومها تأكد لى أن وردى شخصية من نوع مختلف .... واضح وصريح وأمين .. وتمر الأيام والعسكر يفعلونها ثانية دبابات فى الكبارى والحيشان الثلاثه (الإذاعه والمسرح والتلفزيون) ومارشات عسكرية ثم أطل العقيد جعفر محمد نميرى يزف للشعب السودانى البيان الأول وسقوط الديموقراطية الثانية وقيام سلطة جمعت بين القوميين العرب والشيوعيين ( وكله يسار)..
وجد إنقلاب مايو تأييدا جماهيريا كاسحا وسط طبقات الشعب السودانى وكان للتنظيمات الجماهيرية اليسارية الدور الكبير فى تحريك الجماهير بقيام المظاهرة المليونية الكبرى فى ميدان عبد المنعم الذى غصت به الكتل البشرية إحتفلا وتأييدا بمرور أسبوع من عمر إنقلاب مايو (ثورة مايو) ... وكان وردى من أكثر الفنانين حماسا للإنقلاب اليسارى والداعى للخروج فى تلك المظاهرة ولاأنسى اننا (نحن أعضاء إتحاد الفنانين والموسيقيين) قد شاركنا فى تلك المسيرة سيرا على الأقدام من أم درمان حتى ميدان عبد المنعم فى جنوب الخرطوم كنا نهتف بحياة ثوار الإنقلاب ونضال الشعب السودانى وأحيانا كنا نردد النشيد الذى لحنه الفنان الكبير شرحبيل أحمد لثورة مايو:
( قدم الخير عليك يا بلادنا ***فجر الثوره دا عيد أعيادنا )
الذى كشفت فيه فى مقالاتى الشهيرة عام 1974 حول السرقات الفنية أن النشيد مأخوذ بالحرف من لحن أغنية النجاح الشهيرة التى غناها عبد الحليم حافظ فى فيلم "يوم من عمرى "لحن الموسيقار منير مراد ويقول مطلعها :
( وحياة قلبى وأفراحو*** وهناه فى مساه وصباحو)
وكان أيضا وردى من بين الذين إتهمتهم بالسرقة الفنيه وما دريت أن ابواب جهنم قد أنفتحت فى مواجهتى دفاعا عن وردى .... المهم إنخرط وردى فى السياسة معلنا تأييده الكامل للإنقلاب ولم ينف شائعة إنضمامه للحزب الشيوعى وعلاقته بسكرتيره العام المرحوم عبد الخالق محجوب وكان أن كونت لجنة نصوص وألحان جديدة من ثلاثة أعضاء هم الشاعر الراحل على عبد القيوم ومحمد وردى ومحمد الأمين فأثمرت اللجنه نشيد " نحن رفاق الشهداء" فلم يجد رواجا بينما ذاع النشيد الذى كتبه الشاعر محجوب شريف وشاركه بالغناء دويتو الفنان محمد ميرغنى:
(يا فارسنا وحارسنا يا بيتنا ومدارسنا)
( كنا زمن نفتش ليك وجيتنا الليله كايسنا) ..... إلى أن يقول
(وبيك يا مايو يا سيف الفدا المسلول)
( نشق اعدانا عرض وطول)
ولكن ثوار مايو (مجلس قيادة الثوره) إختلفوا مع الحزب الشيوعى أسفر عن إقالة ثلاثة من أعضاء المجلس فى نوفمبر 1970 فوجد وردى نفسه فكريا وموالاة يقف مع جناح عبد الخالق محجوب المعادى لسياسات مجلس قيادة الثورة بقيادة الجنرال النميرى رئيس المجلس والمنشقين عن الحزب الشيوعى ...
ولما كنت لا أنكر إنتمائى للحزب الشيوعى عام 1965 لفترة قصيرة فى القضارف فقد
ظلت صلتى بقيادات الحزب حميمة فقد كانوا يرون فىَّ فقط (ولد) موهوب فى الغناء ترك الحزب ولم يتلوث مع الأحزاب الرجعية ومن هذا الواقع الإنتمائى بلا إلتزام توطدت علاقتى بوردى فكان يرى فى أفكارى ما يتلاءم معه فنيا وسياسيا بل لم تتغير فكرته عنى إلى آخر يوم زرته فيه فى أمسية السبت 19 نوفمبر قبل وفاته رحمه الله بثلاثة أشهر بالتمام والكمال فى يوم السبت 18 فبراير من هذا العام 2012 .
إنضم وردى طالبا بالدفعة الثانية عام 1970 فى معهد الموسيقى والمسرح والفنون الشعبية وكنت طالبا بالدفعة الأولى بالصف الثانى وقد تميزت الدفعة الثانية بنجوم زواهر أذكر منهم محمد وردى وبشير عباس وحمد الريح والطيب عبد الله وعبدالقادر سالم عبدالعظيم عبدالله يوسف (حركه) وزيدان إبراهيم ومن بين كل هؤلاء لم يستمر فى الدراسة سوى الطالب عبد القادر سالم واما وردى فقد كان طالبا منتظما ومتفوقا نافسنى فى رئاسة إتحاد الطلاب وفاز وانتقل متفوقا للصف الثانى وأظهر إمكانيات صوتية أوبرالية تينورية عالية تماما كالطالب المتميزعثمان مصطفى بدفعتنا الأولى الذى تلقى تدريبا صوتيا مكثفا قبل إلتحاقه بالمعهد على يد الموسيقارالإيطالى "إيزو مايستريلِّى".
لم ينقطع وردى عن الدراسة بسبب عدم الرغبة أوبالرسوب الأكاديمى كما حدث لغيره ولكن لأن وردى أقتيد حبيسا فى سجن كوبر ومعه الفنان محمد الأمين وعدد من الموسيقيين إثر تاييدهم إنقلاب 19 يوليو1971 الذى قاده الرائد هاشم العطا رحمه الله . ولكن قبل إنقلاب هاشم العطا وتحديدا فى أبريل 1971 قرر إتحاد الطلبه برئاسة الطالب وردى القيام بجولة فنية تضم كل المطربين والعازفين من طلاب المعهد وكونت لذلك فرقتين إتجهت الأولى إلى الجزيره وكسلا وأما فرقتنا فقد إتجهت مباشرة لكردفان لتقدم حفلاتها فى الأبيض والدلنج وكانت مكونة من الطلبة المطربين محمد وردى وعثمان مصطفى ومحمد ميرغنى وعبد القادر سالم وشخصى بالإضافة إلى الطلبة العازفين على ميرغنى والطيب خليفه الماحى سليمان محمد الحسن محمد أحمد وسالم الطيب وأمين السيد وغيرهم ممن لا تحضرنى أسماؤهم الآن..
ما من شك أن صحبة السفر تكشف معادن الرجال ولكنى أتذكر جيدا كرم وأريحية وردى فى كثير من مهمات ومتطلبات فرقتنا وهو يسافر مع طلاب ليس لديهم من معين سوى الإعانة الشهرية التى بدأت بسبعة جنيها وتوقفت عند 17 جنيها ونحن على أعتاب التخرج عام 1974 .
كان وردى قبل الإحتفال بالعيد الأول (لثورة مايو) قد تقدم بتسجيل نشيد ( حنتقدم ) ورفض بأمر مباشر من وزير الداخلية آنذاك وكنت بدورى قد سجلت نشيد "موسم الحصاد" للشاعر محمود خليل قبل عيد (الثور) بقليل وكان وردى حانقا على مايو ولم يكن يخفى ذلك ففى مرة قررنا أن نسمر مع بعضنا فى ليلة خالية من برنامج وظللنا نغنى ولفت نظرنا وجود صبى صغير كان يتابع الغناء وهويعزف على آلة الكلارينيت بشكل متمكن ومدهش وفى لحظة نشوة الطرب ونحن قوف متحلقين نتبادل مقاطع أغنية " جربت هواهم " إرتجل وردى شعرا وحرف بعض كلمات لم نعرها إهتماما ولكن ذلك الصبى الفنان جدا وقف مندهشا لما يسمع وفجأة ولى هاربا وكان هو المرحوم (عبد الله أميقو الذى تمر به الأيام طالبا بالمعهد ثم أستاذا فيه ... وبعد أيام سافرنا إلى الدلنج وغنينا فى مسرح السينما ثم كان أن إستضافنا الأستاذ محمد يوسف موسى وكيل بريد مدينة الدلنج ثم عدنا قافلين إلى الأبيض لنشارك فى زواج زميلنا الطالب عبد القادر سالم ...
تلك كانت أيام لا تنسى جمعت زملاء دراسة وموهبة وإخاء وكان لى شرف أن أكون قريبا جدا من الزميل الطالب المتيز الفنان الكبير محمد وردى الى حرك بوجوده طاقات إتحاد الطلبه وساهم كثيرا فى الدفع بالمعهد إلى مصاف المؤسسات التعليمية المتقدمة وكان من أوائل المدافعين عن المعهد فى كل المحافل ولم ألتق به فى المعهد وبتحويل بعد دخل السجن عام 1971 وحرم من مواصلة الدراسة بعد إطلاق سراحه عام 1973 ولسوف تمتد أيادى وردى على المعهد بعد ان أختير عضوا فى مجلس إدارة المعهد عام 1985 ولم تنقطع صلته إلا بعد تحويل المعهد إلى كلية وضمه جامعة السودان للعلوم والتكنولوجيا .
كان يطيب لى التحادث مع وردى متى ما أتيحت لى الفرصة وهى قليلة ونادرة وكان وردى يستطيب ذلك معى لأننى كنت أتفق معه بلا مواربة فى الكثير من الآراء والأفكار والقناعات الفنية والسياسية والثقافية وهذا لا ينفى أيضا وجود خلافات فى الرأى والمواقف أدت إلى موجهات لم ترق مطلقا لصدام أو قطيعة بيننا بل ظل وردى هو المبادر بتطييب خاطرى والسؤال عن أحوالى بينما كنت أحيانا أحس بشئ من الخجل على كلماتى المشاغبة اللسنة رحمه الله رحمة واسعة وأحسن إليه ولكل من وردت أسماؤهم فى هذا المقال وغادروا نيانا الفانية ....... والله الموفق
أيام مع وردى ..... لا تنسى
نوافذ عبر الأزمنة والأمكنه .....
المقالة السادسة
اليوم الرابع نوفمبر 1972
سنواتنا الأولى فى معهد الموسيقى والمسرح والفنون الشعبية كانت عالما جديدا علينا وعلى تاريخ الموسيقى فى السودان منذ أن أطلق الأستاذ محمد أحمد محجوب رئيس الوزراء قولته
( وفى مجال الموسيقى والمسرح فإننا قد بدأنا فى إنشاء المعهد العالى للموسيقى والفنون الشعبية لخلق نهضة فنية رائدة وبعث التراث القومى ) ... من خطاب الحكومة فى الدورة الأولى لإجتماع الجمعية التأسيسية عام 1968 ، وإلى أن إفتتحه الزعيم إسماعيل الأزهرى رئيس مجلس السيادة فى أبريل 1969 وتتأخر بداية الدراسة فى المعهد إلى أكتوبرعلى إثر حدوث إنقلاب مايو بعد أسابيع قليلة من إفتتاحه ...
دراسة الموسيقى كانت حلما بعيدا لعشرات من جيلنا الذى وجد نفسه فى منافسة حراك غنائى وصل ذروته فى ستينات القرن الماضى وكانت الساحة عامرة بالنجوم والكواكب والعمالقة من الموسيقيين ... وردى وآخرون لم يكونوا متحمسين لفكرة إنشاء معهد للموسيقى وآخرون كتبوا لقيادة الثورة يطلبون إلغاء المعهد ولكننا نجحنا فى تجاوز تلك العقبات الكأداء وأخيرا إقتنع وردى بجدوى دراسة الموسيقى بعدما شاهد وسمع وانبهر فتقدم بطلب الإنضمام للمعهد وقبل وبدخوله صار واحدا كغيره من الطلاب وما كان هو يرتدى عباءة النجومية مطلقا ...
الحياة الطلابية عموما لا تخلو من حوارات ونقاشات ومناكفات بين الزملاء ... كنا نشهد تنافسا خفيا ومعلنا بين وردى وحمد الريح لم يخرج عن إطاره كان وردى قد حرف إسم حمد الريح إلى حمد الرى وال "رى Re " هو إسم صوت موسيقى وفى المقابل أطلق حمد الريح إسم محمد دو.. رى وهما الصوتان Do" و Re " وكنا نحن من أطلق مصطلح (جقلره) على أسلوب العزف السماعى الإعتباطى غير المنظم وسنلاحظ أن وردى إستفاد كثيرا من وجوده فى المعهد قبل أن يسجن وبعد أن عاد وواصل الدراسة فى نهاية السبعينات ويظحر ذلك جليا فى تكثيف البروفات إلى درجة لم يعتادها العازفون من قبل فأغنية "قلت ارحل" ضربت رقما قياسيا فى عدد ساعات البرفات التى تجاوزت 50 ساعة فى حوالى 20 بروفه وكذلك فى أعنية " يا بلدى يا حبوب" التى كتبها الشاعر المبدع صديقنا سيد أحمد الحاردلو وقد شهدت عدا من بروفاتها ...بعد إحدى البروفات جالسته وسألته ( يا استاذ إنت بتلحن كيف ومتين خاصة فى أعمالك الكبيره ؟) وكعادته إذا اراد أن يستفزك إما متهربا من الإجابة أو رفضا للإجاب رد علىَّ ( إنت بتلحن كيف ؟) جاوبته إجابة لم يكن يتوقعها ( أنا بقرا وبذاكر بس قول لىْ ) أجابنى وردى بما يفيد أن المزاج يتحكم فى عملية التلحين وأن هناك أوقات لا يكف فيها عن التلحين صباح مساء واوقات لايقترب من العود أو البيانو مطلقا وربما تستمر لأيام أو أسابيع .. ثم ضحك ضحكة مجلجلة تعجبت لها وبعد أن تلاشت الضحكة قال ( هل تصدق ان مرات بلحن فى الحمام ) ثم أسر إلى بإسم واحدة من أجمل أغنياته التى ترنم بلحنها فى الحمام ,
ولما كنت مهتما بتاريخ الغناء الحديث ومتابعا للحراك الفنى منذ يفاعتى طفقت أحيانا أذكره بلمحات من تاريخه الغنائى الذى أحفظ كثيرا من تفاصيله ففى مرة قلت له فى المعهد (يا وردى هناك أغنيه ممتازه جدا إنت نسيتها تماما ) وقبل أن يسألنى ما هى أمسكت بالعود وبدأت أعزف المقدمة وقبل أن أكمل المقدمه صاح قائلا :
( دى جبتها من وين يا فلان ... إنت مصيبه ) ثم تناول العود الطالب الماحى سليمان وانخرطنا كلنا نغنى مع وردى وكجراى :
مافى داعى تقولى مافى
يا الربيع فى عطرو دافى
لهفة الشوق فى كلامك فى سلامك
وسر غرامك ماهو خافى .... مافى داعى
وفى لحظات تجمع الطلبة يقودهم على ميرغنى رحمه الله وانضموا لحفل فسحة الفطوروقد ولدت أغنية "مافى داعى" من جديد وعادت لمكان الصدارة عند وردى وفى الحفلات
ومع أن وردى على مدى سنوات قليلة قدم أفكارا لحنية جريئة ومتقدمة كانت من بينها أغنية "مافى داعى" (الأغنية الحسناء) التى كانت تتزيا بألوان الربيع بشاشة ومرحا ورشاقة وكانت مقدمة الأغنية منذ نغمتها الأولى سيال من تناغم راقص يتدافع مرحا مشبوبا بعاطفة جياشة صادقة لشاعرنا الكبير كجراى رحمه الله وقد أعجب وردى بالصفة التى أطلقتها على الأغنية ولكنه أردف قائلا ( ولكن كل اغنية عندما أقدمها لأول مرة هى حسناء عندى ) قلت له ( هذا تفسيرك من منطلق أبوتك وأمومتك لألحانك ولكن " مافى داعى" ولدت حسناء وستظل حسناء لأنها قدمت لنا بالكلمات وباللحن إحساس عاشقين (محب وحبيب) تماهيا فى حالة حب رهيف والمحب يذكر المحبوب بحلو اللما والذكريات علَّ قلبه يرق ويحنو:
"إرتعاشاتك بتحكى قصة أحلامك معايا"
"كل خفقه فى قلبى نغمه تحكى ليك شوقى وهوايا "
"انت فى بهجة شبابك وحبى ليك من غير نهايه " ..... "مافى داعى "
المدهش أن صوت وردى الواسع المساحة ظل محصورا فى منطقة وسطى خفيضه لم يتعداها إستجابة لرومانسية الكلمات وشفافية اللحن وهما يعبران عن هذا الحب الوادع الهفهاف ، فكان منطقيا أن يعطينا وردى شحنه هادئة تعبيرا عن عاطفة تسبح فى عالم سحرى وديع لشاعر هو الوداعة والشفافية رحم الله الشاعر كجراى الذى سعى لملاقاتى فى أسمراعام 1993 ضمن الوفد الرسمى والفنى الذى شارك به السودان فى الإحتفال بالعيد الأول لتحرير إريتريا .... أكرمنى بصحبته ومؤانسته ولطفه رحمه الله وأحسن إليه .
ختم وردى أغنية "ما فى داعى " بالكوبليه الذى يفيض حيوية وفرحا وتفاؤلا تحول إلى مهرجان تسابق إليه الكمان (الحنين ) و الأكورديون ( الظريف ) وتبادلا هذه الأشجان المتفائلة مع الأوركسترا ثم تتطوركلها تتداعى فى جملة سريعة أبدع وردى تركيبها فى متواليات تحسبها ستدور حول نفسها إلى ما لا نهاية ثم يتوج وردى هذا الفرح الغامر مندمجا فيه :
عشنا فى دنيا الصبابه
والسعاده فتحنا بابا
بهجة الدنيا وشبابا
إبتساماتك حبابا
وبعد كل هذا الفرح الكبير الجميل يأتى وردى بالجملة التى إستهل بها الكوبليه ويجعلها تدور وتدورحول نفسها ثم يقوم بإستدراجها إلى تذييل لحنى فى أول شكل من أشكال القفلات فى تاريخ الأغنية آنذاك وربما إلى الآن مع شبيهات قليلة.... وهكذا قدمت نفسها وبكل رونقها الجميل تلك الأغنية الجميلة الحسناء " ما فى داعى"
وفى مرة ذكرته باللحن الأول لأغنية "دورى يا أيام" للشاعر إسحق الحلنقى بعد أن أجرى البروفات على اللحن الجديد وعزفته على العود قال معلقا ( انا مرات انسى اللحن الأصل أقوم ألحن واحد جديد لكن بينى بينك اللحن التانى أحلى ) قلت ( بس لأنك إعتدت على الجديد وفرضو عليك الجمهور أو إنت فرضتو عليهم ) لم نتفق فى تحديد شكل العلاقى بين المستمعين والجمهور ومن يستجيب لمن ومن يؤثر فى الآخروماذا يكون رد فعل الفنان إذا لم يجد تجاوبا من الجمهور قال وردى بوضوح ( الاغنية ما بتقدم نفسها الفنان فى الأول لازم يعرف كيف يقدم نفسو أولا يمهد لتقديم أعمالو للجمهور بالإعلان وبالمظهرالعام بالحوارات وتجويد الأداء ويحترم فنو ويحترم نفسو) مازحته متحديا (طيب ليه أغنيه زى "مرحبا ياشوق" تسقط وغناء هايف ينجح ويلقى جماهيرية كاسحه ) رد وردى ( انا فى الحقيقه زعلت لأنى بذلت مجهود كبير فى أغنية "مرحبا ياشوق" وهى باللغة العربية الفصحى ..) قاطعته (وانت مالك ومال اللغه العربيه ما إنت كويس فى العامية اللغة الفصحى خليها لى ناسها زى الكابلى مثلا ) فاجانا قائلا ( هوأولا إسمو الكابولى مش الكابلى يعنى جاى من أفغانستان وأنا نوبى أصيل) ثم أردف متهكما ( مش بالله عيب الرطانه يغنو ليكم بالعربى أحسن منكم ... فى واحدين عاملين عرب كسرو اللغه العربيه عديل) وضرب أمثلة مقلدا عددا من المطربين فمن يرفع المجرور ومن يمد الساكن ومن ينطق الحاء هاء ومن ينطق القاف غين وتأكد لى أن منطق وردى دائما ينتصر حتى عندما يلوى عنق الحقيقة ولكن من المؤكد أن وردى رحمه الله إنسان لا يمكن إستفزازه مع أنه قدأحيانا يستفز الآخرين ....واصلنا الكلام حول التقليد فتحولنا إلى حالة هيستيرية مرحة من التقليد الساخر..كنت أجيد تقليد الكابلى واما زميلنا الطالب الماحى سليمان فقد كان مبدعا فى تقليد الفنان الرحل أحمد الجابرى وكذلك زميلنا الطالب محمد ميرغنى الذى كان يجيد اداء أغنيات الراحل أحمد المصطفى ..
وفى مرة ونحن نقضى لحظات ونسه سريعه سالنى وردى ( يا فلان إنشاء الله تكون سمعت أغنية "عصافيرالخريف" ... أنا غنيتها بالعود وأذيعت فى سهرة أمس وافتكر فيها شغل ما بطال" أجبته (الآن إتأكدت إنو "ما بطال" عندك هى " شغل كويس" وذكرته بتقييمه لى (عندما إلتقينا أول مرة عام 1969 فى بيت بلدياتك خضر محمد أحمد ... يعنى الأغنية ممتازه طالما إنت تواضعت فى تقييمها ) وافهمته أننى لم أستمع للسهرة واقترحت عليه أن
يسمعنا الأغنية وقد فعل وغناها لنا فى سانحة أخرى وبالمناسبة وردى حتى نهاية السبعينات كان مجيدا للعزف على العود من بين العديد مطربى ذلك الزمان النضير .
وردى كان معجبا جدا بأغنية " عصافير الخريف" التى أبدعها الشاعر إسحق الحلنقى وصور فيها أحاسيس متباينه عن الهجرة من الوطن والإغتراب عنه وفى الحقيقة شكلت كلمات القصيدة صورا شديدة الحساسية الوجدانية والصراع النفسى باللغة الموشاة بكلمات وتعابير ممعنة فى الرومانسية التى يمتلك ناصيتها ويجلس على عرشها الوسنان الفنان الشاعر إسحق الحلنقى عندما كان شابا يافعا يفيض حيوية وتدفقا شعريا وضعه فى سنوات قلائل من أشهر شعراء الأغنية وأكثرهم إنتاجا ....
أغنية "عصافير الخريف" بدأها وردى بمقدمة فى إيقاع التمتم المتمهل لأول مرة فقد كان يدخره وردى دائما إما فى داخل السياق أو فى الكوبليه الأخير فبرغم إستخدام وردى لعدد غير قليل من الإيقاعات ظل إيقاع التمتم أكثرها إستخداما فى أغنياته ( الطويلة) والراقصة ولذلك من الملفت والمستغرب أن تبدا مقدمة أغنية (عصافير الخريف) بإيقاع التمتم كأن منطق وردى فى هذا الإختيار هو أن رحلة أسراب الطيور المهاجره تتسم بالسرعة تقطع فيها الرحلة مسافات بعيدة لتصل إلى أوكارها وبنفس المنطق فإن هجرات الإنسان عبر التاريخ الإنسانى ظلت متسارعة لاتتوقف نفسيا وحركيا .
وقد وقفت طويلا أمام اللازمة الموسيقية ( العجيبه) التى ألفها وردى ليس فقط كجزء مكمل للتعبير الغنائى ولكن لأنها (اللازمة موسيقية) الأطول والأكثر تعقيدا فى بنائها الموسيقى وهى الأجمل بلا جدال ... قلت لوردى يوما بعد أن غناها بمصاحبة الأوركسترا ( دى أطول واجمل لازمه موسيقية إستمعت لها حتى الآن ...) إنفرجت أساريره وقال ( والله انا ذاتى ماعارف عملتها كيف ولحسن الحظ كنت سجلت اللازمه دى عشان ما أنساها ... فى الأول العازفين ذاتهم شافوها صعبه لكنهم بعدين حفظوها وعزفوها تمام وعجبتهم زيك كده وإنت أول زول يعلق عليها) ومازلت عندما أدندن أغنية عصافير الخريف تستعصى على أحيانا تلك اللازمه العجيبه فى كوبليه الختام :
غايب السنين الليله مالو غُنا العصافير غلَّبو ... اللازمه العجيبه
طرَّاهو زولا ً كان حنين كم رضَّى خاطرو وطيَّبو ... اللازمه تانى
سمَّع قليبو كلام حنين هدهدْ مشاعرو ودوَّبو ... ولآخر مره
والناس سعيدهم فى الحياه لا ضاق فراق لا جرَّبو ... العوده للمقدمه والختام
وقد ظلت تلك اللازمة الموسيقية تستأثر بإهتمامى من حين لآخر وليس على أغنية عصافير الخريف برغم جمال الكلمات واللحن معا ولا أدرى لذلك سببا سوى البعد الجمالى فى التركيب والحس الجمالى فمثلا كانت تأسرنى وما نزال مقدمة أغنية " زاد الشجون" للفنان محمد الأمين من كلمات الشاعر فضل الله محمد وأعتبر هذه المقدمة عملا موسيقيا مكتملا أبدعه محمد الأمين وإن كنت أعتقد أن لحن الأغنية جاء رتيبا جدا فاكتفيت معجبا بمقدمة الأغنية والأمثلة عندى كثيرة جدا ولكن لازمة وردى العجيبة ما برحت "تتاورنى" من حين لآخر حتى جاء يوم لحنت فيه أغنية " أسالمك فى عيون الناس " عام 1973للشاعر الفذ عبدالرحمن مكاوى ووجدتنى فى الكوبليه الثانى مدفوعا لتركيب لازمه موسيقية لاتقل طولا عن لازمة وردى فى أغنية " عصافير الخريف ولا أقول أننى قلدتها ولكن يبو أن إحساسى المهرجانى البهيج دفعنى لتصوير المعنى على إبتكار تلك اللازمه إثر لحن المقطعين كما لو أنها جملة موسيقية كاملة:
صباحك بالفرح نعسان عيون طفله وصباح عيدين .... اللازمه الطويله
حلاتك فايته كل الناس وفاتت طيبتك الطيبين .... اللازمة ذاتها
ومع أن " عصافير الخريف " و "اسالمك فى عيون الناس" لم يفصل بينهما زمن طويل لكننى قصدا لم أرد أن يعلم وردى بهذه اللازمة على أنها تشابه أو تقفى فكلتا اللازمتين
تختلفان مقاما وتركيبا وهذا لا ينفى مطلقا تمتع أستاذنا وردى بخيال موسيقى واسع فى كل ألحانه وإن تميزت بعضها على بعضها دون أن يؤثر ذلك عل قيمتها الفنية والجمالية ألارحم الله وردى وأحسن إليه وأنزله منزل صدق فى النَّدِىْ الأعلى...
وبالله التوفيق
أيام مع وردى ..... لا تنسى
نوافذ عبر الأزمنة والأمكنه .....
المقالة السابعة
اليوم الخامس ديسمبر 1973
لم تندمل الجراح ولم تهدأ النفوس طوال السنوات التى تلت عودة الجنرال النميرى ظافرا باطشا ولم يسلم من بطشه كل من شارك فى إنقلاب يوليو 1971 قتلا وسجنا وتعذيبا وتشريدا وقد كنت أحد القلائل الذين أفلتوا من عقوبة السجن وأكتفيت راضيا بعقوبة الفصل من الوظيفة ومن الدراسة فى معهد الموسيقى والمسرح ومن التعامل معى فى الإذاعة والتلفزيون لأننى أيدت إنقلاب الرائد هاشم العطا رحمه الله كما احتملت عقوبة التبليغ كل أسبوعين أمام سلطات الأمن العام فى الخرطوم ولم ترفع عنى تلك العقوبات إلا بعد التحقيق معى لآخر مرة فى ديسمبر1972 وبعد أشهر قليلة أطلق سراح السجين وردى وكان إحتفاؤنا به عظيما فى أوساط إتحاد الفنانين والكتاب والأدباء وجمهور وردى الغفيرفقد زادت جماهيرية وردى بين الناس يتسمعون أخباره ورفاقه ثم إكتسح وردى الساحة تماما وصار نجم الحفلات والفضل يعود لوردى على إثر هذه الجماهيرية فى رفع قيمة أجور الحفلات من بضع عشرات إلى الوف الجنيهات وبذلك إرتفعت أجور العازفين وقد أدى هذا التحول المهول إلى تراجع تعاقدات عدد كبير ن المطربين وبقى فوق السطح عدد قليل جدا من المطربين وظهرت لأول مرة بوادر الكساد الفنى الناجم عن إرتفاع الأجور مما أتاح الفرصة سانحة لظهور فئة جديدة من المغنين الشباب "الجوكيه أو البرنسات" الذين ركزو على تقليد كل الفنانين بأجور زهيدة فزاد الكساد كسادا.
دافع وردى عن نفسه فى الصحف بانه فقط قام بتقييم فنه برفع أجره فى المناسبات والحفلات وفى الإذاعة والتلفزيون وسيواصل مراجعة التقييم من حين لآخر وأنه كما قال
( يفخر بأن له شرف رفع قيمة الفنان المنتج المبدع وأن ظهور المقلدين من المفروض أن يحفز الآخرين ليجددو ويجودو أعمالهم كما أفعل أنا دايما ... ما معقول ناس يرددو أغنيات غنوها قبل عشرين أو تلاتين سنه ... هذا إفلاس عديل)
غير أن التعتيم على بث أغنيات وردى والإقلال من ظهوره فى التلفزيون كان أمرا واضحا بين سلطة مايو وكل المحسوبين على اليسار الأمر الذى أدى إلى إنشقاق واضح بين مؤيدى النظام والمعارضين وعلى رأسهم كان وردى ...ولسوف يذكر التاريخ أولئك الذين ألبوا علينا سلطة مايو فى الإتحاد ولم يكونوا يخفون نواياهم التى كانت تستهدف وردى تحديدا وإسكات صوته لأن عودة وردى والتفاف الحماهير حوله صار مهددا لوجودهم .
كنا جلوسا فى حديقة الإتحاد ومن عادة وردى أن كان يداوم على الجلوس فى مكان لا يغيره وما كان يجلس معه ‘لا عدد قليل من الأعضاء أو بعض من ضيوفه وكان أن بدأنا الحديث عن بروفات أغنيته الجديدة " قلت أرحل" للشاعر الشاب التيجانى سعيد الذى غنى له وردى من قبل أغنية " من غير ميعاد" ...
كان وردى يجرى بروفات أغنيته (قلت ارحل) ويشرف على كل كبيرة وصغيرة فيها وإذا سمح لك وردى بحضور البروفات ( النهائية) فسيتكشف لك أنك أمام شخصية إجتمعت فيها كل صفات القياده مع فهم كامل لشكل الأداء بكل تفاصيله وكنت أحسب أن يذاكر خطة البروفة يوميا قبل بدايتها ولكن من مشاهدتى عن كثب ومشاركتى ( كورس ) فى بعض أعماله فقد كان وردى يوجه العازفين بكل شئ بل كان لا يتردد فى نقد أوتوبيخ من لا يلتزمون بتوجيهاته أو يترددون فى الأداء أحيانا كانت تطرأ عليه فكرة جديدة أثناء البروفات (كإدخال آلة الساكسفون صولو على الأوركسترالأول مرة التى برع فيها العازف المخضرم محمد الحسن الشايقى فى أغنية " من غير ميعاد" ) ومن غير المعلوم أن وردى كان يقبل التعديلات التى قد يقترحها العازفون وفى هذا الصدد قال لى بكل حزم وثقة
( حتى لو عجبتنى الفكره ما بقبلها عشان ما يجى واحد بعدين يقول أنا شاركت وردى فى كذا وكذا ويزور التاريخ .... العندو مازوره واحده أضافها فى الحانى خلى يقول الكلام دا علنا إنشاء الله فى لعبة هلال مريخ .... بعدين يا أنس الأسلوب معروف وانت عارف كده كويس ) ثم واصل ( انا قبل كل شئ بتعب نفسى عشان يكون شكل الأغنيه واضح حتى فى الحاجات الصغيره وتانيا بجيب عازف عود متميز أحفظو اللحن ويشارك معاى فى تحفيظ العازفين ) قلت له ( الكاشف كان بيعمل كده ) رد على (الكاشف ما كان بيعزف ولا كان بيلحن بآله موسيقية كان بيترنم باللحن لغاية مايحفظو وبعدين يحفِّظو عازف عود ... وانا احيانا كنت أعمل البروفات بالعود براى ) ..
كانت بروفات " قلت ارحل" تجرى فى الجانب الغربى فى دار إتحاد الفنانين على شارع النيل الملاصق لمنزل (البلابل) بعيدا عن مكان تجمع الأعضاء والبروفات التى كانت تجرى فى إحدى الصالات الداخليه) وما أن بدأت تظهر ملامح الأغنية ودخلت فى طور التجويد حرصت على متابعنها بإنتظام والمشهد أمامى كانه حدث بالأمس : وردى وبشير عباس على العود فى مواجهة بقية الفرقة الموسيقية الفخمة الضخمة وأخشى إن أشرت للأسماء ان أنسى أسماء أخرى ولكنها عموما ضمت أمهر العازفين آنذاك إذ لم يعرف عن وردى أنه يضم لفرقته عازفا إلا إذا تأكد من مستواه الحرفى ( التكنيك ) وكان الشاب الموهوب أحمد بريس أصغر عازف كمان فى فرقة وردى وسط الكبار : على ميرغنى وعبدالله عربى ومحمديه وصلاح خليل بل أعطى وردى هذا العازف الشاب فرصة العزف صولو تشجيعا بعد إقتناع ولم يعترض الكبار على ذلك وقد أكد لى نفسه زميل الدراسة فى المعهد العازف أحمد بريس القليل مما ذكرت فى علاقته بوردى ...
لقد كتبت وعلقت كثيرا على أغنية " قلت ارحل" وخلصت بعد أن قمت بتحليلها ونشرالتحليل فى جريدة (الصحافة ) عام 2001 أن وردى بأغنية "قلت ارحل) وصل بمسيرة الأغنية إلى نهاية مطافها من حيث أن شكل القالب والبناء اللحنى والغناء إستنزفت كل الخصائص التى كان يجب أن يتسم بها غناء مرحلة ما يسمى إصطلاحيا بغناء المدرسة الفنية الثانية الذى إبتدعه دكتور الفاتح الطاهر فى رسالته للدكتوراه .
كانت أغنية " قلت ارحل" فى تقديرى ختاما تاما لسلسلة من الأغنيات التى نحا فيها وردى نحوا تجديديا متدرجا منذ أن إرهاص أغنية " بعد إيه " مرورا بالعشرة الكبريات
1. المستحيل
2. خاف من الله
3. الطير المهاجر
4. الحبيب العائد
5. مرحبا يا شوق
6. الود
7. بناديها
8. الحزن القديم
9. جميله ومستحيله
10. قلت أرحل ( اخيرا )
قد يختلف معى آخرون ممن يؤرخون لوردى رحمه الله ولكنى توصلت لهذه القناعة بعد
متابعة دؤوبة وقراءة متأنية لمجمل الإنتاج الغنائى عموما الذى اتيح لى الإستماع إليه ومعايشته والإرتباط به ومدارسته على مدى خمسة عقود خلت . وأما عن النحو التجديدى فى إنتاج وردى فهو لم يكن على نسق طردى متصاعد بدرجات متساوية وإذا ما طلب منى إختيار ثلاث أغنيات تقف شاهدة على التطور التجديدى المتصاعد فإننى لن أتردد فى إختيار:
1. الطير المهاجر
2. بناديها
3. قلت أرحل .
وهناك مثلا أغنيات عديدة أبدعها وردى وكنت قد تطرقنا لهذا الأمر مع وردى فى حضور عابر لأحد أبنائه وذلك فى آخر زيارة لى معه يوم 19 نوفمبر 2011 واتفقنا على تصدر القائمه بالأغنيات العشر المشار إليها ولكن هناك أغنيات أخرى لها أعمية مقدرة مثل :
1. بعد إيه
2. ذات الشامه
3. بينى وبينك والأيام
4. يا ناسينا
5. ليالى اللقاء
6. عذبنى
7. مافى داعى
8. عصافير الخريف
9. أعز الناس
10. المرسال
11. سلاف الغنا
قامت الدنيا ولم تقغد عندما قدم وردى أغنية "وا أسفاى" .... بعض الكتاب من أهل اليسار زعموا أن كلمات إسماعيل حسن موغلة فى سلفية فكرية بائسة وآخرون رجموها بالإرتماء فى أحضان القدرية المفرطة وغيرهم لم ير فيها جديدا موسيقيا وكنت من بين هؤلاء لأن وردى كمفكر يسارى أو شيوعى أو على الأقل زول ليبرالى ما كان ليتناول "أسفاى" لو أحس بأن نصها قدرى أوسلفى ولما سألته بعد سنين فى لقاء خاص جمعنا فى ضيافة زميلنا
الأستاذ عثمان مصطفى سألته ( لماذا يا أستاذ وردى لحنت إغنية أسفاى مباشرة بعد أغنية
قلت أرحل وأنت تعلم أنها Masterpiece تحفه وليس هناك وجه مقارنه بين الأغنيتين
فى كل شى هل هى مجازفه منك ) رد على بهدوء وبفلسفة لم أتوقعها وما زلت أتذكر تعبيراته قائلا ( أولا يا أنس الفنان عمرو ماكان مبرمج فى فكرو وفى فنو ... الفنان الحقيقى حر ولازم يكون فنو حر ومن حقويختار حتى لى كان إختيارو ما موفق ... كلمات أسفاى جميلة إخترتها عشان أعمل تواصل جديد مع إسماعيل حسن وتانى قلت أجرب التلحين بعد خروجى من السجن ) وبعد نقاش طويل حول الفنان وموقفه من الواقع السياسى والإجتماعى ... كنت دائما أركز على أن الفنان ممكن يكون ملتزم لا منتم أو منتم لا ملتزما ولكن أن يكون ملتزما ومنتميا فى آن واحد فهذا صعب جدا على المبدع وعلى
عطائه الفنى لأن أصبح خاضعا للإلتزام السياسى الذى يقوده فكر سياسى واجب) ومع أن البعض فى القعده أيدنى واصل وردى قائلا ( أهو انا لحنت أسفاي وما عجبت الهاجمونى من الشيوعيين واليساريين ) قلت أغير دفة الحديث ومؤانستنا التى كان يتخللها تبادل الغناء بيننا وخشيت أن ينزلق الحوار إلى فضاء سياسى مطلق فقلت له موجها الحديث للمجموعه ( انا افتكر إنوأغنية " أسفاى "هى النسخة المكمله لأغنية " المستحيل " أو ربما نسخة جديدة لنفس الشاعر إسماعيل حسن وبنفس الفلسفة القدرية اللا إراديه فكلتاهما تتطابقان حتى فى التعابير والمفردات رغم ما تفصلهما من سنوات عديده... هل هذا حنين للماضى أم محاولة إعادة إنتاج تجربة أغنية المستحيل ) رد وردى (أبدا لأن الفنان البيستعيد تجاربو مفلس مع أنى لم انتبه للعلاقة التى تربط الأغنيتين بعدين الحب دا الناس بيغنو ليهو بطرق كتيره ومعانى مختلفه وكل شاعر عندو أسلوبو ولغتو وانا برضو كملحن عندى أسلوبى ولغتى وتعبير أتميز بيها .. أغنية أسفاى ما زاحمت أغانى تلك المرحله خاصة بعد "قلت أرحل") ...
صحيح فقد شهد عقد السبعينات رسوخ أقدام زيدان إبراهيم وأبوعركى البخيت وانطلاق نجومية التاج مكى وإثبات مكانة متقدمة لفنانى الغرب عبد القادر سالم وصديق عباس وإبراهيم موسى أبا واكتساح ثلاثى "البلابل" وبزوغ مدرسة جديدة فى التلحين يقودها عمر الشاعر وناجى القدسى وأنس العاقب ( الذى إنصرف إلى التأليف والتلحين للدراما فى الإذاعة والمسرح والتلفزيون) ...
أطل عام 1974 أنشغل فيه وردى بالحفلات العامة والمناسبات فى العاصمة والأقاليم وانشغلت أنا مع الدفعة إستعدادا لأمتحانات التخرج فى معهد الموسيقى والمسرح والفنون الشعبية بعد إنقضاء خمس سنوات قضتها دفعتنا الأولى فلم نعد نلتقى ( وردى وشخصى) حتى بداية إمتحانات التخرج فى مارس 1974 عدت بعدها إلى موقعى سكرتيرا للراحل حسب الرسول أحمد عرابى وكيل وزارة المالية والتجارة ( الوزارة الكبيرة)
لكن قبل أن يوافق الوكيل عرابى على طلب إعارتى للمعهد معيدا بخطاب رقيق من وكيل وزارة الثقافة الأستاذ الفنان إبراهيم الصلحى قررت أن أجرب الكتابة فى موضوع السرقات الفنية من زاوية قانون حق الأداء العلنى Right of Public Performance وشجعنى على نشرها فى جريدة "الصحافة" زميلى فى الوزارة الشاعر والمحرروالناقد الفنى سليمان عبد الجليل رحمه الله وأحسن إليه ومع أن الحلقات تعرضت لسرقات وإقتباسات عدد من أهل الغناء كان من بينهم الأستاذ بشير عباس والفنان الراحل سيد خليفه الفنان شرحبيل أحمد والفنان محمد الأمين ، لكن مقالتى عن الفنان الكبير وردى فجرت براكين غضب صبت جام حممها علىَّ وقادها بعنف الراحل جمعة جابر ( الذى صار فيما بعد من أعز الأصدقاء) فمن هو أنس العاقب ومن أين أتى هذا الذى يهاجم وردى العظيم كذبا وأفتراءً وبحثا عن الشهرة.
تطورت الردود المكتوبة إلى السباب والإعتداء البدنى والتهديد والوعيد ولا اريد هنا أن أسوق لذلك امثلة شهدها ويشهدا بها أصحاب وأصدقاء .... ولكن برغم ما لحقنى لا أنكر أبدا أننى كنت سعيدا بنجومية الكتابه بعد تراجع نجومية الغناء التى ضحيت بها لصالح دراسة الموسيقى فى معهد الموسيقى والمسرح كما أن تخصص التأليف الموسيقى أتاح لى بالطبع فهما عمليا وعلميا مكننى من تحليل أى عمل موسيقى منطلقا من منطق الذائقة الجمالية والقيمة الفنية للشكل والأداء وقد حرصت وما أزال ألا تنزلق كتاباتى فى ما يسمى بالنقد العلمى أو التحليل الأكاديمى وإن كنت كمؤلف من بين أقدر من يتناولهما وبكل تعقيداتهما وكنت دائما أقول كيف يمكن مخاطبة مواطن بسيط ومواطن آخر على درجة عالية من العلم يتفقان وجدانيا فى الإنفعال بأغنية ما وهل كلاهما قادران على إستيعاب النقد الأكاديمى ؟؟ طبعا لا وهذاهو مربط الفرس عندى .
أما علاقتى بالأستاذ وردى وإن توترت وأصابها شئ من الفتور ، بيد أنها لم تصل مطلقا لحد القطيعة التى كان يؤججها كثيرون فى الوسط الفنى وكان وردى هو دائما المبادر بالتواصل وترطيب العلاقة بيننا وكان يعتبرنى من أفضل النقاد وقد أعلن ذلك مرارا وأوصانى أن اتخصص في النقد إلى جانب التأليف الموسيقى عندما إبتعثت عام 1976 لنيل دراسات عليا فى ألمانيا الشرقية (سابقا)....
رحم الله وردى وغفر له وأحسن إليه وانزله منزل صدق فى النَّدِىِّ الأعلى .... آمين
والله الموفق ....
فى ذكرى أربعينية وردى
مقالات كتبت قبل الرحيل
قلت أرحل ..... أغنية الأغنيات
المقالة الأولى بعض كلام حول القصيدة
(قلت أرحل) كتبها التيجانى سعيد شعرا تجاوز به التقليدية الرومانسية والتجديدية الرمزية .... أو لعله أراد أن يدمجهما معا .
إنفعل وردى بالقصيدة وفهمها بعمق وهو حبيس سجن كوبر على إثر إحباط إنقلاب يوليو1971 مطيحا بالجنرال نميرى الذى هو استولى على الحكم بإنقلاب مايو 1969 ... وبهذا الفهم وهو بين جدران السجن جاءت فكرة اللحن عند وردى لتعبر عن جيشان عاطفى وإحساس عميق بالضياع ، ويقين ثابت مفعم بالآمال وفى خضم هذه المشاعر لم ينس وردى بالطبع ذلك البعد الإنسانى الذى قصده الشاعر التيجانى سعيد .
وفى الحقيقة منذ أن إستمعت إلى أغنية (قلت أرحل) فى النصف الثانى من عام 1973 بعد أن أطلق سراحه وأثناء التدريبات التى كان يشرف عليها وردى بنفسه فى دار إتحاد الفنانين ، وجدتنى مع آخرين منجذبا تماما لهذه الأغنية التى كانت تمثل أسلوبا جديدا ينسب لوردى فقط ولا ينسب لمرحلة الحداثة عموما .
الأغنية كما ذكر لى وردى أنه لحنها فى السجن بلا إعتماد على آلة موسيقية و لم يغير السلم الذى كانت عليه بعد إطلاق سراحه.... وفى رده لى حول الفكرة اللحنية الجديدة التى تميزت بها الأغنية قال لى وردى .. (إن الزمن فى السجن يتيح لك مجالا للتفكير الطويل العميق سيما وأن الإحساس فى السجن بفقدان الحرية يجمد فى دواخل الإنسان أحاسيسه الطبيعية الحياتيه ، بحثت عن الفكرة اللحنية وعندما وجدتها بعد محاولات كثيره أخذت أرددها باستمرار إلى أن إكتمل بها البناء اللحنى) ...واستطرد قائلا ....(وبالمناسبه أنا كنت أغنى " قلت أرحل" لرفاقى فى السجن فى مراحل تلحينها الأخيرة بغرض الحفظ والتجويد ولأجل الترفيه أيضا وكذلك لأجل المحافظة على لياقتى الصوتية وطلاقة الأداء.)
وتوالت (البروفات) ... ولا أنسى البروفة الختامية ... وردى وقد بدت عليه علاما الرضا مع شئ من القلق ...والأستاذ الموسيقار الكبير ملك العود بشير عباس يداعب الأوتار وتداعبه فقد كان العود فى ذلك الزمان الرطيب آلة أساسية فى الأوركسترا على الرغم من أن الفضل يعود لوردى فى تضخيم الأوركسترا بمضاعفة عددها وبخاصة فى قسمى الوتريات والكهربائيات ، لكنه حافظ على مكانة آلة العود فى تدريبات " قلت ارحل" التى إفتتح بها موسمه الغنائى عائدا لجمهوره فى أول حفل يقام فى شتاء 1973 بحدائق المقرن "زمان" إنطلق يغنى حرا فى الهواء الطلق بعد أن نال حريته .
قلت مرة لأحد الأصدقاء الموسيقيين أعتقد أن أغنية قلت أرحل هى فى تقديرى ثانى أعظم الأغنيات على الإطلاق فى تاريخنا الحديث بعد أغنية عازه فى هواك للعظيم خليل فرح "بلديات وردى" والتى لا يختلف إثنان على أنها ستظل متربعة على القمه ما بقى الزمان (وبهذه المناسبة فقد جاء وردى للدنيا بعد رحيل خليل فرح عنها ببضعة أسابيع من عام 1932) .
ما من شك أن أغنية ( قلت أرحل) قد تكاملت فيها كل العناصر الموضوعية والنفسية لتجعل منها أغنية تخرج للوجود ليثبت بها وردى أن شاعرا مقلا فى كتابة الشعر الغنائى تمكن أيضا برؤية نافذة ببصيرة الشعر من أن يخترق حجب المعانى العصية فى ترجمة الحس الوجدانى الكامن بين عاطفة الحب الإنسانى وبين الإنتماء والإلتزام بحب الوطن وكبف تماهت هذه الأحاسيس الموغلة فى التعبير عن تلك الحالة العارمة المصطخبة وجدا ونداء وأسى وضياع ....
ترى هل يحتمل الشاعر وحده كل هذه الأحاسيس المثقلة بالحب الجارف والخوف من عذاب فى الحب يستدرجه ثم يقوده إلى التوهان والضياع شريدا فى الأرض الفسيحة أو مضيعا بين سجن الوطن الكبير أم فى مرارة الإختباء فى منفى الذات وكلها العذاب بعينه ..
إذن كانت قصيدة شيخنا التيجانى سعيد هى العنصر الأساس الذى دفع بوردى ليتناول القصيدة فتسربلها أو تسربلته وهو قابع فى ركن مظلم بإحدى زنازين سجن كوبرCooper يتأمل بوعى كامل ما آل إليه حال الوطن وحاله ( وآخرين) كمبدع ذنبه أنه أيد إنقلابا ضد إنقلاب كان هو أيضا من مؤيديه ... ويا للتناقض المفجع....
كل الإنقلابات هى فى حقيقتها إغتصاب للسلطة بقوة السلاح وهى فى كل الأحوال حرمان من الحرية وهاهو وردى الآن محروم أيضا من الحرية الشخصية والإبداعية يقبع فى زنزانة صغيرة يحلم بالشمس والناس والطيور والفضاء فوجد فى القصيدة ملاذا وحرية يعود بها لفنه بل ليعيد إكتشاف نفسه فى أغنية ستكون هى المنتهى بمقاييس ومعايير وخصائس تباشير وإرهاصات الحداثة الفنية التى أطلقها خليل فرح ؛
وردى وصل بأغنية (قلت ارحل) إلى منتهى خصائص مدرسة الحداثة الغنائية لأنه إستنفدها تماما وأنه لا وردى ولا غيره بقادر على تجاوز (قلت ارحل) إلابالعودة من جديد للرومانسية إلابظهور الكلاسكية الجديدة كمدرسة فى التجديد ( المقامى والأوركسترالى واستنباط أساليب غنائية مبتكره كالجمع بين الأداء الغنائى والرقص الشعبى أوالتعبيرى والعودة للتراث الغنائى القديم المعاصر) .
أستاذنا التيجانى سعيد كتب أغنية (قلت أرحل) متجاوزا بها المفهوم التقليدى للرومانسية بل تجاوز حتى مدرسة التجديد الرمزى ( الحزن القديم/ بناديها لعمر الدوش ... الجميله ومستحيله لمحجوب شريف) ، وإن بدا الشاعر التيجانى سعيد فى ظاهر المعانى رومانسيا كما فى أغنية من غير ميعاد التى لحنها وغناها وردى قبل (قلت أرحل) :
من غير ميعاد واللقيا أجمل فى الحقيقه بلا انتظار
صحيتى فى نفسى الوجود ورجعت لعيونى النهار
ومع ذلك فإننى أميل إلى الإعتقاد بأن (قلت ارحل) تحمل كثيرا من خافيات المعانى فهى تبدو فى ظاهرها وكما أسلفت حالة عارمة من وجع لمحب أسيان ملتاث لم يجد بدا من الإبتعاد هربا ليعود منه راضيا بعذاب العودة فهو إذن يهرب من عذاب ليرتمى فى عذاب آخر .... وما إقساهما :
قلت أرحل / بدون عينيك / رحلت وجيت / .....
زمان الغربه والتبريح بسيبو / وانت معايا لا بندم ....
أصلو العمر كان / كان / كان ....
سقيتو بكا وقبضت الريح ....
رحلت وجيت / فى بعدك لقيت / كل الأرض منفى ....
لماذا إذن قرر هذا المحب ( المكتول كمد) الرحيل هربا من المحبوب ؟ أيهما يستعذب المحب ؟ جفاء المحبوب أم الضياع وقبض الريح !!!؟؟ هذا ما سنحاول إستجلاءه بالكشف عن المعانى الدفينة التى كانت فى إشاراتها أحيانا أبلغ من الإفصاح عنها شعرا وغناءً .
فى المقطع الأول تفاجؤك كلمات الشاعربهذا التحدى اليائس المكابر .... ثم يعود هذا الشاعر ليسافر فى عيون محبوبته بعد أن خذلته كل المنافى التى رحل إليها هربا .. يعود فى عيون لا تتغازل فيهما خلجان العسل وبحيرات العسجد والألوان ولكن ليتمثل فيها صادق البوح وصدق الجمال وكل ماهو جميل ... ولكن عندما يعلن الشاعر صراحة (بدون عينيك بصبح زول بدون ذكرى وبدون ميلاد ) فهو هنا وبلا مواربة يتخلى عن البلاغة الشعريه فى إستحثاث عطف المحبوب بل يتفجرجيشانا مفصحا عن حب جارف للوطن وحزن طاغ عليه وهو الذى سبق هذا المقطع بقوله ( رحلت وجيت لقيت كل الأرض منفى ) هو هنا يتخيل رحيله وعودته ولكنه فى الحقيقة كان يترجم حالة حب وحزن لوطن أحبه هو وحزن عليه .... لماذا ؟ لماذا ؟ لماذا ؟ ؟ ؟
فى ختام القصيدة يتبين من القراءة السريعة أن الشاعر بعد هربه بالرحيل ثم العودة للمحبوب تتجلى فى عينيه كل المعانى الجميلة للوطن الجميل فقرر الشاعر
أن يترك الماضى خلفه بكل أحزانه وضياعه وأن لا أمل إلا فى العوده ... فالوطن هو الحرية حتى لو كان قد تحول إلى سجن كبير فلربما يكون الوطن سجنا مؤقتا ولكنه لن يكون أبدا منفى لشاعر ذلك لأن المبدع الحقيقى هو الذى بإبداعه يؤكد الحرية للآخرين حتى ولودفع هو حريته وحياته ثمنا للحرية .
قد يكون هذا رأيى مكتوبا على صفحات الورق أو أكون أيضا قد سرحت بالقصيدة بعيدا على غير ما قصد الشاعر التيجانى سعيد وهو الذى لا يبارى شعرا ونقدا ومنطقا وفلسفة ومازلت أذكر له ميله الشديد نحو تجديد الشعر والخروج به إلى فضاء أوسع وارحب فبرهن على ذلك فى ديوانه ( قصائد برمائية) ... يا رعى الله زمانا كنا ننعم فيه بالبحث الدؤوب الجاد عن المعرفة فكان كل من يحمل شمعة مضيئة... إنطفأت بعضها بالرحيل أو بفعل الزمن أو أطفأت بفعل فاعل أو لربما خبا ضوءها وانحبس صوتها وقليل منها ما يزال يومض من على البعد مترقبا... منتظرا ....!!!
والآن .... وقد تخيل الشاعر أنه هرب من حال محب بئيس يهرب من بؤسه إلى عذابات المنفى ثم يعود مختار ليرتمى فى أحضان عذابات الوطن ظالما أو مظلوما .. ولكن خيال الشعر وإن ظل (يرتاد الثريا) لكن قصيدة (قلت أرحل) فى بعض معناها صارت حقيقة ماثلة تشكل إحساس كل الذين لم يكونوا ليرحلوا ولكنهم بالفعل رحلوا ويظل أولهم ذلك الفنان النادر محمد عثمان وردى بل وردى فقط ولن يكون فى الراحلين آخرهم وكأن المعانى الجياشة فى أغنية (قلت أرحل)هى التى تتأوه ثانية تائهة فى انتظار عودة الفنان الكبير من منفاه وهو الذى غنى :
عيونك زى .. / وزى ../ وزى كلمات بتتأوه تتوه لمن يجى الميعاد
فإلى متى تظل هكذا تتأوه تائهة ؟ ومتى يأتى ذلك الميعاد ؟؟؟
عندما أطلق الموسيقار العظيم يتهوفن (1827 – 1770) قولته المدوية ( الحرية فوق الجميع Freedom Above All ) كان كمن يطلق المارد من القمقم فقد كان بيتهوفن يعلم جيدا ويدرك تماما أنه سيواجه الأرستقراطية الحاكمة فى عموم أوروبا وبالتحديد فى فيينا عاصمة الأرستقراطية الموسيقيه أيضا... نجح بيتهوفن فى إخضاعهما معا فكل فنان عظيم يحدثنا التاريخ أنه عندما يصدق حقا مع نفسه يخلد بفنه ....
هذا المقال كان هو الأول فى سلسلة المقالات التى نشرتها جريدة الصحافة الغراء فى أبريل من عام 2001 تناولت فيها بالتحليل بعضا من أغنيات وردى رحمه الله وأحسن إليه وقد أجريت عليها تعديلات صياغية طفيفة جدا ما أظنها ستؤثر على سياق المقال الأصل ... فمعذرة للقارئ .
فى ذكرى أربعينية وردى
مقالات كتبت قبل الرحيل
المقالة الثانية قلت أرحل ..... أغنية الأغنيات
وردى والمعمار اللحنى لقصيدة (قلت أرحل)
تبدا قصيدة الأستاذ التيجانى سعيد :
قلت أرحل .....
أسوق خطواتى من زولاً نسى الإلفه
أهوم ليل أساهر ليل أتوه من مرفا لى مرفا
أبدل ريد بعد ريدك عشان يمكن يكون أوفى
رحلت وجيت فى بعدك لقيت كل الأرض منفى
هكذا بدا مطلع القصيدة الرائعة التى أبدع صياغتها ورسمها أستاذنا الشاعر التيجانى سعيد وأحبها الفنان الكبير محمد وردى فقام وهو سجين ليس فقط بترجمتها ولكنه صاغ عمرانها اللحنى متجاوزا بذلك كل تاريخ مدرسة الحداثة التى بشر بها خليل فرح ثم إنبثق تيارها فى أربعينات القرن العشرين الماضى لأن وردى صورالقصيدة فى نهاية الأمر من منطلق فهم عميق لمضمونها مضيفا إليه إحساسه هو بأدائه الفريد الذى لا يبارى .
تبدأ الأوركسترا بلحن إستهلالى قوى النبرات يحمل نفس سمات اللحن الإستهلالى لأغنية (الطير المهاجر) للشاعر صلاح أحمد إبراهيم رحمه الله مع ما يفصل الأغنيتين من سنوات ، ومع ذلك فإننى ( مجتهدا) أميل إلى وجود ثنائية مشتركة بينهما فكلتاهما تئن حنينا للوطن بعد مهاجرة أوعودة إليه برحيل لربما هربا منه إليه ...
هذا اللحن الإستهلالى قوى النبرات بطئ الإيقاع يفتتح به وردى المقدمة الموسيقية لتعبر عن أحاسيس متباينة ومتداخلة ومتأرجحة بين الحيرة والحزن والتفاؤل وقد صاغ وردى المقدمة فى نسيج آحادى ( مونوفونى مُحْكم) ثم لكى لا يتمادى اللحن الإستهلالى فى التكرار يتسلل الأكورديون بشجاعة ويقدم نفسه فى جملة لحنية تنساب شجنا وحنينا دافقا وقبل أن يلتقط الأكورديون أنفاسه ليعيد جملته اللحنيه تتدخل مجموعة الوتريات لتعيد نفس الجملة فى منطقة أعلى لتأكيد الإحساس ثم لايلبث أن يندمج الإثنان ( الأوركسترا والأكورديون ) فى أدا موحد لتلك الجمة اللحنية التى تحمل فى طياتها
الخلية اللحنية (الموتيفه) التى سيبنى عليها وردى معمار الأساس لهيكل الأغنية ولسوف يلحظ المسمع هذه الخلية اللحنية منذ البداية إذا أرهف السمع جيداثم تتأطد له ملامحها عندما يتقدم الجيتار الغنائى Lead Guitar مقاطعا الأوركسترا ويعلن عن نفسه بأداء متقطع الأنفاس مبعثر الأفكار ولكن قبل أن يسترسل الجيتار فى هذيانه الشفيف تتقدم الأوركسترا بثقة لتقدم لنا الخلية اللحنيى ( وهى للعلم تعتبر أصغر وحدات البناء الموسيقى ) ويجدر الذكرهنا أن الفنان التاج مصطفى هو أول من إبتدع وأدخل الموتيفة اللحنية فى أغنيته الخالدة (الملهمه) وكذلك استخدم عثمان حسين الموتيفة اللحنية أيضا فى أغنيتيه (الفراش الحائر و شجن) رحمهما الله وأحسن إليهما .
قدمت الأوركستر الموتيفة اللحنية ثلاث مرات متتالية ومتقطعة(ت ت ت ت م) للتأكيد ولتعميق أساس البناء المعمارى لأغنية (قلت أرحل) ثم يتسارع إيقاع الموتيفة (تتتتم) ثم وبعد أن يعود الجيتار ويبث شكواه يندغم الجميع فى رحلة فرح غامر ومن المدهش أن هذا اللحن الأساس وبكل هذا العنفوان لا يلبث أن يتباطأ ومن ثم يتحول إلى أداء مفعم بغنائية حزينة ، وإذ يتوتر اللحن أكثر فأكثر ينبعث فجأة اللحن الإستهلالى بنبرات قوية ولكى لا يهيم مسترسلا فى أداء مكرور لانهائى تطل الخلية اللحنية (الموتيفه) لتذكر عدم التمادى فى الترجيع الحائر وبعد محاورة قصيره يتفق الجميع على ضرورة الأداء الخافت إلى درجة التلاشى بينما صدى الموتيفه يتوارى خلف غلالات الشجن مفسحا الطريق للغناء فيأتى صوت وردى يتسلل خفيفا هادئا أسيانا قادما من خلف أستار الزمن (قلت ارحل) ... ليفاجأ بمقاطعة الموتيفه ويستمر وردى ثم تتيح الموتيفة لوردى المواصلة ... ( أسوق خطواتى من زولا نسى الإلفه) مؤكدا عزمه على الرحيل لتأتى اللازمة الموسيقية مؤكدة ذلك بالأداء المتقطع للدلالةعلى حدوث الرحيل بالفعل ولذلك يكرر وردى المقطع الشعرى بدون كلمة (قلت) لكأنه رحل بالفعل أوقررلأن الغناء فى تصاعده لا يترك للأوركسترا إلا شهقة سريعة ليواصل مصيره (أهوم ليل واساهر ليل) وفى كل مرة "يهوم" وردى بالتكرار تنوح الأوركسترا لأن الغناء يظل يتصاعد مشحونا بالأسى والتحدى ولما كان التحدى فى الحب دائما كذوبا وربما مهزوما فإن التحدى بصوت وردى يأتى خفيضا مناجيا المحبوبة :
(أبدل ريد بعد ريدك) .... سمعها المحبوب ثم مرة ثانية (أبدل ريد بعد ريدك) سمعها ولم يفهم أو تغافل ليأتى صوت وردى منفعلا متحديا ومحتجا ترجمه باداء متصاعد عالى النبرات (عشان يمكن يكون أوفى) .. ولكن وقبل ان تتدخل الموسيقى لتشارك فى زحمة هذا الإنفعال يتواصل الغناء ويعلن هزيمته مكلوما حائرا ومستسلما (رحلت وجيت فى بعدك لقيت كل الأرض منفى)
وردى لم يغن هذا المقطع هكذا كاملا متصلا كما كتبه الشاعر التيجانى سعيد بل أثبت قدرة بارعة فى تصوير الإحساس بالحب الجارف وهو قد إرتحل ثم وهو يعود ليعترف بكل ألوان التعبيرات التصويرية والصوتية التى أجادها وردى دائما وتميز بها فى أغلب أغنياته (الطويلة والقصيرة) هكذا :
رحلت وجيت فى بعدك لقيت ...... متردداً
رحلت وجيت فى بعدك لقيت ....... متوددا
رحلت وجيت فى بعدك لقيت ....... معتزما
كل الأرض منفى ....... يائسا
منفى ........ متحسرا
منفى ....... مفئودا
آه آه آ ه ........... باكيا
لقد بلغ وردى قمة الأداء وصوته يجهش بتعبير حزين إلى أبعد مدى
كل الأرض منفى ....
جسد وردى بأداء هذه الكلمات الثلاثة كل المعانى متنقلا بصوته المعبر من الإحساس بهزيمة وجدانية إلى حالة من الفرح الجياش وحولها إلى فعل درامى ممتزج بأداء أوبرالى إنتقل به وردى بالأغنية السودانية الوسطية الأمدرمانية إلى آخر أفق من آفاق حراكها الممتد منذ مطالع القرن الماضى وما عندى ما أعبر به عن هذا الكوبليه سوى أن أستعير قولة الروائى البريطانى جوزيف كونراد 1924 1857 :
" الفنان الحقيقى هو الوحيد الذى يخاطب قدرتنا على البهجة والدهشة ويداعب فينا الإحساس بالغموض الذى يحيط بحياتنا ويحرك فينا اإنفعال بالجمال والألم"
أراد وردى أن ينقلنا من الكوبليه الأول إلى الكوبليه الثانى بعد تلك الآهة الحرى التى حملت فى أثيرها قرونا من الحزن والعذاب والضياع ولكن قبل ان تذوب الآهة فى عذابات المغنى وسراب المنافى ينفجر فجأة إيقاع سريع مع ترداد الموتيفة ( الخلية اللحنية) وبذلك يتحول لحن المقدمة البطئ الذى تبودل بين الأكورديون والجيتار والأوركسترا وقد إمتلأ عنفوانا وانتشى طربا وبرغم ذلك ظل المعمار اللحنى تسيطر عليه الخلية اللحنيه ذات الطابع الإيقاعى وهى تحاورالأوركسترا وجملتها الموسيقية اللحنية المسترسلة من غير أن يختل نسيج البناء ليستمر الرقص الثنائى بين ذاك البرعم المشاغب (الموتيفة) مع بقية اللحن الأوركسترالى الفياض وهما يتبادلان التنادى زهوا وفرحا حتى إذا اصابهما الكلل تتباطأ سرعة اللحن (التمبو) إلى حالة من الهدوء لكأنما يربد وردى أن يعيدنا إلى سابق إحساسنا الشجى الحزين بألا نستسلم لفيض مشاعرنا الملتاث ويطل صوت وردى بين الرجاء والحيرة :
"عيونك زى سحابة صيف تجافى بلاد وتسقى بلاد .. / آه عيونك زى..... "
ترى كيف سيعبروردى عن هذا التناقض ؟
"عيونك زى سحابة صيف " / " تجافى بلاد" / "وتسقى بلاد "
لم يكن امام وردى إلا أن يعبر عن التناقض بإستحداث عنصر نغمى غير مألوف بإدخال نغمة سادسة على المقامية الخماسية التى بنى عليها وردى نسيجه اللحنى فأداها وردى بصوته فى عبارة " وتسقى بلاد" وأكدت الأوركسترا هذا التجديد فى تناوبها معه بينما الخلية اللحنية تفرض نفسها حتى إذا وصل الغناء عبارة :
" وزى كلمات بتتأوه تتوه لمن يجى الميعاد" هنا ينفعل الغناء أكثر من ذى قبل مع تحوير لحنى بسيط خاصة فى كلمة " تتأوه" ثم بنفس الإحساس فى كلمة " فات" فى المقطع التالى ..... ولكن فجأة ينتقل بنا هذا الإيقاع البطئ الرتيب إلى إيقاع راقص يصحبه لحن قصير يفيض حرارة وهو يغنى "وفى فرح البعيد العاد" التى يكررها وردى وظل يتبارى وردى مع نفسه فى تكرارها بأشكال مختلفه ولما لم يكفه كل
غناه فى وصف عيون المحبوب:
عيونك زى سحابة صيف ../ وزى فرحاً ../ وزى كلمات ../ وزى عيداً..
وزى فرح البعيد العاد ..
أراد وردى أن يتوج هذا الجمال الإنسانى وكل تلك الأفراح ليعترف بأعلى صوته للمحبوب ولكل الدنيا :
" وزى وطناً وكت أشتاقلو برحل ليهو من غير زاد"
وقفت كثيرا امام هذا المقطع الشعرى لأنه حقيقة هو محور القصيدة بل هو بيت القصيد فإذ يغنى الشاعر قصيدته :
قلت ارحل....... أسفا / سأرحل
رحلت وجيت ..... هربا /عدت مهزوما
برحل ليهو ....... صادقا / سأعود
ولو أننى تناولت أغنية ( قلت أرحل) قبل أن يرحل وردى (ويمشى يختار البعاد) لما توقفت عند هذا المقطع فقد كانت الرؤية إذ ذاك واضحة بعدا وبصيرة فورد ى السبعينات مر بتجربة المنفى القسرى فى السجن حبيسا لذلك كانت أغنية "قلت ارحل" تعبربالنسبة لوردى عن حب دافق للوطن وللحرية وللإنسانية معا.
أما الآن وقد رحل وردى بالفعل واختار البعاد(فى أمريكا) فماذا عسى سيكون تفسيرنا الآن المضاف المستجد وكأننى أسمع هتاف الملايين يردون عليه بمقطع آخر :
"ولى وردى البنشتاق ليهو يرجع لينا من غير زاد"
هل هومت قليلا ..... لا بأس فهذا هو إحساسى وأحسب أن وردى الآن يرسل صوته داويا مناديا :
" يا احبابى فى الإنسانية تعالوا كلكم.. عودوا .. تحرروا من وهم المنافى"
وبمثل ما ختم وردى الكوبليه الثانى :
"رحلت وجيت فى بعدك لقيت كل الأرض منفى"
وقبل أن تلتقط الآهة أنفاسها يقتحمها إيقاع التمتم لتنسجم معه فى جملة لحنية غنائية رشيقة تتقافز فرحا وتفاؤلا تؤديها الأوركسترا بكاملها فلا مجال هنا إلا للفرح الذى يجب أن يعم الجميع , إستهل وردى الغناء مستلفا لحن الكلام من الجملة الموسيقية التى تصدرت الكوبليه الثالث الأخير وذلك حتى لا ينفصل ذلك الفرح الغامر ويتغنى وردى فرحا
" زمان الفرقه والتجريح بسيبو .... بسيبو عشان تشيلو الريح"
ولأن اللحن يبدو متفائلا فقد أراد وردى أن ينفرد ببطولة الأداء ولا يترك للأوركسترا إلا فرصة التعبير كصدى لأدائه الصوتى مبرهنا لنا أنه قادر على القيام بدور البطوله الصوتيه وقادر على إستخدام اللازمات الموسيقية بكل أنواعها لإضافة تعبير محدد للحن ( الحديث عن اللازمات الموسيقية فى غنائنا السودانى طويل سنتناوله فى مقام آخر إن شاء الله ).
سنلاحظ فى هذا الكوبليه فبالإضافة إلى إنفراد وردى ببطولة الأداء مع تحجيم مرسوم لدور الأوركسترا ، فإن الخلية الحنية (الموتيفة) قد إختفت بينما ظل اللحن الغنائى يكرر نفسه تقريبا حتى وصل الغناء إلى المقطع الشعرى :
" أصلو العمر كان دربا مشيتو كسيح "
هنا تنبه وردى كعادته على ضرورة إحداث تغيير ما لينفلت من الرتابة ويحافظ على تماسك المعمار اللحنى فقام بإسكات الأوركسترا إلا من متابعة ناعمة مع المحافظة على إيقاع التمتم وهو يغنى " كان دربا مشيتو كسيح "
أما كان بإمكان وردى أن يبطئ من سرعة إيقاع التمتم على الأقل ليفقده بريقه الراقص وهو يعبر عن ذلك الكساح ؟ هل خشى وردى من أن يقع فى فخ التعبيرية التقليدية أو ربما التقليدية المباشرة فى التعبير لذلك فكر وردى فى الجمع بين خفوت الأوركسترا واستمرار الإيقاع فى تلازم مع الأداء الغنائى وهو يتهيأ ليهبط به لطبقة صوتيه وسيطة هادئة :
" وكان غرساً سقيتو بكا وقبضت الريح "
هنا أتاح وردى للأوركسترا مشاركته بلازمتين موسيقيتين تتبادلان الأداء عقب نهاية المقطع " قبضت الريح " التى ظل وردى يكررها سبع مرات تكثيفا وتأكيدا للإحساس باليأس والضياع ومع أن الأوركسترا فى المرة السابعة أعطتنا إحساسا قويا بإقتراب
بالإنتهاء ( القفله) غير أن وردى يعود ويختتم هذه الأغنية العظيمة بالعودة إلى ما اعتاد عليه فى ختام الكوبليهين الأول والثانى مرددا :
" رحلت وجيت فى بعدك لقيت كل الأرض منفى "
لعل وردى أراد بإعادة هذا الجزء الختامى أن يؤكد على تماسك البناء المعمارى أو ما نطلق عليه نحن ( البناء الموسيقى Musical Structure) (والنسيج الموسيقى Music Texture) الذى يتضمن الخلية اللحنية أو على الأقل ليذكرنا بهذا اللحن الدال الذى ظل مسيطرا أيضا لأنه فى حقيقة الأمرهو نبض الأغنية وضميرها .
أما إذا اردنا أن نصل إلى القالب أو الشكل أو الإطار الذى لحنت فيه أغنية قلت أرحل فليس امامى إلا ان اكرر ما سبق وقلته قبل ربع قرن فى برنامج ( الوجه الآخر) التلفزيونى الذى كان يقدمه الأستاذ الصحفى طلحه الشفيع أكدت فيه ضمن الحوار الساخن الذى جرى بينى وبين الراحل الموسيقار العاقب محمد حسن وقلت فيه بأن كل الأغانى السودانية ( الطويله) التى ظهرت فى مطلع خمسينات القرن الماضى إستشفت قالبها شكليا فقط وليس مقاميا من المدرسة الشرقية (المصرية) وضربت لذلك مثلا بأغنية ( قلت أرحل) لمحمد وردى فى مقارنة مع أغنية (إنت عمرى) لأم كلثوم تأكيدا لما ذهبت إليه فى تشابه شكل المقدمات الموسيقية الطويلة وعند وردى بالتحديد وتوظيف العزف المنفرد (الصولو) على بعض الآلات وإستحداث وابتكار لازمات موسيقية جديدة برع وردى في تشكيلاتها وتكويناتها وأجادها تماما والله الموفق .
فى ذكرى أربعينية وردى
أربعة مقالات كتبت قبل الرحيل
المقالة الثالثة ...... أغنية بناديها
فى معانى الحب الإنسانى وحب الإنتماء للوطن
هذه محاولة أخرى ألجها باحثا عن مكامن الإبداع فى بعض أغنياتنا التى ظلت وستظل تمثل علامات فارقة فى مسيرة الغناء والموسقى منذ منتصف القرن العشرين الماضى وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها .
ولما كان الإبداع نعمة نادرة يخص بها الله وحده قلة من عباده ولأن المبدع نفسه إنسان تتجاذبه نوازع القلق والتأمل وتتجاذبه عوامل ومغريات شتى تتأرجح وتتفاعل بين إرادة الفعل و الهروب منه وبين بواطن الوعى واللاوعى بالأزمات واإنفعالات التى لايدركها إلا المبدع نفسه ولا يفهمها إلا قلة قليلة وعمر الدوش وبدون ألقاب كان واحدا نادرا ومن أبرز وأميزشعراء جيلنا فى السودان خلال الثلاثة عقود الأخيرة وإن لم يكن يحمل طبلا يُسَوِّق به أشعاره صباح مساء فى وسائل الإعلام المنتدى واهتبال فرص الظهور فى كل حين ولا أذكر مطلقا أنه كان طيلة معرفتنا به ميالا للأضواء وضجيج الشهرة وصخبها التى عشقها وأدمنها كثير من الشعراء الأقل منه قامة فى الشعر والثقافة وفنون الدراما والمسرح ... ووجودا إنسانى ومع ذلك كانت أشعاره تتسلل إلينا دون أن ندرى أودون أن يدرى هو ... الدوش نادرا ما كان يقرأ لنا أشعاره إلا من حفاظ شعره وحفظته وما كان ينشربين الحين والحين ومع ذلك توجناه عرفانا واعترافا على إمارة الشعر وما كان يريدها ولا كان يحسب نفسه أحد رعايا هذه الإمارة لأنه فقط كان يحلم بعالم مختلف أكده بقوله :
أنا بحلم إنى فى أكوان بترحل من مراسيها
ثم أن عمر الدوش الإنسان إنشغل بعمر الدوش الفنان ثم ما لبثا أن إندمجا فى كيان واحد لا فكاك منه حتى بالموت فاجتمع بذلك الصقيع بالهجير أو فلنقل إلتقت إرادة الحياة مع قلق المبدع وتمرده فكان أن إنفتحت عليهما كوات من الضوء وبوابات من الزمهرير فلم تستطع روح الدوش الشفيفة المعذبة إلا أن ترتقى لتكون مفعمة بالتفاؤل بالخروج من قمقم الذات منطلقا إلى مدارات جديدة فى مجرة عالمه الحقيقى الذى ما برح يحلم ويبشر به .... قليلون جدا فهموا شفرة عمرالدوش وحقيقته وآخرون كثر صمتوا عنه وفى دواخلهم كانوا لا يرون فيه إلا إنسانا تائها أضاع نفسه ثم ضيعته الحياة ...
هؤلاء ظلموا أنفسهم أولا وأخيرأ وقبل كل شئ .... ولكن الزمن لم يمكنهم من أن يغتالوا عمر الطيب الدوش المبدع لأن العظماء لا يظلمهم التاريخ ... لأنهم دائماعظماء الإنسانية فكيف إذا كانوا هم مبدعيه.
الدوش كان مقلا فى الكتابة ولكنه كتب شعرا ونثرا وألف للمسرح فانبهر به المسرح وإدهش الناس ، ثم أن الدوش كتب فى النقد فأسرج به قناديل من صحو وصدق الرؤيا
لأجل بعث ثقافة جديدة وفن جديد ..... وحياة جديدة .
أمامى قصيدة الدوش (بناديها) ... قرأتها وقرأتها ثم قرأتها للمرة الثالثة وأخذت أستجمع بعضا من ذاكرة الأيام (أين كنا ؟ أين أصبحنا ؟ وكيفَ ؟ ) ....
والدوش يبتدر الموقف بكلمة واحدة صادقة ومدوية :
"بناديها" .... ثم ماذا بعد يا عمرالدوش ؟
"وبعزم كل زول يرتاح على ضحكة عيون فيها" .... و ... "بناديها"
هكذا قدم لنا عمر الدوش القضية ....قضيتنا كلنا معا .... بوعى أوبلا وعى
الدوش يناديها إذن ...... لماذا .... ولمن ؟
يناديها لنا لنرتاح من ظنوننا وعذاباتنا ويأسنا لنرتمى فى حضنها الدفئ ونهنأ سعادة وحرية بين رموشها الوثيرة الأثيرة ثم ننثنى لنغازل النجوم والفرح والشروق ....والحياة
هو إذن يناديها لنا وكذلك وردى يناديها ويلح فى النداء بعد مقدمة موسيقية ذات جاذبية إتسقت فيها قدرات وردى فى المواءمة بين الإنسياب اللحني والضرب الإيقاعي ولا يناديها وردى إلا بعد أن يناديها الجيتار مرات وبرغم ظهور جملة موسيقية تتقافز مرحا فتناديها الأوركسنرا مع الجيتار مرات ومرات ... وكانما حفظ وردى النداء ينطلق بصوته فى فضاء الكون كله
"بناديها .. بناديها .. بناديها .. بناديها .. بناديها "
" وبعزم كل زول يرتاح على ضحكة عيون فيها ... بناديها ..بناديها .. بناديها"
وقبل أن نصحو تماما مع هذا النداء الداعى يعود الجيتار ويتبادل مع الأوركسترا حوارا شجيا حنينا ثم يحمل وردى بصوته الندى الصادح ذلك التوق الخافق إليها وقد قرر أن يؤدى الكوبليه كاملا .... فمن تكون هى وماذا كان يريد أن يقول؟؟؟
" أنا بحلم إنى فى أكوان بترحل من مراسيها"
"عصافير نبتت جنحات وطارت للغيوم بيها"
"مسافر من فرح لى شوق ونازل فى حنان ليها"
"أغنى مع مراكب جات وراها بلاد حتمشيها "
" وبحزن لى سفن جايات وما بتلقى البلاقيها"
"بناديها .. بناديها .. بناديها .. بناديها .. بناديها"
عمر الطيب الدوش هو الشاعر الذى لم يجعل من حبه حالة رومانسية بكَّاءة متوانية ولا حوله إلى لحظة عشق جريح مهزوم ولا أحتمى فيه بالتغزل المفضوح أنانية ... فقد كان يتمثل الحب عنده حالة عارمة من الإنسانية وكونا واسعا يتدفق بالحياة مثله تماما ويتحول لعاطفة تتماهى فيها الإرادة بالرجاء والأمل والتفاؤل ولو على سراط العذاب كما تعذب هو ولم يفقد أبدا إحساسه محبا وعاشقا للجمال وللحياة والحرية .
وردى فى عملية البناء النغمى والموسيقى أعطى لنفسه الحق التعبيرى لصوته ليؤدى بطولة التعبير الأدائى الظاهرى منه والجوانى لكلمات الأغنية ثم أن الغناء أصلا هو بطولة طرب صوتي حتى ولو جاءت الكلمات كما فى (بناديها) موحية أو مستغرقة فى الإيحاء والغموض والغمز المباح وغير المباح والتى تشير إليها بناديها بلا مواربة ولذلك قصة ذات دلالات ومعانى أشرك القارئ معى فى الإشارة إليها:
كنا قد إستدعينا نحن جمهرة من الموسيقيين والمطربين وأساتذة وشعراء ومسئولين لإجتماع عاجل بوزارة الثقافة وإعلام مطلع سنة 1974 وبعد إكتمال المدعويين جاء ورأس الإجتماع الوزير الأستاذ عمر الحاج موسى وقد كان رحمه الله رجلا فذا فى عسكريته وثقافته وأدبه وأريحيته كما كان سياسيا من طراز سودانى فريد وكان قادرا عل إمتلاك ناصية الحديث بلاغة وتأدبا وثقة بالنفس وبمحدثيه .
دار نقاش حول إمكانية قيام المهرجان الغنائى الموسيقى الأول فى بحرذلك العام نفسه ( وهو ليس مهرجان الثقافة الأول الذى إنعقد عام 1976 ) وليس بخاف على الجميع حالة الجفاء التى سادت العلاقة بين نظام مايو والفنان محمد وردى ، وفى الحديث عن ليالى المهرجان تحدث الوزير مقترحا أن تكون الليلة الختامية قمة الليالى يتنافس فيها عمالقة فن الغناء بأعمال جديدة ترصد لها جوائز تشجيعية غير مسبوقة وفجأة وبدون إستئذان إنبرى وردى موجها حديثه مباشرة للوزير قائلا ( يا سيادة الوزير أنا لن أشارك فى هذه الليلة لسبب واحد هو أننى فوق التنافس ولا أحد يستطيع منافستى ) وقبل أن نلتقط أنفاسنا من هول كلام وردى الصريح المصادم فقد كان من بين الحضور عدد مقدر من فنانين كبار وكبارجدا ... واصل وردى حديثه ( وكيف أشارك وأنتم يا سيادة الوزير أوقفتم بث أغنية بناديها) .
وبروح طيبة ونفس هادئ رد الوزير عمر حاج موسى قائلا ( أمر مؤسف ألا تشارك فى المنافسه يا وردى) ثم التفت إلى المرحوم محمد خوجلى صالحين مدير الإذاعة آنذاك وهمس فى أذنه بكلمات قليلة واستمر الحوار حول ترتيب فعاليات ليالى المهرجان الغنائى الموسيقى الأول وكنت أمثل معهد الموسيقى واقترحت أن يقدم المعهد ليلة كاملة الفعاليات وافق عليه الجميع وبعد دقائق معدودة دخل إلى الإجتماع الأستاذ صالحين يحمل جهاز الراديو Zenith خاصة الوزير وفتح الراديو على صوت مذيع الربط وهو يقدم أغنية بناديها من كلمات الشاعر عمر الطيب الدوش لحن وغناء محمد وردى واستمعناها كلنا كاملة ، وما أن إنتهت الأغنية بادر الوزير وردى فى شئ من السخرية متسائلا ( بالمناسبه يا وردى ما معنى الضل الوقف ما زاد ؟ ) جاء رد
ورد ى سريعا فى ذكاء مدهش (يا سيادة الوزير أنت رجل أديب ماذا تقول ؟ )
ضحك الوزير ورد عليه قائلا ( إنت عارف وأنا عارف ) لم يسكت وردى فوجه للوزير سؤالا محرجا ومتحديا ...( طيب سألتنى ليه ؟؟؟) .....
إنفض الإجتماع المثمر الذى أفضى إلى قيام المهرجان مع الإبقاء على ليلة الكبار بدون منافسة شريطة تقديم الجديد خرجنا ووردى أطولنا قامة وأعلانا هامة .
وأما عمر الدوش فقد
ظل يردد معنا منذ ذلك الزمن (مسافر من فرح لى شوق بغازل فى حنان ليها)
ولم يتردد وردى فى غناء هذا المقطع كاملا مؤكدا بطولته المطلقة صوتا وأداء عميقا معبرا ولكن عمر الدوش لا يكتفى بهذا الحلم الذى نادانا إليه لأنه الآن فى حالة طاغية من التأسى والتحدى وأما رومانسية وردى المطلقة بدأت تتغنى بصوت محزونة شجية بصوت الساكس وأنينه المبحوح وفى تبادل مع الأوركسترا التى تلعب فيها الوتريات دورا أساسيا ثم وهى تئن بالجملة الموسيقية وليس لها سوى أن تتأوه وتتأوه ثم تندفع لتختتم هذا العذاب الجميل ولكن تظل أنفاسها تتردد من خلف وردى بصوته الأسيان وبلا توقف :
"ولما تغيب عن الميعاد
أفتش ليها فى التاريخ واسأل عنها الأجداد
واسأل عنها المستقبل اللسع سنينوبعاد
وافتش ليها فى اللوحات محل الخاطر الما عاد
وفى الأعياد
وفى أحزان عيون الناس
وفى الضل الوقف ما زاد
بناديها .. بناديها .. بناديها .. بناديها .. بناديها"
كان عمر الدوش فى أغنية بناديها يترجم قضية الوطن فى زمن بائس كظيم !!
فى وطن ناسه المبصرون لا يرون مبدعيه
ومن يرونهم لا يسمعونهم
ومن يسمعونهم لايحفلون بهم ولا بمقدار بقرش تافه !!!!
مع من إذن يتكلم المبدع ؟
ومع من يتحاور؟
ولمن فى هذا الوطن يبث حزنه وآلامه ؟
"وفى أحزان عيون الناس"
وردى إكتشف عالما جديدا وواقعيا ومتناقضا فى أغنية بناديها التى كتبها عمر الطيب الدوش برؤية وضمير إنسان موجوع وفنان يتعذب لكنه يظل يحلم ويحلم فى خضم عالم غريب عليه ويعيش فيه وأما محمد عثمان وردى فهو لم يكن يختلف كثيرا عن عمر الدوش لولا أن الدوش كان مبدعا متمردا حالما ووردى ما يزال مبدعا متفلتا مصادما وكلاهما لم تنقصهما الشجاعة ؛ أحدهما كتب نصا صعبا والآخرصاغه لحنا تجاوز الآذان إلى القلوب واستفز مقطع صغيرمنه وزيرا كبيرا وهذه هى رسالة الفن الحقيقية شريطة أن تكون مبدعة بحق .
عمر الدوش كان مؤمنا بفنه وبرسالته فقد ظل طوال عمره رحمه الله وأحسن إليه ينادى ويبشر بهذه الرسالة لذلك لم يكف عن الحلم حتى وهو يهدى آخر أنفاسه للوطن الكبيروللأحباب الحقيقيين على قلتهم فى هذا الزمن وذاك ...
وردى يحلم ويواصل الغناء الجميل مختتما الأغنية على إيقاع التمتم الذى يحبه كثيرا ولا تخلو منه أغنياته الطويلة والقصيرة والموسيقى كادت أن تستلف نغمة شعبيه ولكن وردى لا يريد أن يعطل التمتم إذ يمنح الأوركسترا جملة موسيقية مسترسلة وليوظف ويجعل مقطعها الأخير لازمة موسيقية رشيقة تصحبه وهو ويغنى وردى مشحونا بالفرح والأمل والطرب :
وبمنتهى التفاؤل يعلن للدنيا كلها
بناديها والاقيها واحس باللقيا زى أحلام بتصدق يوم والاقيها
وبمنتهى الأمل لاينفك يحلم
واحلم فى ليالى الصيف بساهر الليل واحجيها
ومنتهى التفانى يندغم فيها
أدوبى ليها ماضيها واطنبر ليها جاييها
وبمنتهى الوفاء والرجاء يتمناها
برسل ليها غنوة شوق واقيف مرات والوليها
وعمر الدوش يردد ... ووردى يصدح
واناديها.. واناديها.. واناديها.. واناديها.. واناديها
وانا... وانت .... وكلنا بلا شك
نناديهأ
ويصدح النداء بصوت وردى قويا عميقا فى الضمير و إلى الأبد
وسيتمدد الوطن ظلا وريفا بالأمل والرجاء والتحدى بمثلما كان يحلم عمر الدوش..
وبمثلما غنى وعانى وردى ...
والنداء لا ينقطع ولن ينقطع ..
وهوفوق ذلك جرح نبيل ينزف حبا للوطن ..
وما اجمل وأعظم من الوطن إلا الوطن نفسه ..
وآه يا وطن ....يا حبيبنا السودان !!!!!!
رحم الله الإنسان الفنان عمر الطيب الدوش الذى كنا (نناديه ) الدوش
وستظل ذكراه وإبداعاته تنادينا وتنادينا....
والله الموفق .
ملحوظه :
هذا االتناول التحليلى المجتهد نشر فى جريدة الصحافة فى أكتوبر2001 فى ملف خاص بذكرى رحيل الشاعرعمر الطيب الدوش عليه وقبل عودة الراحل وردى من منفاه فى الولايات المتحدة وقد أجريت على المقال بعض الإضافات المعلوماتية وفى الصياغة بما لا يؤثر مطلقا على المقال الأصل .... ألا رحم الله الفنان محمد وردى والشاعر عمر الدوش رحمهما الله وأحسن إليهما .... آمين
والله الموفق
فى ذكرى أربعينية وردى
مقالات كتبت قبل الرحيل
المقالة الرابعة .... أغنية الود
بين رومانسية عمر الدوش والفكر التجديدى عند محمد وردى
كان من المفترض أن نتناول أغنية (الود) من قبل محاولتنا السابقة التى قمنا فيها بتحليل أغنية ( بناديها) وكلتاهما للشاعر عمر الطيب الدوش رحمه الله ولحنهما وتغنى بهما أستاذنا المبدع محمد وردى بل لهذا الثنائى ( الدوش ووردى) أغنية ثالثة هى
( الحزن القديم) التى لا تقل أهمية عن سابقتيها (الود) و(بناديها) ولكن لظروف خاصة
بى وكذلك ظروف إعداد وإخراج ملف خاص بالراحل الشاعر عمر الدوش رأيت أن أبدأ بأغنية " بناديها" لأنها فى تقديرى الشخصى أعمق وأكثر نضجا من قصيدة "الود"
التى كانت فى زمانها وما تزال تمثل شكلا جديدا فى كتابة الأغنية وأسلوبا متميزات فى صياغة التعابير التى إنفرد بها الشاعر الدوش .
أذكر أننى كنت ضيفا خاصا ضمن مجموعة إستضافها الأخ خضر محمد أحمد (قبل أن يصبح المليونير خضر الشريف)فقد كان يعمل سكرتيرا لوزير الخارجية عام 1969 فى منزله الكائن بحى السكة الحديد فى أخريات أيام اليموقراطية الثانية وكان الغرض الأساس من تلك (القعده) الإستماع لشخصى كواعد قدم من كسلا وكأبرز الأصوات الجديدة فى ساحة الغناء ...
المهم ونحن نتسامر دخل علينا الأستاذ وردى وكان قادما لتوه من مشاهدة مباراة أقيمت بين فريق الهلال وفريق أوروبى زائر ( وردى طبعا هلالابى عتيد) وتلك كانت هى المرة الأولى التى جمعتنى صدفة مع وردى .وبعد أن غنيت ثلاث أغنيات وبعد أن طلب منه أن يعلق قال بلا تردد ومجاملة "والله مش بطال يجى منو" ومع أنى لم أتقبل حكمه ذاك علمت فيما بعد من معاصريه والقريبين منه أنه منحنى أعلى تقدير ثم تناول العود "بتاعى" ووجه حديثه لنا قائلا " إيه رايكم أسمعكم أغنية جديده لشاعر إسمه عمر الدوش" واستفاض فى الإشادة بالشاعر الشاب الذى إكتشفه هو وتحدث عن شعره بحماس ملفت وقبل أن يغنى وردى أفادنا بأنه سيدخل آلة الطنبور ضمن الأوركسترا ثم غنى وردى (الود) وكنت أول فنان يستمع إليها لذلك سيظل هذا الحدث الفريد ملتصقا بذاكرتى بكل تفاصيله تقريبا.
وبعد أسابيع قليلة قدم وردى أغنيته الجديدة " الود" فى سهرة تلفزيونية بأضخم أوركسترا بعد أن سبقتها حملة ترويج ودعاية مكثفة ، وما زلت أتذكر أن تلك الأوركستراعلى ضخامتها ومشاركة وردى بالعزف على الطنبور ، إلا ان أداءها كان مهزوزا ومشوشا وكنت لا أدرى لذلك سببا وجيها فقد كنت وقتذاك وافدا جديدا وصغيرا على عالم عمالقة الغناء وكيف كانوا يجتهدون فى تكثيف البروفات بهدف تجويد التنفيذ الموسيقى .
أظن أن وردى لم يكن راضيا عن أداء الأوركسترا لأغنية "الود" التى عول وردى أن يخترق بها إلى مرحلة تجديدية لم يسبقه عليها أحد ولكن برغم ما اكتسبته الود من جماهيرية إنحسرت عنها فجأة ، وربما لهذا السبب أو بسبب التحول السياسى المفاجئ الذى حدث إثر إنقلاب مايو 1969 اليسارى الذى إندفع فيه وردى مؤيدا بحماس دافق فصارفيه وردى رئيسا للجنة النصوص والألحان ضمت الرفيقين المرحوم الشاعر على عبد القيوم والفنان محمد الأمين واستهل وردى نشاطه الثورى بنشيد " نحن رفاق الشهداء" كلمات على عبد القيوم.
ثم فى عام 1970 إنعقد لقاء قمة ثلاثى فى طرابلس بليبيا جمع قادة الثورات الثلاثه
" ناصر/ يوليو" و " نميرى/ مايو" و " قذافى/ سبتمبر" وكان وردى آنذاك فى زيارة لليبيا ثم فى طريق العودة للسودان عرج وردى على القاهرة وهناك واتته الفرصة
لإعادة تسجيل أغنية " الود " تحت إشراف الموسيقار الموزع المصرى أندريا رايدر
بالإضافة إلى نشيد يمجد الثورات الثلاثة كتبه المرحوم عبد المنعم عبدالحى يقول مطلعه :
" لقاء يوليو المجيد مايو الرجوله وسبتمبر كتب أمجاد بطوله " وتم تنفيذه بنفس الأوركسترا التى نفذت تسجيل " الود" وعندما عاد وردى من القاهره وبثت أغنية "الود" من الإذاعة أعجبنا بها إلى درجة الإنجذاب الشديد وقد إمحت صورة الأوركسترا ( الورشه ) التى قدمتها لأول مرة عام 1969 وأشرنا ليها آنفا ، فقد جاء أداء الأوركسترا المصرية ضخما فخما وعلى درجة رفيعة من الحرفية والإجادة وإن ظل بعضنا من الموسيقيين والكتاب يتذرعون جهلا بمنطق غريب يدعى أن الأداء جيد بالفعل لكنه يفتقر للنبض والسمات السودانية ومع ذلك كان أداء الأوركسترا المصرية لأغنية " الود"أمرا جديدا ومستفزا لأسلوب أدائنا السماعى التقليدى فى العزف المتعارف عليه منذ تكوين أول فرقة موسيقية للإذاعة السودانية فى منتصف القرن الماضى وهو العزف الى يطلق عليه مصطلح ( الجقلره) المعتمد أساسا على ذاكرة السماعية عند العازف وقدرته على توصيل الأداء بالكيفية التى يستطيعها وهو ما يسمى علميا Heterophony أو" الهترفه " فقد إرتقى وردى بأداء الأوركسترا المصرية وأضاف إليها آلة الطنبور الشعبية ومع ذلك تظل أغنية " الود" مصحوبة بسوء حظ حتى بعد تحديث أدائها بأوركسترا ضخمة لم تشهدها أغنية سودانية من قبل إذ إنحسرت شعبيتها ربما لأن وردى إنشغل بتاييد " ثورة مايو69" ثم لم يمر وقت طويل حت إنقلب عليها أو إنقلبت عليه عام 1971وعلى الحزب الشيوعى الذى ينتمى إليه فأسكت "حسه" بعد أن فقد حريته بإعتقاله وحبسه سجينا قرابة عامين وبعد إطلاق سراحه عام 1973 خرج وردى إنسانا آخر ومبدعا مكتمل النضوج ليتمكن من تجاوز عصره بأغنية " قلت أرحل " الذى فشلت فيه أغنية " الود"
ونعود نتكلم عن " الود" .... يقول المقطع الأول
أعيشها معاك لو تعرف دموع البهجه والأفراح
أعيشها معاك واتأسف على الماضى اللى ولى وراح
على الفرقه الزمانها طويل
على الصبر اللى عشناهو مع طول الأسف والويل
كلمات حب مباشره وحالة عاشق حزين أسيان ، عاشق يعترف صادقا وهو يبكى أسفا على الماضى لعله يستدر عطف محبوبه والشاعر عمر الدوش ظل مضيع الحب إنسانا فى هذه القصيدة وتائها مضيعا فى قصيدة " بناديها" فماذا كان سيفعل وردى المتحمس للشاعر وشعره القاصد بأغنية " الود " تجربة إبداعية يتجاوز بها التقليدية ولوقليلا فكان لا بد من مقدمة موسيقية يترجم فيها هذا الإعتراف المتفائل المتفجر بصحوة إنسانية تنزع نحو معانقة الماضى الجميل بالحاضر الأسيف لمستقبل مشرق خلاق
فماذا فعل وردى ؟
ما كان إلا أن تستهل مجموعة الوتريات كلها عبارة موسيقية قصيرة بلا معالم محددة كما لو أنها حائرة متسائلة ثم يتقدم الفلوت والزيلوفون فى أداء موحد يؤديان عبارة إيقاعية متقطعة مبهمة ثم لا تلبث الوتريات أن تتدخل لتعبر عن نفسها أكثر وذلك بتطوير تلك العبارة وتحويلها إلى جملة قلقة ويتكررتدخل ثنائى الفلوت والزيلوفون فى إداء كروانى سماوى يتبادلانه مع الأوركسترا الفخمة التى تنفعل مرتعشة لا تعرف ماذا تقول بل لعلها تنتظر صوتا قادما من أزمان سحيقة والساكس لا يخيب ظنها بصوته الصادح وكأنه ينادى ويناجى ويرسل بوحا دفينا إنطلق فجأة من إساره وهنا تصحو الأوركسترا من غفوتها لتشارك الساكسفون نغماته مواسية بل تشجعه ليواصل بث شكواه فيدخل بترتيل لحن الأساس محاولا الإنطلاق صعودا يرف يجناح اللحن الإستهلالى ليفتح لنا الباب لندخل إلى بهو لا نهائى مزدان بأنغام وردى المعطونة فى كلمات عمر الدوش وسنلاحظ أن هذه المقدمة الفخيمة المشحونة بكل المعانى التى ترويها قصيدة "لود" ، بذل وردى فى بنائها وحشد أفكاره اللحنية ليجعل منها مؤلفا موسيقيا مستقلا بذاته إن شاء ..
البناء الموسيقى للمقدمة ظل على حاله لم ينفلت من وردى ولا من الموسيقار أندريا رايدر الذى وضع بعض اللمسات اللحنية المضادة Counterpoint مع نهايات المقدمة فأعطى للجملة الموسيقية الأساس معنى مضافا وعمقا لا تخطؤه الأذن
المرهفة . وفى هذا الصدد أذكر جيدا أن وردى قال لى ( أنا سمحت لأندريا رايدر بإضافةهذا اللحن المضاد فى سلم صغيرMinor Scale لأن الفكرة أعجبتنى) واستطرد قائلا (أنا طلبت من أندريا رايدر ألا يوزع الأغنية بالطريقة الأوروبية خشية أن تضيع ملامح الغناء ولذلك أنا أشرفت على التدوين والتوزيع " التوظيف " لأننى فى النهاية سأقدم الأغنية لجمهور سودانى ) . وما زال هناك للأسف حتى من بين الموسيقيين من يعتقدون أن أغنية " الود " وزعها أندريا رايدروهذه غير صحيح البته لأنها تفتقر لعناصر التوزيع الأساسية سوى تلك اللمحة الكنترابنطيه التى أضافها اندريا رايدر وقبل بها وردى مقتنعا.
وكعادة وردى فى مقدماته هو تدفق الألحان وانتقالها من إيقاع لإيقاع ومن فكرة لأخرى بمنطق وسلاسة . وهو عندما تستهويه جملة موسيقية لا يتوانى فى إستغلالاها بأشكال عديدة ومن أهمها إخضاعها للتبادل الحوارى بين العزف المنفرد " صولو" فى مواجهة الأوركسترا تماما كما فعل وردى للجملة الختامية فى المقدمة الموسيقية لأغنية "الود" فقد إستطاع أن يستنفدها إلى أن وصلت فى تقديرى إلى مرحلة إنجذاب صوفى فى حلقة ذكر تماهت فيها الأحاسيس واندغمت فلم تنتبه حتى للزمن ثم فجأة تتوقف الأوركسترا مرتعشة مرة أخرى ليطل صوت وردى مكملا المعنى مخاطبا المحبوب:
أعيشها معاك .. معاك .. لو تعرف .. تعرف .. دموع البهجه والأفراح ..
وصوت وردى هو البطل الحقيقى وأما الأوركسترا فقد إنزوت خلفه فقط لتكمل
التعبير فى حياء إلى نهاية الكوبليه الأول :
على الصبر اللى عشناهو مع طول الألم والليل ..
وأما عن الكوبليه الثانى فإننى لم أقتنع بالأهمية الجمالية فى إدخال ألة الطنبور أصلا على نسيج الأغنية ناهيك عن منحها فرصة العزف صولو ذلك لأن الطنبور آلة غير لحنية كالعود مثلا وهى آلة ضعيفة الصوت لأن تكوينها وطريقة عزفها لايصدرعنه رنين نغمى ممتد أو مسترسل Sustained وفوق ذلك هى بطبيعة تكوينها آلة إيقاعية Percussive ثم أن وجودها كان سيضيع تماما وسط الأوركسترا الضخمة أو ستختل التوازن اللحنى Melodic Equilibrium وهى تواجه الأوركسترا بمفردها فكان من الممكن أن يؤدى البيانو أو الجيتار الكهربائى صولو الطنبور والنتيجة كانت ستكون أوقع وأجمل وهذا ماحدث عندما قدمه الساكس والزيلوفون وكذلك الأوركسترا ثم ليأتى صوت وردى متأسيا متأسفا على الماضى :
" زمان كنا بنشيل الود وندى الود" ... وهذا منتهى الحب ...
" وفى عينينا كان بكبر حنانا زاد وفات الحد" ... ويا للسعاده ثم ماذا أيها العاشق ؟؟
" زمان ما عشنا فى غربه ولا قاسينا نتوحد" ..فماذا حدث إذن يا عمر الدوش
" وهسع رحنا نتوجع" .... لماذا وكيف يا وردى ؟
" ونتأسف على الماضى اللى ما برجع" .... نعم لن يرجع الماضى ولماذا؟
" على الفرقه الزمانها طويل" ... وكيف تقادم بها الزمان كيف الإحتمال؟؟
"على الصبر اللى عشناهو مع طول الألم والليل" ..ويا لضياع المحبين
وردى إنسان مدهش ويكون أكثر إدهاشا عندما يذوب فى معانى الكلمات ويستجليها بصوته ويرسلها معبرة تماما عن إنفعال اللحظة والوجدان ثم أن كل مستمع يفسر على هواه من رصيد العلاقة التى تربطه بالأداء الغنائى أو الموسيقى وهذا هو الفرق بين السمعHearing والإستماع Listeningأو بين السلبىPassive والإيجابىPerceptive فى التعامل مع الموسيقى خصوصا والغناء عموما.
حاولت فى مرات قليلة أن أنسى موسيقية Musicality وردى ولحنيته
Melodization وأخذت أركز على اسلوبه فى الأداء الصوتى ( الغنائية)
Lyricism فى مراحل النضج الفنى بتمكنه من وسيلته التعبيرية Expressive بصوته الصادح وتأكدت لى عبقريته فى الأداء التى أرى أنها تحتاج لدراسة علمية شامله بمن هم أكفأ منى فى هذا المجال ولكنى مع ذلك لم أكف عن دراسة ظاهرة صوت وردى وتفرده بأداء متمكن ومتفرد وعميق لا يدانيه فى هذه الخصوصية إلا الراحلين عبد العزيز محمد داود وأحمد الجابرى(هذا رأيى وقناعتى) ...
ينتهى الكوبليه الثانى وغناء وردى يزفر أسفا على الحاضر الأليم وحسرة على الماضى الذى ولى ولن يعود ، لكن يظل الغناء متوشحا بالصبر والألم والسهر وصوت وردى يذرف دموع عمر الدوش وتفاؤله الذى لم ولن يصيبه الونى واليأس
صحيح إنو الزمن غلاب ... غلاب .. غلاب
لكن أنحنا عشناهو ومشينا..
مشينا ... مشينا عذاب
ودروبنا تتوه ....
ونحنا نتوه ...
ونفتح للأمل أبواب ..
أبواب .. أبواب .. أبواب
بهذا الإحساس المتفائل والإصرار على تجاوز عذابات الطريق ، ترجم وردى ذلك بإيقاع سريع فى حفل تتراقص فيه النغمات بين الأوركسترا وبقية اللآلات المفردة فى دائرة من فرح غامر يتقافز فوق سحابات الأمل والرجاء وصوت وردى يلح ويلح
مشينا
مشينا .. مشينا
عذاب .. عذاب .. عذاب
أبواب .. أبواب
للأمل أبواب .. أبواب
ويتواصل مهرجان الفرح وقد قرر الشاعر أن يستجمع شجاعته تزفه كل الطيور
الصادحة والطبول والترانيم الملائكية تدفعه دفعا لكى يبوح :
أحبك .. أحبك .. أحبك
أحبك لا الزمن حولنى عن حبك ولا الحسره
وخوفى عليك يمنعنى وطول الإلفه والعشره
وشوقى ال ليكا طول لسه معاى
شوقى لسه معاى
لى بكره لسه معاى
لى بكره لسه معاى
لم يشأ وردى بعد كل هذا البوح الشفيف والإعتراف الوسنان والتمسك بالأمل إلا أن
يختتم هذه الأغنية بإشارة من بعيد تردد عبارة قصيرة مجتزأة من لحن المقدمة فلربما أراد وردى أن يستعيد اللحن كاملا مرة أخرى أو أراد أن يحملنا معه إلى عالم مجهول لكنه جديد ومتفائل مثلما كان يحلم به شاعر ظلمه وطنه ...
وستبقى ذكراه حية فينا وسيظل وردى برغم رحيله عنا هرم إبداع تتجسد فيه عظمة التاريخ واعترافا بعبقريته فى دواخل ووجدان كل من أحبوه بل وفى ذاكرة حتى الذين لم يحبوه
رحم الله وردى
ورحم والدوش
وغفر لهما ورحمنا معهما إنه سميع مجيب الدعاء ....
والله الموفق
أعترف للقارئ العزيز أننى أضفت بعضا من الأفكار التى عن لى إضافتها مهتبلا الفرصة التى أتاحها صديقنا وأخونا مصطفى أبو العزائم رئيس التحرير حتى تخرج المقالة شاملة ومتسقة مع السرد التاريخى والتحليلى على حد سواء ونحن نحتفى بذكرى عزيزين علينا محمد وردى وعمرالدوش رحمهما الله وأحسن إليهما.....


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.