الجمعية العمومية تجيز تكوين اللجان العدلية برفاعة    مان سيتي يقصي ليفربول    يفتتح اكاديمية اساطير المستقبل بكندا المهندس.. فكرة الاكاديمية لتطويرة الكرة السودانية ودعم المنتخبات    المدير العام لقوات الشرطة يتفقد مكان حادثة الإنفجار ببرى ويطمئن مواطنى المنطقة    وزير الداخلية يبحث مع نظيره المصري تعزيز التعاون الأمني وتبادل الخبرات    طريقة عمل السجق البلدي بدبس الرمان.. بنكهة مختلفة ومميزة    ذكرى ميلاد هيثم أحمد زكي.. واجه الأضواء مبكرا بسبب والده ورحل في صمت مؤلم    ماذا يعنى ترويج ترامب لعلم أمريكى ب56 ولاية؟.. نيوزويك: طموحات توسعية    شاهد بالصورة والفيديو.. شبيه "حميدتي" يحيي حفل زواج عروس سودانية وعريس مصري بالقاهرة    حاتم صلاح يستقبل عزاء والده اليوم من مسجد الرحمن الرحيم    الاتحاد الرواندي يساند الهلال السوداني أمام الكاف وسط صمت محلي    برشلونة بالقوة الضاربة لمواجهة أتلتيكو مدريد فى قمة الدوري الإسبانى    ضبط شبكة إجرامية خطيرة في الخرطوم    يارا السكري تشارك متابعيها بصورة أثناء أداء مناسك العمرة    برومو فيلم أسد يكشف قصة حب أسطورية تتحول إلى حرب لا رجعة فيها    شاهد بالصورة والفيديو.. شبيه "حميدتي" يحيي حفل زواج عروس سودانية وعريس مصري بالقاهرة    أطعمة ترفع رائحتها مستوى الطاقة واليقظة لديك دون الحاجة لتناولها    فيروس من الجمبري قد يصيب العين.. اعرف تفاصيله وعلاقته بارتفاع ضغط العين    مشاورات بين السودان وإثيوبيا بشأن استئناف الطيران    شاهد بالفيديو.. من هو مجاهد سهل رئيس نادي المريخ؟ تعرف على مجال عمله والشركات التي يديرها!!    شاهد بالفيديو.. الفنانة حرم النور تغني للكويت بعد قرارها بإستقطاب معلمين سودانيين: (أرفع رأسك يا سوداني الكويت بلدنا التاني)    شاهد بالصورة والفيديو.. شاب "سوداني" يتزوج من حسناء "تونسية" ويغازلها أمام الحاضرين: (في قلبي وفي رأسي)    قوات الدفاع المدني تنفذ حملة واسعة النطاق لمكافحة نواقل الأمراض وإصحاح البيئة بمحلية جبل أولياء    وزارة الداخلية توضّح بشأن دوي انفجار هزّ منطقة شرق الخرطوم    شاهد بالفيديو.. الفنانة إنصاف مدني تفاجئ الجميع وتقتحم بث مباشر لزميلتها ميادة قمر الدين: (أنا مفلسة أعملوا لي مبادرة)    تطوّرات في ملف شكوى الهلال ونهضة بركان    بالصورة والفيديو.. شاهد لحظة القبض على أخطر شبكة تقوم بسرقة العربات و"اسبيراتها" بالخرطوم بعد كمين محكم    بالصورة والفيديو.. شاهد لحظة القبض على أخطر شبكة تقوم بسرقة العربات و"اسبيراتها" بالخرطوم بعد كمين محكم    ماذا يحدث لجسمك عند التوقف عن تناول منتجات الدقيق الأبيض لمدة أسبوعين؟    بالصورة.. أبعدوه حتى لا يرى قبرها ويقوم بنبشه.. قصة مؤثرة تدمي القلوب لشاب سوداني معاق ذهنياً في يوم وفاة والدته التي كان متعلق بها ومداوم على مسك "ثوبها"    اللجنة الإقتصادية العليا تصدر عدداً من القرارات المهمة لتحقيق استقرار سعر الصرف    سوداني يسأل: (أنا مغترب وحصلت مشكلة بين زوجتي وزجة أخي واخوي اتصل علي قال لي طلقتها ليك هل الطلاق واقع؟)    وزير المعادن ونائب المدير العام المفتش العام للشرطة يدشنان مركبات لتعزيز مكافحة تهريب المعادن وتأمين مواقع التعدين    السودان.. وزير يشرع في تكوين قوّة عسكرية ضاربة..ماذا هناك؟    ارتفاع وارد واسعار الذرة والسمسم بسوق القضارف    قالت إنّها خرجت من آلية تحديد أسعار الوقود..الطاقة تكشف تفاصيل 20 باخرة في محيط البحر الأحمر    عثمان ميرغني يكتب: فساد.. الفساد..    شراكة استراتيجية بين "الشباب والرياضة" و"الصناعة" لتمكين المبتكرين ودعم الإنتاج الشبابي    السيسي للرئيس ترامب: لا أحد يمكنه وقف الحرب في المنطقة إلا أنت    مصر.. الدولار يقترب من 54 جنيها لأول مرة    وجبة سمك تُنهي حياة 3 سودانيين بالقاهرة وتتسبب في إصابة 4 آخرين بحالة تسمم غذائى حاد    رئيس الوزراء يصدر قرارًا بشأن الرسوم الجديدة في المعابر    محمد عبد الباسط يكتب: لهذا تحركت باكستان الآن للوساطة بين أمريكا وإيران    الخليج الضحية الكبرى: إيران وجهت 83% من هجماتها إليه… و17% فقط إلى إسرائيل    مهلة أخيرة للمخالفين: خيارات متعددة لمعالجة أوضاع التأشيرات المنتهية في السعودية    ترامب يصدر أوامره ويكشف تطورات مثيرة مع إيران    الأمن يداهم مخزن يبيع الوقود المهرب لعصابات التنقيب عن الذهب    رئيس الأهلي مدني وابنه يتعرضان لحادث مروع    المباحث تنهي مغامرات شبكة إجرامية متخصصة في الإحتيال علي أصحاب المحلات التجارية عن طريق اشعارات تطبيق بنكك المزيفة    الشيخ بن زومة.. إلى جنة الخلد    قيم الهلال المتوارثة يجب أن تبقى أبد الدهر    في زمن الضجيج.. القرآن بوصلة المعنى والسكينة    د.مزمل أبو القاسم يكتب: دموع الباز.. وزاهر! (2)    السودان.. الدفاع المدني يستعين ب"التوك توك"    طفح جلدي في رقبة الرئيس ترمب يثير تساؤلات حول صحته    صوت لا يغيب.. محمد رفعت ورحلة الآذان الخالد في رمضان    أجهزة الأمن السودانية تنهي مغامرات لص الصيدليات في عطبرة    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



مقتطف من رواية فتي وأختان (4) .. بقلم: هلال زاهر الساداتي
نشر في سودانيل يوم 27 - 07 - 2016

ما زالت الهواجس تنتاب صابر وتنوشه من كل جانب ، فقد تشتت ميله بين الأختين فمثله كمثل لعبة جر الحبل بين فريقين كل منهما يشد الآخر اليه ولم تنتهي اللعبة بعد ، فكلما فكر في واحدة منهما لاحت له الثانية وأقحمت نفسها في الصورة وبين الشد والجذب يشعربأن رأسه سينفجر من التفكير ، وهو كغريق موشك علي الغرق وهو عاجز ولاحيلة له ولا من مغيث أو منقز ! وكان في مثل هذه الحالات يهرب من نفسه بالذهاب الي أحد أصدقائه الأثيرين ليصرف عن نفسه التفكير بالونسة أو الخروج معا" للتجول ، ويذهبان الي المكتبة العامة أو ألي حضور ليلة سياسية أو محاضرة في أحد الأندية ، فقد كانت الحياة الثقافية والسياسية تعج بالنشاط في تلك الحقبة ، كما كانت دور السينما وهما داران في امدرمان تتباريان في عرض الأفلام الجيدة ومنها أفلام الكاوبوي ( رعاة البقر الأمريكان ) التي كانت لها شعبية كبيرة وخاصة بين سواد الشعب حتي أن أحد الشبان تقمص شخصية الكاوبوي وارتدي ملابس كملابسه ، وأخذ يقلد مشيته ، وعوج لسانه في حديثه بما حفظه من جمل وتعبيرات حفظها وأصبح ينادونه بأسم أستيف في الحي ، ولم ينقصه سوي الحصان والمسدسين والقبعة العريضة وبلغ الهوس والأعجاب بالكاوبوي أنه لما مات أحد الممثلين المشهورين بتمثيل دور الكاوبوي لم يصدق أحد عشاقه أنه مات حقيقة ، وكان حاله مثل حال المسلمين عندما نعي اليهم النبي محمد ( صلعم ) ، والبعض أعلن الحدادعلي ذلك الممثل وهو قاري كوبر‍وكان ثمن تذكرة السينما للدرجة الشعبية زهيدا" لا يزيد عن القرشين وكان الجنيه يساوي مائة قرشا" ، كما كانت دار الرياضة بامدرمان لا تخلو من مباريات الفرق الرياضية وكانت تذاكر الشعب زهيدة الثمن أيضا" ، ومن لم يستطع دخول دار الرياضة كان يجد ضالته ويشبع رغبته في مشاهدة مباريات الفرق الصغيرة في الساحات التي تنتشر في المدينة ويدخل دار الرياضة في مباريات فرق كرة القدم الكبيرة في امدرمان كالموردة والمريخ والهلال .
وذهب صابر الي صديقه ربيع والذي كان يقصده كلما أراد الترويح عن نفسه أو التفريج عن مزاجه المتعكر بالرغم من طبع ربيع الذي يميل ألي السخرية والتهكم ، وقابله ربيع بعبارة ساخرة قائلا" : أهلا"بقيس القرن العشرين صاحب الليلتين ! وأجابه صابر بما يشبه الغضب : خلي عندك شوية ذوق ،دي مقابلة لضيف وصديق كمان ؟ يا اخي خليك جد مرة واحدة فقط ، ولم يتراجع ربيع وقال له : أنا جبت حاجة من عندي ؟ ما هي دي الحقيقة يا عاشق يا حيران طيب خلينا من لماضتك دي أصله الواحد ما ناقص نكد وقوم نطلع نتجول أو نمشي لأي حتة لأني شاعر بأنه نفسي ضايقة شديد وما قادر أتنفس . وخرج الصديقان الي الشارع وتركا العنان لاقدامهم لتحملهما حيث شآءت ، وأول ما وقع بصرهما عليه هو منظر صاحب عربة كارو ينهال ضربا" بالسوط علي ظهر حصان هزيل يجر عربة يئن من حمل جوالات ثقيلة والحصان المسكين يكاد يتعثر في مشيته بصعوبة بالغة ، وقال صابر محتجا" : أليس في قلب هذا الرجل رحمة لهذا الحيوان المسكين ،وددت لو ربطته مكانه واذقته مثل هذا الضرب ، أليس الفرق بينناوبين هذا الحيوان هو النطق ؟ وقاطعه ربيع قائلا" : والمحير هو أن الرجل يعتمد علي كد هذا الحيوان ولولاه لمات من الجوع هو وأولاده أن كان له أولاد ، واحسب أنه الجهل مع قسوة القلوب مايجعل أمثال هذا الرجل تتصرف هكذا ،وليت لنا جمعية للرفق بالحيوان مثلما هو موجود في الأمم الراقية ، وأضاف صابر : وفيم العجب يا صاحبي فهناك لدينا من هم أشد قسوة بأخيهم الأنسان من قسوتهم علي الحيوان ، فماذا تقول في الذي يظلم أخآه ليأكل حقه ؟ وفي التاجر الذي يخزن القوت ويغلو في الثمن والناس يكاد يقتلهم الجوع ؟ وفي الحاكم الذي يقمع شعبه ويلقي بهم في السجون والمعتقلات ويعذبهم ويمتهن آدميتهم ؟ ألا تري أنه من الأنسب أن نكون جمعيات رفق بالأنسان ؟! وغذا السير فرأيا رجلا" رث الثياب ولكنها نظيفة مع ذلك ، وكان وجهه مكتئبا"ويشبه وجه الموميآء في نحوله والتصاق الجلد بالعظم ويملأ الوجه عينان باهتتان في محجرين غائرين والرجل يسير كالمذهول وهو يكلم نفسه في غضب ظاهر . فقال ربيع : أراهن علي أن هذا الرجل موظف حكومي صغير فقد وظيفته أو أن راتبه الضئيل لا يكفيه هو وعائلته حتي منتصف الشهر أو قبل ذلك وهو مثقل بالعيال وبرغم ذلك ينجب المزيد من العيال ، ويقول لك بغبآء جاهل ( ربك ما شق خشما" وضيعه ) ، ويقول له صابر : لا تقسو علي الرجل فبالأضافة الي الجهل والفهم الخاطئ أو التفسير الخاطئ للدين فأن المتعة الوحيدة التي بقيت له في الحياة هي متعة الألتقآء مع زوجته في الفراش ، فهو محروم من كل شيئ حتي من الطعام الذي يقيم الأود ويقوم من الأكل بمعدة نصف ممتلئة أو نصف خاوية ، وليست العتبي عليه ولكن علي حكومته التي لا تعطيه راتبا" يكفيه أو تيسر لأبنائه سبل العلاج والتعليم وتكفيه هم تدبير مقومات معيشته ! كما أن التوعية ضرورية أيضا" للنسآء لتنظيم النسل ومدهم مجانا" بسبل تحقيق ذلك مجانا" حتي لا يتناسلن كالأرانب ، فأن السمآء لا تمطر ذهبا" ولا فضة كما قال الفاروق عمر ( رضي الله عنه ) .
وتابعا الجولة ، ومرت عربة فاخرة كبيرة يسوقها شاب منتفخ الوجه يشع بالنعمة وكان يرتدي جلابية من قماش فاخر ( سكروتة) ويضع عمامة كبيرة ناصعة البياض علي رأسه ويخرج يده بجانب العربة ويظهرفي أصبع منها خاتم كبير من الذهب ومع كل هذه الوجاهة كان يبدو عليه أنه ريفي من محدثي النعمة ، وقال ربيع : شايف الزول ده ، أقسم بأنه كان الي زمن قريب يركب حمارا" ولكنه كون ثروة بأحد الأساليب المشبوهة وهي متعددة في هذا الزمن ولكنه زى البطيخة خضرة من برة وبيضة من جوة ، أقصد تمدن من الخارج في الملبس والمسكن والمظهر ولكن تخلف حضاري وفكري من الداخل ، ووجدا أنفسهما في قلب السوق الكبير وفي الجزء الذي يوجد فيه القهاوي ومحلات بيع المرطبات والحلوي ودور السينما ، وارتفع في الجو صوت أحدي الأغنيات من اسطوانة فونغراف من أحدي المقاهي الشعبية وقد رفع الصوت الي آخر مدي حتي أنه يسمعه الموتي لو كانوا يسمعون ، وكانت الأغنية لأحد المغنيين الجدد والذي حاز شهرة كبيرة في وقت وجيز وكان يصاحب الأغنية موسيقي غنية من اوركسترا من عدة الآت كما يبدو وكان اللحن جميلا" زانه صوت المطرب بهآء وتطريبأ، وتوقفا حتي أنتهت الأغنية ، وقال صابر معبرا" عن اعجابه وانتشائه : الله الله هذا هو الطرب الأصيل ، وتجاوب معه ربيع وأبدي أعجابه أيضا" بالأغنية ولكنه أضاف : هناك شيئ يحيرني وأني أشك في جدواه وهو هذا الرجل الذي يسمونه المايسترو والذي يشوح بيديه أو بهذه العصا القصيرة وقد رأيت عازفينا يعزفون الألحان والأغنيات بدون وجود هذا الرجل ، وقد تحقق ظني في جدوي هذا الرجل في حفل عرس كان تعزف فيه فرقة موسيقي الجيش والمايسترو يقودها بعصاه وفجأة أنقطع التيار الكهربائي وأظلمت الساحة ولكن المايسترو أستمريشوح بعصاه في الظلام بينما الأوركستا مستمرة في العزف ، أهي عصا كعصا موسي تري في العتمة ؟! ورد عليه صابر قائلا" : لا تظلم قائد الفرقة الموسيقية المايسترو فهو لايحتل هذه المكانة الا بعد دراسة ودراية بالموسيقي ، واما العازفين فانهم قد حفظوا الألحان التي عزفوها عشرات أو مئات المرات فهم يعزفونها بطريقة تلقائية . وانتهت الجولة عند صاحبهم بائع التسالي وابتاعا قرطاسين ، وأصر كل منهماعلي الدفع بقلب جامد فقد كان لدي كليهما من القروش مافيه الكفاية .
كما تقدم كانت الحركة الوطنية مشتعلة والكفاح ضد المستعمر في عنفوانه وكان للطلبة قسطا" وافرا" في النضال عن طريق الأضرابات والمظاهرات ، وأصابهم نصيبهم من النقمة والعقاب من المستعمر سجنا" وأعتقالا" وتشريدا" وفصلا" من الدراسة ، ولما كان صابر من قيادات الطلبة فقد رفت من المدرسة في قائمة ضمت مائتين من الطلبة أصدرها وزيرالمعارف بأمر من الحكومة ، ووجد نفسه يلتفت الي أمور لم يكن وقته أو ظروفه تمكنه من الوفآء بها وسط مشغوليات الدراسة والأنغماس في العمل الوطني ، ومن تلك الأمور الجلوس وقتا" طويلا" مع والدته وأخوته البنات . وهو لم ينتظم في عضوية الأحزاب القائمة حينذاك ، فقد كانت الطائفية تسيطر عليها عدا الحزب الوطني الأتحادي في ذلك الوقت ولم تكن الأحزاب تتغلغل في الحركة الطلابية عدا الحركة اليسارية الشيوعية التي أدخلت بعض كوادرها في قيادات الطلبة وكان نشاطهم وطني ينصب بالدرجة الأولي في الخلاص من المستعمر وليس التبشير بالشيوعية ، ولكن كانوا يعملون علي استقطاب أو تجنيد البارزين من الطلاب الوطنيين ، ولقد حاولوا تجنيد صابر ولكنه آثر الا ينضم اليهم وكان بطبعه ينفر من التحزب الأعمي والتعصب والتطرف لطائفة أو مذهب من المذاهب وكان أيمانه بالله والدين لا يتزعزع، وأما حركة الأخوان المسلمين فقد كانت لا أثر لها في الساحة الوطنية لأنها كانت في بداياتها الأولي ويعتنقها أفراد قلائل ، وقد نفر منها صابر منذ المرة الأولي مما شاهده وقرأه عن أعمالها في موطنها مصر من لجوء للعنف وأرهاب فكري للآخرين وجعل الدين حكرا" عليهم ، ولذلك كان متعاطفا" مع الحزب الوطني الأتحادي رغما" عن دعوته للاتحاد مع مصر تحت التاج المصري وذلك لصلابته في النضال ضد الأنجليز المستعمرين وتجرد قادته وعفتهم ونزاهتهم ، كما كان منبهرا" بطرح الأشتراكية والعدالة الأجتماعية وتحرير الشعوب من الأستعمار والأستعباد الذي يبشر به الشيوعيون الماركسيون وكانوا في السودان فعلا" أنقيآء صلبين ومخلصين لقضية شعبهم ، ولكن أخذ علي مذهبهم السلبي بل العدائي من الدين ، وأعتقادهم بأنهم وحدهم يملكون الحقيقة وفصل الخطاب ، وتعظيمهم لكارل ماركس ولينين كأنهما آلهة وليسا بشرا" يصيبان ويخطئآن ، وأأما حزب الأمة فأنه كان ينفر منه لتعاونه مع الأنجليز المستعمرين بينما كان الحزب يدعو للأستقلال كما كان أنصاره يتعاملون بعنف مع معارضيهم ، ولكل هذا آثر أن يبتعد عن الأحزاب ولا يلتحق بأي منها .
وجد صابر فسحة من الوقت ليجلس مع والدته واخواته البنات ليستمع اليهن ويستمعن اليه وأحس في نفسه وخزة ألم ضميرية عما بدر من تقصير أزائهن ، وكانت الأحاديث تتشقق بين أخبار الحلة وبين ما تعايشه البنات في مدارسهن ومدرساتهن وصويحابتهن الأثيرات والمقالب الصغيرة بيتهن ثم أخبار خطبة وطلاق فلانة وعلانة ، وأزماع حاج عبدالله الذهاب الي الحج للمرة السابعة مع أنه يغش في تجارته ويزيد الأسعار ، وكذلك حاجة كلتوم الدلالية تزمع الحج للمرة الرابعة وهي لا يفتر لسانها من النميمة والغيبة والسباب ، وحاج الصافي الذي ينوي الحج للمرة الثالثة والذي لا تفارق المسبحة يده بينما هو شديد البخل يكلف عائلته العنت في المعيشة ويضيقها عليهم مع أنه ميسور الحال ، كما علم منهن أن مجالس النسوة تتناول قصة بت التور العورآء العجوز العانس التي تجاوزت السبعين من عمرها والتي توفاها الله قبل عدة أشهر ، ولكنها ترآءت للبعض وشاهدوها تمشي وتبتسم لهم ، وقالوا أنها أنقلبت أو عادت الي الحياة ( بعاتية) كما ورد في الموروث الشعبي ، وقد سخر أخواته من هذا القول عدا أخته الصغري محاسن التي قالت أن من حكي القصة أقسم مغلظا" أنه شاهدها عيانا" بيانا" وبرغم ما تملكه من خوف شيد أقدم ليكلمها ولكنها أسرعت في مشيتها واختفت في ثوان ، وكانت أمهم وهي أمرأة أمية ولكنها متدينة راجحة العقل طيبة النفس ولا تتحدث ألا بمقدار تدخلت في الحديث قائلة : هو يا أولادي أبن آدم بعد ما يموت تاني بقوم ألا في يوم القيامة ؟ أمكن الشافو الناس ديل هو الشيطان المتمثل ليهم في شكل بت التور ،وأمن الجميع علي كلامها وقال صابر ترسخت الخرافة بحكم أعتياد الناس عليها لكثرة التداول وعرضها كتراث ذي قيمة لا يفرط فيه وأظن أن علمآء الدين لدينا قصروا في واجبهم أزآء تنوير الناس بحقائق الحياة ونفي كل ما يتعارض مع تعاليم الدين وبنفس القدر يقع اللوم والقصور علي التعليم الذي يجلي العقول ويصقلها من صداأ الموروثات الخاطئة المضلة حتي يبقي لنا المفيد من التراث الذي ينفع الناس وتحمس صابر في كلامه وكأنه يلقي محاضرة في مجموعة من الحاضرين ، وأضاف كما يتحمل المسئولية أصحاب الطرق الصوفية وهي في بلدنا بالعشرات ، فهؤلاء أحالوا الدين الي حركات بهلوانية وتشنجات ىوصيحات محمومة وضرب النوبات والضجيج العالي ، فبدلا" من قرآءة القرآن أو تدارسه مع السنة المطهرة في جو يسوده الوقار والسكينة والهدوء صار الذكر كحلقات الظار أو حلبات الرقص الأفريقية علي دقات الطبول ! بالله كيف نعبد الله في خشوع ونحن نردد كالببغاوات حي حي مئات المرات ، أو نردد بدون وعي مناقب النبي أو شيخ الطريقة وتقديسه ؟ ونتزيا بملابس عجيبة ونتلفظ بعبارات مبهمة ، هل هذا يقربنا ألي الله أو نتقرب الي الله بهذه الخزعبلات؟ هل كان نبينا عليه السلام وصحابته الكرام يفعلون هذا الفعل ؟ ، وأضاف ، هذا ما عنيته بخلط الدين بالعادات والأعراف دون تمييز بينها ، وتناولت الحديث أخته الكبيرة وقالت : أوافقك علي كل أرآئك التي أبديتها وأن كان مجتمع الرجال يضج بهذه الممارسات ، فنحن النساء في مجتمع النسآء الأكثر أمية وجهلا" وتخلفا" نعاني أكثر منكم من هذه الموروثات البالية ونحن طليعة الفتيات اللاتي نلن قسطا" من التعليم نحاول أن ننظم أنفسنا للعمل سويا" لتغيير هذه المفاهيم وهو واجب شاق ويستغرق وقتا" طويلا" لأن التغيير لا يتم بسهولة ولا يتم بين ليلة وضحاها والمهم أن نبدأ ولا نتواني ، واشتركت الأخت الوسطي سعاد في الحديث بقولها : ألم تسمعوا خبر خطوبة منيرة ؟ العجيب أنها كانت معنا أول الأمس ولم تفصح لنا عن شيئ ، وتحدث الجميع في ضجيج متسائلين عن العريس بينما وجم صابر وكف عن الكلام ، واستمرت سعاد قائلة : يقولون أنه دكتور شاب وأهله من من حي بيت المال من عائلة معروفة ، وقاطعتها محاسن في لهفة : لكن هو شافها وين وكيف اتعرف عليها ؟ وقالت سعاد : أصله شغال في مستشفي امدرمان وشافها في يوم الزيارة عندما أتت مع أمها لزيرة قريبة لهم مريضة ، وأعجب بها من أول وهلة وتعلق بها ، وبعد ذلك استقصي من قريبتها كل صغيرة وكبيرة عنها وعن أهلها ، ثم صار يتسقط أخبارها من كل مظان وظلت صورتها تلح عليه وتستاثر باهتمامه في صحوه ومنامه وقر رأيه علي أن هذه الفتاة التي ينشدها لحياته شريكة له ، وبالأمس فقط ذهب وفد علي رأسه أبوه مع كبار رجال ونسآء العائلة لخطبتها من أبيها ، وتوج هذا اللقآء لقآءآت سابقة بين النسآء صادفت القبول من والد منيرة ووالدتها وأخوتها وأعمامها وأخوالها .
وتدخلت الأم داعية لها بالخير : أن شاءالله يتم ليها علي خير ويسعدها والعقبال ىلبناتي ، وصدرت من البنات ضحكات خجلي وسألت البنت الكبيرة : لكن موقف منيرة شنو من العريس ؟ وأجابت الأم بسرعة : موقف شنو يا بتي هو البت لما يجيها عدلها بتابآه ؟ وقالت سعاد : أمكن يا أمي يكون ليها رأي في العريس أو ما عايزاه ، وقالت الأم : يا بتي يكون سألوها في الأول ووافقت عليه قبل ما يدوا كلمة القبول لناس العريس . لم يشارك صابر فيما دار من حديث وكأن لسانه قد أخرس وظل ساكتا" ساكنا" وقام فجأة خارجا" من الحجرة بسرعة لفتت الأنتباه ، وتساءلت الأم : بسم الله ، الولد ده مالو فز كده الحاصل عليه شنو ؟ كان عايز البت ولا شنو ؟ وتغامز البنات بأعينهن فقد كن يعرفن تعلق صابر بمنيرة وذهابه الدائم لمنزل أهلها ، وقالت البنت الكبيرة وهي كانت جامعية في سنتها ىالأخيرة : والله كل شيئ جائز ، يا أمى ، لكن يكون عوير لو أفتكر أنو البت حتستناه لمن يتخرج ويشتغل ويهيئ حاله للزواج دي عواطف بتاعت مراهقين ساكت ، قومي يا محاسن أعملي لينا شاي العصر ...
زلزل كيان صابر خبر خطوبة منيرة وأفقده توازن نفسه ، وجاشت بخاطره عديد التساؤلات التي كانت تقف عند نقطة واحدة وهي : لماذا حدث هذا ؟ ألم يسكب قلبه بعد عصره محبة لها ؟ ألم ينضد النجوم عقدا" طوق به جيدها ؟ ألم يعزف القلب لها أعذب ألحان الوجود ؟ ألم يرقص القلب لها في خفة وردة في قطر الندى ؟ ألم يفرش لها الأرض بساطا" مخمليا" من سعادة وهنآء ؟ ألم يرسم لها قابل الأيام لوحة تشع بالبهاء ؟ أيذهب كل ذلك سدي في لحظة عبثية يتلاعب بها الزمان ؟! مأقسي الزمان وهو يدمر بغتة ماشيده الأنسان بالجهد والسهد والدموع ! وما أقساه عندما يئد الأمل الحي في موات الأبدية ، وما أقساه وهو يحطم قلوبا" في عذرية تفتح الحياة ! ويمضي صابر يبكي حظه العاثر ويشفق علي مآله في قابل أيامه فهو لايستبعد أن يركبه الجنون ! أو يدفعه الحزن واليأس لأن يفارق الدنيا بيده واضعا" حدا" لحياته فهو الآن فقط أدرك بعمق كم كان حبه عظيما" لمنيرة ، وأن ما يكنه لأختها بثينة لايتعدي الأستلطاف والأعجاب ممتزجا" باشتهآء لذلك الجسم الريان المغري ، وقال لنفسه : نعم أنه أشتهآء مادي بينما الحب الحقيقي الذي يتغلغل في الروح هو ما يبطنه ويحسه لمنيرة ....
هلال زاهر الساداتي
25 يوليو 2016
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.