"العاصفة الحمراء" التي ضربت دولا عربية.. هل هي خطيرة؟    ما حقيقة زيارة وفد إيراني إلى السودان سرًا؟    الرابطة السليم تكتسح بركيه بخماسية اعداديا    ساردية تختتم التحضيرات لمواجهة الموسياب    يكررون الأخطاء.. وينتظرون نتيجة مختلفة..!!    الدولار يتراجع مع تصاعد توقعات التهدئة في الشرق الأوسط    القبض على أمريكى هدد 8 مرات بقتل ترامب    إحالة رئيس الأركان السوداني للتقاعد بالمعاش    المذيعة تسابيح مبارك تعبر عن حزنها لإغتيال القيادي بحكومة تأسيس: (شاب هميم التقيته في نيروبي ويحمل جواز سفر أميركي ما يعني أن لديه فرصة أخرى في الحياة)    "يديعوت أحرونوت": واشنطن بدأت عملية إجلاء طارئة ل60 ألف أمريكي من مصر    بالصورة.. أبعدوه حتى لا يرى قبرها ويقوم بنبشه.. قصة مؤثرة تدمي القلوب لشاب سوداني معاق ذهنياً في يوم وفاة والدته التي كان متعلق بها ومداوم على مسك "ثوبها"    المغرب يثبت نفسه بين الكبار ويواصل الهيمنة عربيا في تصنيف فيفا    شاهد بالفيديو.. "ماما كوكي" تتحدث عن قضية الساعة.. مطربة شهيرة تقيم علاقة عاطفية مع "البرنس" بعد طلاقها من زوجها وردة فعل أهلها جاءت صادمة لها    مفاجآت عمرو دياب لجمهوره التركى فى أول حفل له أغسطس المقبل    ريهام حجاج : كممثلة لا أهتم بالمظهر بقدر اهتمامى بصدق الشخصية    أدوية منسية في المنزل قد تهدد صحة العائلة.. تخلص منها فورا    نوع نادر من السرطان.. ما هو التليف النخاعى؟    5 نصائح للوقاية من جرثومة المعدة    سوداني يسأل: (أنا مغترب وحصلت مشكلة بين زوجتي وزجة أخي واخوي اتصل علي قال لي طلقتها ليك هل الطلاق واقع؟)    اللجنة الإقتصادية العليا تصدر عدداً من القرارات المهمة لتحقيق استقرار سعر الصرف    الصحفية عائشة الماجدي: (لاحظت في الخرطوم مجموعة من الناس نشطة عايزة تبيع بيوتها وفي كمية عرض بيوت للبيع ما طبيعية)    بالفيديو.. شاهد ماذا قالت الفنانة توتة عذاب عن أغنيتها التي تصدرت "الترند" في الوطن العربي؟ وتوجه رسالة للمطربة بلقيس فتحي والممثلة إيمي سمير    وزير التربية يدشن استلام الدفعة الثانية من كتب الصف الاول الثانوي للولايات    "معاناة 5 سنوات".. برشلونة يتلقى نبأ سارا من رابطة الليجا    شاهد بالفيديو.. علاء الدين نقد يدخل في حالة بكاء هستيري في سرادق عزاء القيادي بحكومة "تأسيس" أسامة حسن    الأمم المتحدة تفتتح مقرها بالخرطوم    شبكة أطباء السودان .. قوة تتبع للدعم السريع اقتحمت مستشفى الأسرة بمدينة نيالا واعتدت علي الكوادر الطبية    السودان.. وفاة لاعب كرة قدم    محمد عبدالقادر يكتب: شهادة البوشي.. و"فضيحة صمود "    وزير المعادن ونائب المدير العام المفتش العام للشرطة يدشنان مركبات لتعزيز مكافحة تهريب المعادن وتأمين مواقع التعدين    السودان.. وزير يشرع في تكوين قوّة عسكرية ضاربة..ماذا هناك؟    ارتفاع وارد واسعار الذرة والسمسم بسوق القضارف    قالت إنّها خرجت من آلية تحديد أسعار الوقود..الطاقة تكشف تفاصيل 20 باخرة في محيط البحر الأحمر    عثمان ميرغني يكتب: فساد.. الفساد..    شراكة استراتيجية بين "الشباب والرياضة" و"الصناعة" لتمكين المبتكرين ودعم الإنتاج الشبابي    السيسي للرئيس ترامب: لا أحد يمكنه وقف الحرب في المنطقة إلا أنت    مصر.. الدولار يقترب من 54 جنيها لأول مرة    وجبة سمك تُنهي حياة 3 سودانيين بالقاهرة وتتسبب في إصابة 4 آخرين بحالة تسمم غذائى حاد    رئيس الوزراء يصدر قرارًا بشأن الرسوم الجديدة في المعابر    محمد عبد الباسط يكتب: لهذا تحركت باكستان الآن للوساطة بين أمريكا وإيران    الخليج الضحية الكبرى: إيران وجهت 83% من هجماتها إليه… و17% فقط إلى إسرائيل    مهلة أخيرة للمخالفين: خيارات متعددة لمعالجة أوضاع التأشيرات المنتهية في السعودية    ترامب يصدر أوامره ويكشف تطورات مثيرة مع إيران    الأمن يداهم مخزن يبيع الوقود المهرب لعصابات التنقيب عن الذهب    رئيس الأهلي مدني وابنه يتعرضان لحادث مروع    المباحث تنهي مغامرات شبكة إجرامية متخصصة في الإحتيال علي أصحاب المحلات التجارية عن طريق اشعارات تطبيق بنكك المزيفة    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    الشيخ بن زومة.. إلى جنة الخلد    قيم الهلال المتوارثة يجب أن تبقى أبد الدهر    في زمن الضجيج.. القرآن بوصلة المعنى والسكينة    د.مزمل أبو القاسم يكتب: دموع الباز.. وزاهر! (2)    السودان.. الدفاع المدني يستعين ب"التوك توك"    طفح جلدي في رقبة الرئيس ترمب يثير تساؤلات حول صحته    صوت لا يغيب.. محمد رفعت ورحلة الآذان الخالد في رمضان    أجهزة الأمن السودانية تنهي مغامرات لص الصيدليات في عطبرة    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    السودان.. فكّ طلاسم"تبيدي للمجوهرات" في الخرطوم والتحقيقيات تفجّر مفاجأة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



خطبة عيد الفطر المبارك 1 شوال 1438ه الموافق 25 يونيو 2017م .. بقلم: الامام الصادق المهدي
نشر في سودانيل يوم 27 - 06 - 2017


بسم الله الرحمن الرحيم
الخطبة الأولى
الله أكبر.. الله أكبر .. الله أكبر
الحمدُ لله، والصلاةُ والسلامُ على رسولِ اللهِ، وعلى آلِهِ وصحبهِ ومن والاه،
أحْبَابِي فِي اللهِ وإخوانِي فِي الوَطَنِ العزيزِ،
عيدٌ مباركٌ، أعادَه اللهُ علينا جميعاً باليمنِ والبركاتِ، وبعد-
الإسلامُ اليوم أكبرُ قوةٍ ثقافية في العالم، لذلك يتمدّدُ رغم ضعف بلدان المسلمين. وهو أكبرُ قوةٍ مستحوزةٍ على رأسِ المالِ الاجتماعيِّ، بحيثُ تشد إلى دعاته الجماهير. ظاهرة عبر عنها المرحوم محمد أسد بقوله: رغم العقبات التي خلقها تخلف المسلمين، فالإسلام هو أعظم مستنهض للهمم عرفه البشر.
لماذا هذا الامتياز؟
كل أحكام الإسلام تشمل جزءً روحياً هو امتثال لأمر الله، وينال صاحبه جزاءً روحياً. وجزء يحقق مقاصد عقلانية على نحو ما قال الإمام الشاطبي: كل ما حكم به الشرع حكم به العقل.
فالصيامُ طاعةٌ مأجورةٌ، ويحقق مقاصد معقولة هي: كبح الشهوات، والمران على الصبر، وكسر سلطان العادات، وتقوية العزائم، والشعور بمعاناة المحرومين، وهو حمية من آفات السمنة، والسمنة من الأمراض الخادعة التي يحسبها الناس دليل عافية، ولكنها كما قال النبي صلى الله عليه وسلم "مَا مَلَأَ آدَمِيٌّ وِعَاءً شَرًّا مِنْ بَطْنٍ"، وقال: "الْبَطَنَةُ تُذْهِبُ الْفِطْنَةَ"، وقال المهدي عليه السلام، كل لقمة زيادة على الضرورة عليك لا لك. ولكن بعض الناس الآن يعانون من الجوع ويحتاجون لدعم ما يستهلكون وللصدقات.
وصلاة القيام كسائر النوافل قُربى لله، ومقاصدها العملية كسر للتخمة بعد الإفطار مثل حكمة من تعشى تمشّى، ودعم التآلف بين المصلين.
وزكاة الفطر الواجبة على كل الأفراد بلا استثناء سنة، ومن مقاصدها أنها كفارة للهفوات التي تجرح الصيام، وإغاثة إنسانية للمحتاجين. وقد قدرت هيئة شئون الأنصار زكاة الفطر 18 جنيه للفرد و15 جنيه لفدية طعام المسكين، ويجب إخراجها قبل نهاية رمضان وقبل صلاة العيد.
أما العيد فهو كذلك سنة ومن مقاصده بث سرور عام لكل الأجيال، وفرصة للتعافي والتصافي، ومناسبة سرور بأداء واجب الصيام. أما صلاة العيد فهي سنة مؤكدة، وهي فرصة لصلاة جماعة في وقت غير معتاد، وفي مكان غير معتاد، كأنها مظاهرة إيمانية بما يصحبها من خطبة وتكبير وتهليل.
أحبابي،
إن آيات الله في الوجود ثلاث:
أولها الوجود الطبيعي الذي خلقه الله، وأودع فيه نواميس هي جزء من إرادة الله للكون عبر عنها القرآن بقوله: (وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ ۗ).
وثاني آيات الله في الكون الإنسان الذي ميزه الله على كافة موجودات الطبيعة (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ).. كرمه بثلاث خصالٍ: نفخ فيه من روحه، ووهبه العقل: (كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآَيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ)، ووهبه الحرية (وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ)..
وثالث آيات الله في الوجود التنزيل الذي ختم بالقرآن على أساس قوله تعالى: (فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى).
آيات الله الثلاث لا تتناقض، فالتنزيلُ يقرُّ أن للطبيعة نواميس راتبة (رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى)، ويقرُّ للإنسان بالمواهب الثلاث: الروحية، والعقلية، والحرية.
هذه الإحاطة بالإضافة لتفرد أسلوب النص هي التي جعلت القرآن معجزة الرسالة المحمدية، معجزة بمعنى خارق للعادة، ولا يمكن مجاراته (أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُۖ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ).
ومعجزة أخرى أن نصه خلافاً لنصوص الكتب الأخرى محفوظ كما هو: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ).
معجزات الرسالات السابقة تتعلق بظروفها، أما معجزة القرآن في إحاطة المعاني، وانفراد النص فباقية لكل زمان ومكان.
ومع هذه الحجة القوية، ومع أن الرسالة موجهة للناس كافة، فإن مبدأ الحرية يتطلب ألا تفرض الرسالة على الناس إجبارياً. بل قال تعالى: (وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً).
وأسلوب الدعوة للهداية هو: (ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ).
هذه الحقائق تميز القرآن على سائر الرسالات المرحلية، وكذلك النبي محمد صلى الله عليه وسلم امتاز على سائر المرسلين السابقين بأربع خصال: أنه بشر كامل البشرية ما يثبت أن ما جاء به وحيٌ من الله، وأنه خاضع لسنن البشرية، وأنه جاء في فترة تاريخية واضحة توثق متى ولد وأين عاش ومتى توفي، بينما يلف سيرة الأنبياء السابقين الغموض، وأنه حامل لرسالة كشفت حقائق الغيب واستخلفت الإنسان للاجتهاد في بيان سنن الحياة.
هذه الحقائق تؤهل النبي محمداً صلى الله عليه وسلم ليكون رسولاً لزمانه ولكل زمان، ولجيله ولكل أجيال الإنسان.
كثير من كتاب السيرة المحمدية، وقد دونوا السيرة بعد أكثر من قرنين من حياته، جاروا بوقائعها فهمهم المحدود بزمانه، ومن باب تعظيم سيرته جاروا بها سيرة أنبياء سبقوه. لذلك صار واجبٌ علينا أن نحرر السيرة من مفاهيم زمان انطوى، ومن مجاراة سير الأنبياء الآخرين، لكي نقدم سيرته على حقيقتها: أنه الرسول الخاتم للإنسانية جمعاء.
نصوص الوحي في القرآن والسنة تطالبنا باجتهاد إنساني في فهمها بالحكمة، والتدبر، وربط النصوص بالواقع للمقاصد، ما يفسح المجال لاختلاف الاجتهادات، وهي اختلافات مشروعة ما دام الجميع لا يختلفون في المسلم له، وإن اختلفوا في المسلم به من الاجتهادات.
انطلاقاً من حقيقة الإيمان بالمسلم له علينا معشر أهل القبلة الاعتراف بالاختلافات الواردة في المسلم به، ومنعاً للفتنة نبرم ميثاقاً بين المهتدين. العمل من أجل هذا الميثاق واجب ديني ملزم لكافة أهل القبلة.
وعندما انتقد البابا السابق الإسلام بأنه لا عقلاني وعنيف لم يكن موضوعياً، بل كان يعبر عن مخاوف مسيحية وغربية من تمدد الإسلام في أوساطهم رغم ضعف المسلمين. إن ظاهرة بث الكراهية للإسلام سببها الأهم هو الخوف من تمدد الإسلام.
وأعمال الغلاة بالعنف والإرهاب وفرت سبباً آخر لظاهرة كراهية الإسلام "الإسلاموفوبيا".
علينا أن نعمل بكل الوسائل الممكنة لمنع الغلو والإرهاب باسم الإسلام، لأنه يعمل على بناء حواجز ضد نشر الإسلام. وعلينا أن نمد أيدينا للآخرين مللاً وثقافاتٍ لإبرام اتفاق تعايش سلمي، أي ميثاق الإيمانيين وتعايش الثقافات، ما يفسح المجال للقوة الإسلامية الناعمة، أي قوة المنطق لا منطق القوة. فقد سمى القرآن صلح الحديبية فتحاً، وقد كان فتحاً لأن دعوة الإسلام في عامي صلح الحديبية انتشرت بالقوة الناعمة، فقد كان عدد المسلمين مع النبي صلى الله عليه وسلم في الحديبية 1400 شخصاً، وصار عددهم في نهاية العامين 10 أضعاف ذلك العدد.
إن بيننا وبين الملل الكتابية أنهم أهل كتاب نعمل أن يجمعنا بهم ميثاق الإيمانيين. ومع غيرهم من الملل وغير المؤمنين نلتزم بحرية الاعتقاد ومبدأ : (لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ).
هذا هو المناخ المناسب لعهد حقوق الإنسان العالمي، وهو كذلك المناسب لفتوحات الإسلام بالتي هي أحسن.
قال تعالى: (هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَىٰ وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ).
وقال النبي محمد صلى الله عليه وسلم (النَّبِيُّ يُبْعَثُ إِلَى قَوْمِهِ خَاصَّةً وَبُعِثْتُ إِلَى النَّاسِ كَافَّةً).
استغفروا الله فهو خير الدعاء.
الخطبة الثانية
الله أكبر.. الله أكبر .. الله أكبر
الحمدُ للهِ الوالي الكريمِ، والصلاةُ على رسولِهِ وآله وأصحابه ذوي القلبِ السليم، أما بعد-
أحْبَابِي فِي اللهِ وإخوانِي فِي الوَطَنِ العزيزِ،
يحمد للرعيل الأول من ساسة بلادنا أنهم حققوا للبلاد استقلالاً تاماً، ونظاماً ديمقراطياً كاملاً.. تجربة عيبها أنها أغفلت الأقلمة الثقافية والاجتماعية بما يحقق التوازن. ولكن مناخ الحرية الكاملة الفريد في منطقتنا الأفريقية والعربية يومئذٍ أفسح المجال لأعداء الحرية أن يتآمروا عليها وقد كان، فأطاحوا بالتجربة الديمقراطية ثلاث مرات.
النظام الحالي مع أن مهندسيه كانوا جزءً من النظام الديمقراطي مشاركاً فيه، حتى إن لم يشاركوا في السلطة التنفيذية، استباحوا لأنفسهم الانقلاب على النظام الدستوري الذي أقسموا على حمايته، وذلك بحجة تطبيق الشريعة. نحن وغيرنا كشفنا عيوب هذه التجربة لا سيما من الناحية الإسلامية. وتعزيزاً لموقفنا هذا التقينا بالشيخ طنطاوي رحمه الله، شيخ الأزهر، ووجهتُ له أسئلة، أهمها:
هل يجوز الانقلاب العسكري على نظام شرعي لتطبيق الشريعة؟ قال لا.
هل يجوز إقامة نظام سياسي على الإكراه باسم الشريعة؟ قال لا.
هل يجوز لفئة حزبية أن تستأثر بالسلطة والمال تمكيناً لأنفسهم باسم الشريعة؟ قال لا.
هل يجوز الاستيلاء على السلطة أولاً بأسلوب المكيدة وبعد أكثر من عام مطالبة الناس بالبيعة؟ قال لا.
هل يجوز تطبيق الزكاة على الدخول وعلى المعاملات التجارية كضريبة مضافة دون مراعاة حالة المزكي الاجتماعية؟ قال لا.
هل يجوز أن يصنف حاكم معارضيه كفرة ويعلن عليهم الجهاد؟ قال لا..
قلتُ له هذه حالنا في السودان، قال: كان الله في عونكم.
وطبق في البلاد قانون جنائي من أحكام إسلامية دون أن يسبق ذلك إقامة نظام اجتماعي يحقق مقاصد الإسلام السياسية والاجتماعية. هذا هو نهج النظام المايوي والذي أوضحت بطلانه بنشر كتابي عن (العقوبات الشرعية وموقعها من النظام الاجتماعي الإسلامي). أحكام الإسلام العقابية لحماية نظام عدالة وتكافل إسلامي.
هذا النقد للتجربة أيدنا فيه المؤتمر القومي الإسلامي الثاني.
أما الناحية الاقتصادية، فهناك دراسة موضوعية تقارن بين أداء النظام الديمقراطي السابق، والنظام الانقلابي اللاحق. لقد كان سعر الدولار 12 جنيهاً زعموا أنه لولا انقلابهم لصار 20 جنيهاً، وفي فترة حكمهم صار سعره زيادة على 18 ألف جنيه.
والتمكين وهو سياسة شاملة تعني المحسوبية والمحاباة أدت لتصنيف البلاد ضمن الخمس دول الأكثر فساداً. وضاقت المعيشة وانتشرت الأوبئة لقلة الصرف على الخدمات الاجتماعية من صحة، وتعليم، ومياه. فقد قدر البنك الدولي أن ما يصرف عليها في السودان 9% بينما في دول أخرى مماثلة يصرف 27% من الميزانية.
وطبقوا اتفاقية سلام معيبة كشفنا عيوبها منذ مايو 2005م، ونتيجة لها انفصل الجنوب وانفتحت جبهات حرب أهلية جديدة.
واتبعوا سياسات في دارفور أشعلت منذ 2002م حروباً أهلية، وجرت على البلاد 63 قرار مجلس أمن، أغلبها تحت الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، ما صنف النظام خطراً على الأمن والسلام الدوليين. واتبعوا سياسة خارجية تقوم على التقلب غير المبدئي بين المحاور، خلافاً لسياسة البلاد القومية الخارجية التي كانت دائماً حريصة عل تجنب المحورية والتعامل مع القضايا الخارجية بما يحقق المصالح الوطنية، وتجنب العداء والتبعية.
كثير من الذين أيدوا الانقلاب والنظام الذي أقامه في البداية راجعوا أنفسهم ونفضوا أيديهم من التجربة رغم إغراءات المال والوظائف.
ومع إخفاق المشروع المسمى حضاري، وتجميد أو إبعاد عدد من مهندسيه، فتح النظام حواراً بهدف الإصلاح. حوار اشتركت فيه أحزابٌ كثيرة، ولكنه في النهاية أبقى على غياب الحريات واستنسخ النظام المعهود في خانة مكانك سر، فالحريات العامة الآن مغيبة.
النظام استنسخ نفسه وفوت فرصة أخرى من فرص الإصلاح والخروج الحقيقي من حالة الاستقطاب والاحتراب.
الفرص أُهدرت أكثر من مرة:
أهدرت عندما عرضنا على النظام منذ البداية التفاهم من أجل مخرج قومي.
وأهدرت في عام 2005م عندما حولوا اتفاقية السلام لصفقة ثنائية بدل اتفاقية قومية.
وأهدرت عام 2006م عندما رفضوا استحقاقات معقولة للسلام في محادثات أبوجا لتحقيق سلام دارفور.
وأهدرت عام 2008 عندما قوضوا مشروع التراضي الوطني.
وأهدرت في عام 2011م بإجهاض اتفاقية نافع/ مالك.
وأهدرت في عام 2014م عندما رفضوا التجاوب مع إعلان باريس الذي التزمت الجبهة الثورية، وقد كانت موحدة، بموجبه التخلي عن مطلب تقرير المصير لصالح سودان واحد عريض وعادل، وقبول جيش قومي واحد، والتخلي عن إسقاط النظام بالقوة لصالح حوار باستحقاقاته أو انتفاضة سلمية.
نعم النظام أقدم على التوقيع على خريطة الطريق في مارس 2016 ونحن في نداء السودان تأخرنا فترة شهور- بمبررات كان يمكن تداركها لو لم نوضع في موقف نعم أو لا- قبل التوقيع عليها في أغسطس 2016م. ولكن بعد توقيعنا ماطل النظام وراوغ، ما خلق مناخاً مسدوداً نتيجة له حدثت تطورات سلبية أهمها:
انقسام في الحركة الشعبية شمال وتدخل دول الجوار في الشأن السوداني عبر الحدود الجنوبية والغربية ما زاد الأمر تعقيداً.
انقسام الحركة الشعبية من شأنه أن يضر حوار خريطة الطريق، وأن يفتح باباً واسعاً للتصعيد في مواقف أطرافه.
للنظام السوداني تاريخ تدخلات في شؤون دول مجاورة مما أدى لتدخلات متبادلة ظهرت للعيان ومرشحة أن تزداد.
هذه التطورات تعقد دور خريطة الطريق في وقت ضاق فيه الشعب السوداني ذرعاً بالحرب وبالدكتاتورية وهو أكثر حاجة للسلام والتحول الديمقراطي.
كذلك القارة الإفريقية تريد إنهاء الاقتتال والدكتاتورية، وكذلك الأسرة الدولية التي صارت أكثر حرصا على السلام والاستقرار في السودان.
هذه اتجاهات واضحة ومع ذلك هنالك ثلاث حقائق بارزة هي:
أولاً: مهما اضطربت أحوال القوى المسيسة المسلحة فما دامت هنالك مظالم، وأسلحة، وأفراد مدربين، فإنها لن تختفي إلا بموجب اتفاقية سلام تزيل المظلمة وتوفق أوضاع المسلحين. حقيقة وثقت لها منظمة راند البحثية.
ثانياً: تدخلات دول جوار في الشأن السوداني موجودة، ومع الاضطرابات في أوضاعها سوف تستمر ولا عاصم منها إلا اتفاق قومي شامل.
ثالثاً: مهما كان موقف الإدارة الأمريكية الشهر القادم من رفع العقوبات الأمريكية، فإن التطبيع المنشود مع الأسرة الدولية الذي سيؤدي لإلغاء الدين الخارجي على السودان، ويمكن من احتواء ال 63 قرار مجلس أمن المضاد، لا سيما القرار 1593 الخاص بالمحكمة الجنائية الدولية، هذا التطبيع المنشود يمر عبر اتفاق سلام عادل شامل وتحول ديمقراطي حقيقي. إلغاء الدين العام والتطبيع الحقيقي هو مع سيادة حكم القانون، وقدسية التعاقدات، وكبح الفساد، مما يجذب الاستثمارات ويشد المستثمرين.
الفرصة لحوار خريطة الطريق بالطريقة المعهودة أمامها عقبات، والخيار المتاح هو تحديد النتيجة المعقولة والعادلة لهذا الحوار، والعمل الداخلي والإقليمي والدولي لدعم هذه النتيجة التي فصلنا معالمها في خطاب الأمة في 22 من رمضان الماضي. ويرجى أن تقود الآلية الأفريقية العليا بقيادة الرئيس أمبيكي هذا التحرك باعتباره ليس بديلاً لخريطة الطريق، بل وسيلة لتثميرها.
نعد بالعمل في كل الأوساط لوضع كافة القوى السياسية السودانية المسلحة والمدنية أمام مسئوليتها للتجاوب مع هذا المشروع الذي يمثل وثبة حقيقية في الشأن الوطني.
أوجه نداء لكافة زملائنا في نداء السودان مهما كانت الاختلافات التنظيمية بينهم أن يحرصوا على المبادئ التي أيدوها في إعلان باريس ثم في نداء السودان.
ونداء للذين جمدوا نشاطهم في حزبنا أن يحرصوا على تفعيل عضويتهم ليشاركوا في المؤتمر العام الثامن المقبل.
إن سياسات النظام السوداني غير المبدئية في حفظ الأمن داخلياً تحيط بها الآن تناقضات جسيمة، وسياسة توظيف إمكاناته لخدمة أجندة طرفي النزاع في الخليج تضع النظام في تناقض.
نحن من الذين ينطلقون في أزمة الخليج من موقف مبدئي غير مشوب بعلاقة خاصة، لذلك ومن منطلق الموقف المستقل سوف نواصل تحركنا مع قوى عربية، وأفريقية، وإسلامية لاحتواء الفتنة يحدونا أمران: مصلحة السودان ومصلحة الأمة العربية الإسلامية.
هذا الموقف هو الذي مكننا من القيام بدور إيجابي للصلح بين المملكة العربية السعودية ومصر في الستينيات. وبدور إيجابي في السلام الإيراني العراقي في عام 1988م.
القوى المعادية لأمتنا تراهن على إشعال الفتنة لهدفين: تمزيق بلدان المنطقة، والترويج لتجارة السلاح. حالة يستفيد منها الغلاة، وإسرائيل والإمبريالية. والخاسر الأكبر هم شعوبنا على نحو ما قال الشاعر العربي:
يَكْفِيكَ أَنَّ عِدَانَا أَهْدَرُوا دَمَنَا وَنَحْنُ مِنْ دَمِنَا نَحْسُو وَنَحْتَلِبُ
أحبابي،
في المرحلة القادمة سوف نعمل بكل قوانا لدعم ثمرة خريطة الطريق باعتبارها طوق نجاة للوطن، ونعمل بكل قوانا لدعم مشروع مبدئي حقاني لاحتواء الفتنة بين الأشقاء. هذا واجب ديني وقومي وإنساني: (وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَاۖ).
اللهم ارحمنا وارحم آباءنا وأمهاتنا، وأهدنا وأهد أبناءنا وبناتنا، وبارك بلادنا ووفقها للسلام وجمع الكلمة على الحق، وبارك للجميع في العيد، أعاده الله باليمن والبركات. أنا عافٍ عن من أساءَ إليَّ واطلب العفو عن من أسأت إليه، فنحن أخوة في الدين أو في الوطن أو في الإنسانية. والسلام.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.