قالت إنّها خرجت من آلية تحديد أسعار الوقود..الطاقة تكشف تفاصيل 20 باخرة في محيط البحر الأحمر    شاهد بالفيديو.. داخل حرم إحدى المدارس.. والي النيل الأبيض ينفعل على وزير التربية والتعليم ويحظى بإشادة الجمهور: (لن أذهب حتى ينتهي البناء)    شاهد بالفيديو.. الفنانة هدى عربي تخلع حذائها أثناء الحفل وتدخل في وصلة رقص مثيرة    اختبار نسخة مدفوعة جديدة من "إنستغرام"    "آبل" تستعد لإطلاق أول آيفون قابل للطي    النفط ينخفض 1% بعد تقرير ترامب إنهاء حرب إيران    "يغفر الله للجميع إلا باجيو!".. مأساة اللاعب الذي مات واقفا – فيديو    عيد ميلاد إيمى سمير غانم.. خطوات ثابتة واختيارات مدروسة فى مسيرتها الفنية    قرار لحكومة السودان بشأن معبر أدري    قيادي بحزب المؤتمر الوطني يحسم جدل مثير    صبري محمد علي (العيكورة) يكتب: *هذا ما قاله لي وزير التعليم العالي والبحث العلمي ظهر اليوم*    عثمان ميرغني يكتب: فساد.. الفساد..    والي الخرطوم يوجه وزارة التخطيط العمراني بتطبيق القوانين وتسريع إجراءات معاملات الأراضي    جهاز المخابرات العامة يدشن مبادرة العودة الطوعية للاجئين السودانيين من مصر    إكتمال فتح الطرق والشوارع الداخلية بمنطقة وسط الخرطوم    ارتفاع جديد في أسعار الوقود بالخرطوم    شاهد بالفيديو.. رمى عليهم عبوة ناسفة وهرب.. جنود بالدعم السريع يضبطون مرتزق من جنوب السودان في وضع مخل مع سيدة داخل "راكوبة" بمدينة الفولة    شاهد بالفيديو.. فنان "ربابة" سوداني يثير تفاعل الجمهور بعد ترديده أغنياته الشهيرة (صورة وصوت) في حفل حاشد بالسعودية    الهلال يواجه أُماجوجو لتوسيع فارق الصدارة    شاهد بالفيديو.. داخل حرم إحدى المدارس.. والي النيل الأبيض ينفعل على وزير التربية والتعليم ويحظى بإشادة الجمهور: (لن أذهب حتى ينتهي البناء)    الأهلي يخسر من ساردية بدوري شندي    (أماجوجو والنقطة 54)    برشلونة يتلقى دفعة معنوية قبل مواجهة أتلتيكو مدريد    شراكة استراتيجية بين "الشباب والرياضة" و"الصناعة" لتمكين المبتكرين ودعم الإنتاج الشبابي    كريم عبد العزيز وفريق مطلوب عائليا يبحثون عن دولة أوروبية للتصوير الخارجى    أزمة منشطات تشعل دوري أبطال إفريقيا.. الهلال السوداني يشكو نهضة بركان المغربي ل"الكاف"    أيهما أكثر فائدة القهوة أم عصير البرتقال صباحًا.. والكميات المناسبة    آلام الدورة ليست دائمًا طبيعية.. إشارات تكشف بطانة الرحم المهاجرة مبكرًا    فصيلة الدم تكشف احتمالية الإصابة بالسكري    السيسي للرئيس ترامب: لا أحد يمكنه وقف الحرب في المنطقة إلا أنت    "فيفا" يتّخذ موقفًا حازمًا بشأن مشاركة إيران في كأس العالم    مصر.. الدولار يقترب من 54 جنيها لأول مرة    سارة بركة: أحمد العوضى مجتهد بشكل كبير وبيحب شغله جدا    اختيار غير متوقع لمستقبل "الملك المصري"    وجبة سمك تُنهي حياة 3 سودانيين بالقاهرة وتتسبب في إصابة 4 آخرين بحالة تسمم غذائى حاد    بسبب ضعف الراتب.. وزير الثروة الحيوانية بالسودان يبحث عن عمل إضافي    رئيس الوزراء يصدر قرارًا بشأن الرسوم الجديدة في المعابر    محمد عبد الباسط يكتب: لهذا تحركت باكستان الآن للوساطة بين أمريكا وإيران    السكوت على هذا الأمر لا يرضي الله ولا رسوله!!    ارتفاع أسعار الذهب في السودان    الخليج الضحية الكبرى: إيران وجهت 83% من هجماتها إليه… و17% فقط إلى إسرائيل    مهلة أخيرة للمخالفين: خيارات متعددة لمعالجة أوضاع التأشيرات المنتهية في السعودية    ترامب يصدر أوامره ويكشف تطورات مثيرة مع إيران    الأمن يداهم مخزن يبيع الوقود المهرب لعصابات التنقيب عن الذهب    رئيس الأهلي مدني وابنه يتعرضان لحادث مروع    المباحث تنهي مغامرات شبكة إجرامية متخصصة في الإحتيال علي أصحاب المحلات التجارية عن طريق اشعارات تطبيق بنكك المزيفة    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    الشيخ بن زومة.. إلى جنة الخلد    قيم الهلال المتوارثة يجب أن تبقى أبد الدهر    في زمن الضجيج.. القرآن بوصلة المعنى والسكينة    د.مزمل أبو القاسم يكتب: دموع الباز.. وزاهر! (2)    السودان.. الدفاع المدني يستعين ب"التوك توك"    طفح جلدي في رقبة الرئيس ترمب يثير تساؤلات حول صحته    صوت لا يغيب.. محمد رفعت ورحلة الآذان الخالد في رمضان    أجهزة الأمن السودانية تنهي مغامرات لص الصيدليات في عطبرة    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    السودان.. فكّ طلاسم"تبيدي للمجوهرات" في الخرطوم والتحقيقيات تفجّر مفاجأة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



عبد الخالق محجوب: ويولد الانقلابي من الثوري (3-6) .. بقلم: د. عبد الله علي إبراهيم
نشر في سودانيل يوم 25 - 09 - 2016

(ناصل في هذا الجزء من المقال عرض أفكار أستاذنا عبد الخالق محجوب عن الانقلاب العسكري وممارسته وطن نفسه بهما تجنبه كتكتيك سياسي. ولكن جاءت الريح بما لاتشتهي السفن. وتحلل المقالة هذا المأزق السياسي لعبد الخالق وحزبه بالنظر إلى خطتين اصطرعتا في الحزب والمجتمع. وهما خطة عبد الخالق العمالية الراكزة في العمل الجماهيري الصبور للتغيير الاجتماعي وخطة البرجوازية الصغيرة الانقلابية. وسنرى المنعطفات التي تناظرت عندها هاتان الخطتان شذراً في مناخ سياسي وثقافي محلي وعالمي ملبد بغيوم النزاع والتوقعات).
مؤتمر الجريف 1966: لولا نصيحة الرفاق السوفيات
عزز "الثقل الانتخابي" للحزب في انتخابات 1965 عقيدته في الديمقراطية الليبرالية. وكان كسبه محسوداً أوغر صدور قوم منافسين. وكان ذلك الثقل في تلك الانتخابات وما بعدها سببه القوي للتمسك بالبرلمانية. ونتطرق هنا بصورة موجزة للكسب الانتخابي الشيوعي لنرى أنه لم يكن حزباً طرفياً يهرب من البرلمانية يأساً من استقطاب الجماهير لمواقعه. فصوت له 25 في المائة من الناخبين في دوائر العاصمة حاصلاً على 20516 صوتاً من مجمل 82876 صوتاً في مديرية الخرطوم. وضايق عبد الخالق، سكرتير الحزب، السيد إسماعيل الأزهري، الزعيم الوطني وأول رئيس وزراء للسودان المستقل، في دائرة أم درمان الجنوبية بمديرية الخرطوم وقاربه في الأصوات. ثم ما عتم أن فاز بها في انتخابات 1968 وقد أقصى منافساً عريقاً في حزب الأزهري. وفاز الحزب في انتخابات 1965 باثنتي عشر مقعداً من الدوائر الخاصة بالخريجين الجامعيين والثانويين من جملة خمسة عشر مقعداً.
ولم يقتصر الفوز على عبد الخالق في انتخابات 1968 حيث فاز الحاج عبد الرحمن، نائب سكرتير اتحاد نقابات عمال السودان وعضو مركزية الشيوعي، بدائرة عطبرة المعروفة ب"مدينة الحديد والنار" كمركز لإدارة السكة الحديد. أما في انتخابات 1986 فقد فاز من قائمة الشيوعيين كل من محمد إبراهيم نقد، سكرتير الحزب الذي تولى المسئولية بعد إعدام عبد الخالق بعد هزيمة انقلاب يوليو 1971 الذي أتهم الشيوعيون بالضلوع فيه، في دائرة بالخرطوم. وكذلك فاز عزالدين على عامر، عضو مركزية الحزب، بدائرة أخرى في مدينة الخرطوم. وفاز عضوان آخران بالحزب كمستقلين في دوائر ريفية.
تناظر خلال النصف الثاني من الستينات، التي جللتها فجيعة التقدميين ب "نكسة ثورة أكتوبر 1964 التي تمكنت بها الأحزاب الموصوفة ب" الرجعية" من استرداد نفسها سيدة على المسرح السياسي، المشروع التقدمي للشيوعيين ومشروع البرجوازية الصغيرة شذراً وغير شذر في منعطفات درامية هامة. ووقع هذا التناظر في سياق ملابسات الهجمة الضارية على الشيوعيين من حلف إسلامي نَفَس عليهم سؤددهم وسعة نفوذهم بثورة أكتوبر 1964. وبلغت ضراوة الهجمة حداً قضى بتعديل وحشي للدستور قضي بحل الحزب وطرد نوابه من البرلمان في شتاء 1965 مما سنأتي عليه قريباً.
ووقع هذا التناظر الشذر وغير الشذر عند منعطفين مفصليين. كان المنعطف الأول لتناظر المشروعين في مؤتمر للشيوعيين عُرف ب"مؤتمر الجريف"، آخذاً اسم الضاحية في الخرطوم التي انعقد فيها في 1966. وهو منعطف كاد الحزب يحل نفسه في إطار حزب اشتراكي وسيع يكون هو قلبه الثوري وتصير الماركسية إحدى مصادره النظرية. أما الآخر فكان في حيثيات المؤتمر الرابع للحزب في 1967 الذي انعقد والديمقراطية الليبرالية قد بان عوارها في الممارسة مما دفع الشيوعيين للتفكر في مآلاتها ومالآتهم معها بغير قليل من السقم.
كانت غريزة البقاء هي ما دفع الحزب لفكرة حل نفسه بنفسه في إطار تقدمي واسع في مؤتمر الجريف. فقد تكبد الشيوعيون بلاء عظيماً بعد ثورة أكتوبر من فرط عداء القوي التقليدية والإسلامية لهم. فصوبت تلك القوى نيرانها لثورة أكتوبر التي مكنت للشيوعيين تمكينا. فسهرت هذه القوى المتحالفة، الحزب الوطني الاتحادي وحزب الأمة وجماعة الأخوان المسلمين، على إفراغ ثورة أكتوبر 1964 بصورة متسارعة من مضامينها الثورية والأماني الاجتماعية التي علقها الحزب الشيوعي عليها للتغيير. فنجحت تلك الأحزاب في فبراير 1965 في حمل سر الختم الخليفة، رئيس مجلس وزراء الثورة، حملاً إلى الاستقالة ليعود على رأس مجلس تقليدي للحكم خلا من زبدة الثورة وهم ممثلو جبهة الهئيات المهنية والنقابية التي قادت الثورة. وكانت حكومة تلك الجبهة قصيرة العمر علامة فارقة في الحكم في السودان لم تتكرر بعد لدخول ممثلين منتخبين من العمال والمزارعين والمهنيين غلبوا في مجلس احتلت الأحزاب فيه موقع الشريك الأصغر. وقال منصور خالد إن تمثيل الحزب الشيوعي في ذلك المجلس لا يكاد يعني شيئاً في خطر تمثيل العمال والكادحين فيه [1].
واستهدفت الهجمة الشرسة على الحزب مكمن الضعف فيه أو "كعب آخيله "، كما يقال، ألا وهو الإلحاد. ونشطت حملة لحله في شتاء عام 1965م فيما عرف بحادثة معهد المعلمين العالي التي أٌتهم فيها طالب كان خرج على الحزب مع القيادة الثورية في 1963 بالتَقول على بيت النبوة. وتداعت لحل الحزب قوى أحكمت النسج وتوزعت الأدوار. واستجابة لضغط هذه القوي اجتمع البرلمان وأجرى تعديلاً دستورياً حل به الحزب وطرد نوابه البرلمانيين التسعة شر طردة. غير أن المحكمة العليا، التي لجأ اليها الحزب، قد قضت بعدم دستورية حله. الا أن السلطتين التنفيذية والتشريعية لم تعيرا قرار المحكمة العليا اهتماماً بل اختطا خطة لتأمين البيئة السياسية لتسد المنفذ لعودة الحزب للمسرح السياسي. وفوق ذلك كله نشطت الدوائر المعادية للحزب لتضع مسودة لدستور اسلامي متفقاً عليها أمام البرلمان. فبمثل هذا الدستور تقطع هذه الدوائر قول كل خطيب شيوعي.
جاء انعقاد مؤتمر الجريف في سياق تحول الحزب الشيوعي في وجه الهجمة "الرجعية"، في وصفه، من الهجوم إلى الدفاع. وفي سياق تكيتكاته الدفاعية سعى الحزب إلى تأمين نفسه في حيز القوى الغزيرة التي تنادت لحمايته في جبهة الدفاع عن الديمقراطية في وجه برلمانية متوحشة. ولكن كانت من وراء قرار الحل أيضاً ملهمات إيجابية استلهم فيها القدوة الشيوعية المصرية وغيرها فيما عرف بالدول التقدمية في العالم العربي والأفريقي التي سلكت طريق الاشتراكية بغير حزب شيوعي، أو بحزب شيوعي قبل أن يأتلف بصورة أو أخرى مع اشتراكيين من مناشيء شتى.
ولنحقيق مشروع التأقلم التنظيمي الجديد رتب الحزب لقيام مؤتمره الرابع ليتبني المشروع البرجوازي الصغير لدولة ما بعد الاستعمار في تفاصيله الدقيقة. فأتفق له أن ينحل في إطار حزب واسع يكون هو قلبه الثوري أي طليعته، وتكون الماركسية إحدى مصادره النظرية. فأجازت لجنته المركزية وثيقة معنونة "نحو تحول عميق في وضع الحزب الشيوعي" (1966) لتحكم إجراءات تلاشي الحزب الشيوعي في الحزب الاشتراكي الذي شارك في وضع لبناته التأسيسية. وانعقد حول الوثيقة المؤتمر الذي عرف ب"مؤتمر الجريف". وتم بالفعل في ذلك المؤتمر حل الحزب في الحزب الاشتراكي الذي جرت الدعوة له. وانتخب المؤتمر لجنة مركزية للحزب هي لجنة الطليعة، أي القلب الثوري للتنظيم الواسع، وعلى رأسها عبد الخالق محجوب الذي غاب عن المؤتمر في زيارة للاتحاد السوفيتي. وعاد عبد الخالق بعد شهرين أو ثلاثة وقد غير رأيه حول حل الحزب بعد استماعه لما أصبح يعرف ب"نصيحة الرفاق السوفيات" ألا يحلوا حزبهم فتقع الندامة. واستطاع عبد الخالق أن يحمل اللجنة المركزية على العودة عن قرار المؤتمر حتى بعد أن بعثت اللجنة بمندوبيها للمناطق تبشر بالحل. وتفادياً للحرج التنظيمي صرفوا مؤتمر الجربف نفسه، المزعوم بأنه المؤتمر الرابع للحزب، كمؤتمر تداولي للكادر لا خطر لقرارته.
لرقصة تانقو الديمقراطية أشراط
وكان المنعطف الثاني لتناظر المشروعين العمالي للشيوعيين والبرجوازي الصغير هو انعقاد المؤتمر الرابع للحزب (1967) الذي استرد نفسه من غائلة مؤتمر الجريف كما رأينا. وسنرى كيف جنح الحزب في هذا الطور بقوة في وجهة المشروع البرجوازي الصغير التقدمي. فتنصل الحزب في هذا المنعطف عن البرلمانية وأوسعها نقداً متبنياً الديمقراطية الجديدة التي هي خصيصة في مثيلاته من أحزاب الثوريين مما جعله يتطابق مع نهج النظم التقدمية في الديمقراطية الموجهة وتحالف العاملين بحزبه الفرد. وكأن الحزب هنا، وقد أخرجه خصومه مثخناً من ميدان الديمقراطية الليبرالية، استرجع تحذيره القديم لخصومه من أن الديمقراطية مثل رقصة التانقو لابد للراقص من زوج لكي تقع. ومتى تخلف الزوج بطلت الرقصة.
وهكذا جاء الحزب إلى مؤتمره الرابع في 1967 بما عكّر عقيدنه عن تلازم الصراع من أجل الاشتراكية والصراع من أجل الديمقراطية بصورة لا فكاك منها. فخالط هذا اليقين الاستراتيجي شبهات ومطاعن بنت ظرفها. فخرج المؤتمر بآراء سلبية أو شَكوكة في النظام النيابي. ولم يكن الطعن في الديمقراطية الليبرالية من جهة المبدأ، بل من جهة لؤم المنافسين واعتباطهم الدستور مما سبق للحزب التحذير منه لو أردنا استدامة الديمقراطية.
وترافق (أو تولد) ذلك السقم من الديمقراطية، من الجهة الأخرى، مع وقوع الحزب أسيراً لجاذبية الاشتراكيات العربية والافريقية كما تقدم أيضاً. فنهضت هذه الاشتراكيات في الستينيات فعطلت الحقوق الليبرالية جملة واحدة كما هو معروف. فإما قادها حزب واحد أو جباه يأتلف فيها الديمقراطيون الثوريون. وبدا آنذاك أن بوسع الثوريين "حرق مراحل التطور الاجتماعي"، كما يقال، وبه انتفت الضرورة أو الحاجة للمرور بمرحلة الهيمنة البرجوازية. فتطور المجتمع سيحرق مرحلة هذه الهيمنة قفزاً إلى الاشتراكية.
وعليه فإنه يصعب جداً لوم الحزب بسبب شبهاته حيال الديمقراطية الليبرالية التي أسفرت في وثيقة مؤتمره الرابع المعنونة:" الماركسية وقضايا الثورة السودانية". فقد توصل المؤتمر الى أن التطلعات الاجتماعية والديمقراطية التي علقها الناس على ثورة اكتوبر 1964م قد خرقها البرلمان الذي جاء نتيجة لتلك الثورة. وأضاف المؤتمر أنه من العجب أنه تم التنكر للحقوق الليبرالية والاشمئزاز منها تحت دعوى حماية الديمقراطية الليبرالية من أعدائها الشيوعيين. وزاد بأن قال إن زيف الديمقراطية الليبرالية في السودان حقيقة توصلت إليها الأقسام الطليعية من الجماهير منذ أواخر الخمسينيات وقبل انقلاب 1958م [2]. وبدلاً عن الديمقراطية البرجوازية اقترح تقرير المؤتمر الرابع صيغة السلطة الوطنية الديمقراطية كصيغة للديمقراطية "الموجهة " أو الجديدة [3].
واستوحى الحزب تهافت الديمقراطية الليبرالية المشاهد ليسأل عما كانت الديمقراطية الغربية مما يصلح للسودان. واتخذت شكوك الحزب نحو صلاحها صورتين، اولاً: شجب الحزب بحرقة خصومه السياسيين على انتهاكهم قواعد اللعبة البرلمانية التي إدعوا التزامهم بها. فقد اتضح أن الحقوق التي تكفلها البرجوازية الليبرالية للجماهير هي فوق احتمالهم. ويمضي المؤتمر الرابع قائلاً:
"إن الضيق والفشل (ضيق اليمين التقليدي بالحقوق البرجوازية وفشله في مقابلة مستوجباتها) . . . ترجع أصولهما إلى أن الحقوق الديمقراطية البرجوازية نفسها أصبحت عاملاً في جلب الأقسام العاملة في القطاع التقليدي (الريف حيث تسود هذه القوى الطائفية الدينية والقبلية) إلى ميدان النشاط السياسي والاجتماعي" [4].
أما مصدر ريبة الحزب الثانية في الديمقراطية الليبرالية فهي ما توصل إليه، مثله في ذلك مثل الثوريين في العالم الثالث، من استحالة ابتداع صورة من الديمقراطية الليبرالية صالحة للتطبيق في بلد كالسودان يرزح 87% من جملة سكانه تحت قهر الطوائف الدينية وعلاقات شبه الاقطاع في القطاع التقليدي. ويعيد الحزب هنا وجهة النظر الشائعة في أوساط الثوريين التي ترد خيبة الديمقراطية الليبرالية في العالم الثالث إلى خصيصة في تركيبة مجتمعاتها. فسيصعب، وفقاً لهذا المنظور البنيوي، على الديمقراطية الليبرالية أن تضرب بجذورها في بلاد تفتقر إلى طبقة برجوازية متماسكة وواعية بكينونتها الطبقية. وأشار تقرير المؤتمر الرابع إلى نقص في القواعد الاجتماعية التي يمكن أن نبني عليها نظاماً برلمانياً برجوازياً في السودان. فالتقرير قضى بأن أقصى ما يمكن أن تنجزه هذه الطبقة هو نظام سياسي برلماني شكلي معزول عن حيوية وأشواق حركة الجماهير الواعية سياسياً. وأكد التقرير أن هذه الطبقة، بما هي فيه من وهن، ستلقي بالديمقراطية الشكلية نفسها إلى قارعة الطريق وتسلك مسلك العنف الوحشي متي ما تعرضت مصالحها لأي تهديد [5].
ومن اقوى الدلالات على سلبية الحزب حيال الديمقراطية الليبرالية بعد مؤتمره الرابع ما وجدته في كلمة لعمر مصطفى المكي، عضو المكتب السياسي واللجنة المركزية للحزب، في ندوة عقدتها مجلة السلم والاشتراكية في براغ في 1976. وقيمتها أن كاتبها، الذي كان الوحيد من بين أعضاء المكتب السياسي للحزب الذي خرج مؤيداً صريحاً لأنقلاب النميري، إتبع القول بالزهد في الديمقراطية الليبرالية بالعمل لاسقاطها أو مظاهرة من انقلبوا عليها في مايو 1969. وسمى النظام الذي ستتحقق فيه البديمقراطية الحقة، لا البرجوازية، ب"الديمقراطية الجديدة" التي تقود إلى الاشتراكية حتماً مثل التي في مصر ومالي وغينيا. ويواصل بأن الحرية والاستغلال لا يتساكنان لأنه تحت ظل الرأسمالية لا يمكن للديمقراطية إلا أن تكون ديمقراطية رأس المال وضمانة لاستغلاله العمال. فالتغيير الاجتماعي هو شرط الديمقراطية حتى لا تكون محض لغو مجرداً من المضمون ورهينة رسميات الديمقراطية البرجوازية. ولا يجد عمر حرجاً في أن تقام دولة الحزب الواحد وحجب الأحزاب الأخرى والصحف. ولن يتحاشاها حتى لو قالوا عنه ديكتاتوراً. فسيكفيه أنها ديكتاتورية الطبقات المستغَلة التي تستبدل ديمقراطية الطبقات المستغِلة. ولكنه يستدرك، غير غافل عن خبرة حزبه في الشأن، بأنه لا يرفض الديمقراطية البرجوازية جملة واحدة وفي كل الأحوال. فسيقبل بها حين يراها تعين حركة الجماهير، ويواصل القول: فالحركة النقابية والحركة الثورية نجحا في فرض نفسيهما في الساحة الوطنية وتحقيق كثير من المكاسب في ظل الديمقراطية البرجوازية. ولذا فالديمقراطية البرجوازية مهمة لتحقيق الديمقراطية الثورية في المستقبل. وقال في فقرته الأخيرة إنه ليس من ديمقراطية مطلقة في اي مجتمع والأمر رهين بالسؤال: ديمقراطية من؟
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.