سهير عبد الرحيم تكتب: مشاهداتي في جلسة مجلس السلم والأمن الأفريقي    النتيجة تؤهل النيل لدوري النخبة مينارتى يواصل إنتصاراته.. يفوز على الوحدة بثلاثية ويعزز صدارته للمجموعة الأولى    المريخ يبارك انتخاب رئيس إتحاد سيكافا وأعضاء اللجنة التنفيذية    مريخ الممتاز يؤدي مرانه الختامي للقاء ملوك الشمال    مساعد قائد الجيش يكشف عن فساد وزير كبير    إبراهيم جابر ينفي خبر حل اللجنة العليا لتهيئة بيئة العودة إلى الخرطوم    إبراهيم شقلاوي يكتب: مسرح ما بعد الحرب لدى يوسف عيدابي    الصحفية سهيرة عبد الرحيم: (شعرت للحظة أن وزير الخارجية المصري سيهتف داخل القاعة "جيش واحد، شعب واحد" من فرطٍ حماسه في الجلسة)    شاهد بالفيديو.. والدة الفنان الراحل محمود عبد العزيز: (اتخذلت في هذا المطرب!! وكل من كانوا حول الحوت منافقون عدا واحد)    شاهد بالفيديو.. على أنغام أغاني "الزنق".. لاعبو حي الوادي يحتفلون مع راعي الفريق ونائب رئيس إتحاد الكرة أسامة عطا المنان بمناسبة زواجه    وزارة المالية توقع إتفاق مع بنك التضامن الإسلامي لتقديم خدمة إيصالي    شاهد بالفيديو.. في مشهد مؤثر.. كابتن طائرة "سودانير" المتجهة إلى العاصمة الخرطوم ينهار بالبكاء أثناء مخاطبته الركاب    شاهد بالصورة.. اللاعب هاني مختار يتوشح بعلم السودان في جلسة التصوير الخاصة بناديه الأمريكي    شاهد بالفيديو.. بتواضع كبير "البرهان" يقف بسيارته في الشارع العام ليشرب عصير من الفواكه قدمه له أحد المواطنين بدنقلا    وزير الخارجية والتعاون الدولي يلتقي رئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي    شاهد بالفيديو.. فتاة سودانية تبهر راغب علامة وأنغام بعد ترديدها أغنية هدى عربي في برنامج مسابقات والسلطانة تدعمها وتحتفي بها    وزارة الشباب والرياضة تواصل انفتاحها على الولايات    ارتفاع في اسعار محصول الذرة واستقرار سعر السمسم بالقضارف أمس    وفاة ثالث رضيع تناول حليبًا ملوّثًا بفرنسا    مشروبات طبيعية تدعم مناعتك.. روشتة حمايتك من العدوى    دراسة تربط طنين الأذن بالإنتاجية في العمل    إلغاء رحلة قطار إلى الخرطوم..إليكم تفاصيل    جوجل تسهّل إزالة المعلومات الشخصية والتزييف العميق من نتائج البحث    "ميتا" تبني مركز بيانات بقيمة 10 مليارات دولار    إضافة علامة تبويب الإعدادات بواجهة "واتساب"    انطلاق دورة متخصصة لتطوير الأداء الرقمي برعاية وزير الشباب والرياضة    ماساة قحت جنا النديهة    كباشي يحيي صمود مواطني شرق النيل ويوجه بزيادة محولات الكهرباء ومكاتب السجل المدني بالمنطقة    تطور حاسم بقضية "الاعتداء الجنسي" في منزل لامين يامال    الإدارة العامة لشرطة تأمين التعدين تنفذ حملة منعية وكشفية لمكافحة التعدين العشوائي بولاية البحرالاحمر    الإدارة العامة لشرطة تأمين التعدين تنفذ حملة منعية وكشفية لمكافحة التعدين العشوائي بولاية البحرالاحمر    هيئة مياه الخرطوم: تحصيل فاتورة المياه لا يشمل القطاع السكني حتى الآن    ارتفاع طفيف لأرباح زين السعودية إلى 604 ملايين في 2025    مسلسلات رمضان.. هل تقع أيتن عامر فى حب ياسر جلال فى مسلسل كلهم بيحبوا مودى    الدولار يواصل التراجع أمام الجنيه فى منتصف تعاملات اليوم    مسؤول سوداني يغادر إلى تركيا    السودان.. وزير الشباب والرياضة يصدر قرارًا    دوري أبطال أفريقيا يشتعل.. 3 أندية تتأهل رسميًا وصراع مفتوح على 5 بطاقات    مجموعة الهلال السوداني.. صنداونز يقتنص التعادل ويبقي آمال التأهل في دوري الأبطال    أفراد من الشرطة يلقون القبض على السائق الخاص بالقائد الميداني لمليشيا الدعم السريع "جلحة" داخل "ركشة" بحي بري    هلال كوستي يدشن برامجه الثقافية بليلة ثقافية كبرى وتكريم رموز النادي والمجتمع    شاهد بالفيديو.. سرقة محل مجوهرات بشارع الوادي بأم درمان وقيمة المسروقات تقدر ب(ترليون) جنيه    محاولة أوكرانية جديدة لإفشال مفاوضات السلام بعيداً عن ارض المعركة    رفض الزوج شراء سجائر لها فقتلته.. جريمة زوجة مصرية تثير الجدل    حريق كبير في سوق شرق تشاد    رسالة أخيرة في بريد الرئيس البرهان قبل تمرد الحركات المسلحة الدارفورية    ترامب يحذر إيران: الوقت ينفد والهجوم القادم سيكون أشد    مباحث الخرطوم تعلن توجيه ضربة موجعة لمافيا السيارات..إليكم التفاصيل    تلفزيون السودان يستأنف البث المباشر من مقرّه الرئيسي    وزير الصحة: التبغ عدو الحاضر والمستقبل و فاتورته الصحية تفوق عائداته الضريبية    هل قتل السحر الأسود الإسرائيلي عبد الناصر؟.. كتاب جديد يكشف خفايا خطيرة في مصر    سباق اختراق الضاحية باكورة بطولات الاتحاد العربي لألعاب القوى    شركة اتصالات في السودان تعلن عن توقف خدمات    "مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ"!    أحمد الشاكر: انا أعجز عن شكر جميع الإخوة الأشقاء في المملكة العربية السعودية    السودان..حصيلة صادمة بمرض شهير في ولايتين    إسحق أحمد فضل الله يكتب: (حديث نفس...)    "كرتي والكلاب".. ومأساة شعب!    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



التعديلات الدستورية.. حالة إنحسار الدولة وطغيان الفرد..!!
نشر في السودان اليوم يوم 14 - 01 - 2015

أجرت الحكومة السودانية الإسبوع الماضي تعديلات دستورية تعزز صلاحيات جهاز الأمن، حيث رأى بعض الخبراء أن التعديلات أعطت الأمن كافة الصلاحيات الممكنة وغير الممكنة، كذلك أتاحت تلك التعديلات للرئيس عمر البشير تعيين الولاة بدلا من انتخابهم، كما أنه بموجب هذه التعديلات أصبحت الفقرة المتعلقة بصلاحيات جهاز الأمن تنص على: "يكون جهاز الأمن الوطني قوة نظامية مهمتها رعاية الأمن الوطني الداخلي والخارجي ويعمل هذا الجهاز على مكافحة المهددات السياسية والعسكرية والاقتصادية والاجتماعية كافة والإرهاب والجرائم العابرة للوطنية"
وأضيف بند جديد ينص على: "ينظم القانون إنشاء محاكم جهاز الأمن والمخابرات الوطني وتشكيلاتها واختصاصاتها وسلطتها وإجراءاتها وخدمتها القانونية"، وكانت المادة السابقة تحصر صلاحيات هذا الجهاز فقط في "جمع المعلومات والتحليل".. صحيح أن الدستور المعدل جاء إثر توقيع اتفاق السلام بمشاركة الحركة الشعبية بمعنى أن يد الحزب الحاكم برئاسة البشير لم تكن مطلقة إلا أن هذه المادة كانت في دستور ما قبل مشاركة الحركة الشعبية تنص على: تكون خدمة الأمن الوطني خدمةً مهنيةً وتركز في مهامها على جمع المعلومات وتحليلها وتقديم المشورة للسلطات".. أي أن تحول الجهاز لقوة قمعية أمر مستجد يصب في ترسيخ الدولة الأمنية لا بناء الدولة المدنية، وقد تم التمهيد لهذه الخطوة بضم قوات غير نظامية ذات سمعة سيئة تطاردها اتهامات دولية بارتكاب جرائم حرب في دارفور، وسمتها الحكومة ب"قوات الدعم السريع"، وسبق أن اتهم الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون هذه القوات في تقرير قدمه إلى مجلس الأمن الدولي في أبريل الماضي بالقيام بهجمات ضد المدنيين.
يأتي تعديل المادة التي قضت بتعيين الولاة من قبل الرئيس بدلا من انتخابهم في سياق ترسيخ الدولة الأمنية أيضا، ونصت على "يعيين الرئيس ولاة الولايات وشاغلو المناصب الدستورية والقضائية والقانونية الأخرى وقيادات القوات المسلحة والشرطة والأمن، ويعفيهم وفق أحكام القانون"، وكان من المفترض أن تجري انتخابات الولاة في أبريل القادم قبل يستبق البشير ويطلب تعديل الدستور ويحذر نواب حزبه الذين يشكلون أكثر من 95٪ من مجمل النواب ويقول لهم بنبرة تحذيرية طالبا إجازة التعديلات "بدون شوشرة"، وبرغم أن تلك التعديلات على الدستور الهدف منها احكام قبضة الحزب الحاكم على الدولة الا أن تلك الإجراءات لم تزيد الوضع الا تعقيدا، فالمعارضة السودانية انتفضت ضد تلك التعديلات.
أعلن الحزب الشيوعي السوداني رفضه للتعديلات الدستورية التي صادق عليها البرلمان الأسبوع الماضي، وقال إنها تجعل من السودان دولة بوليسية من الطراز الأول، ووجه الحزب إنتقادات حادة للحكومة وجهاز الأمن في إعقاب تزايد التضييق على صحيفة "الميدان" لسان الحزب.
وقال القيادي في الحزب الشيوعي سليمان حامد، في مؤتمر صحفي، السبت، إن التعديلات الأخيرة منحت جهاز الأمن صلاحيات تتجاوز تخصصه في جمع المعلومات الى الإعتقال، والتعذيب والمصادرة وقمع الاحتجاجات السلمية، وأضاف "الأمن أصبح قوة ضاربة، يمتلك قوات وعتاد يضاهي القوات المسلحة، ويتصدى لكل عمل جماهيري ويمنع أي نشاط حتى لو كان داخل دور الأحزاب".
ندد حامد باستمرارالسلطات الأمنية في مصادرة صحيفة "الميدان" وقال إنهم يعمدون الى الخطوة كلما صدع صوت الصحيفة بالحق وجنحت الى فضح وتعرية ممارسات النظام، وتوقع حامد استمرار السلطات الأمنية في حملتها ضد الصحيفة لكنه شدد على التأكيد بأنهم عازمون على مواصلة الصدور بلا توقف، وبدون التراجع عن الخط الذي ينتهجه الحزب ايدلوجيا وسياسيا.
وعلقت السلطات صدور صحيفة "الميدان" التي يرأس تحريرها مديحة عبد الله أكثر من مرة، وتعد الصحيفة الحزبية الوحيدة في السودان بعد تعليق صدور صحيفة "رأي الشعب" لسان حال المؤتمر الشعبي، وعجز الأخير عن اعادة إصدار الصحيفة بسبب صعوبات مالية.
وحذر حامد من أن توالي الهجوم على صحيفة "الميدان" ليس سوى مقدمة لإمتداد التضييق صوب الصحف الأخرى ومحاصرتها وقال "الهجوم سيطال كل الصحف التي تقف الى جانب الشعب والوطن، كما سيمتد الى الأحزاب الأخرى".
وتشكو الصحافة في السودان من هجمة شرسة تنفذها السلطات الأمنية على فترات متقاربة حيث تتعرض للمصادرة تارة والإيقاف تارة أخرى، علاوة على فرض الرقابة القبلية أحيانا، ويتهم جهاز الأمن بعض الصحف بتجاوز "الخطوط الحمراء" بنشر أخبار تؤثر على الأمن القومي للبلاد.
وبعد أن رفع جهاز الأمن الرقابة القبلية على الصحف، عمد إلى معاقبتها بأثر رجعي عبر مصادرة المطبوع من أي صحيفة تتخطى المحظورات، وهو الأمر الذي تترتب عليه خسائر مادية ومعنوية على الصحف.
كما ندد تحالف المعارضة أيضا بتلك الإجراءات ، وصرحوا في بيان على صفحتهم بموقع التواصل الإجتماعي الفيس بوك ، بأن تعيين الولاة من قبل رئيس الجمهورية يسلب مواطني الولايات ليس حقهم في اختيار من يعتبرونه الأفضل بل منعهم من إقالته لأنهم ليسوا هم الذين إنتخبوه.
أصبح هذا الحق ملكاً لرئيس الجمهورية يعين من يشاء ويعزل من يشاء وفقاً لرؤاه الخاصة.
وتجربة شعب السودان في معظم ولاياته تؤكد ليس بالنسبة للولاة وحسب، بل لكل العاملين في الدولة، أن معايير البقاء في المنصب المعين هو ليس الكفاءة بل الولاء التام للحزب وليس للشعب ولمن اختاره في هذا المنصب.
السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاحٍ: لماذا يتم القفز فوق هذه المعايير البديهية؟! والإجابة واضحة وضوح الشمس في وضح النهار، هو حب البقاء في السلطة المركزية واختيار من يسندونها في الولايات المختلفة بإنصياعٍ تامٍ لكل ما يأمر به مركز السلطة، هذا يعني، أن السودان وشعبه قادمان على سنوات أكثر مرارة وأشد معاناة إذا ما تم تعديل الدستور بهذه الصورة الشائهة.
وفي الوقت الذي تندد فيه المعارضة بتلك الإجراءات ، وينتقد الشارع السوداني الوضع برمته تتحدى الدولة الرأي العام حيث أعلن وزير الدولة بالداخلية السودانية بابكر دقنة، أن وزارته شرعت في وضع تدابير جديدة لإنفاذ التعديلات الدستورية التي أقرها البرلمان أخيرا بشأن قوات الشرطة، وكشفت الوزارة أن التعديلات كانت ثمار جهد طويل للداخلية مع البرلمان والجهات ذات الصلة.
وأكد الوزير أن وزارة الداخلية تتحمل بموجب هذا التعديل مسؤولياتها كاملة، وعدَّ تعديل الدستور بخصوص قانون الشرطة "نصراً للشعب السوداني ويفيد السودان وليس الشرطة".
بسم الله الرحمن الرحيم
التعديلات الدستورية.. حالة إنحسار الدولة وطغيان الفرد..!!
من آليات الديمقراطية، إن لم نقل مبدأ أساس في عملية تشغيلها، آليات المحافظة علي الدستور وإحترامه، والتداول السلمي للسلطة، إضافة للفصل بين السلطات. وذلك بإعتبارها أفضل وسيلة متاحة لإدارة الدول وإستقرار المجتمعات. إن لم نقل دلالة صريحة علي نضوج الدول وإنتماءها الحقيقي للحظة الحضارية الراهنة. أو علي الأقل إستفادتها من التراث الإنساني، الذي مر بمحن وأهوال رهيبة، فيما يخص مسألة السلطة تحديدا! والمفارقة المحزنة، أن البعض لايزال بجهله مرة وقلة مروءته مرات! يصر علي إعادة إنتاج كل تلك المرارت والمآسي بكل غرور وعنجهية وتجرد من الرحمة والإنسانية!! وليس كل ذلك فقط من مزايا الديمقراطية، ولكنها من الجهة المقابلة. تمثل الوجه الآخر، لقطع الطريق أمام أي نوازع إستبدادية قد يتصف بها بعض القادة القاصرين! وتاليا إدخال بلادهم في متاهات ودروب مترعة بالدماء وإهدار الكرامة الإنسانية والخراب العميم!! والتعديلات الدستورية الأخيرة أكدت المؤكد، في كيفية إشتغال النظم الدكتاتورية، وآليات صناعة الدكتاتور! فهي عبرت بصرحة فجة وفاجرة(أن البشير الدولة والدولة البشير!!) أو حالة زوبان الدولة في الفرد! او حلول الدولة وتحللها وتماهيه في الفرد!! بمعني، الإشكالية الحقيقية ليست في التعديلات وإنحيازاتها او تجاوزتها! ولكنها بالتحديد، في توظيف الدولة لتلبية نزوات الفرد! أي أن تحال الدولة برمتها كمؤسسات ومواطنين، الي مجرد وسيلة إشباع لرغبات وتطلعات وأحيانا جنون وتهورات الفرد! والأسوأ لحمايته من المخاطر، ولو أدي ذلك لرهن سلامة الدولة وإستقرارها للمخاطر المحدقة!! ومن عجائب الأمور، ليس تشابه طبائع وسلوك وطريقة تفكير الدكتاتوريين! ولكن تشابه وطبيعة البيئة المُشكِّلة للدكتاتور، ومن ثم تعظيمه والتسبيح بإسمه! وبالأخص الدائرة المحيطة او أهل الحظوة لدي الدكتاتور! فهم كجماعة او منظومة عمل، يتميزون عموما، بقلة الكفاءة وضعف الشخصية وتوسع الرغبات الغريزية وإعاقة الضمير وقلة الحياء! والسبب في ذلك ليست جينات وراثية، ولكنه يتعلق تحديدا بطبيعة الوظيفة التي يؤدونها، والتي تتطلب إنعدام روح المبادرة والجراءة او الجبن، والإحساس بالإنسحاق والصغر في حضرة القائد الملهم! وهو ما يتطلب نوعية معينة من الإفراد، يعانون في الغالب من إشكالات او عقد نفسية او مجتمعية او طبقية او مناطقية! وهذه الإشكالات لا يتم إشباعها او هدهدتها، إلا من خلال سيطرة أعلي او سلطة أعلي، يمثلهاحصريا شخص أعلي يُمنح سلطات القهر والمنح والمنع، والرفعة والحط من الشأن، بتعبير صريح الدكتاتور نصف الإله!! أي تحتاج لنوع من العبودية الذاتية او كراهة الحرية والمسؤولية! وبتعبير آخر، ليس لها القدرة علي المنافسة المفتوحة او العيش في الأضواء والإنفتاح علي المجتمع او مجرد إحترامه! لذلك تناسبها بيئة الظلام الدكتاتوري، او الإختباء خلف الدكتاتور، كواجهة تتحمل وزر كل الأخطاء والخطايا التي تمارسها خفافيش الليل! أي اللعبة الدكتاتورية ذات طبيعة مزدوجة، تمنح الدكتاتور كل السلطات والإمتيازات، ولكن مع تحمل كل الأعباء والخسائر حصريا، وفي نفس الوقت تمنح الحلقة المحيطة فرصة كبيرة لإشباع رغباتها الصغيرة، ولكن مع هامش من الحماية والمناورة إذا ما وقعت الواقعة! أي سهولة التنصل من المسؤوليات وإلحاقها بالدكتاتور! الذي يتحول بين لحظة سلطة وإنتزاعها، من نصف إله يُسبح بحمده، الي شيطان رجيم يُفضل لعنه والتبرؤ منه؟! وكل ذلك يشير، الي أن الدكتاتورية منظومة عمل متكاملة، يشغل فيها الدكتاتور المحور! والآخرون توابع، والموظفون العموميون مجرد هوامش، لتسيير القافلة نظير فتات من أجل حفظ البقاء! وتاليا أهم ما يميز هذه المنظومة المتخلفة، إضافة الي جمودها وتكلسها، إرتهانها لمزاج وتقلبات ومخاوف الدكتاتور! وتمدد نزعات الفساد والإستحواذ القصوي لدي الدائرة المحيطة(إحتمال بسبب إحساسهم بعدم الأهلية والصلاحية والإستقرار!) أما الغالبية العظمي من مكونات الدولة(موظفون حرفيون عاطلون أي بقية الجمهور المقهور بما فيه طبقة البيروقراطية العتيقة) يتميزون بقلة الإنضباط ووهن خيوط الإنتماء الحقيقي للدولة!! ونجد علاقة الدكتاتور بالجمهور بصفة عامة، علاقة إستعلاء ووصاية ومنّ او تفضُّل! وعلاقة الجمهور بالدكتاتور علاقة كره وسخرية وعجز وأحلام يقظة بالخلاص او التندر بالطعن في سلوكه وأهليته، وهو محق! وعموما علاقة طابعها الخوف والهلع من عواقب التصدي لإرهاب وإهانة الدكتاتور!! وينتج عن ذلك، أن الدكتاتورية تخلق حالة إفراغ الدولة من محتواها، وتحويلها الي مجرد هيكل خاوٍ او خيال مآتة، اي دولة منزوعة الفاعيلة والإحترام( لأ توفر حماية او كرامة او حرية او تنمية للمواطنين! ووظيفتها الوحيدة الإستجابة لمغامرات الدكتاتور! ) وهذا دون البؤس الذي يسيطر علي حاضرها والظلام الذي يلف مستقبلها! وفي المحصلة، هي دولة تشجع علي الهروب والفرار او الإنخراط في بيئة الفساد والتحلل العام، كوسيلة وحيدة للبقاء او مجرد المحافظة علي الحياة! وهذا دون قول شئ، عن مسها بخاطر كثير من القيم الموروثة والمرعية والخيرة! وتاليا إكسابها غير وظيفتها، بعد التشكيك في جدواها، والأمثلة علي ذلك كثيرة؟! وإمتدادا للغرابة والتعجب الذي يحيط بالدائرة المحيطة بالدكتاتور، أي الحلقة الوسيطة بين الدكتاتور والجمهور! أن اللحظة التي تشعر فيها بالأهمية والعظمة والنفوذ، تقابل من قبل الشعب ونخبه السياسية المنخرطة في هامش الحرية الذي لا يشبع من جوع ! بكثير من الإزدراء والإحتقار، يصل لدرجة وسمها بالمسوخ البشرية، كناية عن تصادم سلوكها ووعيها ببداهة الفطرة والإستقامة الإنسانية والوطنية! او مقاربته للغرائز الحيوانية والبرية منها بالتحديد!!
ولكن حالة البشير تحديدا، وعند مقارنته مع زمرة الدكتاتوريين، نجدها تتميز بالفرادة! ومؤكد أن مبعث الفرادة ليس القدرات الخارقة والقبول الطاغي الذي يتوهمه! ولكن مبعثها قد يكون العكس تماما!! أي نوع من الدكتاتورية شديدة الخواء او متطرفة الفراغ! لو جاز التعبير. أي خواءه من نوع خاص يتفوق علي الدكتاتوريات المتبلدة العقيمة التي وسمت التاريخ الإنساني الأليم! والخواء المقصود، هو نوع من تضافر قلة الذكاء والوعي السياسي والإجتماعي والسلطوي وإنعدام الحس التاريخي والذائقة القيادية/الرئاسية، ويضاف إليه غياب كامل يشبه الغيبوبة بما يحتله من منصب! بمعني، إضافة الي عدم إستحقاقه المنصب، فهو يسئ إليه وينتقص من قدره! بدرجة تشعر حتي المواطن العادي، بالخجل والإنزواء الي داخل نفسه، متسترا بالمرارة والإحساس بهوان السلطة والوطن ولاعنا الزمان! خاصة عندما يُشغل ضابطي إيقاعه علي وزن مصالحهم الخاصة، أسطوانات الموسيقي وإغواء الإيقاع الراقص الطروب! ليتراقص عليها طربا حاملا عصاه، رئيس جمهورية دولة ترفع شعارات إسلاموية، في نسختها الأكثر تزمت وتخلف ومتاجرة ومعادة للفنون كافة!! او عندما يترك علي سجيته وطبيعته الحقيقية الفارغة، ليخاطب الجمهور دون حجاب او مستشار او ضابط خطابات! ويبرز عضلاته الصوتية في وجه العالم أجمع متحديا ومتوعدا دول البغي والإستكبار!! او عندما يقدم وعود وإلتزامات او تعهدات، تذروها الرياح بمجرد إنتهاء خطابه! وهو لا يعلم أن ما يتفوه به كرئيس، يستوجب المصداقية والمسؤولية والإلتزام. كأحد مستحقات هذا المنصب الحساس! وإلا فالأسلم له وللمنصب بصورة أخص، أن يلتزم الصمت، فهو أقلاه يخفي الكثير من العيوب والمحن!! والمؤسف أنه يعتقد بهذا المسلك، الحصول علي الشعبية والقبول والإنتشاء، خاصة وهو يجد التجاوب المصطنع من قبل الحشود الموظفة سلفاً!!
وبقدر ما تصنع البيئة المحيطة الدكتاتور، يسم الدكتاتور البيئة المحيطة بسماته، وعموما هي سمات او توجهات تنحو نحو المحافظة علي السلطة حصريا وما يليها من إمتيازات، بصورة مرضية او عصابية! وبما أن الدكتاتور في حالة تمدد باستمرار وتضخم لطموحاته وشخصيته، يتبع ذلك ضيق الرداء الدستوري المفصل علي مقاسه، والمبرر شكليا لسلطته! وتاليا تمزق هذا الرداء او الحاجة الماسة لتوسيعه او تعديله ليتناسب والتضخم الجديد! وهنا يأتي دور النسخ المشوهة من صورته الأكثر تشويه بدورها! وهذه النسخ المشوهة وبمختلف تخصصاتها ووظائفها تقوم مباشرة بإجراء اللأزم دستوريا ومؤسسيا وتبريريا(سياسيا وإعلاميا!) ودون أن يطرف لها جفن كرامة او رمش حياء! او حتي مجرد إكتراث لأطنان المديح الذي كيل للدستور(السابق، الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه!)، أي عندما تم إصداره علي المقاس القديم للدكتاتور! وحيث أن المسألة كلها فعل(من الدكتاتور) ورد فعل(من المحيطين به، أو أدوات تنفيذ رغبات الدكتاتور!) يمكن من خلال التعديلات الدستورية التي يتم إجراءه كل حين، معرفة شواغل الدكتاتور او همومه ومخاوفه! بمعني، عندما تطال التعديلات الأجهزة الأمنية والرقابية والقضائية ودورها ووظيفتها، كما هو حادث! فهذا مؤشر علي إرتفاع هواجس الأمن والخوف علي العرش او زيادة المخاطر المحتملة حوله! وعندما يحدث نوع من تقديم الحوافز المادية للعامة، فهذا مؤشر علي تقديم نوع من الإغراء وشراء التأييد، أي وسيلة ناعمة للسيطرة علي الجماهير والتمكين في سدة العرش! وهكذا يصبح الدستور الوثيقة الأعلي في الدولة والأسمي في المجتمع والأرقي مظهرا عاما، وسيلة سهلة للتلاعب والتبرير والفساد السياسي والإقتصادي والسلطوي! مما يحيل مباشرة لتشويه، ليس الدستور وصورته الناصعة فقط! ولكن مفهوم السلطة والحكم في المحصلة النهائية! أي مزيد من الإزدراء للسطة والحكم، وتاليا العملية السياسية نفسها! مما يؤدي لأحد أمرين. إما الإحباط واليأس من السياسة والسلطة والقوانين وإحترام الدولة ككل! او اللجوء للعنف من أجل الحصول علي الحقوق او لدرء الظلم الأعمي الواقع علي المواطنين! بعد فقدان الثقة في الحكام والقوانين والسياسة والدولة ذاتها! وهكذا تصبح أخطر إفرازات الدكتاتورية كمنظومة حكم جائرة وعاجزة وصفوية! هي فساد العملية السياسية، وشلل الدولة، وإحباط المجتمع، وصولا الي فساد الحياة العامة! وبتعبير آخر، تحلل الدولة كإطار جامع لكل التكوينات المتساكنة في رقعتها، والتي كونت مشتركات بينها عبر سلسلة طويلة من المنعرجات! وبوصول الدولة لهذه الدرجة من الإنحطاط او فقدان الثقة الرأسية(في السلطة) والأفقية(بين المكونات الإجتماعية أو القبلية او المناطقية)، تصبح عرضة للحروبات الأهلية، وعودة المجتمع قهقريا الي حياة الفتن والقلاقل والبداوة والشيوع! او دولة اللاقانون واللانظام، وسيطرة الأقويا وجحيم الضعفاء! وبتعبير فاضح، الدكتاتورية وسيلة جبانة وخطرة ولا أخلاقية ولا سياسية ، لمصادرة الدولة وتسخيِّر المجتمع! أي الدكتاتورية هي حالة إزدهار (الفرد) وتدهور الدولة وضمور المجتمع! لكل ذلك يصبح التصدي للدكتاتورية ليس فرض عين فقط! ولكنه الطريق الوحيد للدفاع عن الدولة وحماية المجتمع والأهم من ذلك الدفاع عن الوجود والكرامة والأمل!
كلمة أخيرة
لا للدكتاتورية بعد اليوم، سواء اختبأت خلف الإنتخابات المزيفة الشكلية، او فقع لونها وفاحت رائحة فسادها وجرائمها!
عبدالله مكاوي
بريد إلكتروني [email protected]


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.