عادل الباز يكتب: البلد محاصرة والشعب منصرف عن معركته    "فيفا" يتّخذ موقفًا حازمًا بشأن مشاركة إيران في كأس العالم    الهلال يشعل أزمة منشطات ضد نهضة بركان... وتحقيق عاجل يلوح في الأفق    قمة الافلاس.. وآخر "البليلة حصحاص"..!!    شكوى الهلال تربك «الكاف».. والتأجيل لغدًا الثلاثاء    شاهد بالصورة والفيديو.. بعد إيمي سمير غانم.. "كورال" مصري يغني أغنية الفنانة السودانية توتة عذاب "الترند" وشاعر الأغنية يعبر عن إعجابه    شاهد بالفيديو.. طبيب بمستشفى نيالا يشكو من انتهاكات أفراد الدعم السريع ويحكي قصة نجاته من القتل بعدما رفع أحدهم السلاح في وجهه    شاهد بالفيديو.. حمزة عوض الله يهاجم الشاعرة داليا الياس بسبب تبادل السلام بالأحضان مع المطرب شريف الفحيل ويصف المدافعين عنها بأصحاب الفكر الديوثي    قوى سياسية في السودان تعلن عن مقاطعة مؤتمر في برلين    عثمان ميرغني يكتب: حلفا .. والشمالية..    شاهد بالفيديو.. في ظهور مثير.. رجل يمسك بيد الفنانة هدى عربي كأنه عريسها ويدخل بها لقاعة الفرح والشائعات تلاحق السلطانة هل هو زوجها؟    الكاف.. (الجهاز) في القاهرة و(الريموت كنترول) في الرباط    وصول الفوج الرابع من اللاجئين السودانيين بيوغندا    مصر.. الدولار يقترب من 54 جنيها لأول مرة    دراسة: تناول 3 أكواب قهوة يوميًا يقلل القلق والتوتر    عائلة الممثل الكورى لى سانج بو ترفض الإفصاح عن سبب الوفاة.. اعرف التفاصيل    نتفليكس تزيل الستار عن أول صورة لشخصية جو كينيدى الأب فى مسلسلها الجديد    الأهلي يرفض قطع إعارة كامويش وعودته للدوري النرويجى.. اعرف التفاصيل    نبيل فهمي .. اختيار أمين عام جديد للجامعة العربية بإجماع عربي كامل    مصادر تكشف تفاهمات سرية لوقف استهداف مطاري الخرطوم ونيالا    المملكة مركز ثقل في حركة التجارة الدولية    سارة بركة: أحمد العوضى مجتهد بشكل كبير وبيحب شغله جدا    دار الأوبرا تحتفى بذكرى رحيل عبد الحليم حافظ بحفلين اليوم وغداً    لوك غريب ل فتحى عبد الوهاب والجمهور يرد: هتعمل دور الملك رمسيس ولا إيه؟    وجبة سمك تُنهي حياة 3 سودانيين بالقاهرة وتتسبب في إصابة 4 آخرين بحالة تسمم غذائى حاد    7 عناصر غذائية يحتاجها الطفل فى سن المدرسة لدعم نمو وتطور الدماغ    اختيار غير متوقع لمستقبل "الملك المصري"    والي الخرطوم يعلن تركيب كاميرات رقابة حديثة في المعابر الحدودية التي تربط الولاية بالولايات الاخرى    هل يمكن علاج الكبد الدهنى؟.. دراسة جديدة تربط الوقاية بفيتامين ب3    بسبب ضعف الراتب.. وزير الثروة الحيوانية بالسودان يبحث عن عمل إضافي    رئيس الوزراء يصدر قرارًا بشأن الرسوم الجديدة في المعابر    محمد عبد الباسط يكتب: لهذا تحركت باكستان الآن للوساطة بين أمريكا وإيران    السكوت على هذا الأمر لا يرضي الله ولا رسوله!!    ارتفاع أسعار الذهب في السودان    الخليج الضحية الكبرى: إيران وجهت 83% من هجماتها إليه… و17% فقط إلى إسرائيل    مهلة أخيرة للمخالفين: خيارات متعددة لمعالجة أوضاع التأشيرات المنتهية في السعودية    ضبط 2800 قندول بنقو بالجزيرة في عملية نوعية لمكافحة التهريب    ترامب يصدر أوامره ويكشف تطورات مثيرة مع إيران    هل مخالفة ترامب خلل في الكون؟!    الأمن يداهم مخزن يبيع الوقود المهرب لعصابات التنقيب عن الذهب    تراجع معدّل التضخّم في السودان    بادي يصدر مرسوم تنظيم أعمال التعدين التقليدي وضبط آليات التعدين بالنيل الأزرق    رئيس الأهلي مدني وابنه يتعرضان لحادث مروع    المباحث تنهي مغامرات شبكة إجرامية متخصصة في الإحتيال علي أصحاب المحلات التجارية عن طريق اشعارات تطبيق بنكك المزيفة    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    الشيخ بن زومة.. إلى جنة الخلد    قيم الهلال المتوارثة يجب أن تبقى أبد الدهر    في زمن الضجيج.. القرآن بوصلة المعنى والسكينة    د.مزمل أبو القاسم يكتب: دموع الباز.. وزاهر! (2)    السودان.. الدفاع المدني يستعين ب"التوك توك"    طفح جلدي في رقبة الرئيس ترمب يثير تساؤلات حول صحته    ملتقي التحصين للعام 2025 ينعقد بحضور التحالف العالمي للقاحات والشركاء    صوت لا يغيب.. محمد رفعت ورحلة الآذان الخالد في رمضان    أجهزة الأمن السودانية تنهي مغامرات لص الصيدليات في عطبرة    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    السودان.. فكّ طلاسم"تبيدي للمجوهرات" في الخرطوم والتحقيقيات تفجّر مفاجأة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



مفكرتي: وادي سيدنا الثانوية (3): اول مقابلة صحفية مع خواجه واشنطن: محمد علي صالح
نشر في سودانيل يوم 05 - 01 - 2017

في سنة 1960، وانا في السنة الثالثة في مدرسة وادي سيدنا الثانوية، بدات كتابة مذكرات يومية. لم تكن منتظمة، وكانت تتوقف شهورا. واحيانا سنوات.
لكن، تستمر حتى اليوم. بعون من الله. يوجد بعضها في مفكرات مكتبية، وبعضها في مفكرات جيب، وبعضها، مؤخرا، في الكمبيوتر.
ليست هذه اشياء شخصية، بقدر ما هي مواضيع وقضايا وطنية واجتماعية (مع اضافات، وبتصرف):
اولا: سنوات وادي سيدنا الثانوية (قروى في المدينة. مدرسون بريطانيون. مظاهرات ضد دكتاتورية عبود).
ثانيا: سنوات جامعة الخرطوم (اسلاميون وشيوعيون واشتراكيون. ثورة اكتوبر. نفاق الصفوة).
ثالثا: سنوات صحيفة "الصحافة" (عرب او افارقة؟ مع الشرق او مع الغرب؟ تقليديون او علمانيون؟ مدنيون او عسكريون؟ رجال او نساء؟ شماليون او جنوبيون؟ حرية او لا حرية؟ المجئ الى امريكا).
-------------------
18-1-1960
الخواجه والشيخ:
انتصرت، مرة ثانية خلال اسبوع، داخلية "عبد الرحمن الداخل" على داخلية "ود البدوى." هذه المرة في كرة السلة. كنا انتصرنا في كرة القدم. وكان النصران مفاجئين، لان "الداخل" كانت في اخر القائمة الرياضية للداخليات.
قاد مشجعى "الداخل" البريطاني بوثويل، استاذ الرياضيات، والمشرف على الداخلية. وقاد مشجعي "ود البدوى" الشيخ احمد المصطفى، استاذ الدين، والمشرف على الداخلية.
كان الخواجه هادئا في التشجيع، لكن، كان الشيخ متحمسا لدرجة التوتر.
قبل بداية المباراة، جمع الشيح فريق "ود البدوى"، وقدم له نصائح دينية، وكانه في حصة دين. وختمها بالدعاء، وقراءة سورة الفاتحة.
في الجانب الاخر، قال بوثويل كلمات تشجيع قليلة لفريق "الداخل." تحدث بالانجليزية، واستعمل عبارات عربية قليلة، مثل: "يلا، نجيب الكأس" و "شدى حيلك." وختمها قائلا: "قود لاك"(حظا سعيدا).
عندما انهزم فريق احمد المصطفى، غضب غضبا شديدا:
اولا، اتجه نحو الحكم، وصاح: "تنحاز للخواجه الكافر ضد المسلمين؟ انت مش مسلم؟ انت ما تخاف الله؟"
ثانيا: اتجه نحو بوثويل، وصاح: "يا خواجه، يا كافر، يا نصراني، يا حطب النار."
صار وجه بوثويل احمرا. ربما لكثرة غضب احمد المصطفى. وربما خوفا من ان يهجم عليه. وكاد احمد المصطفى يفعل ذلك، لولا تدخل بعض الطلبة.
غضب احمد المصطفى لسببين: الهزيمة، وهتاف "هيب هيب هوراي" الانجليزى الذي ردده بوثويل معنا. حسب الطريقة البريطانية، هتف بوثويل: " هيب، هيب"، وهتفنا نحن: "هوراي." وكررنا الهتاف مرات كثيرة، وزاد ذلك غضب احمد المصطفى.
قال ان الهتاف "هتاف كفار." ويردده "الكفار" عندما يسكرون حتى الثمالة. ويختلط فيه الرجال والنساء "المنحلين اخلاقيا."
يبدو انه، وهو مدرس الدين، احس بوجود "هجمة مسيحية" عليه. وصار المكان وكانه بداية حرب دينية.
----------------------
"هيب هيب":
في اليوم التالي، في حصة الرياضيات، سال بوثويل الطلاب من داخليتى"الداخل" و "المختار" عن سبب هيجان احمد المصطفى.
وقلت انا ان السبب هو هتاف "هيب هيب هواري" البريطاني. وان احمد المصطفى، وهو متدين جدا، نعم، احس بوجود "هجمة مسيحية" عليه.
استغرب بوثويل، ودافع عن الهتاف. وقدم خلفية تاريخية له:
قال انه "انجليزى عريق" (القرن 18). تعنى كلمة "هيب" كلمة "انتبه"، مثلا، اثناء حديث، او نقاش. ثم اضيفت كلمة "هوراي" (القرن 19). وتعنى "انتصرنا." كان الهتاف يردد في الحانات والبارات، ثم انتقل الى الميادين الرياضية.
اثناء النقاش في الفصل، تدخل محمد الحسن، شايقى متدين. ودافع عن احمد المصطفى. قال انه كان محقا عندما وصف الهتاف بانه "هتاف خواجات عندما يسكرون."
(في الاسبوع الماضي، بحثت عن هتاف "هيب هيب هوراي" في الانترنت. ووجدت انه، نعم "انجليزى عريق."
ووجدت، ايضا، خلفية دينية لا اتذكر ان بوثويل قالها لنا. بدا الهتاف وسط المسيحيين في اروبا مع بداية الحروب الصليبية (القرن 12). كان اصل الهتاف هو: "هيروسليما يست بيرديتا" باللغة اللاتينية. ويرمز له بالاحرف الثلاث: "ه" و "ي" و ب." ومعناه: "القدس ضاعت منا"، اشارة الى سيطرة الخلافة التركية على القدس في ذلك الوقت).
هل كان احمد المصطفى يعرف ذلك؟
----------------------
22-1:
مقابلة صحفية:
طلب منى المسئولون عن صحيفة الحائط في داخلية "الداخل" اجراء مقابلة صحفية مع بوثويل. لانه المشرف على الداخلية، وبمناسبة الانتصارين على داخلية "ود البدوى."
كانت تلك اول مقابلة صحافية اجريها مع خواجه.
بعد فترة، عاد بوثويل الى بريطانيا. وجاء البريطاني هارفي، استاذ اللغة الانجليزية، وصار مشرفا على داخلية "الداخل." واجريت معه، ايضا، مقابلة صحفية لصحيفة الحائط.
كان بوثويل كبيرا فى السن، ومتشددا، ومن حزب المحافظين. وكان هارفي شابا، ومنفتحا، ومن حزب العمال.
في الحالتين، لم اصدق نفسى وانا اتكلم مع خواجه في موضوع غير الدراسة. احسست بمزيج من الانبهار (مقابلة خواجه)، ومن الخوف (بسبب لغتى الانجليزية الضعيفة، وبسبب الهالة، والعظمة، والقوة، والجبروت، الذي كان يحيط بالخواجات في ذلك الزمان، وفي ذلك المكان).
ولم يساعدني زملاء في غرفتى في الداخلية:
قال عثمان الدنقلاوى: "امشى كسر راس الخواجه بالانجليزى حقك المكسر."
وقال حسن الشايقي: "يا بختك، تمشى تشوف الخواجيه."
وقال عبد المنعم، الامدرماني الراقي: "خلى بالك، ما تتاخر. مواعيد الخواجات ما زى مواعيد السودانيين."
----------------------
27-1
"بنكشواليتى":
يا ليتنى نفذت نصيحة عبد المنعم.
عندما اقتربت من منزل بوثويل (كانت مدارس المدرسين البريطانيين على ربوة عالية تطل على الميادين الرياضية، ونهر النيل)، كنت متاخرا. ثم تذكرت انى احضرت الكراسة، لكن، نسيت القلم. وعدت الى الداخلية.
عندما وصلت، اخيرا، الى منزل الخواجه، كان يجلس مع زوجته في فناء المنزل، ويشربان شاى العصر. ودخلت انا في مزيج من التوتر، والتلعثم، والتخبط.
رحبا بى في هدوء، وبكلمات محدودة، وكانهما حسباها حسابا.
لكن، اعطاني الخواجه درسا في "بنكشواليتي" (الالتزام بالمواعيد). بدا، وشرح معنى الكلمة، بعد ان احس بانى لا اعرف ماذا يقصد. وعلمنى كلمة اخرى: "تاردينيس" (عدم الالتزام بالمواعيد).
كانت الكلمتان اول ما كتبت في الكراسة، قبل كتابة المقابلة الصحافية. تابعنى وانا اكتب الكلمتين، وساعدني في تهجئة كل كلمة.
الحمد لله، لم يطلب منى ان اكتب كل كلمة 100 مرة.
ثم قال: "نهتم نحن، كل البريطانيين ، بالمواعيد. لكن، انا من اسكتلندا، ويهتم الاسكتلنديون بالمواعيد اكثر من بقية البريطانيين."
وقال: "يقول مثل انجليزى: الالتزام بالمواعيد ادب الملوك، وواجب الرعية."
وشرح انواع الالتزام بالمواعيد:
اولا: اذا حفل استقبال مستمر، تاتي في اي وقت.
ثانيا: اذا مسرحية، تأتي قبل الوقت المحدد.
ثالثا: اذا وجبة، او شاي، تأتي في الوقت المحدد تماما (حتى لا يبرد الطعام، او الشاي).
----------------
"افترنون تي" (شاي العصر):
اول مرة، شاهدت عادة "افترنون تي" (شاى العصر) عند البريطانيين في قريتى، على نهر النيل (وادي حاج، قرب ارقو، الولاية الشمالية).
عندما ترسو باخرة تحمل مفتشا بريطانيا، نجلس نحن الاطفال على التراب قرب الباخرة. ونتامل الخواجه والخواجيه من بعيد، فوق سطح الباخرة، مع غروب الشمس، يشربان الشاي. ويخدمونهما الخدم السودانيون. ويرفرف فوقهما العلم البريطانى.
لحسن حظى، كان شقيق جدتي (التى ربتنى) شاويشا يرافق المفتشين البريطانيين. احيانا، عندما ترسو باخرة المفتش امام منزل جدتي (على بعد خطوات من نهر النيل)، كانت تكرم شقيقها بعشاء تذبح فيه دجاجة.
وكان يكرمها ببسكويت من الباخرة، في علبة صغيرة، مرسومة عليها حافلة لونها احمر ومن طابقين (بسكويت "ووكرز").
حتى بعد رحيل البريطانيين، صار "افترنون تي" عادة في منزلنا، وفى منازل اخرى. وصار، مع غروب الشمس، عشاء (مع بسكويت بلدى، او خبز جاف).
لكن، بعد 10 سنوات تقريبا، في منزل بوثويل، كان "افترنون تي" حقيقيا. كان انواعا مختلفة من البسكويت، والكيك، والكعك، والساندوتشات الصغيرة.
عندما لاحظ بوثويل دهشتى، شرح لى انواعها. وعندما قال: "هذا بسكويت ووكرز"، دق جرس في راسي: هذا هو بسكويت الباخرة البريطانية!
وافتخر بوثويل الاسكتلندي بان البسكويت اسكتلندي. وسارعت زوجته (الاسكتلندية ايضا) الى المطبخ. واحضرت علبة مرسومة عليها حافلة لونها احمر، ومن طابقين. ومرة اخرى، دق جراس في راسي: هذه هى العلبة!
قلت له، في مزيج من الاعتذار والخجل: "بسبب الفقر في قريتى، حل شاي العصر محل وجبة العشاء." وقال هو ان البريطانيين يسمون شاي العصر "تى ميل" (وجبة الشاي). وهي "وجبة خفيفة"، بين الغداء والعشاء.
ولم اقل اي شئ.
لم يكن الشائ جزءا من مقابلتى الصحفية. لكن، تطوع بوثويل، والقى على محاضرة قصيرة عن العلاقة القوية بين البريطانيين والشاي. قال ان المكتشفين البرتغاليين اكتشفوا الهند (القرن 16)، ووجدوا الشاي، ونقلوه الى اروبا، واحبه البريطانيون كثيرا. وكان دليلا على الحياة الارستقراطية. وكان من اسباب استعمار بريطانيا للهند، بداية بشركة "الهند الشرقية البريطانية" (القرن 17).
وقال بوثويل انه اشترى الشاي من متجر "توايننق" في لندن (تاسس في القرن 18). وتباهي بان كثيرا من البريطانيين في السودان يشترونه من متاجر في الخرطوم، وهي "ربما لا تبيع الشاي الاصلى."
-----------------------
بعد 50 سنة:
قبل 3 سنوات، زرت بريطانيا لاول مرة، مع سياح امريكيين. وفي جولة في لندن، مرت الحافلة باماكن تاريخية. مثل: قصر باكينقهام، والمتحف البريطاني، ومتحف فكتوريا والبرت، ومتجر "توايننق" لبيع الشاى. وقصت المرشدة السياحية البريطانية قصة المتجر (تاسس في القرن 18). وتذكرت ما قال لى بوثويل قبل 50 سنة تقريبا.
رتبت المرشدة السياحية البريطانية "افترنون تي" (شاي العصر) في "تي روم" (مطعم شاي) في لندن. ووزعت علينا ارشادات عن اتيكيت شراب الشاي. (واحدة من محاولات البريطانيين للاستعلاء على الامريكيين).
هذه بعض الارشادات:
اولا: لا تشرب الشاي بدون لبن (سيكرهك البريطانيون!).
اولا: لا تصب اللبن في الكوب، ثم تصب الشاى (افعل العكس).
ثانيا: لا تترك الملعقة في كوب الشاي (ضعها في صحن الكوب).
ثالثا: لا تحدث صوتا وانت تشرب الشاى (تمهل).
رابعا: لا تغمس البسكويت في الشاي ...
قرا سائح امريكي هذه النصيحة الاخيرة. وضحك، وقال للمرشدة السياحية البريطانية: "عندما تزورين امريكا، سادعوك الى مقهى "دنكان دونتز." (يعنى الاسم: "اللقيمات التي تغمس" في القهوة، او في الشاي).
----------------------------
المقابلة الصحافية:
سالت الخواجه اسئلة ودية عن اصله وفصله.
درس في جامعة اكسفورد، وعمل استاذا في نيجريا (مستعمرة بريطانية). ثم نقل الى السودان. ويعتقد انه اما سينقل الى يوغندا (مستعمرة بريطانية)، او الى وزارة التربية في بريطانيا، وانه ينوى التقاعد مبكرا.
عندهما ولد وبنت، كبرا في السن، فارسلاهما الى بريطانيا للدراسة.
كانت هذه المقابلة الصحفية بعد اربع سنوات من استقلال السودان. قل كثيرا عدد البريطانيين العاملين في السودان، بما في ذلك اساتذة مدرسة وادي سيدنا الثانوية. لهذا، ربما خوفا، او احتراما، تحاشيت الاسئلة السياسية، والاسئلة عن الاستعمار البريطاني. وسالته اسئلة عامة عن رايه في السودانيين.
مما قال:
اولا: انتم السودانيون بدويون ورعيون في خلفيتكم الثقافية. ويؤثر هذا كثيرا عليكم، سلبا وايجابا:
في جانب، لا تقدرون اهمية الوقت. ولا تلتزمون بالجدية في التصرفات والمعاملات. (لم يستعمل كلمة "كسالى").
وفي الجانب الاخر، تحرصون على العلاقات الانسانية والعائلية القوية جدا. لكن، يكون هذا، في حالات كثيرة، على حساب الوقت، والعمل.
ثانيا: انتم الطلاب السودانيون هنا في وداي سيدنا الثانوية صفوة المجتمع السوداني. نسبتكم قليلة جدا بالمقارنة مع الذين في اعماركم، ويعملون في الرعي والزراعة، ولا يعرفون حتى القراءة والكتابة. ويزيد هذا من المسئولية الوطنية عليكم. لانكم ستكونون الصفوة الحاكمة.
ثالثا: عندما اعود الى بريطانيا نهائيا، ساتذكر سنواتي هنا معكم. وساتابع كيف تسيرون، وانتم شعب حديث عهد بالاستقلال. وربما ساكتب كتابا عنكم.
(فى الاسبوع الماضي، بحثت عنه في الانترنت. وعرفت انه اسكتلندى. لكن، لم اجد ما يدل على انه كتب كتابا).
-------------------
"كيو" (الصف):
بعد ايام قليلة من المقابلة الصحفية، شاهدت بوثويل يقدم درسا اخرا عن التقاليد البريطانية:
كان الطلبة يذهبون الى مكتب امين المدرسة لاستعمال التلفون الوحيد (القديم) الذي يسمح به امين المدرسة. وفقط يومي الخميس والجمعة.
كنا واقفين في صف طويل، كل واحد ينتظر دوره. وجاء بوثويل ليتحدث فى التلفون، وتراجعنا كلنا، ودعوناه ليتكلم قبلنا. رفض، وذهب ووقف في نهاية الصف. لكن، عندما الححنا عليه، قال: "اعدكم بانى ساتكلم دقيقة واحدة فقط."
تحدث مع شخص في الخرطوم عن لقاء في الاسبوع القادم. وانهى الحديث في دقيقة، وربما اقل من دقيقة.
وغمز بعين، وقال لنا: "لو تكلم كل واحد منكم دقيقة واحدة، ما كان هذا الصف طويلا." ثم ضحك، وقال: "لكن، لا باس عليكم، تحافظون على "الكيو" (الوقوف في صف).
ثم القى علينا محاضرة قصيرة عن "الكيو" (يسميه الامريكيون "لاين"). قال ان البريطانيين اول من "اخترعه." في منطقة "ويمبلدون" في لندن (القرن 19): في ميدان التدريب على اطلاق النار، ثم في محطة السكة الحديد، عندما وصل اول قطار مسافرين الى لندن. ثم في ملعب التنس.
وتحدث، وهو استاذ الرياضيات، عن نظريات ولوغريثمات عن الصف: انواعه، سراعته، اتجاهاته، زواياه، الخ ... لكن، يبدو انه احس بعدم اهتمامنا باللوغريثمات و "ويمبلدون"، فودعنا، وانصرف.
(قبل 3 سنوات، عندما زرت بريطانيا لاول مرة، مع سياح امريكيين، طافت بنا الحافلة احياء لندن. ووقفت قليلا امام ملعب التنس في "ويملبدون"، حيث تقام منافسات سنوية هي الاشهر في العالم. وتحدثت المرشدة السياحية البريطانية عن تاريخ الملعب. وتذكرت ما قال لنا بوثويل في مدرسة وادي سيدنا الثانوية قبل 50 سنة تقريبا).
=================
الحلقة القادمة: مقابلة صحفية مع الشيخ احمد المصطفى "الهيولة"
================
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
MohammadAliSalih.com
Facebook/Mohammad Ali Salih


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.