وزير المعادن ونائب المدير العام المفتش العام للشرطة يدشنان مركبات لتعزيز مكافحة تهريب المعادن وتأمين مواقع التعدين    البرهان يلتقي سفير دولة الكويت لدى السودان    عبد الله يونس.. الصورة الناطقة..!!    الأهلي الأبيض يبدع ويمتع ويكسب الهلال بثلاثية    مزمل أبو القاسم يكتب مقال ساخن: (لم نرصد لهذه الحكومة إنجازاً واحداً حتى اللحظة بخلاف جرأتها على المواطنين وتفننها في فرض الجبايات والرسوم عليهم)    فرض غرامة على شركة تابعة لأبل لانتهاكها قواعد العقوبات المفروضة على روسيا    أول إصابة بشرية بإنفلونزا الطيور H9N2 في أوروبا.. هل نبدأ القلق؟    ترامب يمثل أمام المحكمة العليا اليوم بسبب «الولادة».. بولتيكو تكشف التفاصيل    استهداف منزل يضم قيادات تحالف تأسيس بينهم التعايشي في غارة مسيّرة بنيالا    بالصور.. القيادي السابق بالدعم السريع "بقال" يسخر: (زول عرد من الخرطوم وامدرمان وجغمته مسيرة في نيالا يقول ليك استشهد في الصفوف الأمامية)    مواعيد مباريات الجولة الثانية بمجموعة الهبوط بالدوري    منتخب غانا محطة رينارد القادمة بعد الرحيل عن تدريب السعودية    الحكومة الإسبانية تدين الهتافات العنصرية ضد منتخب مصر    معلومات خطيرة حول هلاك قيادي بحكومة "تأسيس".. تم اغتياله بواسطة مسيرة تتبع للمليشيا بتعليمات من يوسف ضبة والسبب منصب الشباب والرياضة!!    عيد ميلاد جومانا مراد.. مسيرة نجاح من دمشق إلى القاهرة    ريهام عبد الغفور : جمهور الأقصر دافئ وصادق وخريطة رأس السنة يحمل روحا مختلفة    ألم العين.. أسباب شائعة وأعراض تستدعى استشارة الطبيب    سيلينا جوميز تكشف رحلتها الصعبة لتشخيص اضطراب ثنائي القطب    إزاى تحمى نفسك من نزلات البرد فى الجو الممطر؟    "جهلة وعنصريون".. يامال ينفجر غضبًا بعد الهتافات الإسبانية ضد المسلمين    السودان.. وزير يشرع في تكوين قوّة عسكرية ضاربة..ماذا هناك؟    أمجد فريد: اعترافات داعمي مليشيا الدعم السريع فضحتهم وشراكتهم في الجرائم    السودان.. زيادة مخيفة للإصابة بالضنك في 7 ولايات    كيكل يعلّق على تحرّكات الميليشيا    شاهد.. المطربة إيمان الشريف تنشر صورة حزينة لها بعد إتهامها بالإساءة للهرم كمال ترباس والفنانة الكبيرة حنان بلوبلو    ارتفاع وارد واسعار الذرة والسمسم بسوق القضارف    شاهد بالصورة والفيديو.. حسناء سودانية تقتحم المسرح وتدخل في وصلة رقص مثيرة مع المطرب عثمان بشة خلال حفل بالقاهرة    شاهد بالصورة والفيديو.. شبيهة هدى عربي تستعرض جمالها على أنغام ندى القلعة وساخرون: (شن جاب الكيكة للويكة وما استخرتي نهائي)    بالصورة.. البرنس هيثم مصطفى وزيراً للرياضة في السودان    والي الخرطوم يوجه وزارة التخطيط العمراني بتطبيق القوانين وتسريع إجراءات معاملات الأراضي    اكتمال عقد الجهاز الفني للكمال    قالت إنّها خرجت من آلية تحديد أسعار الوقود..الطاقة تكشف تفاصيل 20 باخرة في محيط البحر الأحمر    عثمان ميرغني يكتب: فساد.. الفساد..    ارتفاع جديد في أسعار الوقود بالخرطوم    شراكة استراتيجية بين "الشباب والرياضة" و"الصناعة" لتمكين المبتكرين ودعم الإنتاج الشبابي    السيسي للرئيس ترامب: لا أحد يمكنه وقف الحرب في المنطقة إلا أنت    مصر.. الدولار يقترب من 54 جنيها لأول مرة    وجبة سمك تُنهي حياة 3 سودانيين بالقاهرة وتتسبب في إصابة 4 آخرين بحالة تسمم غذائى حاد    رئيس الوزراء يصدر قرارًا بشأن الرسوم الجديدة في المعابر    محمد عبد الباسط يكتب: لهذا تحركت باكستان الآن للوساطة بين أمريكا وإيران    الخليج الضحية الكبرى: إيران وجهت 83% من هجماتها إليه… و17% فقط إلى إسرائيل    مهلة أخيرة للمخالفين: خيارات متعددة لمعالجة أوضاع التأشيرات المنتهية في السعودية    ترامب يصدر أوامره ويكشف تطورات مثيرة مع إيران    الأمن يداهم مخزن يبيع الوقود المهرب لعصابات التنقيب عن الذهب    رئيس الأهلي مدني وابنه يتعرضان لحادث مروع    المباحث تنهي مغامرات شبكة إجرامية متخصصة في الإحتيال علي أصحاب المحلات التجارية عن طريق اشعارات تطبيق بنكك المزيفة    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    الشيخ بن زومة.. إلى جنة الخلد    قيم الهلال المتوارثة يجب أن تبقى أبد الدهر    في زمن الضجيج.. القرآن بوصلة المعنى والسكينة    د.مزمل أبو القاسم يكتب: دموع الباز.. وزاهر! (2)    السودان.. الدفاع المدني يستعين ب"التوك توك"    طفح جلدي في رقبة الرئيس ترمب يثير تساؤلات حول صحته    صوت لا يغيب.. محمد رفعت ورحلة الآذان الخالد في رمضان    أجهزة الأمن السودانية تنهي مغامرات لص الصيدليات في عطبرة    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    السودان.. فكّ طلاسم"تبيدي للمجوهرات" في الخرطوم والتحقيقيات تفجّر مفاجأة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



التأميم والمصادرة: حصاد التجربة المر (12) .. بقلم: د. عبدالله محمد سليمان
نشر في سودانيل يوم 08 - 06 - 2016

المقالة الثانية عشر: فشل نظام مايو في استلهام التجارب وإغفاله السيناريوهات الممكنة
وَجُرْمٌ جَرَهُ سُفَهَاءُ قَوْمٍ وَحَلَ بِغَيْرِ جَارِمِهِ العَذَابُ أبو الطيب المتنبي
تمهيد:
كما حاولنا أن نوضح في المقالات السابقة، كانت قرارات التأميم والمصادرة في الأشهر الأولى لنظام مايو زلزالا ضرب الاقتصاد السوداني وأضر به ضررا بليغا. فطبيعة الاقتصاد السوداني وبنيته الهيكلية آنذاك، لم تكن تحتمل تلك الصدمات المباغتة والمفاجئة المتمثلة في قرارات التأميم، والموجات العاصفة المتتالية من قرارات المصادرة على النحو الذي أوردنا تفاصيله. وكانت الظروف السائدة والعلاقات التجارية والتعاملات مع الأسواق المحلية والخارجية المحيطة بالمصارف ومنشآت الأعمال، تتطلب الحكمة في المعالجات الممكنة التي تحقق أهداف الإصلاح الاقتصادي دون أن تحدث آثارا سالبة بل مدمرة لتلك المؤسسات الاقتصادية. ولقد كان ذلك كله وغيره من العوامل في بال الاقتصاديين والمسئولين التكنوقراط في الوزارات المعنية والأجهزة المختصة الذين استعان بهم النظام الديمقراطي السابق لانقلاب مايو. وتمخض ذلك كما أوضحنا عن برنامج للإصلاح الاقتصادي تبنته الحكومة، وعرضه وزير المالية في البرلمان، ونوقش في أجهزة الإعلام ومع رجال الأعمال السودانيين وفي اجتماعات خاصة مع مدراء المصارف والشركات الأجنبية .كما نتج عنه قرارات محددة أعلنتها الحكومة الديمقراطية وشرعت فعلا في خطوات تنفيذها، روعي فيها إلى حد ما، التدرج في التطبيق وتأمين مصالح المستثمرين المحليين والأجانب. وجاءت تلك الجهود في إطار من الفهم المتبادل بين كل الأطراف ذات العلاقة، حول شرعية ذلك البرنامج وتلك القرارات التي تكفلها مسئولية الدولة نحو تأمين مصالح المواطنين والعمل لإفساح المجال للسودانيين للمشاركة في إدارة النشاط الاقتصادي في القطاعات المختلفة. وهو حق مشروع في كل بلاد العالم وقد تفهمه رجال الأعمال الأجانب ومديرو المصارف والشركات الأجنبية بقدر كبير من التقدير والمسئولية. وكان ذلك كله تحوطا من الحكومة الديمقراطية لتفادي ردود الفعل التي يمكن أن تضر بمجمل النشاط الاقتصادي في البلاد ، لو أنها تعجلت ولم تتوخي مصالح جميع الأطراف التي كانت تسهم آنذاك في مختلف النشاطات الاقتصادية بالبلاد. ومع علمنا بعلل النظام الديمقراطي الذي سبق انقلاب مايو، والتي تمثلت في الاضطرابات والصراعات وعدم الاستقرار السياسي، لا يمكن القول بأنه كان غافلا تماما عن ضرورة الإصلاح الاقتصادي، والعمل لمعالجة هيمنة رأس المال الأجنبي على التجارة الخارجية والعمل المصرفي في البلاد، أو أنه لم يكن يدرك الحاجة لتمكين المواطنين السودانيين من إدارة النشاطات الاقتصادية في القطاعات المختلفة. ولقد أشرنا فيما تقدم لجهود الحكومة والخطوات المتخذة لتحقيق هذه الغايات ، وإن كنا ندرك أن الخصومات والمكايدات السياسية لم تترك لها مجالا واسعا لتنفيذها. ولكن ومع هذا لابد من القول أيضا بأن قصر عمر الحكومة الديمقراطية التي سبقت نظام مايو، والتي لم تكمل الخمسة سنوات (أكتوبر 1964م – مايو 1969م)، ثم وقوع الانقلاب العسكري نفسه الذي دشن الحقبة المايوية ، كانت من أهم الأسباب التي حالت دون استمرار ذلك النهج المتدرج والعقلاني لتحقيق غايات الإصلاح الاقتصادي. ونعرض فيما يلى لبعض الملاحظات حول حصاد تجربة نظام مايو والمشكلات التي صاحبت وأعقبت قرارات التأميم والمصادرة.
عدم استلهام التجارب:
لم تسلم تجربة التأميم والمصادرة في مصر تحت حكم الرئيس عبدالناصر رغم ريادتها من بعض الآراء المعارضة التي ركزت على تبيان السلبيات والمآخذ، ولا نرى أهمية لإيراد التفاصيل حولها هنا ونحن بصدد إبداء بعض الملاحظات حول تجربة نظام مايو. ذلك لأن التجربة المصرية الناصرية كانت هي التي شدت انتباه مجلس قيادة ثورة مايو بشكل رئيس فأستعان بها على نحو من الأنحاء وببعض مستشاريها لاتخاذ الخطوات التي أفضت لقرارات التأميم والمصادرة. ولهذا يجدر بنا أن نشير لإيجابيات تلك التجربة والتي نزعم أن قادة مايو لم يدرسوها بعمق، ولم يأخذوا منها الدروس والعبر المفيدة والمعالجات الملائمة والممكنة في ظروف السودان وواقعه الاقتصادي آنذاك. إذ لو فعلوا لتجنبوا الكثير من سلبيات التجربة السودانية في التأميم والمصادرة، التي انعكست سلبا على الاقتصاد السوداني جراء قراراتهم المتعجلة المزلزلة التي أقدموا عليها ، وكانت عواقبها وبالا على السودان واقتصاده. فما الذي فعله عبد الناصر؟
أول ما استلفت نظر عبد الناصر قائد ثورة 23 يوليو 1952م هو البؤس الذي كان يعيش فيه الفلاح المصري. فقام بإصدار قانون الإصلاح الزراعي الأول في سبتمبر 1952م وقد عُدِل هذا القانون ليلائم المتغيرات، وحددت المادة الأولى فيه الحد الأقصى للملكية الزراعية ب 200 فدان للفرد. وسمح القانون للملاك الإقطاعيين ببيع أراضيهم الزائدة عن الحد الأقصى لمن يريدون، كما قضى القانون بصرف تعويضات للملاك الذين نزعت أراضيهم. ونص على توزيع الأراضي الزائدة على صغار الفلاحين في حيازات صغيرة بواقع (2 إلى 5 أفدنة) ، على أن يسددوا قيمتها على أقساط لمدة ثلاثين عاما وبفائدة 3% سنويا. ونتج عن الإجراءات المتخذة بموجب قانون الإصلاح الزراعي نزع وتفتيت الملكية الزراعية في ظل التخطيط الشامل للزراعة وذلك عبر الدورة الزراعية التي حددتها الدولة وحرصت بالتخطيط والمتابعة على تنفيذها لتحقيق هدف الاكتفاء الذاتي من المحاصيل الزراعية.
بعد أن نظم عبد الناصر القطاع الزراعي وعمل على تطويره اتجه إلى تطوير القطاع الصناعي حيث تم "إنشاء المجلس الدائم لتنمية الإنتاج القومي" في سبتمبر 1952وقام المجلس بإعداد "خطة الاستثمارات العامة" في يوليو 1953 وهى خطة طموحة مدتها أربعة سنوات بدأت بمقتضاها الدولة باستصلاح الأراضي. ثم اهتم عبد الناصر بعد ذلك بإنشاء المشروعات الصناعية ذات الأهمية الاستراتيجية وعلى رأسها صناعات الحديد والصلب وأعتمد على التمويل الذاتي متجنبا القروض والمعونات الأجنبية. فقامت الدولة بإنشاء شركة الأسمدة (كيما) وهي صناعة استراتيجية لارتباطها بالقطاع الزراعي. ثم أنشأت مصانع إطارات السيارات (الكاوتشوك). واهتم عبد الناصر في مقبل الأيام وفي إطار مشروعه للإصلاح الاقتصادي، بصناعة النسيج لإعطاء القطن المصري قيمة مضافة بدلا عن تصدير الخام. ولأهمية السكك الحديدية الاستراتيجية في النقل وارتباطها بالقطاعات الانتاجية ، تم إنشاء مصانع عربات السكك الحديدية (سيماف). واهتمت الدولة بقطاع الطاقة فأنشأت مصانع الكابلات الكهربائية، وبعد قيام السد العالي، وفى الستينات تم تمديد شبكة خطوط الكهرباء من أسوان إلى الإسكندرية، كما تم بناء المناجم في أسوان والواحات البحرية.
ومع تزايد الحملات السياسية الاستعمارية ضد مصر، قام الرئيس عبد الناصر في 26 يوليو 1956م باتخاذ قراره الشهير الأبرز بتأميم قناة السويس ، وذلك في أعقاب امتناع البنك الدولي عن تمويل بناء السد العالي وإنشاء بحيرة ناصر في أسوان لتخزين المياه، فكان ذلك سببا لقيام إسرائيل وفرنسا وبريطانيا بشن الحرب على مصر فيما عرف تاريخيا بالعدوان الثلاثي. فحفز ذلك العدوان عبد الناصر لتمصير وتأميم ومصادرة الأموال البريطانية والفرنسية في مصر وتم إنشاء "المؤسسة الاقتصادية" عام 1957م وأصبحت هي النواة للقطاع العام المصري، وأسند إليها الاشراف على كل المؤسسات الأجنبية الممصرة .وجاءت بعد ذلك خطوة تأميم القطاع المصرفي ، فتم في فبراير 1960م، أي بعد ستة سنوات من ثورة يوليو، تأميم بنك مصر وهو أكبر مصرف تجارى . ثم تلى ذلك تأميم الشركات الصناعية التي كانت تحت سيطرة الاحتكارات البريطانية والأمريكية. وفى يوليو 1961 صدرت القرارات الاشتراكية التي أعلنها عبد الناصر وأتجه بها وبقوة نحو الاقتصاد المخطط الذي تمارس الدولة فيه النشاطات الاقتصادية المحورية بقيادة مؤسسات وشركات القطاع العام. مقال بالموقع الإليكتروني لمجلة الوعي العربي - 6/5/2013م.
يتضح من هذا الاستعراض الموجز للتجربة المصرية في عهد عبد الناصر والتي تعتبر الأنموذج في التجارب العالمية في التأميم والمصادرة لاسيما في المحيطين العربي والأفريقي، أنها بدأت "بمشروع للإصلاح" استهدف أكبر القطاعات الانتاجية وهو الزراعة. ولقد كانت تلك البداية موفقة وناجحة لأن المحور فيها كان هو "الفلاح المصري" بكل ما عرف عنه من خبرة وتميز وقدرة على الانتاج، إن توفرت له الأرض ليفلحها وتيسرت له مدخلات الزراعة. ولهذا كان نزع ملكية الأراضي من كبار الملاك الاقطاعيين وإعادة توزيعها وتمليكها للفلاحين هو المدخل لمشروع عبد الناصر لإصلاح الاقتصاد المصري. فهو لم ينزع ملكية الأرض ويضعها في يد الدولة لاستثمارها وإنما راهن على الفلاح وأراد أن يحفز المنتجين بتمليكهم الأرض في هذا القطاع الاقتصادي الهام. ثم تدرجت خطوات مشروع عبد الناصر لتهتم بالصناعات الاستراتيجية كما تقدم. وجاء بعد ذلك قرار تأميم قناة السويس ثم تبعته قرارات تأميم البنوك والشركات الفرنسية والبريطانية إثر العدوان الثلاثي على مصر. وبرغم أن قرارات تأميم قناة السويس والشركات الفرنسية والبريطانية في مصر جاءت كرد فعل سياسي على العدوان الذي قامت به الدول الاستعمارية (إنجلترا ، فرنسا ، إسرائيل)، إلا أنها جاءت كذلك بعد ما يقارب الستة أعوام من اندلاع الثورة المصرية في 23 يوليو 1952م ، وبعد أن خطت مصر عبد الناصر خطوات قوية في مشاريع الإصلاح الزراعي وتأسيس الصناعات الوطنية الاستراتيجية.
هنا قد يفيد الوقوف على تلخيص جلال أمين لنتائج تجربة مصر عبد الناصر حيث يقول ( خلال فترة العشر سنوات التي شهد فيها الاقتصاد المصري تدخلا حكوميا بعيد المدى 1956م- 1965م حققت مصر معدلا عاليا للنمو وتغييرا كبيرا في الهيكل الاقتصادي كما يدل على ذلك ارتفاع نصيب الصناعة التحويلية في الناتج القومي والصادرات بدرجة ملحوظة. في نفس الوقت احتفظت مصر بمستوى معقول من الاكتفاء الذاتي في الغذاء دون أن تتحمل البلاد عبئا ثقيلا من المديونية الخارجية. ولكن تلك الفترة تميزت أيضا بدرجة عالية من الاتساق والانسجام بين مختلف أدوات السياسة الاقتصادية ، حيث تدخلت الحكومة في أدق تفاصيل النشاط الاقتصادي ، وطبقت نظاما للتخطيط بدرجة من الجدية لم تعرف مصر مثيلا لها من قبل أو بعد تلك الفترة وخضعت الأسعار للسيطرة الإدارية) جلال أمين – مشكلات التصحيح الاقتصادي والتنمية في مصر – في كتاب التصحيح والتنمية في البلدان العربية – تحرير سعيد النجار، صفحة 159- 160.ومع كل هذه الانجازات والنتائج ، فإنه من غير المعقول أن يزعم أحد أن التجربة المصرية على عهد الرئيس عبد الناصر كانت مبرأة من كل عيب أو لم يكن لها لها مشاكلها وهفواتها وآثارها السالبة في بعض جوانبها على الاقتصاد المصري، وإن ظلت كما قدمنا هي الأنموذج الأبرز في المنطقة.
وليس الغرض من هذا الاستعراض للتجربة المصرية أن نقول أنه كان يتعين على مجلس قيادة ثورة مايو أن يسير في خطاها حذو النعل بالنعل، أو أن يلتزم خطواتها ويترسم طريقها، فهذا أمر لا يمكن أن يقول به عاقل. ذلك أن للسودان واقعه وظروفه الخاصة وتركيبته الاقتصادية المختلفة. ومع هذا فإنه لو تم النظر الحصيف للتجربة المصرية واستلهامها بشكل صحيح كان يمكن لمجلس قيادة ثورة مايو أن يتحرى الواقعية في خطواته وما أقدم عليه من قرارات. فمن حيث المدى الزمني وفيما عدا نزع ملكية أراضي الاقطاعيين في إطار مشروع الإصلاح الزراعي كما تقدم ، اتخذ عبدالناصر قراراته على مدى سنوات ، من بداية ثورة يوليو 1952م واستمرت حتي مطلع الستينات من القرن الماضي.
إغفال السيناريوهات الممكنة:
كان يمكن لمجلس قيادة ثورة مايو لو تمهل في دراسة التجربة المصرية أن يحتذي بها في النظر للبدائل المتاحة لإصلاح الاقتصاد، والتركيز على الصناعات التحويلية والمشاريع الزراعية والانتاجية الاستراتيجية، ودعم جهود تصدير المنتجات الزراعية والثروات الحيوانية وغيرها. وكذلك كان يمكن أن يفيد من تلك التجربة في إعداد الوسائل والآليات، واختيار منهج التخطيط الاقتصادي الملائم، ووضع ترتيبات الضبط الإداري ، وإعداد الكوادر اللازمة لتولي مراكز المسئولية ، وترتيب أولويات التأميم والمصادرة ، إن كان لابد منها، في ضوء الواقع الاقتصادي للبلاد. وفي راينا أن فرصة دراسة بعض "بدائل السيناريوهات المتاحة" قد سنحت لمجلس قيادة الثورة .فقد طلب نميري من المستشار الاقتصادي للمجلس الدكتور أحمد الأسد، كما تقدم، كتابة مذكرة ففعل وقدمها للمجلس. وعرض الوزير أحمد سليمان، من وراء ظهر اللجنة المركزية للحزب الشيوعي السوداني، المذكرة التي أعدها أحمد الأسد بتكليف من الحزب حسب روايته كما سبق أن أشرنا. وسواءً تطابقت المذكرتان أم لا فإن المجلس قد وقف على البدائل ولا بأس من تكرارها هنا وهي:
1. السيناريو الأول: الإبقاء على تركيبة القطاع المصرفي كما هي شريطة أن تُعَززْ رقابة البنك المركزي وتُشَجَع البنوك الوطنية ( التجاري وبنكيّ التنمية الزراعي والصناعي).
2. السيناريو الثاني: المشاركة في رأس المال المدفوع بنسبة 55% وفي مجالس الإدارات للتحكم في مناشط البنوك والشركات وقد اكتسبت وفقا لقانون 1925م الاستعماري نفس حقوق الشركات الوطنية في الاستحواذ على ودائع السودانيين واستنزاف الفائض الاقتصادي خارج البلاد. لكن الأسد يستدرك في هذا السيناريو وعلى الرغم من إيجابياته أن خزينة الدولة لم تكن تتحمل " لأنها خالية الوفاض لدى استيلاء انقلاب مايو على السلطة" على حد قوله.
3. السيناريو الثالث: إقامة بنوك وشركات وطنية موازية في المدي القصير (خمسة أعوام) لحماية الاقتصاد السوداني من الهيمنة الأجنبية وذلك بتوسيع هيمنة القطاع العام في مجالات التنمية وإتاحة فرصة التمويل للقطاع المحلي الوطني الخاص. هنا أيضا يستدرك الأسد بالقول ( ومن سلبيات هذا السيناريو أن القطاع الخاص " كحيان" والقطاع العام " فلسان").
4. السينايو الرابع: تأميم البنوك الأجنبية والشركات البريطانية المهيمنة على الصادرات والواردات بالبلاد . وقد أقترح لهذا السيناريو اختيار الستة بنوك دون استثناء البنك التجاري السوداني بالإضافة للشركات البريطانية الأربعة. ويقرر الأسد حقيقة هامة حين يقول ( ويعتبر هذا السيناريو الأكثر مخاطرة والأفظع سلبيات) على حد قوله.
وبالتأكيد، وإضافة لهذه السيناريوهات، كانت القرارات التي اتخذها النظام الديمقراطي (1964- 1969م) لسودنة التجارة الخارجية والبنوك، والتي توفر عليها نفر من أبناء السودان من ذوي التأهيل والخبرة، وأعلنها وزير المالية يومها السيد حمزة ميرغني وهو يقدم ميزانية الدولة للعام 1966/1967م للبرلمان، وشرعت الحكومة الديمقراطية في اتخاذ الخطوات العملية لتنفيذها كما أوضحنا في مقال سابق، كانت تلك الخطوات ستكون بديلا يمكن النظر فيه من قبل مجلس نظام مايو والاستفادة منه على نحو من الأنحاء في إصلاح الاقتصاد السوداني، لو أن قادة مايو تمهلوا ولم يدمغوا كل ما سبقهم إليه ذلك النظام بأنه شر محض ولا فائدة ترجى منه.
وعلى كل حال لو أن هذه البدائل أو غيرها أخذت حظها من النقاش في مجلسي قيادة الثورة والوزراء، ولو استُفْتى في مدى ملاءمتها الخبراء الاقتصاديون والمختصون من ذوي العلم والمعرفة والتجربة من السودانيين، ولو تم استقدام الخبراء والمستشارين من مصر وغيرها من البلدان التي خاضت التجربة، وأمهلوا زمنا كافيا للبحث وللدراسة وتقديم المشورة، ربما كانت سلطة مايو قد سلكت طريقا غير الذي اختارته، أو ربما على أقل تقدير كانت تمهلت وأرجأت السير في طريق قراراتها المزلزلة لفرصة تتهيأ فيها لها ظروف أفضل للنجاح. لكنها في واقع الأمر تعجلت في اتخاذ كل قراراتها تلك في أيام معدودات ما بين 25 مايو 1970م و14 يونيو 1970م! هذا لو تجاوزنا عن المصادرات التي سبقت تلك الفترة وشملت مصادرة مجموعة شركات عثمان صالح وأولاده وممتلكات رجل الأعمال محمد أحمد عباس. ولكن كيف السبيل إلى التأني والصبر على الدرس واستقصاء الأمور وتدبر عواقبها، وقد غابت عن مجلس قيادة ثورة مايو الحكمة فكأنهم ما سمعوا بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم (التأني من الله والعجلة من الشيطان) وقوله لأشج بن عبد القيس ( إن فيك خصلتين يحبهما الله: الحلم والأناة). وكأنهم ما سمعوا قول أمير الشعراء شوقي:
لِكُلِ شَيءٍ فِي الحَيَاةِ وَقْتُهُ وَغَايَةَ المُسْتَعْجِلينَ فَوْتُهُ!
عدم جاهزية الوزارات والجهات المختصة:
إضافة لعدم استلهام التجارب السابقة في التأميم والمصادرة بشكل عقلاني ودراستها بعمق لاستخلاص العبر المفيدة، وعدم دراسة البدائل المتاحة لإصلاح الاقتصاد السوداني في ذلك الوقت والتي كان يمكن أن تكون بديلا أو تمهيدا للقرارات التي أقدمت عليها سلطة مايو، وإضافة لعدم التريث والعجلة المفرطة في اتخاذ تلك القرارات، كان من أبرز العقبات التي واجهتها تجربة مايو في التأميم والمصادرة هي عدم استعداد الجهات التي أنيط بها الإشراف على التأميم والمصادرة مثل وزارة الخزانة (المالية)، ووزارة الاقتصاد والتجارة الخارجية، ووزارة الصناعة، والجهاز المركزي للرقابة، العامة وبنك السودان، وغيرها من الأجهزة المختصة، لتحمل مسئولية تنفيذ القرارات. وقد سبق أن أشرنا إلى عدم جاهزية الجهاز المركزي للرقابة العامة للإشراف على قرارات المصادرة، إذ لم تكن أجهزته قد اكتملت حين بدأ صدور تلك القرارات، بل لم تكن قد توفرت له الكوادر الإدارية والمهنية التي تمكنه من الإشراف المالي والإداري والفني على الشركات المصادرة التي تعددت نشاطاتها وأحجامها وتشابكت علاقاتها الخارجية والمحلية. أما الوزارات المختصة فقد كانت تمارس نشاطاتها ومهامها التقليدية وكانت تفتقر للأجهزة المتخصصة التي تمكنها من الإشراف الإداري والمالي والفني على الشركات التجارية الكبرى التي جرى تأميمها. كما لم يكن بنك السودان بوضعه الإداري وبكوادره العاملة آنذاك في كامل جاهزيته لتحمل مسئولياته كمالك لرؤوس أموال البنوك التي جرى تأميمها في 25 مايو 1970م، وكممثل لجمعيات المساهمين للبنوك المؤممة، وبدا الأمر كما لو أنه مجرد مسرحية أريد لها أن تتم باي أسلوب في ذلك الجو المشحون بالغفلة والانفعال والرغبة في إعلان إنجازات متوهمة في الذكرى الأولى لثورة مايو!
مشكلة الكوادر الإدارية والمهنية المتخصصة:
من المشكلات العويصة التي أثرت سلبا على تجربة التأميم والمصادرة، ولها علاقة مباشرة بعدم جاهزية الوزارات والأجهزة والجهات التي أنيط بها الإشراف على المؤسسات المؤممة والمصادرة، عدم توفر الكوادر البشرية الإدارية والمهنية المتخصصة والمؤهلة وذات الخبرة التي كان يمكن أن تسند لها إدارة البنوك والشركات ومنشآت الأعمال التي تم تأميمها ومصادرتها. قامت سلطة مايو بعد صدور قرارات التأميم في 25 مايو 1970م كما سبق أن أوضحنا، بتشكيل مجالس الإدارات للبنوك والشركات الكبرى وتم اختيار أعضائها من بعض رجال الخدمة المدنية والقوات النظامية المتقاعدين والشخصيات العامة وبعض أصحاب المهن ، كما قامت بتسمية المدراء التنفيذيين لتلك الشركات والبنوك. ومع حرص سلطة مايو على اختيار شخصيات عرف بعضها بمواقعهم الاجتماعية، أو انتماءاتهم الأسرية، أو بتميزهم في المناصب التي عملوا فيها في مواقع الخدمة العامة المختلفة، إلا أن خبرة بعضهم لم تكن متوافقة مع ما ألقي على تلك المجالس من تبعات.
بيد أن مشكلة ضعف الكوادر الإدارية والمهنية كانت أكثر وضوحا في الشركات المصادرة التي تولى الجهاز المركزي للرقابة العامة الإشراف عليها. فبمراجعة تكليفات الجهاز وتسمية مدراء الشركات المصادرة كما أوردناه في مقال سابق، يتضح أن كثيرا منهم لم تكن له أي خبرة أو تجربة في إدارة العمل التجاري في مجال الصادر والوارد والوكالات التجارية وغيرها أو في النشاط الصناعي أو الخدمي الذي كانت تمارسه تلك الشركات. فمعظم من أسندت إليهم مسئولية إدارة الشركات المؤممة كانوا من المنتدبين من الوزارات والأجهزة الحكومية والمتقاعدين من رجال الخدمة المدنية والقوات المسلحة وبعض المهنيين والشخصيات العامة. لم تكن لكثير ممن تم اختيارهم لمواقع المسئولية لإدارة الشركات المصادرة القدرة على متابعة النشاطات التجارية والصناعية والخدمية وغيرها، أو الإلمام بالأسواق المحلية والخارجية، أو القدرة على رعاية العلاقات التجارية في إطار الوكالات الممنوحة لتلك الشركات من أصلائها في الخارج، بما يضمن استمرار نشاط تلك الشركات كما لو كان قبل المصادرة. يضاف لهذا أنهم لم تكن لديهم المعرفة والقدرة على قراءة وتحليل التقارير المالية ومتابعة الأداء المالي للشركات، ورصد وتحليل اتجاهات السوق، والتصدي للمصاعب الفنية والانتاجية، وتطوير النظم والإجراءات الإدارية، وممارسة الرقابة على أنشطة الشركة وأداء العاملين فيها وغير ذلك مما يدخل في مهامهم ومسئولياتهم الإدارية. هذا على مستوى الإدارات التنفيذية العليا التي اختارها وكلفها الرقيب العام بتفويض من مجلس قيادة الثورة لإدارة الشركات المصادرة كما تقدم. وقد اعترف الرقيب العام الرائد زين العابدين محمد أحمد عبد القادر بهذا إذ يقول (حدثت سلبيات كثيرة وكان لأصحاب الشركات التي تمت مصادرتها شبكة علاقات واسعة في الخارج، تأسست على مدى سنين طويلة. ولم يكن من السهل على القيادة الجديدة لهذه الشركات أن تبني بسهولة علاقات عمل وطيدة مع المصدرين أو المستوردين في أوربا وغيرها. فالتعاملات التجارية تعتمد على المعرفة الشخصية والثقة المتبادلة والمصداقية المكتسبة من خلال التعامل. ورغم أننا أرسلنا وفودا إلى كل الشركات التي كانت تتعامل مع الشركات المصادرة إلا أنها لم تحقق إلا قدرا متواضعا من النجاح) الرائد زين العابدين محمد أحمد عبد القادر – مايو: سنوات الخصب والجفاف - صفحة 103. وهنا يحار المرء هل كانت تلك الأمور البديهية التي وردت في شهادة الرائد زين العابدين خافية على مجلس قيادة ثورة مايو ومجلس وزرائها ومستشاريها قبل أن يقدموا على تلك القرارات المزلزلة؟
كان الضعف وعدم الخبرة الإدارية والمهنية واضحا على المستويات القيادية العليا، أما على المستويات الإدارية الوسيطة والدنيا فقد تم توظيف المحاسيب والأقارب والأصدقاء في بعض المؤسسات المؤممة والمصادرة دون معايير موضوعية وفي بعض الأحيان دون احتياج وظيفي حقيقي لتعيينهم. وقد أدى هذا إلى تزايد كلفة بند الرواتب والأجور والبدلات والحوافز وغيرها من مزايا العاملين في عدد من المؤسسات المؤممة والمصادرة، وتجاوزا لكل الضوابط والإجراءات الحاكمة لهذه المزايا قبل التأميم والمصادرة. وقد أدي هذا السلوك الإداري والتوظيف العشوائي إلى تزايد المصاريف الإدارية وفي ضوء تدني الأداء وتناقص النشاط بسبب الهزة التي أحدثتها قرارات التأميم والمصادرة، ومع مرور السنوات تآكلت الأرباح وتراكمت الخسائر واصبحت معظم هذه المؤسسات عبئا ثقيلا على الدولة. وسنواصل حصاد تجربة التأميم والمصادرة المر في المقالة القادمة.
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.