كان من المتوقع- دبلوماسيا وسياسيا على الأقل- أن تعلن الحكومة رفضها لزيارة وفد من مجلس الأمن، حينما أعلن هو الآخر عدم نيته مقابلة رئيس الجمهورية المشير عمر البشير.. فإن تأتي ضيفا مشترطا إجراء مقابلات مع بعض المسؤولين ورافضا لقاء البعض الآخر، أمر لا يختلف اثنان على عدم منطقيته.. وسماع تفاصيل تلك العبارات أعادت الأذهان إلى الوراء قبل عدة أعوام، حينما زارت وزير الخارجية الأمريكية كونداليزا رايس في عهد الرئيس السابق جورج بوش، إقليم شمال دارفور. وقالت قبل وصولها إنها لا تريد لقاء الوالي محمد عثمان كبر الذي ما أن سمع كلام رايس حتى رد بسرعة البرق أن عليها العودة من حيث أتت، وتطورت القصة بأن قبلت لقاءه واشترطت أن يحضر إلى المطار بحجة أن لا وقت لديها ويقدم لها تنويرا في مدة لا تتجاوز بضع دقائق، الأمر الذي استغربه كبر ورفضه جملة وتفصيلا.. ولم يكن لرايس من سبيل للخروج من الحرج الذي أدخلت نفسها فيه إلا بالذهاب إلى الوالي ومقابلته والاستماع إليه. أعضاء مجلس الأمن- أي الدول الدائمة العضوية- أعلنوا قبل فترة نيتهم زيارة السودان في أكتوبر المقبل قبل إجراء الاستفتاء للتعرف على أكبر تحد يواجهه بعد ثلاثة أشهر، والوقوف على تطورات الأوضاع في إقليم دارفور.. الأعضاء هم (أمريكا، بريطانيا، فرنسا، الصين وروسيا)، الدولتان الأخيرتان لا مانع لديهما، حسب العلاقات التي تجمعهما بالسودان، في لقاء الرئيس، بل وطلبتا المقابلة. وكانت بعض وكالات الأنباء قد ذكرت أن أعضاء مجلس الأمن- وهم سفراء للدول المذكورة لدى المجلس- عبروا عن عدم رغبتهم لقاء الرئيس البشير خلال زيارتهم للسودان بحجة أنه ملاحق من قبل المحكمة الجنائية، وقال مندوبا دولتين إن تعليمات صدرت لعاصمتي بلادهما تمنعا التصوير مع الرئيس لاحتمالية أن يستخدم الصور في الدعاية والترويج لنفسه داخل السودان، وأشار مسؤول في البعثة الأمريكية لدى الأممالمتحدة أنه تمت مناقشة الرحلة المقرر إجراؤها إلى السودان بشكل غير رسمي بين ممثلي الدول الأعضاء في مجلس الأمن والانطباعات التي قد تتركها الزيارة والالتقاء بالرئيس البشير، وألمح- حسب وكالات الأنباء- لوجود توافق فيما بينهم على صعوبة تنفيذ الزيارة في المستقبل القريب لأنها تتطلب مناقشة الموضوع مع أعضاء المجلس كافة، في حين أن إلغاء أو تأجيل الزيارة يمكن أن تقوم به دولة واحدة فقط من الدول دائمة العضوية.. وزارة الخارجية ردت على الحديث بأن من لا يرغب لقاء البشير عليه أن لا يحضر إلى السودان، واشترطت عليهم ذلك حتى تسمح لهم بالدخول إلى السودان.. ويعتبر مراقبون أن موقف الأعضاء الدائمين جاء من منطلق أنه من غير المنطق أن يطالب مجلس الأمن بتعاون الدول مع المحكمة الجنائية بتسليم الرئيس، ويزور وفد من أعضائه السودان للالتقاء به، الأمر الذي يظهر تناقضا واضحا في مواقفه حول التعامل مع ملف الجنائية. المعركة مع مجلس الأمن صعبة جدا، فالسودان إن استطاع تجاوز عقبات مع عدة منظمات إقليمية ودولية وحتى مع بعض الدول الموقعة على ميثاق روما، فإن مجلس الأمن هو المعركة الأشرس للسودان، لأنه الجهة التي حولت ملف دارفور إلى المحكمة الجنائية.. ومن المستبعد، حسب مصادر دبلوماسية تحدثت ل(الأخبار)، أن يجري الوفد زيارة إلى السودان، وأكدت أن أي ضغوط تمارس من قبل المجتمع الدولي لن تثني السودان عن اتخاذ قراره برفض حضورهم إلى الخرطوم، بيد أنها عادت لتؤكد أن الحكومة ستسمح بزيارتهم حال قبلوا شرط مقابلة الرئيس.. الإعلان برفض مقابلة رئيس دولة قد يبدو مهينا، فمثلا المبعوث الأمريكي سكوت غرايشن لم يقابل رئيس الجمهورية، وظهرت أحاديث في بعض وكالات الأنباء قبل عدة أشهر أن الولاياتالمتحدة منعت غرايشن من لقاء الرئيس، إلا أنه لم يصدر تعليقا واحدا يؤكد أو ينفي الخبر، حتى حينما سُئل عن ذلك، أجاب بأنه يحاور المسؤولين المعنيين في المسائل التي جاء من أجلها.. نقلا عن صحيفة الاخبار السودانية 27/9/2010