شاهد بالفيديو.. رمى عليهم عبوة ناسفة وهرب.. جنود بالدعم السريع يضبطون مرتزق من جنوب السودان في وضع مخل مع سيدة داخل "راكوبة" بمدينة الفولة    شاهد بالفيديو.. فنان "ربابة" سوداني يثير تفاعل الجمهور بعد ترديده أغنياته الشهيرة (صورة وصوت) في حفل حاشد بالسعودية    البرهان يتفقد مستشفى الرباط ويوجّه بتطوير الخدمات الطبية الشرطية    شاهد بالفيديو.. داخل حرم إحدى المدارس.. والي النيل الأبيض ينفعل على وزير التربية والتعليم ويحظى بإشادة الجمهور: (لن أذهب حتى ينتهي البناء)    (أماجوجو والنقطة 54)    الأهلي يخسر من ساردية بدوري شندي    مجلس الهلال يترقب قرار الانضباط ويعلن الاستعداد للتصعيد.. والكاف في مأزق كبير    حاكم إقليم دارفور يجتمع مع المديرة العامة بالإنابة لمكتب تنسيق الشؤون الإنسانية بجنيف (OCHA)    بوتين: روسيا مستعدة لاستضافة الألعاب الأولمبية في المستقبل    شاهد بالفيديو.. طبيب بمستشفى نيالا يشكو من انتهاكات أفراد الدعم السريع ويحكي قصة نجاته من القتل بعدما رفع أحدهم السلاح في وجهه    شاهد بالصورة والفيديو.. الراقصة الحسناء "هاجر" تشعل حفل طمبور بفاصل من الرقص الاستعراضي والجمهور يتفاعل معها بطريقة هستيرية    الهلال السوداني يفجر أزمة منشطات ضد نهضة بركان في دوري أبطال إفريقيا    أزمة منشطات تشعل دوري أبطال إفريقيا.. الهلال السوداني يشكو نهضة بركان المغربي ل"الكاف"    برشلونة يتلقى دفعة معنوية قبل مواجهة أتلتيكو مدريد    شراكة استراتيجية بين "الشباب والرياضة" و"الصناعة" لتمكين المبتكرين ودعم الإنتاج الشبابي    من إيطاليا إلى بولندا.. سرقة 413 ألف قطعة شوكولاتة.. ما القصة؟    ترامب: إيران منحتنا 20 ناقلة نفط والشحن يبدأ غدًا    كريم عبد العزيز وفريق مطلوب عائليا يبحثون عن دولة أوروبية للتصوير الخارجى    أيهما أكثر فائدة القهوة أم عصير البرتقال صباحًا.. والكميات المناسبة    آلام الدورة ليست دائمًا طبيعية.. إشارات تكشف بطانة الرحم المهاجرة مبكرًا    فصيلة الدم تكشف احتمالية الإصابة بالسكري    مجهولين ينبشون قبر رجل دين بولاية الجزيرة وينقلون جثمانه إلى جهة غير معلومة    السيسي للرئيس ترامب: لا أحد يمكنه وقف الحرب في المنطقة إلا أنت    "فيفا" يتّخذ موقفًا حازمًا بشأن مشاركة إيران في كأس العالم    قوى سياسية في السودان تعلن عن مقاطعة مؤتمر في برلين    عثمان ميرغني يكتب: حلفا .. والشمالية..    دار الأوبرا تحتفى بذكرى رحيل عبد الحليم حافظ بحفلين اليوم وغداً    مصر.. الدولار يقترب من 54 جنيها لأول مرة    نتفليكس تزيل الستار عن أول صورة لشخصية جو كينيدى الأب فى مسلسلها الجديد    سارة بركة: أحمد العوضى مجتهد بشكل كبير وبيحب شغله جدا    اختيار غير متوقع لمستقبل "الملك المصري"    وجبة سمك تُنهي حياة 3 سودانيين بالقاهرة وتتسبب في إصابة 4 آخرين بحالة تسمم غذائى حاد    بسبب ضعف الراتب.. وزير الثروة الحيوانية بالسودان يبحث عن عمل إضافي    رئيس الوزراء يصدر قرارًا بشأن الرسوم الجديدة في المعابر    محمد عبد الباسط يكتب: لهذا تحركت باكستان الآن للوساطة بين أمريكا وإيران    السكوت على هذا الأمر لا يرضي الله ولا رسوله!!    ارتفاع أسعار الذهب في السودان    الخليج الضحية الكبرى: إيران وجهت 83% من هجماتها إليه… و17% فقط إلى إسرائيل    مهلة أخيرة للمخالفين: خيارات متعددة لمعالجة أوضاع التأشيرات المنتهية في السعودية    ضبط 2800 قندول بنقو بالجزيرة في عملية نوعية لمكافحة التهريب    ترامب يصدر أوامره ويكشف تطورات مثيرة مع إيران    الأمن يداهم مخزن يبيع الوقود المهرب لعصابات التنقيب عن الذهب    تراجع معدّل التضخّم في السودان    رئيس الأهلي مدني وابنه يتعرضان لحادث مروع    المباحث تنهي مغامرات شبكة إجرامية متخصصة في الإحتيال علي أصحاب المحلات التجارية عن طريق اشعارات تطبيق بنكك المزيفة    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    الشيخ بن زومة.. إلى جنة الخلد    قيم الهلال المتوارثة يجب أن تبقى أبد الدهر    في زمن الضجيج.. القرآن بوصلة المعنى والسكينة    السودان.. الدفاع المدني يستعين ب"التوك توك"    د.مزمل أبو القاسم يكتب: دموع الباز.. وزاهر! (2)    طفح جلدي في رقبة الرئيس ترمب يثير تساؤلات حول صحته    صوت لا يغيب.. محمد رفعت ورحلة الآذان الخالد في رمضان    أجهزة الأمن السودانية تنهي مغامرات لص الصيدليات في عطبرة    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    السودان.. فكّ طلاسم"تبيدي للمجوهرات" في الخرطوم والتحقيقيات تفجّر مفاجأة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



"أم العبقريات": أكذوبة 'إذهب إلى القصر رئيسا...و سأذهب إلى السجن حبيسا‘!! إبراهيم الكرسني
نشر في سودانيات يوم 30 - 06 - 2011


إبراهيم الكرسني:
بحلول هذا اليوم تكون قد مرت علينا إثنان و عشرون عاما بالتمام و الكمال منذ أن قال حسن الترابي قولته الملعونة تلك،"إذهب إلى القصر رئيسا..وسأذهب إلى السجن حبيسا"، و التى أدخلت السودان فى نفق مظلم لم يستطع الخروج منه حتى وقتنا الراهن. وعلى الرغم من خروج الترابي نفسه، الظاهر للملأ، على الأقل حتى الآن، من سجن الإنقاذ الذى شيده بنفسه،'طوبة..طوبة‘، و بمهارة فائقة،إلا أن تلك المقولة قد حولت الوطن كله الى سجن كبير، حبست طاقات شيبه و شبابه، و أقعدته عن النمو و التطور، وقادته الى التشظي و التفكك، و أصبح العيش بين جنباته بمثابة أفضل "بروفة" للعيش فى جهنم!
أصدر الترابي تلك 'الفتوى‘ لتلميذه المخلص، العميد وقتها عمر البشير، مساء ذلك الخميس الحزين الموافق التاسع و العشرين من شهر يونيو من عام 1989م، فى ذات الوقت الذى كان أعضاء البرلمان المنتخب، بمن فيهم نواب الجبهة الإسلامية القومية، يناقشون فيه خطاب الموازنة السنوية للدولة. فى مثل هذه الأجواء الديمقراطية، المفعمة بعبق الحرية التى سمحت للكل تناول خطاب الميزانية بالتحليل و النقد الذى لا تحده حدود، و الذى وصل درجة سمحت لزعيم المعارضة الديمقراطية، السيد محمد إبراهيم نقد، أن يصف فيه الميزانية المقدمة من قبل السيد وزير المالية، بالوصف الذى سارت به الركبان قائلا، "إن هذه ميزانية إنقلاب عسكري"، كانت طيور الظلام، ممثلة فى قيادات الجبهة الإسلامية، تتآمر وتعد العدة لتنفيذ إنقلابها المشؤوم، وكأن السيد نقد كان يعلم بذلك!؟
وقد نفذ 'الحوار‘ المخلص فتوي شيخه صبيحة تلك الجمعة البائسة، الموافقة للثلاثين من شهر يونيو 1989م، حين أطل على الشعب السوداني ذلك الضابط المغمور، ليعلن من خلال أجهزة الإعلام، بأنه قد إستولى على السلطة السياسية فى إنقلاب عسكري بإسم القيادة العامة للقوات المسلحة، أسماه "ثورة الإنقاذ الوطني"، حيث أثبت التاريخ ، و تجربة الإنقلاب نفسه، بأنه ليس بثورة، أو إنقاذ، أو وطني. بل هو على عكس ذلك تماما، كما سنرى لاحقا فى ثنايا هذا المقال. لقد قاد هذا الضابط المغمور ثلاثمائة فردا من الأفرع الهامشية للقوات المسلحة، كسلاح الموسيقى، والسلاح الطبي، ليهدم بها أركان النظام الديمقراطي الهش، الذى لم يتجاوز عمره الأربع سنوات. لقد كذب ذلك الضابط المغمور على الشعب السوداني حينما أعلن أن القيادة العامة للقوات المسلحة هي من خطط ونفذ ذلك الإنقلاب المشؤوم، حيث إتضح لاحقا بأن من قام بالتخطيط و التنفيذ لذلك الإنقلاب لم يكن سوى الجبهة الإسلامية القومية، تحت قيادة حسن الترابي، كبيرهم الذى علمهم السحر. وهذا هو السر فى نجاح الإنقلاب، و إستمراره، وتثبيت أقدامه.
إذن الذى نفذ إنقلاب الثلاثين من يونيو 1989م هي الكوادر المدنية القيادية للجبهة الإسلامية القومية، التى تم تدريبها تدريبا جيدا، وإعدادها خصيصا لهذه المهمة، داخل وخارج البلاد، وبالأخص داخل أراضي الجمهورية الإسلامية الإيرانية. هذه هي الكذبة الأولى التى ساعدت على نجاح الإنقلاب و تثبيت أركانه، بالإضافة الى العناصر المكونة لمجلس الإنقلاب، الذين لم يعرف عن معظمهم إنتماءهم للجبهة، أو حتى التعاطف معها، ولكنها شهوة السلطة هي التى قادتهم للإنضمام إليه، بعد نجاح الإنقلاب، و ليس قبله. وهل يعقل لضابط فى الجيش أن يرفض السلطة، وقد أتته جاهزة، كاملة الدسم، فى طبق من ذهب على باب داره؟! إذن لقد قام الترابي وربعه بتضليل معظم ضباط وجنود الأفرع الرئيسية للقوات المسلحة عبر هذه الكذبة البلقاء.
و إمعانا فى تضليل قادة القوات المسلحة، و الرأي العام السوداني بصورة عامة، فقد تفتقت "عبقرية" قادة الإنقاذ عن أكذوبة أخرى، أسميتها 'أم العبقريات‘، وهي إعتقال الترابي مع قادة الأحزاب الأخري داخل سجن كوبر الشهير. نعم لقد دخل الشيخ السجن بعد أن قام حواره بإعتقاله، أسوة بقادة الأحزاب الأخري، آمرا له قائلا 'أذهب الى القصر رئيسا...و سأذهب الى السجن حبيسا‘. لقد رمى الترابي من وراء هذه الأكذوبة ضرب عصفورين بحجر واحد. الأول هو إبعاد شبهة إنتماء الإنقلابيين للجبهة الإسلامية القومية وذلك من واقع إدخاله للسجن، أما الثاني فهو تمكنه من التجسس على قادة الأحزاب الأخرى المعتقلين معه بسجن كوبر، و إبلاغ تلاميذه من قادة الإنقلاب بما يفكر فيه هؤلاء القادة، و ما يقومون بإعداده من خطط لمواجهة الإنقلاب أولا بأول. إنها بالفعل 'عبقرية‘ لا تضاهيها سوى 'عبقرية‘ إبليس. الدليل على ذلك هو وجود هذا النظام الغاشم جاثم على صدر الشعب السوداني منذ إنزال تلك الكذبة البلقاء الى أرض الواقع، مجسدة فى دولة الفساد و الإستبداد، منذ الثلاثين من يونيو 1989م وحتى وقتنا الراهن.
لقد أسست تلك الأكذوبة لأن يصبح الكذب منهجا معتمدا للدولة الرسالية منذ ولادتها، ولكن خطره الحقيقي يكمن فى أنه أصبح مغلفا بإسم الدين الإسلامي الحنيف. لقد تمدد هذا المنهج عبر السنوات الطويلة لدولة البدريين كالحة السواد و أفرخ لنا نماذج و أصناف من الفقه لم ينزل الله بها من سلطان، من قبيل فقه الضرورة، وفقه السترة، وغيرها من أنواع الفقه 'الكيزاني‘ التى يشيب لها الولدان. لقد حلل قادة الدولة الرسالية، مستعينين بالفقه 'الكيزاني‘، معظم ما حرمه الله سبحانه و تعالى، بما فى ذلك ما حرمه القرآن الكريم فى نصوص صريحة وواضحة لا تقبل أي نوع من أنواع التأويل، أو 'الدغمسة‘، كتحريم الربا. لقد حلل علماء السلطان الجبهويين، على سبيل المثال لا الحصر، القروض الربوية لبناء سد مروي، وفقا لفقه الضرورة،مخالفين بذلك نصوص القرآن الكريم، ودون أن يرمش لهم جفن...فتأمل!!
إن سياسة التمكين، التى إبتدعها قادة الدولة الرسالية، والتى قضت تماما على الإقتصاد، وكذلك على نسيج المجتمع السوداني المتماسك، قد تأسست و إستندت على فقه الضرورة و السترة، الذي يمكن إعتباره منتج إنقاذي خالص، صنع خصيصا لتدمير السودان! هنا تبرز الأسئلة الملحة التى يتوجب مواجهتها و التفكير فى مغزاها من قبل الجميع، ولكن بالأخص من قبل أؤلائك البعض الذين لا يزالوا 'مخمومين‘ بكذب 'هؤلاء الناس‘. يجب توجيه تلك الأسئلة الى جميع قيادات الدولة الرسالية، و لكن أخص منهم أولائك النفر الذين يسمون أنفسهم ب 'هيئة علماء السودان‘، للإجابة عليها وهي، على سبيل المثال لا الحصر: ما هو حكم الشرع فى رجل حنث عن قسم أداه وهو على اليمين؟ ما هو حكم الشرع فى رجل أقسم على حماية الدستور، ثم نكص على أعقابه؟ ما هو حكم الشرع فى رجل أقسم على صيانة وحدة تراب الوطن ثم قام بتفتيته إربا إربا؟ ما هو حكم الشرع فى رجل أقسم على أن لا تطأ رجل جندي أجنبي واحد أرض السودان، و إذا بترابه الطاهر تدنسه أرجل عشرات الالآف من الجنود الأجانب، و لا تزال تستقبل المزيد منهم؟ ما هو حكم الشرع فى رجل أقسم على حماية المال العام وموارد البلاد ثم سمح بنهبها و 'لغفها‘ من قبل أقرب المقربين إليه، بما فى ذلك زوجه و إخوته؟ ما هو حكم الشرع فى رجل أقام نظاما إقتصاديا و إجتماعيا أفرخ الالآف من 'أولاد الحرام‘ الذين تغص بهم شوارع مختلف المدن و ملاجئها، وكل ذلك تحت راية دولة تتمسح بمسوح الدين الإسلامي الحنيف؟هل يمكن لرجل كذاب، و أقر بكذبه على الملأ، أن يصلح كقائد لأي جماعة، ناهيك عن أن يكون قائدا لشعب بأكمله؟ هل يمكن لأي مشروع قائم على الكذب الصراح أن ينتج خيرا لصاحبه أو لغيره؟ هذه بعض النماذج من الأسئلة التى يمكن طرحها، وهنالك العشرات، إن لم يكن المئات، من الأسئلة المشروعة التى يتوجب'شرعا‘على قادة الدولة الرسالية، وعرابها السابق، وعلمائهم ممن يتاجرون بالدين لتحقيق أغراض دنيوية رخيصة، الإجابة عليها.
و الآن فلنسأل أنفسنا: ما هي المكاسب التى جناها الشعب السوداني من وراء أكذوبة "أم العبقريات"؟ الإجابة البسيطة و المباشرة على هذا السؤال هي: الكوارث، و الفقر المدقع،و المجاعة، و المرض، و الجهل. بإختصار شديد الحصاد المر. نعم بالفعل لقد كان وقع سنوات دولة البدريين على السودان وشعبه مرا كطعم العلقم، فيما عدى متنفذي الدولة الرسالية، ومن لف لفهم، الذين وظفوا دولة الفساد و الإستبداد لخدمة مصالحهم الخاصة، ولا يهمهم بعد ذلك إن ذهب الشعب السوداني بأكمله الى الجحيم. و لنضرب الآن بعض الأمثلة للخراب الذى أحدثته دولة البدريين فى البلاد، و للحصاد المر الذى جناه الشعب السوداني، الصابر الصامد، بعد مرور كل هذه السنين العجاف من حكم الدولة الرسالية.
لقد إنهار الإقتصاد تماما. و إذا ما أخذنا معدل سعر صرف الجنيه السوداني كمؤشر لمدى قوة و متانة الإقتصاد لإتضحت لنا الصورة تماما. إن دولة البدريين قد بشرتنا فى أشهرها الأولى بأنه لولا العناية الإلهية، التي قيضت لشعب السودان نجاح إنقلاب الإنقاذ، لقفز سعر الصرف من 12 جنيه للدولار الواحد ليصبح معادلا ل20 جنيها. وبعد مرور 22 عاما من حكم التوجه الحضارى، فإذا بسعر صرف الدولار فى السوق الموازي يقارب الأربعة آلاف جنيه بالتمام و الكمال! إذا كانت زيادة 8 جنيهات على معدل سعر صرف الدولار قد إستوجبت عقوبة تمثلت فى كل هذا العذاب الإنقاذي للشعب السوداني، فيا ترى ماهو نوع العقوبة الذى تستوجبه زيادة أكثر من ثلاثة آلاف جنيه، على نفس سعر الصرف، على هؤلاء الأنبياء الكذبة؟
وقد نتج عن إنهيار الإقتصاد تفكك شبه كامل لنسيج المجتمع السوداني، إختفت على إثره معظم القيم و الخصال النبيلة التى كان يتصف بها السودانيون،و كانت مصدر فخر و إعزاز لجميعهم. لقد إختفت معظم القيم التى تجسد الإستقامة كالصدق، و المروءة، و الكرم، و الإيثار، و النبل، و الشهامة، وحل مكانها النقيض لها من قيم الشرائح الطفيلية التى تجسد الأنانية و حب الذات، كالكذب و الغش و التدليس و الرشوة و النصب و الإحتيال. وقد كان حصيلة هذا التفكك و التراجع الأخلاقي تحول المجتمع السوداني الى طبقتين: واحدة تعيش حياة الملوك، وهي القلة القليلة من قادة الإنقاذ و زبانيتها، الذين لا يتعدى عددهم1-2% من أفراد الشعب السوداني. أما الطبقة الأخرى فهي بقية الشعب السوداني الذى يعيش حياة الذل و الهوان نتيجة لحالة الفقر المدقع الذى جرته عليه سياسات الدولة الرسالية.
إن الفقر المدقع الذى يعيشه معظم أفراد الشعب لم يكن قدرا إلهيا نزل من السماء، و إنما جاء كنتيجة حتمية للنموذج الإقتصادي الذى طبقته الدولة الرسالية و المتمثل فى نهب ثروات البلد ومقدراته لمصلحة قلة قليلة دون وازع من دين أو خلق، وكأنهم أفراد جيش غازي للسودان. إن نهم النهب وحجم 'اللغف‘ الذى قام به قادة الدولة الرسالية، ودون أدنى رحمة، لموارد البلاد وثرواتها، قد قاد الى سؤال/مقال مبدعنا الراحل الطيب صالح،"من أين أتي هؤلاء الناس"؟ حكمة السؤال تتمثل في نتائج أفعالهم و ممارساتهم و ما جرته من كوارث على المجتمع.
تمثلت تلك الكوارث فى بروز ظواهر غريبة على مجتمع السودان، لم يألفها سكانه منذ أن تم تدوين التاريخ الحديث للبلاد. من منكم كان يتصور أن تقتات حرائر السودان من أثدائها، مما قاد الى بروز ظاهرة اللقطاء الذين تعج بهم دور مجهولي النسب؟ و من منكم كان يتصور أن يعجز رجال السودان عن إعاشة أبنائهم حتى إمتلأت شوارع مدنه بمن أصبح يعرفون بأطفال الشوارع و المشردين؟ ومن منكم كان يتصور أن يموت أكثر من سبعة و سبعين من هؤلاء المشردين، وهم على بعد أمتار فقط من مراكز الشرطة فى مدن العاصمة المثلثة، كما حدث خلال الأسبوع الماضي فقط،، دون أن تهتم دولة البدريين و أجهزتها الرسمية بتلك الظاهرة؟ و ما هو دور وزارة الرعاية الإجتماعية إن هي عجزت عن رعاية الأطفال مجهولي النسب والمشردين و إيوائهم؟ ومن منكم كان يتصور أن يموت إنسان السودان جوعا من إنعدام 'العيش‘، و أن تموت أنعامه جوعا من إنعدام العلف؟
أما المعادل الموضوعي لهذا الوضع البائس الذى يعيشه عامة الناس فهو حياة الرفاه و رغد العيش الذى ينعم به قادة الدولة الرسالية ممثلا فى التطاول فى البنيان، و إمتطاء 'صهوة‘ السيارات الفارهة ذات الدفع الرباعي، بمختلف أشكالها و أنواعها، و الكروش الممتلئة بمال السحت. لقد شيد 'هؤلاء الناس‘ القصور التى إستوردت بعض مواد بنائها و مفروشاتها، و أدوات زينتها، من مختلف الدول الأوربية، و التى تتوسط أحياء الكرتون و الصفيح التى يقطنها البسطاء من أبناء الشعب.
إن تدهور نظام التعليم و الخدمات الصحية قد كان معادلا موضوعيا أيضا لحالة النعمة و الرفاهية التى يعيشها قادة الدولة الرسالية. إن تدهور نظام التعليم، بشقيه العام و العالى، و الذى أحدثته ما أسموه ب"ثورة التعليم"، قد وصل مرحلة أصبح معه مستوى شهادات الجامعات السودانية يعادل، فى بعض البلدان، مستوى الدبلوم فقط، بل أصبحت الجامعات السودانية مرتعا لتعاطى المخدرات، حتى من قبل الطالبات، بدلا من أن تكون مكانا لتعاطى العلم. و بعد أن أجهزوا على نظام التعليم الذى أهلهم لتولى قيادة البلد، أصبحوا يرسلون أبنائهم و بناتهم لتلقى التعليم فى 'دول الإستكبار‘، بينما يتلقى أبناء و بنات الغلابة من أفراد الشعب تعليمهم فى فصول لا تتوفر فيها حتى أبسط مقومات العملية التعليمية، ككراسي الجلوس. و إمعانا فى 'تخانة جلدهم‘ أصبحوا لا يتورعون من تدشين حملات النفير لجمع التبرعات، فى مشروع أسموه، وبقوة عين يحسدون عليها، 'إجلاس الطلاب‘.ليس هذا فحسب، بل وصل الأمر بقادة الدولة الرسالية، درجة من اللامبالاة بمشاعر الآخرين منحوا فيها وكيل وزارة التربية و التعليم العام 'حافزا‘ بلغ 165 مليون جنيه، بالتمام و الكمال، بعد كل هذا الدمار الذى أحدثوه فى البنى التحتية للتربية و التعليم، وفى الوقت الذى يفترش فيه طلاب المدارس، التى تتبع لنفس هذا الوكيل، الثري لتلقى العلم...فتأمل!!
أما على مستوى الخدمات الصحية فحدث و لا حرج. إذ أصبح إبتعاث أيا من قادة و مسئولي الدولة الرسالية للعلاج بالخارج، ومهما كان نوعية الوعكة الصحية التى ألمت به، أمرا عاديا،وسياسة رسمية، كما حدث للسيد وزير الدفاع مؤخرا حينما سافر لتلقى العلاج بالمملكة السعودية إثر وعكة صحية طارئة، على الرغم من أن وزارة سيادته تمتلك السلاح الطبي بأكمله. بل لقد أصبح العلاج بالخارج حقا قانونيا بالنسبة لجميع قادة الدولة الرسالية و متنفذيها، كما نص على ذلك عقد عمل السيد مدير عام سوق الخرطوم للأوراق المالية. نعم، يلهث قادة الدولة الرسالية وراء تلقي العلاج بالدول 'الكافرة‘،بينما يموت أبناء وبنات الغلابة من بسطاء الشعب السوداني فى أزقة أقسام الحوادث، وبين عنابر المستشفيات، لأنهم قد عجزوا عن سداد فاتورة العلاج!
ليت "عبقريتهم" توقفت عند هذا الحد، بل إن دولة الفساد و الإستبداد قد بدأت عهدها بتشريد مئات الآلاف من موظفى الدولة، مدنيين و عسكريين، ممن يشك، مجرد الشك، فى ولائهم للدولة الرسالية، مما يعنى 'قطع رزق‘ عشرات الآلاف من الأسر، و حرمانها بالتالي من العيش الكريم الذى كان يوفره لها أربابها. ليس هذا فحسب، بل لقد وصل بهم الكيد للشرفاء من أفراد الشعب السوداني مستوى لم يخطر على بال بشر سوي، حيث قاموا بحرمان بنات و أبناء أولائك الشرفاء من الوظائف، وبالأخص فى القطاعات الحيوية، كالبترول و الإتصالات، التى أصبحت حكرا على أبناء قادتهم و سدنتهم و المؤلفة قلوبهم، و بالتالى حكموا على أولائك الشباب بالعطالة والتشرد داخل وطنهم. و إمعانا فى إذلالهم فقد كانوا يجبرونهم على دخول معسكرات التجنيد الإجباري ليتم بعدها الزج بهم فى إتون محرقة حرب الجنوب. ومن يرفض ذلك يتم إعدامه رميا بالرصاص، كما حدث لبعض الشباب فى معسكر العيلفون.
إن جهاز الدولة الذى تم تأسيسه على نهج "أم العبقريات" قد أصبح مثالا يشار إليه بالبنان على مستوى العالم كأسوأ نموذج للفساد و الفشل. لقد تصدرت الدولة الرسالية دول العالم فى هذين المجالين، و أصبح لا ينافسها فى ذلك سوى دول كادت أن تتلاش من الوجود كالصومال. و إن البرامج الإقتصادية التى طبقتها دولة البدريين طيلة سنوات عهدها الظلامي لم ينتج عنها سوى الجوع و المسغبة لأفراد الشعب، والتهميش و التشظى و التشرذم و التفتت للأقاليم المختلفة، و كاد السودان الذى كنا نعرفه أن يكون فى حكم العدم تحت حكم هؤلاء الطغاة، و كأنهم لم يسمعوا من قبل بوصايا أجدادنا التى أطلقوها منذ أزمان غابرة بضرورة الحفاظ على الوطن، و العض على وحدة ترابه بالأنياب و الأظافر!
نختم فنقول إن لكل أجل كتاب. و إن ظلم 'هؤلاء الناس‘ و الكوارث التى جروها على البلاد قد حتمت على شباب السودان أن يعقد العزم على الإطاحة بهذه العصابة الباغية، مصمما على إسترداد حريته ووطنه المسلوب، مهما كلفه ذلك من تضحيات. و أنه قد أدرك ضرورة تقديم كل مجرم من سدنة هذا النظام الباغى و المستبد الى أيدي العدالة لينال جزاءه، جراء ما إقترفت يداه من موبغات و جرائم فى حق الشعب و الوطن،و أيضا لكي لا يتكرر مثل هذا النوع من الجرائم مستقبلا إذا ما تمت معاملتهم وفق مسخرة 'عفى الله عن ما سلف‘ سيئة الصيت. و كذلك فقد صمم شباب الوطن على إسترداد الثروات التى نهبها هؤلاء الطغاة، و أفراد أسرهم، حتى و إن قاموا بتهريبها الى خارج البلاد، و أودعوها المصارف البريطانية، كما حاولت إحداهن مؤخرا. وقد عزم شباب هذا الوطن كذلك على تطبيق قانون من أين لك هذا على جميع أفراد هذه العصابة الفاسدة بهدف إسترداد جميع أصول و ممتلكات الشعب التى سرقوها و سجلوها بأسمائهم، أو أسماء زوجاتهم، أو أبنائهم، أو أقربائهم، و تجريدهم من كل الكسب الحرام الذى آل إليهم بواسطة أساليب الفساد و النصب و الإحتيال، و الغش و التدليس.
لقد أخذ شباب السودان على عاتقه كذلك تفكيك جهاز دولة البدريين، الذى أسس على نهج "أم العبقريات"، و الذى رسخ الفساد و الإستبداد، وكرس منهج الإقصاء، و أذل الشرفاء، ونكل بالمعارضين، وفتت تراب الوطن، و أذاق الشعب السوداني الأمرين، و إحلال دولة الوطن الواحد مكان دولة الحزب الواحد التى شيدها هؤلاء الأبالسة. تلك الدولة الديمقراطية الحرة التى ستحافظ على ما تبقى من أرض السودان ككيان واحد يستظل بظله جميع مواطنيه، يعيشون حياة حرة وكريمة دون إهانة أو إذلال، وفى ظل مساواة تامة أمام القانون بغض النظر عن الدين، أو اللون، أو الجنس، أو الثقافة. دولة لن تسمح مستقبلا، و على الإطلاق، لمجموعات الهوس الديني، و تجار الدين، من إعادة إنتاج الأزمة، تحت أي مسمى كان، حتى لا ينخدع البسطاء من بنات و أبناء شعبنا مرة أخرى بشعاراتهم الفارغة و الممجوجة من قبيل، 'هي لله..هي لله.. لا للسلطة ولا للجاه‘ أو، 'لا لدنيا قد عملنا‘، ليتضح لهؤلاء البسطاء لاحقا بأن كل أعمال هذه العصابة الباغية، و أفعالها، لا صلة لها بالدين الحنيف، أو باليوم الآخر، و إنما كانت تخادعهم وتخدرهم بتلك الشعارات الدينية البراقة من أجل أن تعمى بها أبصارهم و بصيرتهم، لتتمكن بعد ذلك من التمتع بنعيم الدنيا الزائل، فقط لا غير!!
أسأل الله الكريم، وبعونه تعالى، أن تمر علينا الذكرى القادمة لمأساة أكذوبة "أم العبقريات"، وشعبنا الأبي قد كلل نضاله بالإطاحة بدولة الفساد و الإستبداد، التى تأسست على إثرها، و كنسها الى مزبلة التاريخ، غير مأسوف عليها، وأن يكون قد تنسم عبير الحرية، و إسترد كرامته المهدورة، وبدأ الوطن يتعافى من آثار كافة الجرائم و الموبغات التى إرتكبها فى حقه مجرمي دولة البدريين. آمين!!
29/6/2011


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.