مأساة يرويها: محمد جادين قُبيل أن تجف دموع "الفتيات" السودانيات اللائي تعرضن لشتى صنوف الإهانة والقهر من "الكفيل" بالمملكة العربية السعودية، هاهي الجراح تتفتق من جديد بصورة محزنة، لتكتب حلقة أخرى من فصول "مسلسل" مأساة "السودانيات" في بلاد "الغربة". إذ لم يمض أسبوع على "حكاية" الفتيات السودانيات اللائي لجأن إلى الشرطة السعودية بعد أن تعرضت إحداهن للضرب والإهانة والتحرش من قبل كفيلها السعودي، فكان أن تفاعلت "الجالية" مع القضية وسارعت لنجدتهن وانصفتهن ولحقت بهن الجهات المختصة، حتى ظهرت واقعة أخرى، وفاجعة جديدة، لكنها – للأسف الشديد – جاءت اشد قسوة، وأكثر "مرارة وقهراً" من سابقتها. القصة والعنوان الرواية تتمحور في أن "12" امرأة سودانية يعملن بائعات "كسرة" في "مكة" بعضهن تعدت أعمارهن ال "70" عاماً، يقبعن في سجون الترحيلات بمدينة "مكةالمكرمة" لمخالفة بعضهن لشروط الإقامة بالمملكة العربية السعودية. المفزع أنهن مازلن خلف القضبان لأكثر من "10" أيام، وأخريات تجاوزت إقامتهن في "سجن الترحيلات" أكثر من "30" يوماً بالتمام والكمال رغم اتصالهن بقنصلية السودان بمدينة "جدة". ولكن – كالعادة – كان الإهمال سيدا، في حين أن جنسيات أخرى معهن داخل "الحجز" لا تتجاوز مدة تسفيرهن إلى بلادهن معززات مكرمات أكثر من "3" أيام إثر تدخُل أولياء أمورهن هناك، ومن نعني غير "السفارات" والقنصليات التي سرعان من تقوم بعمل الإجراءات المطلوبة لحفظ حقوقهن وكرامتهن. بداية المأساة دون تخطيط، وضعت (الصيحة) يدها على رأس الخيط، بعدما تنامت إليها معلومة عن سيناريو مفزع يتربص ببعض السودانيات المُسنات، اللائي أمضين العُمر في البحث عن لقمة العيش خارج السودان، وتحديدا في المملكة العربية السعودية. المعلومة أشارت إلى وجود "مُسنات" سودانيات شريفات يعملن في بيع "الكسرة" في مكةالمكرمة، يلاقين صنوفا من المعاناة، لكن الخبر تناسل حتى استحال إلى معلومات مؤكدة تتحدث عن "مُسنات" سودانيات محتجزات في سجن "الترحيلات بمكة" لأكثر من أسبوع دون أن تسأل عنهن الجهات المسؤولة أو تبادر لإطلاق سراحهن. حسناً، فالمعلومة العابرة تحولت إلى خبر مؤكد، بعدما حط أحد السودانيين الغيورين على البلد وكرامته، رحاله في الصحيفة، مزيحا اللثام عن أصل القضية.. بدأ الرجل حزيناً ودموعه تكاد تقطر من عينيه وهو يروي تفاصيل "المأساة" وقال: "عندما علمت بالقضية وتأكدت من صحتها لم أتردد لحظة أن أطرق أبواب الصحف ومما شجعني على ذلك هو تفاعل الإعلام مع مأساة الفتيات السودانيات بالسعودية، واهتمامه بالقضية إلى أن تم إطلاق سراحهن بواسطة الجهات المختصة بعد أن أصبحت حكايتهن قضية رأي عام، وأضاف" "سألت عن مُقر صحيفة "الصيحة" وكُلي إيمان بأنها ستنحاز إلى مأساة "المُسنات في سجون الترحيلات بمكة" لما عرفنا عنها لإهتمامها بقضايا المواطن". المهم أن هذا الحوار انتهى بأن أمدنا الرجل بأرقام شقيق إحدى "السجينات" ليروي لنا ما حدث وعرض القضية على الرأي العام. شقيق السجينة يحكي اتصلت (الصيحة) على شقيق إحدى السجينات المُسنات مُقيم بالخرطوم "ع – ي"، والذي تحدث إلينا والحسرة تسابق صوته، وقال إن شقيقته تبلغ من العمر "72" عاماً مقيمة بالسعودية لأكثر من "18" سنة في مدينة "مكةالمكرمة" تعمل في "بيع الكسرة" طوال فترة إقامتها، لافتاً إلى أنها من خلال مهنتها هذه عانت الأمرين وتدهورت صحتها وتحملت الكثير في سبيل تربية أبنائها الذين تخرجوا من الجامعات من عرق جبينها بمهنة شريفة وتحملت "الاغتراب" وأوجاعه ومعاناته، وأكد أن شقيقته اتصلت عليه من سجن الترحيلات بمكةالمكرمة وروت له ما حدث معها مؤكدة لهم وجود عدد من رفيقاتها في الحجز تم القبض عليهن أيضاً بجانب سودانيات أخريات أمضين فترة طويلة في الحجز لظروف مشابهة ومخالفات في الإقامات، وناشد شقيقها وزارة "الخارجية" والقنصلية السودانية بجدة للتدخل وإخلاء سبيل السودانيات من السجن وعمل الإجراءات اللازمة مع الحكومة السعودية خاصة وأن أعمار بعضهن تعدت ال "70" وانهن لا يتحملن معاناة السجن وعذاباته، وناشد أيضاً السفارة السعودية بالخرطوم وسماحة الملك "سلمان بن عبدالعزيز" بحل قضية المُسنات السودانيات وصون كرامتهن ومراعاة عامل "السن" والعفو عنهن وتوفيق أوضاعهن أو إعادتهن إلى بلادهن "السودان". مُعززات مكرمات بكامل ممتلكاتهن وحقوقهن. من داخل سجن الترحيلات الساعة تعدت السابعة من مساء أمس "الجمعة" والهاتف يُجيب "الرقم الذي تتصل به غير صحيح" وأحيانا تُظهر الشاشة رسالة أكثر إحباطاً مفادها "الشبكة مشغولة"، عاودنا الاتصال مرة أخرى بشقيق "السجينة" وأخبرناه أن الرقم الذي منحنا له غير صحيح، فأعطانا عددا من أرقام الهواتف لنزيلات أخريات سودانيات بسجن "الترحيلات بمكة" بمعية شقيقته، ومن ثم عاودنا الاتصال مرة أخرى بقائمة الأرقام التي مدنا بها ولكن دون فائدة ف "الشبكة مشغولة" وعبارة "الرقم الذي تتصل به غير صحيح" تُعاود إحباطها، فظل شقيقها يحاول الاتصال أيضاً دون نتيجة، فعاود وأخبرنا "ربما إدارة السجن تحفظت على أرقام السجينات أو صادرتها"، لم تفتر محاولاتنا وأخيراً ابتسم "الحظ" رن جرس الهاتف ولكن دون إجابة ومن ثم توالت الاتصالات أكثر من "6" مرات، وفي المرة السابعة أجابت الحاجة "ف، ي، م" من داخل "سجن الترحيلات بمكة" وأجابت بفرح غامر "المكالمة من السودان" فأكدنا لها حقيقة اتصالنا وسؤالنا عن أحوالهن وهويتنا" فرحبت الحاجة بنا دون تردد وبدأت أكثر تماسكاً وصلابة وهي تروي تفاصيل حكايتهن المحزنة ل(الصيحة). "19" عاماً في مكة قالت الحاجة "ف- ي- م" ل (الصيحة) إنها مقيمة في المملكة العربية السعودية منذ "19" عاماً في "مكةالمكرمة" وتعمل في بيع "الكسرة" طوال هذه الفتره ومعها العديد من رفيقاتها كبيرات السن تجاوزت أعمارهن ال "60" عاماً تعرفت عليهن هناك وهن يعملن معها في ذات المجال، وأوضحت الحاجة أنها غادرت البلاد بغرض أداء العمرة وتخلفت هناك ووجدت رفيقات "سودانيات" يعملن في بيع "الكسرة" في مكة، ومن ثم مكثت طوال هذه الفترة ولم يوقفها أحد أو تتعرض إلى مشكلة طوال "19" عاماً أمضتها هناك في مهنة شريفة لتربية أبنائها وإعالة أسرتها هنا في السودان. الطريق إلى السجن روت الحاجة "ف.ي.م" أنها خرجت من مكان سكنها باكراً كعادتها وهي تحمل أطباقها إلى حيث المحل التجاري الذي تجلس أمامه بصورة يومية لبيع الكسرة، وقالت "مضى نصف اليوم ولم يتعرض لي أحد باعتبار أني أصبحت معلماً في المنطقة والكل يعرفني فأمضيت هنا سنين طويلة وأنا أجلس في ذات المكان وأبيع الكسرة"، وتابعت "تفاجأت بشرطي يقف أمامي ويطلب هويتي وأوراق الإقامة فأجابته بأني لأ أملك أقامة وجواز سفري ضائع أيضاً" وقالت: أمسك الشرطي بيدي لاقتيادي لعربة الترحيل سوف أذهب بنفسي الى العربة، وبالفعل ذهبت لعربة الترحيل وعندما سألته إلى أين ستأخذني أوضح لي "لسجن ترحيلات مكة". تفاصيل المأساة داخل الحجز هنا تغيرت نبرة الحاجة "ف.ي.م" وبدأت أكثر حزناً وضيقاً وغالبت نفسها وهي تتحدث وقالت "عندما وصلت إلي السجن تفاجأت بعدد من رفيقاتي بعد أن طالتهن أيادي الشرطة وزجت بهن داخل السجن لمخالفتهن شروط الإقامة"، وأوضحت الحاجة أنها وجدت معها "11" من السودانيات داخل سجن الترحيلات بمكة في ظروف مُشابهه أغلبهن كبيرات السن وبعضهن يعانين من أوضاع صحية لا تتحمل الحبس، وقالت: "الحال هنا صعب للغاية وتم اقتيادنا من الشارع ولا نحمل معنا أي متاع أو ملابس غير التي نرتديها" وأكدت أنها أمضت عشرة أيام بالتمام والكمال دون أن يسأل عنهن أحد من سفارة السودان بالمملكة أو القنصلية وأشارت إلى أن بعض السجينات الأخريات تجاوزت فترتهن الشهر ولم يسأل عنهن أحد من الجهات المختصة التي ينبغي أن ُتراجع السجون وتحل مشاكل رعاياها وتصون كرامتهن. الاتصال بقنصل جدة أكدت الحاجة "ف- ي- م" أنها اتصلت بقنصل سفارة السودان في جدة، حسن صالح حسن سوار الذهب بعد أن تحصلت على رقم هاتفه بعد معاناة شديدة أملاً في حل معضلتهن ومحنتهن، وقالت "بالفعل ىتصلت على قنصل جدة سوار الدهب ورويت له كل تفاصيل حكايتنا" وأضافت: "أكدت للقنصل وجود 11 امرأة سودانية أغلبهن كبيرات السن بسجن ترحيلات مكة لظروف مشابهه تتعلق بمخالفة شروط الإقامة، ووعدنا في اليوم الثاني بإرسال مندوب من القنصلية لمتابعة قضيتهن وإطلاق سراحهن" وبنبرة يخنقها الأسف والعبرة قالت الحاجة: "للأسف الشديد حتى هذه اللحظة لم يصلنا مندوب السفارة أو القنصل وأنا أكمل اليوم العاشر داخل السجن، ومعي أخريات طالت فترتهن، ونحن في انتظار مسؤولي بلادي وللأسف الشديد هذا ما يحدث لنا ولم تراع سننا أو تسعى لإنصافنا"، وقالت "ما يُشعرنا بالغبن والإهمال أن نزيلات من جنسيات أخري خاصة من مصر وبعض البلدان الأسيوية لم يكملن ثلاثة أيام بالسجن أتت الجهات المسؤولة عنهن وأطلقت سراحهن". مناشدة للجهات المسؤولة الحاجة "ف- ي- م" قالت إنها لم تفقد الأمل في السودانيين بالإسراع لحل "ولاياهم" من السجون وإنصافهن والتدخل العاجل لإطلاق سراحهن. وناشدت عبر (الصيحة) الرئيس البشير ووزارة الخارجية بالتدخل لحل قضيتهن ومراعاة عامل سنهن بتقنين أوضاعهن في السعودية لمواصلة رحلة الكفاح من أجل أبنائهن أو إعادتهن للسودان معززات مكرمات بكامل حقوقهن وممتلكاتهن، وناشدت أيضاً سماحة الملك سلمان بن العزيز والسلطات السعودية بالعفو عنهن وتوفيق أوضاعهن. الصيحة